Al-BaydawiAl‑Isra · 17:56–82

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:56–82

17:56–57Page 287

قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦

Say, "Invoke those you have claimed [as gods] besides Him, for they do not possess the [ability for] removal of adversity from you or [for its] transfer [to someone else]."

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧

Those whom they invoke1 seek means of access to their Lord, [striving as to] which of them would be nearest, and they hope for His mercy and fear His punishment. Indeed, the punishment of your Lord is ever feared.

﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّها آلِهَةٌ. ﴿مِن دُونِهِ﴾ كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ. ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ فَلا يَسْتَطِيعُونَ. ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ كالمَرَضِ والفَقْرِ والقَحْطِ. ﴿وَلا تَحْوِيلا﴾ ولا تَحْوِيلَ ذَلِكَ مِنكم إلى غَيْرِكم.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ هَؤُلاءِ الآلِهَةُ يَبْتَغُونَ إلى اللَّهِ القَرابَةَ بِالطّاعَةِ. ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ بَدَلٌ مِن واوِ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أيْ يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ مِنهم إلى اللَّهِ الوَسِيلَةَ فَكَيْفَ بِغَيْرِ الأقْرَبِ. ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ كَسائِرِ العِبادِ فَكَيْفَ تَزْعُمُونَ أنَّهم آلِهَةٌ. ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يَحْذَرَهُ كُلُّ أحَدٍ حَتّى الرُّسُلَ والمَلائِكَةَ.

17:58–59Page 287

وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨

And there is no city but that We will destroy it1 before the Day of Resurrection or punish it with a severe punishment. That has ever been in the Register2 inscribed.

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩

And nothing has prevented Us from sending signs [i.e., miracles] except that the former peoples denied them. And We gave Thamūd the she-camel as a visible sign, but they wronged her. And We send not the signs except as a warning.

﴿وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِالمَوْتِ والِاسْتِئْصالِ. ﴿أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا﴾ بِالقَتْلِ وأنْواعِ البَلِيَّةِ. ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. ﴿مَسْطُورًا﴾ مَكْتُوبًا.

﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ وما صَرَفَنا عَنْ إرْسالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها قُرَيْشٌ. ﴿إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ إلّا تَكْذِيبَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ هم أمْثالُهم في الطَّبْعِ كَعادٍ وثَمُودَ، وأنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ، واسْتَوْجَبُوا الِاسْتِئْصالَ عَلى ما مَضَتْ بِهِ سُنَّتُنا وقَدْ قَضَيْنا أنْ لا نَسْتَأْصِلَهم، لِأنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ أوْ يَلِدُ مَن يُؤْمِنُ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ بِتَكْذِيبِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ فَقالَ: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ﴾ بِسُؤالِهِمْ. ﴿مُبْصِرَةً﴾ بَيِّنَةً ذاتَ أبْصارٍ أوْ بَصائِرَ، أوْ جاعِلَتَهم ذَوِي بَصائِرَ وقُرِئَ بِالفَتْحِ. ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ فَكَفَرُوا بِها، أوْ فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ عَقْرِها. ﴿وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ﴾ أيْ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ. ﴿إلا تَخْوِيفًا﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ المُسْتَأْصَلِ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا نَزَلَ أوْ بِغَيْرِ المُقْتَرَحَةِ كالمُعْجِزاتِ وآياتِ القُرْآنِ إلّا تَخْوِيفًا بِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإنَّ أمْرَ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ مُؤَخَّرٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ في مَوْقِعِ الحالِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.

17:60Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا ٦٠

And [remember, O Muḥammad], when We told you, "Indeed, your Lord has encompassed the people."1 And We did not make the sight which We showed you2 except as a trial for the people, as was the accursed tree [mentioned] in the Qur’ān. And We threaten [i.e., warn] them, but it increases them not except in great transgression.

﴿وَإذْ قُلْنا لَكَ﴾ واذْكُرْ إذْ أوْحَيْنا إلَيْكَ. ﴿إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ فَهم في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ، أوْ أحاطَ بِقُرَيْشٍ بِمَعْنى أهْلَكَهم مِن أحاطَ بِهِمُ العَدُوُّ، فَهي بِشارَةٌ بِوَقْعَةِ بِدْرٍ والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ﴾ لَيْلَةَ المِعْراجِ وتَعَلَّقَ بِهِ مَن قالَ إنَّهُ كانَ في المَنامِ، ومَن قالَ إنَّهُ كانَ في اليَقَظَةِ فَسَّرَ الرُّؤْيا بِالرُّؤْيَةِ. أوْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ رَأى أنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ. وفِيهِ أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا أنْ يُقالَ رَآها بِمَكَّةَ وحَكاها حِينَئِذٍ، (p-260)وَلَعَلَّهُ رُؤْيا رَآها في وقْعَةِ بَدْرٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ ولِما رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا ورَدَ ماءَهُ قالَ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ وهَذا مَصْرَعُ فُلانٍ، فَتَسامَعَتْ بِهِ قُرَيْشٌ واسْتَسْخَرُوا مِنهُ.»

وَقِيلَ رَأى قَوْمًا مِن بَنِي أُمَيَّةَ يَرْقَوْنَ مِنبَرَهُ ويَنْزُونَ عَلَيْهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَقالَ: «هَذا حَظُّهم مِنَ الدُّنْيا يُعْطَوْنَهُ بِإسْلامِهِمْ»، وعَلى هَذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ ما حَدَثَ في أيّامِهِمْ. ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿الرُّؤْيا﴾ وهي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، لَمّا سَمَّعَ المُشْرِكُونَ ذِكْرَها قالُوا إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّ الجَحِيمَ تَحْرِقُ الحِجارَةَ ثُمَّ يَقُولُ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ أنْ يَحْمِيَ وبَرَ السَّمَندَلِ مِن أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ، وأحْشاءَ النَّعامَةِ مِن أذى الجَمْرِ وقِطَعَ الحَدِيدِ المُحْماةَ الحُمْرَ الَّتِي تَبْتَلِعُها، قَدَرَ أنْ يَخْلُقَ في النّارِ شَجَرَةً لا تَحْرُقُها. ولَعْنُها في القُرْآنِ لَعْنُ طاعِمِيها وُصِفَتْ بِهِ عَلى المَجازِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ وصَفَها بِأنَّها في أصْلِ الجَحِيمِ فَإنَّهُ أبْعَدُ مَكانٍ مِنَ الرَّحْمَةِ، أوْ بِأنَّها مَكْرُوهَةٌ مُؤْذِيَةٌ مِن قَوْلِهِمْ طَعامٌ مَلْعُونٌ لِما كانَ ضارًّا، وقَدْ أُوِّلَتْ بِالشَّيْطانِ وأبِي جَهْلٍ والحَكَمِ بْنِ أبِي العاصِي، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ كَذَلِكَ. ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بِأنْواعِ التَّخْوِيفِ. ﴿فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ إلّا عُتُوًّا مُتَجاوِزَ الحَدِّ.

17:61–62Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٦١

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees.1 He said, "Should I prostrate to one You created from clay?"

قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢

[Iblees] said, "Do You see this one whom You have honored above me? If You delay me [i.e., my death] until the Day of Resurrection, I will surely destroy1 his descendants, except for a few."

﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ لِمَن خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، فَنُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ أيْ خَلَقْتَهُ وهو طِينٌ، أوْ مِنهُ أيْ أأسْجَدُ لَهُ وأصْلُهُ طِينٌ. وفِيهِ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ إيماءً بِعِلَّةِ الإنْكارِ.

﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ الكافُ لِتَأْكِيدِ الخِطابِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وهَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ والَّذِي صِفَتُهُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ صِلَتِهِ عَلَيْهِ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ بِأمْرِي بِالسُّجُودِ لَهُ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ. ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ: لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا أيْ لَأسْتَأْصِلَنَّهم بِالإغْواءِ إلّا قَلِيلًا لا أقْدِرُ أنْ أُقاوِمَ شَكِيمَتَهم، مِنِ احْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ إذا جَرَّدَ ما عَلَيْها أكْلًا، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَكِ وإنَّما عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ يَتَسَهَّلُ لَهُ إمّا اسْتِنْباطًا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ مَعَ التَّقْرِيرِ، أوْ تَفَرُّسًا مِن خَلْقِهِ ذا وهْمٌ وشَهْوَةٌ وغَضَبٌ.

17:63–64Page 288

قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣

[Allāh] said, "Go, for whoever of them follows you, indeed Hell will be the recompense of [all of] you - an ample recompense.

وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤

And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.

﴿قالَ اذْهَبْ﴾ امْضِ لِما قَصَدْتَهُ وهو طَرْدٌ وتَخْلِيَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ. ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ جَزاؤُكَ وجَزاؤُهم فَغُلِّبَ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلتّابِعِينَ عَلى الِالتِفاتِ. ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ مُكَمَّلًا مِن قَوْلِهِمْ فِرْ لِصاحِبِكَ عِرْضَهُ، وانْتِصابُ جَزاءً عَلى المَصْدَرِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أوْ بِما في ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ مِن مَعْنى تُجازَوْنَ، أوْ حالٌ مُوَطِّئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿مَوْفُورًا﴾ .

﴿واسْتَفْزِزْ﴾ واسْتَخْفِفْ. ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ أنْ تَسْتَفِزَّهُ والفَزُّ الخَفِيفُ. ﴿بِصَوْتِكَ﴾ بِدُعائِكَ إلى الفَسادِ. ﴿وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ وصِحْ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَلَبَةِ وهي الصِّياحُ. ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ بِأعْوانِكَ مِن راكِبٍ وراجِلٍ، والخَيْلُ الخَيّالَةُ ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» والرَّجِلُ اسْمُ جَمْعٍ لِلرّاجِلِ (p-261)كالصَّحْبِ والرَّكْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِتَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ بِمِغْوارٍ صَوَّتَ عَلى قَوْمٍ فاسْتَفَزَّهم مِن أماكِنِهِمْ وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ حَتّى اسْتَأْصَلَهم. وقَرَأ حَفْصٌ ﴿وَرَجِلِكَ﴾ بِالكَسْرِ وغَيْرُهُ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ كَنَدِسٍ ونَدُسٍ ومَعْناهُ: وجَمْعُكَ الرَّجِلَ. وقُرِئَ « ورِجالِكَ» « ورِجالِكَ» . ﴿وَشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ بِحَمْلِهِمْ عَلى كَسْبِها وجَمْعِها مِنَ الحَرامِ والتَّصَرُّفِ فِيها عَلى ما لا يَنْبَغِي. ﴿والأوْلادِ﴾ بِالحَثِّ عَلى التَّوَصُّلِ إلى الوَلَدِ بِالسَّبَبِ المُحَرَّمِ، والإشْراكُ فِيهِ بِتَسْمِيَتِهِ عَبْدَ العُزّى، والتَّضْلِيلُ بِالحَمْلِ عَلى الأدْيانِ الزّائِغَةِ والحِرَفِ الذَّمِيمَةِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ. ﴿وَعِدْهُمْ﴾ المَواعِيدَ الباطِلَةَ كَشَفاعَةِ الآلِهَةِ والِاتِّكالِ عَلى كَرامَةِ الآباءِ وتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ لِطُولِ الأمَلِ. ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ مَواعِيدِهِ الباطِلَةِ، والغُرُورِ تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ أنَّهُ صَوابٌ.

17:65Page 288

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥

Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1

﴿إنَّ عِبادِي﴾ يَعْنِي المُخْلَصِينَ، وتَعْظِيمُ الإضافَةِ والتَّقْيِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ يُخَصِّصُهم ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ أيْ عَلى إغْوائِهِمْ قُدْرَةٌ. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ في الِاسْتِعاذَةِ مِنكَ عَلى الحَقِيقَةِ.

17:66–67Page 288

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦

It is your Lord who drives the ship for you through the sea that you may seek of His bounty. Indeed, He is ever, to you, Merciful.

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧

And when adversity touches you at sea, lost are [all] those you invoke except for Him. But when He delivers you to the land, you turn away [from Him]. And ever is man ungrateful.

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ هو الَّذِي يُجْرِي. ﴿لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ الرِّيحُ وأنْواعُ الأمْتِعَةِ الَّتِي لا تَكُونُ عِنْدَكم. ﴿إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ حَيْثُ هَيَّأ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وسَهَّلَ عَلَيْكم ما تَعَسَّرَ مِن أسْبابِهِ.

﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ خَوْفُ الغَرَقِ. ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ ذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم كُلُّ مَن تَدْعُونَهُ في حَوادِثِكم. ﴿إلا إيّاهُ﴾ وحْدَهُ فَإنَّكم حِينَئِذٍ لا يَخْطُرُ بِبالِكم سِواهُ فَلا تَدْعُونَ لِكَشْفِهِ إلّا إيّاهُ، أوْ ضَلَّ كُلُّ مَن تَعْبُدُونَهُ عَنْ إغاثَتِكم إلّا اللَّهَ. ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ مِنَ الغَرَقِ. ﴿إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ. وقِيلَ اتَّسَعْتُمْ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:

؎ عَطاءُ فَتًى تَمَكَّنَ في المَعالِي. . . فَأعْرَضَ في المَكارِمِ واسْتَطالا

﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ كالتَّعْلِيلِ لِلْإعْراضِ.

17:68Page 289

أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨

Then do you feel secure that [instead] He will not cause a part of the land to swallow you or send against you a storm of stones? Then you would not find for yourselves an advocate.

﴿أفَأمِنتُمْ﴾ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمْ فَحَمَلَكم ذَلِكَ عَلى الإعْراضِ، فَإنَّ مَن قَدَرَ أنْ يُهْلِكَكم في البَحْرِ بِالغَرَقِ قادِرٌ أنْ يُهْلِكَكم في البِرِّ بِالخَسْفِ وغَيْرِهِ. ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ أنْ يَقْلِبَهُ اللَّهُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ، أوْ يَقْلِبَهُ بِسَبَبِكم فَبِكم حالٌ أوْ صِلَةٌ لِيَخْسِفَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ فِيهِ وفي الأرْبَعَةِ الَّتِي بَعْدَهُ، وفي ذِكْرِ الجانِبِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمّا وصَلُوا السّاحِلِ كَفَرُوا وأعْرَضُوا وأنَّ الجَوانِبَ والجِهاتِ في قُدْرَتِهِ سَواءٌ لا مَعْقِلَ يُؤْمَنُ فِيهِ مِن أسْبابِ الهَلاكِ. ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ رِيحًا تَحْصُبُ أيْ تَرْمِي بِالحَصْباءِ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا﴾ يَحْفَظُكم مِن ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رادَّ لِفِعْلِهِ.

17:69Page 289

أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩

Or do you feel secure that He will not send you back into it [i.e., the sea] another time and send upon you a hurricane of wind and drown you for what you denied?1 Then you would not find for yourselves against Us an avenger.2

(p-262)﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾ في البَحْرِ. ﴿تارَةً أُخْرى﴾ بِخَلْقِ دَواعٍ تُلْجِئُكم إلى أنْ تَرْجِعُوا فَتَرْكَبُوهُ.

﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا قَصَفَتْهُ أيْ كَسَرَتْهُ. ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ وعَنْ يَعْقُوبَ بِالتّاءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ الرِّيحِ. ﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾ بِسَبَبِ إشْراكِكم أوْ كُفْرانِكم نِعْمَةَ الإنْجاءِ. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ مُطالِبًا يَتْبَعُنا بِانْتِصارٍ أوْ صَرْفٍ.

17:70Page 289

۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠

And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ بِحُسْنِ الصُّورَةِ والمِزاجِ الأعْدَلِ واعْتِدالِ القامَةِ والتَّمْيِيزِ بِالعَقْلِ والإفْهامِ بِالنُّطْقِ والإشارَةِ والخَطِّ والتَّهَدِّي، أوْ أسْبابِ المَعاشِ والمَعادِ والتَّسَلُّطِ عَلى ما في الأرْضِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الصِّناعاتِ وانْسِياقِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ إلى ما يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالمَنافِعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقِفُ الحَصْرُ دُونَ إحْصائِهِ ومِن ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وهو أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يَتَناوَلُ طَعامَهُ بِفِيهِ إلّا الإنْسانَ فَإنَّهُ يَرْفَعُهُ إلَيْهِ بِيَدِهِ ﴿وَحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَلى الدَّوابِّ والسُّفُنِ مِن حَمَلْتُهُ حَمْلًا إذا جَعَلْتُ لَهُ ما يَرْكَبُهُ أوْ حَمَلْناهم فِيهِما حَتّى لَمْ تُخْسَفْ بِهِمُ الأرْضُ ولَمْ يُغْرِقْهُمُ الماءُ ﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ المُسْتَلَذّاتِ مِمّا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِمْ وبِغَيْرِ فِعْلِهِمْ. ﴿وَفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا﴾ بِالغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ أوْ بِالشَّرَفِ والكَرامَةِ، والمُسْتَثْنى جِنْسُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ الخَواصُّ مِنهم، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ تَفْضِيلِ الجِنْسِ عَدَمُ تَفْضِيلِ بَعْضِ أفْرادِهِ والمَسْألَةُ مَوْضِعُ نَظَرٍ، وقَدْ أُوِّلَ الكَثِيرُ بِالكُلِّ وفِيهِ تَعَسُّفٌ.

17:71Page 289

يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١

[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].

﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوْ ظَرْفٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾، وقُرِئَ « يَدْعُو» و « يَدْعِي» و « يَدْعُو» عَلى قَلْبِ الألِفِ واوًا في لُغَةِ مَن يَقُولُ أفْعُو في أفْعى، أوْ عَلى أنَّ الواوَ عَلامَةُ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ:

﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أوْ ضَمِيرُهُ وكُلٌّ بَدَلٌ مِنهُ والنُّونُ مَحْذُوفَةٌ لِقِلَّةِ المُبالاةِ بِها فَإنَّها لَيْسَتْ إلّا عَلامَةَ الرَّفْعِ، وهو قَدْ يَقْدِرُ كَما في « يَدْعِي» . ﴿كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ بِمَنِ ائْتَمُّوا بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في الدِّينِ أوْ كِتابٍ أوْ دِينٍ. وقِيلَ بِكِتابِ أعْمالِهِمُ الَّتِي قَدَّمُوها فَيُقالُ يا صاحِبَ كِتابِ كَذا، أيْ تَنْقَطِعُ عَلَقَةُ الأنْسابِ وتَبْقى نِسْبَةُ الأعْمالِ. وقِيلَ بِالقُوى الحامِلَةِ لَهم عَلى عَقائِدِهِمْ وأفْعالِهِمْ. وقِيلَ بِأُمَّهاتِهِمْ جَمْعٌ أُمٍّ كَخُفٍّ وخِفافٍ، والحِكْمَةُ في ذَلِكَ، إجْلالُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإظْهارُ شَرَفِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وأنْ لا يَفْتَضِحَ أوْلادُ الزِّنا. ﴿فَمَن أُوتِيَ﴾ مِنَ المَدْعُوِّينَ. ﴿كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أيْ كِتابَ عَمَلِهِ. ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ ابْتِهاجًا وتَبَجُّحًا بِما يَرَوْنَ فِيهِ. ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ ولا يُنْقَصُونَ مِن أُجُورِهِمْ أدْنى شَيْءٍ، وجُمِعَ اسْمُ الإشارَةِ والضَّمِيرُ لِأنَّ مَن أُوتِيَ في مَعْنى الجَمْعِ، وتَعْلِيقُ القِراءَةِ بِإيتاءِ الكِتابِ بِاليَمِينِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ إذا اطَّلَعَ عَلى ما فِيهِ غَشِيَهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ ما يَحْبِسُ ألْسِنَتَهم عَنِ القِراءَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهم مَعَ أنَّ قَوْلَهُ:

17:72Page 289

وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢

And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.

﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ أيْضًا مُشْعِرٌ بِذَلِكَ فَإنَّ الأعْمى لا يَقْرَأُ الكِتابَ، والمَعْنى ومَن كانَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ لا يُبْصِرُ رُشْدَهُ كانَ في الآخِرَةِ أعْمى لا يَرى طَرِيقَ النَّجاةِ. ﴿وَأضَلُّ سَبِيلا﴾ مِنهُ في الدُّنْيا لِزَوالِ الِاسْتِعْدادِ وفِقْدانِ الآلَةِ والمُهْلَةِ. وقِيلَ لِأنَّ الِاهْتِداءَ بَعْدُ لا يَنْفَعُهُ والأعْمى مُسْتَعارٌ (p-263)مِن فاقِدِ الحاسَّةِ. وقِيلَ الثّانِي لِلتَّفْضِيلِ مِن عَمِي بِقَلْبِهِ كالأجْهَلِ والأبْلَهِ ولِذَلِكَ لَمْ يُمِلْهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ تَمامُهُ بِمَن فَكانَتْ ألِفُهُ في حُكْمِ المُتَوَسِّطَةِ كَما في أعْمالِكم بِخِلافِ النَّعْتِ، فَإنَّ ألِفَهُ واقِعَةٌ في الطَّرَفِ لَفْظًا وحُكْمًا فَكانَتْ مُعَرَّضَةً لِلْإمالَةِ مِن حَيْثُ إنَّها تَصِيرُ ياءً في التَّثْنِيَةِ، وقَدْ أمالَهُما حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ، وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ بَيْنَ فِيهِما.

17:73Page 289

وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣

And indeed, they were about to tempt you away from that which We revealed to you in order to [make] you invent about Us something else; and then they would have taken you as a friend.

﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ قالُوا لا نَدْخُلُ في أمْرِكَ حَتّى تُعْطِيَنا خِصالًا نَفْتَخِرُ بِها عَلى العَرَبِ لا نُعَشَّرُ ولا نُحْشَرُ ولا نُجْبى في صَلاتِنا، وكُلُّ رِبًا لَنا فَهو لَنا وكُلُّ رِبًا عَلَيْنا فَهو مَوْضُوعٌ عَنّا، وأنْ تُمَتِّعَنا بِاللّاتِ سَنَةً وأنْ تُحَرِّمَ وادِيَنا كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ، فَإنْ قالَتِ العَرَبُ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقُلْ إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي.

وَقِيلَ في قُرَيْشٍ قالُوا لا نُمَكِّنُكَ مِنَ اسْتِلامِ الحَجَرِ حَتّى تُلِمَّ بِآلِهَتِنا وتَمَسَّها بِيَدِكَ. وإنْ هي المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفارِقَةُ والمَعْنى: أنَّ الشَّأْنَ قارَبُوا بِمُبالَغَتِهِمْ أنْ يُوقِعُوكَ في الفِتْنَةِ بِالِاسْتِنْزالِ. ﴿عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ الأحْكامِ ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ غَيْرَ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ. ﴿وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ ولَوِ اتَّبَعْتَ مُرادَهم لاتَّخَذُوكَ بِافْتِتانِكَ ولِيًّا لَهم بَرِيئًا مِن وِلايَتِي.

17:74–75Page 289

وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤

And if We had not strengthened you, you would have almost inclined to them a little.

إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥

Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.

﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ ولَوْلا تَثْبِيتُنا إيّاكَ. ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى اتِّباعِ مُرادِهِمْ، والمَعْنى أنَّكَ كُنْتَ عَلى صَدَدِ الرُّكُونَ إلَيْهِمْ لِقُوَّةِ خِدَعِهِمْ وشِدَّةِ احْتِيالِهِمْ لَكِنْ أدْرَكَتْكَ عِصْمَتُنا فَمُنِعْتَ أنْ تَقْرَبَ مِنَ الرُّكُونِ فَضْلًا أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ، وهو صَرِيحٌ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ مَعَ قُوَّةِ الدَّواعِي إلَيْها، ودَلِيلٌ عَلى أنَّ العِصْمَةَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وحِفْظِهِ.

﴿إذًا لأذَقْناكَ﴾ أيْ لَوْ قارَبْتَ لَأذَقْناكَ. ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ عَذابَ الدُّنْيا وعَذابَ الآخِرَةِ ضِعْفَ ما نُعَذِّبُ بِهِ في الدّارَيْنِ بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ غَيْرَكَ لِأنَّ خَطَأ الخَطِيرِ أخْطُرُ، وكانَ أصْلُ الكَلامِ عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ بِمَعْنى مُضاعَفًا، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، ثُمَّ أُضِيفَتْ كَما يُضافُ مَوْصُوفُها. وقِيلَ الضِّعْفُ مِن أسْماءِ العَذابِ. وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿ضِعْفَ الحَياةِ﴾ عَذابُ الآخِرَةِ ﴿وَضِعْفَ المَماتِ﴾ عَذابُ القَبْرِ. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ العَذابَ عَنْكَ.

17:76–77Page 290

وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦

And indeed, they were about to provoke [i.e., drive] you from the land [i.e., Makkah] to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.1

سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧

[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.

﴿وَإنْ كادُوا﴾ وإنْ كادَ أهْلُ مَكَّةَ. ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لَيُزْعِجُوكَ بِمُعاداتِهِمْ. ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أرْضِ مَكَّةَ.

﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ ولَوْ خَرَجْتَ لا يَبْقُونَ بَعْدَ خُرُوجِكَ. ﴿إلا قَلِيلا﴾ إلّا زَمانًا قَلِيلًا، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهم أُهْلِكُوا بِبَدْرٍ بَعْدَ هِجْرَتِهِ بِسَنَةٍ. وقِيلَ الآيَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ حَسَدُوا مَقامَ النَّبِيِّ بِالمَدِينَةِ فَقالُوا: الشّامُ مَقامُ الأنْبِياءِ فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فالحَقْ بِها حَتّى نُؤْمِنَ بِكَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ فَخَرَجَ مَرْحَلَةً فَنَزَلَتْ، فَرَجَعَ ثُمَّ قَتَلَ مِنهم بَنُو قُرَيْظَةِ وأجْلى بَنُو النَّضِيرِ بِقَلِيلٍ. وقُرِئَ « لا يَلْبَثُوا» مَنصُوبًا بِـ ﴿إذًا﴾ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لا عَلى خَبَرِ كادَ فَإنَّ إذًا لا تَعْمَلُ إذا كانَ مُعْتَمِدٌ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ ﴿خِلافَكَ﴾ وهو لُغَةٌ فِيهِ قالَ الشّاعِرُ:

؎ عَفَتِ الدَّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما. . . بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا

(p-264)﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً، وهو أنْ يُهْلِكَ كُلَّ أُمَّةٍ أخْرَجُوا رَسُولَهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فالسُّنَّةُ لِلَّهِ وإضافَتُها إلى الرُّسُلِ لِأنَّها مِن أجْلِهِمْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ. ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ أيْ تَغْيِيرًا.

17:78Page 290

أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا ٧٨

Establish prayer at the decline of the sun [from its meridian] until the darkness of the night1 and [also] the Qur’ān [i.e., recitation] of dawn.2 Indeed, the recitation of dawn is ever witnessed.

﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لِزَوالِها ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أتانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِيَ الظُّهْرَ» .

وَقِيلَ لِغُرُوبِها وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِلِانْتِقالِ ومِنهُ الدّالِكُ فَإنَّ الدّالِكَ لا تَسْتَقِرُّ يَدُهُ، وكَذا كُلُّ ما تَرَكَّبَ مِنَ الدّالِ واللّامِ: كَدَلَجَ ودَلَحَ ودَلَعَ ودَلَفَ ودَلَهَ. وقِيلَ الدُّلُوكُ مِنَ الدَّلْكِ لِأنَّ النّاظِرَ إلَيْها يُدَلِّكُ عَيْنَيْهِ لِيَدْفَعَ شُعاعَها، واللّامُ لِلتَّأْقِيتِ مِثْلُها في: لِثَلاثٍ خَلَوْنَ ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ إلى ظُلْمَتِهِ وهو وقْتُ صَلاةِ العِشاءِ الأخِيرَةِ. ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ وصَلاةَ الصُّبْحِ، سُمِّيَتْ قُرْآنًا لِأنَّهُ رُكْنُها كَما سُمَّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ فِيها ولا دَلِيلَ فِيهِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ لِكَوْنِها مَندُوبَةً فِيها، نَعَمْ لَوْ فُسِّرَ بِالقِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ دَلَّ الأمْرُ بِإقامَتِها عَلى الوُجُوبِ فِيها نَصًّا وفي غَيْرِها قِياسًا. ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ، أوْ شَواهِدُ القُدْرَةِ مِن تَبَدُّلِ الظُّلْمَةِ بِالضِّياءِ والنَّوْمِ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ بِالِانْتِباهِ أوْ كَثِيرٌ مِنَ المُصَلِّينَ أوْ مَن حَقُّهُ أنْ يَشْهَدَهُ الجَمُّ الغَفِيرُ، والآيَةُ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ إنْ فُسِّرَ الدُّلُوكُ بِالزَّوالِ ولِصَلَواتِ اللَّيْلِ وحْدَها إنْ فُسِّرَ بِالغُرُوبِ. وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ صَلاةُ المَغْرِبِ وقَوْلُهُ ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ بَيانٌ لِمَبْدَأِ الوَقْتِ ومُنْتَهاهُ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الوَقْتَ يَمْتَدُّ إلى غُرُوبِ الشَّفَقِ.

17:79Page 290

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا ٧٩

And from [part of] the night, pray1 with it [i.e., recitation of the Qur’ān] as additional [worship] for you; it is expected that2 your Lord will resurrect you to a praised station.3

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ وبَعْضَ اللَّيْلِ فاتْرُكِ الهُجُودَ لِلصَّلاةِ والضَّمِيرُ لِلْـ ﴿قُرْآنَ﴾ . ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ فَرِيضَةً زائِدَةً لَكَ عَلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ، أوْ فَضِيلَةً لَكَ لِاخْتِصاصِ وُجُوبِهِ بِكَ. ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ مَقامًا يَحْمَدُهُ القائِمُ فِيهِ وكُلُّ مَن عَرَفَهُ، وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ مَقامٍ يَتَضَمَّنُ كَرامَةً والمَشْهُورُ أنَّهُ مَقامُ الشَّفاعَةِ. لِما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «هُوَ المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» ولِإشْعارِهِ بِأنَّ النّاسَ يَحْمَدُونَهُ لِقِيامِهِ فِيهِ وما ذاكَ إلّا مَقامُ الشَّفاعَةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أيْ فَيُقِيمُكَ مَقامًا أوْ بِتَضْمِينِ ﴿يَبْعَثَكَ﴾ مَعْناهُ، أوِ الحالُ بِمَعْنى أنْ يَبْعَثَكَ ذا مَقامٍ.

17:80–81Page 290

وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا ٨٠

And say, "My Lord, cause me to enter a sound entrance1 and to exit a sound exit2 and grant me from Yourself a supporting authority."

وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ٨١

And say, "Truth has come, and falsehood has departed. Indeed is falsehood, [by nature], ever bound to depart."

﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ أيْ في القَبْرِ. ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدْخالًا مُرْضِيًا. ﴿وَأخْرِجْنِي﴾ أيْ مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ.

﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ إخْراجًا مُلْقًى بِالكَرامَةِ. وقِيلَ المُرادُ إدْخالُ المَدِينَةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ. وقِيلَ إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا حَقَّهُ. وقِيلَ إدْخالُهُ في كُلِّ ما يُلابِسُهُ مِن مَكانٍ أوْ أمْرٍ وإخْراجُهُ مِنهُ.

وَقُرِئَ « مَدْخَلَ» و « مَخْرَجَ» بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى أدْخَلَنِي فَأدْخَلَ دُخُولًا وأخْرَجَنِي فَأخْرَجَ خُرُوجًا. ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ حُجَّةً تَنْصُرُنِي عَلى مَن خالَفَنِي أوْ مَلِكًا يَنْصُرُ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ، فاسْتَجابَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ . ﴿وَقُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ الإسْلامُ ﴿وَزَهَقَ الباطِلُ﴾ وذَهَبَ وهَلَكَ الشِّرْكُ مِن زَهَقَ رُوحُهُ إذا خَرَجَ. ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ (p-265)مُضْمَحِلًّا غَيْرَ ثابِتٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وفِيها ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ في عَيْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنها فَيَقُولُ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ، فَيَنْكَبُّ لِوَجْهِهِ حَتّى ألْقى جَمِيعَها وبَقِيَ صَنَمُ خُزاعَةَ فَوْقَ الكَعْبَةِ وكانَ مِن صُفْرٍ فَقالَ: يا عَلِيُّ ارْمِ بِهِ فَصَعَدَ فَرَمى بِهِ فَكَسَرَهُ» .

17:82Page 290

وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا ٨٢

And We send down of the Qur’ān that which is healing and mercy for the believers, but it does not increase the wrongdoers except in loss.

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ما هو في تَقْوِيمِ دِينِهِمْ واسْتِصْلاحِ نُفُوسِهِمْ كالدَّواءِ الشّافِي لِلْمَرْضى، و ﴿مِنَ﴾ لِلْبَيانِ فَإنَّ كُلَّهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ إنَّهُ لِلتَّبْعِيضِ والمَعْنى أنَّ مِنهُ ما يَشْفِي مِنَ المَرَضِ كالفاتِحَةِ وآياتِ الشِّفاءِ. وقَرَأ البَصْرِيّانِ (نُنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ لِتَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском