Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:38–68
19:38Page 307
أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨
How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.
﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ تَعَجُّبٌ مَعْناهُ أنَّ اسْتِماعَهم وأبْصارَهم. ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ يَوْمُ القِيامَةِ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُما بَعْدَ ما كانُوا صُمًّا عُمْيًا في الدُّنْيا، أوِ التَّهْدِيدُ بِما سَيَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ أمَرَ بِأنْ يُسْمِعَهم ويُبْصِرَهم مَواعِيدَ ذَلِكَ اليَوْمِ وما يَحِيقُ بِهِمْ فِيهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلِ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ وعَلى الثّانِي في مَوْضِعِ النَّصْبِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أوْقَعَ الظّالِمِينَ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ إشْعارًا بِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ أغْفَلُوا الِاسْتِماعَ والنَّظَرَ حِينَ يَنْفَعُهم، وسَجَّلَ عَلى إغْفالِهِمْ بِأنَّهُ ضَلالٌ بَيِّنٌ.
19:39–40Page 308
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩
And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.
إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠
Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.
﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ يَوْمَ يَتَحَسَّرُ النّاسُ المُسِيءُ عَلى إساءَتِهِ والمُحْسِنُ عَلى قِلَّةِ إحْسانِهِ. ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وتَصادَرَ الفَرِيقانِ إلى الجَنَّةِ والنّارِ، وإذْ بَدَلٌ مِنَ اليَوْمِ أوْ ظَرْفٌ لِـ ﴿الحَسْرَةِ﴾ . ﴿وَهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ حالٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ بِـ ﴿أنْذَرَهُمْ﴾ أيْ أنْذِرْهم غافِلِينَ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ حالًا مُتَضَمِّنَةً لِلتَّعْلِيلِ.
﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ لا يَبْقى غَيْرُنا عَلَيْها وعَلَيْهِمْ مَلِكٌ ولا مَلِكَ، أوْ نَتَوَفّى الأرْضَ ومَن عَلَيْها بِالإفْناءِ والإهْلاكِ تُوُفِّيَ الوارِثُ لِإرْثِهِ. ﴿وَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ يُرَدُّونَ لِلْجَزاءِ.
19:41–42Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١
And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢
[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا﴾ مُلازِمًا لِلصِّدْقِ، أوْ كَثِيرَ التَّصْدِيقِ لِكَثْرَةِ ما صَدَّقَ بِهِ مِن غُيُوبِ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ. ﴿نَبِيًّا﴾ اسْتَنْبَأهُ اللَّهُ.
﴿إذْ قالَ﴾ بَدَلٌ مِن إبْراهِيمَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿كانَ﴾ أوْ بِـ ﴿صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ . ﴿لأبِيهِ يا أبَتِ﴾ التّاءُ مُعَوَّضَةٌ مِن ياءِ الإضافَةِ ولِذَلِكَ لا يُقالُ يا أبَتِي ويُقالُ يا أبَتا، وإنَّما تُذْكَرُ لِلِاسْتِعْطافِ ولِذَلِكَ كَرَّرَها. ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ فَيَعْرِفُ حالَكَ ويَسْمَعُ ذِكْرَكَ ويَرى خُضُوعَكَ. ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ في جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، دَعاهُ إلى الهُدى وبَيَّنَ ضَلالَهُ واحْتَجَّ عَلَيْهِ أبْلَغَ احْتِجاجٍ وأرْشَقَهُ بِرِفْقٍ وحُسْنِ أدَبٍ، حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِضَلالِهِ بَلْ طَلَبَ العِلَّةَ الَّتِي تَدْعُوهُ إلى عِبادَةِ ما يَسْتَخِفُّ بِهِ العَقْلُ الصَّرِيحُ ويَأْبى الرُّكُونَ إلَيْهِ، فَضْلًا عَنْ عِبادَتِهِ الَّتِي هي غايَةُ التَّعْظِيمِ، ولا تَحِقُّ إلّا لِمَن لَهُ الِاسْتِغْناءُ التّامُّ والإنْعامُ العامُّ وهو الخالِقُ الرّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ المُعاقِبُ المُثِيبُ، ونَبَّهَ عَلى أنَّ العاقِلَ يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَ ما يَفْعَلُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، والشَّيْءُ لَوْ كانَ حَيًّا مُمَيِّزًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُقْتَدِرًا عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ ولَكِنْ كانَ مَمْكِنًا، لاسْتَنْكَفَ العَقْلُ القَوِيمُ مِن عِبادَتِهِ وإنْ كانَ أشْرَفَ الخُلْقِ كالمَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ لِما يَراهُ مِثْلُهُ في الحاجَةِ والِانْقِيادِ لِلْقُدْرَةِ الواجِبَةِ، فَكَيْفَ إذا كانَ جَمادًا لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ، ثُمَّ دَعاهُ إلى أنْ يَتْبَعَهُ لِيَهْدِيَهُ إلى الحَقِّ القَوِيمِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لِما لَمْ يَكُنْ مَحْظُوظًا مِنَ العِلْمِ الإلَهِيِّ مُسْتَقِلًّا بِالنَّظَرِ السَّوِيِّ فَقالَ:(p-12)
19:43–44Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣
O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.
يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤
O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.
﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ ولَمْ يُسَمِّ أباهُ بِالجَهْلِ المُفْرِطِ ولا نَفْسَهُ بِالعِلْمِ الفائِقِ، بَلْ جَعَلَ نَفْسَهُ كَرَفِيقٍ لَهُ في مَسِيرٍ يَكُونُ أعْرَفُ بِالطَّرِيقِ، ثُمَّ ثَبَّطَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ النَّفْعِ مُسْتَلْزِمٌ لِلضُّرِّ، فَإنَّهُ في الحَقِيقَةِ عِبادَةُ الشَّيْطانِ مِن حَيْثُ إنَّهُ الآمِرُ بِهِ فَقالَ:
﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ ولَمّا اسْتَهْجَنَ ذَلِكَ بَيَّنَ وجْهَ الضُّرِّ فِيهِ بِأنَّ الشَّيْطانَ مُسْتَعْصٍ عَلى رَبِّكَ المُولِي لِلنِّعَمِ كُلِّها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ المُطاوِعَ لِلْعاصِي عاصٍ وكُلُّ عاصٍ حَقِيقٌ بِأنْ تُسْتَرَدَّ مِنهُ النِّعَمُ ويُنْتَقَمَ مِنهُ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِتَخْوِيفِهِ سُوءَ عاقِبَتِهِ وما يَجُرُّ إلَيْهِ فَقالَ:
19:45Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥
O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."
﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ قَرِينًا في اللَّعْنِ والعَذابِ تَلِيهِ ويَلِيكَ، أوْ ثابِتًا في مُوالاتِهِ فَإنَّهُ أكْبَرُ مِنَ العَذابِ كَما أنَّ رِضْوانَ اللَّهِ أكْبَرُ مِنَ الثَّوابِ. وذِكْرُ الخَوْفِ والمَسِّ وتَنْكِيرُ العَذابِ إمّا لِلْمُجامَلَةِ أوْ لِخَفاءِ العاقِبَةِ، ولَعَلَّ اقْتِصارَهُ عَلى عِصْيانِ الشَّيْطانِ مِن بَيْنِ جِناياتِهِ لِارْتِقاءِ هِمَّتِهِ في الرَّبانِيَةِ، أوْ لِأنَّهُ مَلاكُها أوْ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ نَتِيجَةُ مُعاداتِهِ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ مُنَبَّهٌ عَلَيْها.
19:46Page 308
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦
[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."
﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ﴾ قابَلَ اسْتِعْطافَهِ ولُطْفَهُ في الإرْشادِ بِالفَظاظَةِ وغِلْظَةِ العِنادِ فَناداهُ بِاسْمِهِ ولَمْ يُقابِلْ يا أبَتِ: بِيا بُنَيَّ، وأخَّرَهُ وقَدَّمَ الخَبَرَ عَلى المُبْتَدَأِ وصَدَّرَهُ بِالهَمْزَةِ لِإنْكارِ نَفْسِ الرَّغْبَةِ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّعَجُّبِ، كَأنَّها مِمّا لا يَرْغَبُ عَنْها عاقِلٌ ثُمَّ هَدَّدَهُ فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ مَقالِكَ فِيها أوِ الرَّغْبَةِ عَنْها. ﴿لأرْجُمَنَّكَ﴾ بِلِسانِي يَعْنِي الشَّتْمَ والذَّمَّ أوْ بِالحِجارَةِ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَبْعُدَ مِنِّي. ﴿واهْجُرْنِي﴾ عُطِفَ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿لأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ فاحْذَرْنِي واهْجُرْنِي. ﴿مَلِيًّا﴾ زَمانًا طَوِيلًا مِنَ المَلاوَةِ أوْ مَلِيًّا بِالذَّهابِ عَنِّي.
19:47–48Page 308
قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧
[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.
وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨
And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."
﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ تَوْدِيعٌ ومُتارَكَةٌ ومُقابَلَةٌ لِلسَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ، أيْ لا أُصِيبُكَ بِمَكْرُوهٍ ولا أقُولُ لَكَ بَعْدُ ما يُؤْذِيكَ ولَكِنْ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ لَعَلَّهُ يُوَفِّقُكَ لِلتَّوْبَةِ والإيمانِ، فَإنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِغْفارِ لِلْكافِرِ اسْتِدْعاءُ التَّوْفِيقِ لِما يُوجِبُ مَغْفِرَتَهُ وقَدْ مَرَّ تَقْرِيرُهُ في سُورَةِ التَّوْبَةِ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ بَلِيغًا في البِرِّ والإلْطافِ.
﴿وَأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِالمُهاجَرَةِ بِدِينِي. ﴿وَأدْعُو رَبِّي﴾ وأعْبُدُهُ وحْدَهُ. ﴿عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ خائِبًا ضائِعَ السَّعْيِ مِثْلَكم في دُعاءِ آلِهَتِهِمْ، وفي تَصْدِيرِ الكَلامِ بِـ ﴿عَسى﴾ التَّواضُعُ وهَضْمُ النَّفْسِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الإجابَةَ والإثابَةَ تَفَضُّلٌ غَيْرُ واجِبَتَيْنِ، وأنَّ مَلاكَ الأمْرِ خاتِمَتُهُ وهو غَيْبٌ.
19:49–50Page 308
فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩
So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.
وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠
And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.
﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِالهِجْرَةِ إلى الشّامِ. ﴿وَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ بَدَلَ مَن فارَقَهم مِنَ الكَفَرَةِ، قِيلَ إنَّهُ لَمّا قَصَدَ الشّامَ أتى أوَّلًا حَرّانَ وتَزَوَّجَ بِسارَّةَ ووَلَدَتْ لَهُ إسْحاقَ ووَلَدَ مِنهُ يَعْقُوبَ، ولَعَلَّ (p-13)
تَخْصِيصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما شَجَرَتا الأنْبِياءِ أوْ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُذَكِّرَ إسْماعِيلَ بِفَضْلِهِ عَلى الِانْفِرادِ. ﴿وَكُلا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ وكُلًّا مِنهُما أوْ مِنهم.
﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ النُّبُوَّةَ والأمْوالَ والأوْلادَ. ﴿وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ يَفْتَخِرُ بِهِمُ النّاسُ ويُثْنُونَ عَلَيْهِمُ، اسْتِجابَةً لِدَعْوَتِهِ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ والمُرادُ بِاللِّسانِ ما يُوجَدُ بِهِ، ولِسانُ العَرَبِ لُغَتُهم وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ وتَوْصِيفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُثْنُونَ عَلَيْهِمْ، وأنَّ مَحامِدَهم لا تَخْفى عَلى تَباعُدِ الأعْصارِ وتَحَوُّلِ الدُّوَلِ وتَبَدُّلِ المِلَلِ.
19:51–53Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١
And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1
وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢
And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].
وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣
And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ مُوَحِّدًا أخْلَصَ عِبادَتَهُ عَنِ الشِّرْكِ والرِّياءِ، أوْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وأخْلَصَ نَفْسَهُ عَمّا سِواهُ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِالفَتْحِ عَلى أنَّ اللَّهَ أخْلَصَهُ. ﴿وَكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى الخَلْقِ فَأنْبَأهم عَنْهُ ولِذَلِكَ قَدَّمَ رَسُولًا مَعَ أنَّهُ أخْلَصُ وأعْلى.
﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ مِن ناحِيَتِهِ اليُمْنى مِنَ اليَمِينِ، وهي الَّتِي تَلِي يَمِينَ مُوسى مِن جانِبِهِ المَيْمُونِ مِنَ اليَمَنِ بِأنْ تَمَثَّلَ لَهُ الكَلامُ مِن تِلْكَ الجِهَةِ. ﴿وَقَرَّبْناهُ﴾ تَقْرِيبَ تَشْرِيفٍ شَبَّهَهُ بِمَن قَرَّبَهُ المَلِكُ لِمُناجاتِهِ. ﴿نَجِيًّا﴾ مُناجِيًا حالٌ مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ. وقِيلَ مُرْتَفِعًا مِنَ النَّجْوَةِ وهو الِارْتِفاعُ. لِما رُوِيَ أنَّهُ رُفِعَ فَوْقَ السَّمَواتِ حَتّى سَمِعَ صَرِيرَ القَلَمِ.
﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا﴾ مِن أجْلِ رَحْمَتِنا أوْ بَعْضِ رَحْمَتِنا. ﴿أخاهُ﴾ مُعاضَدَةُ أخِيهِ ومُوازَرَتُهُ إجابَةٌ لِدَعْوَتِهِ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ فَإنَّهُ كانَ أسَنَّ مِن مُوسى، وهو مَفْعُولٌ أوْ بَدَلٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ ﴿مِن﴾ لِلتَّبْعِيضِ. ﴿هارُونَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ. ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ مِنهُ.
19:54–55Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤
And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.
وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥
And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ ذَكَّرَهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ المَشْهُورُ بِهِ والمَوْصُوفُ بِأشْياءَ في هَذا البابِ لَمْ تُعْهَدْ مِن غَيْرِهِ، وناهِيكَ أنَّهُ وعَدَ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ فَوَفّى. ﴿وَكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ صاحِبَ شَرِيعَةٍ، فَإنَّ أوْلادَ إبْراهِيمَ كانُوا عَلى شَرِيعَتِهِ.
﴿وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ اشْتِغالًا بِالأهَمِّ وهو أنْ يُقْبِلَ الرَّجُلُ عَلى نَفْسِهِ ومَن هو أقْرَبُ النّاسِ إلَيْهِ بِالتَّكْمِيلِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ . ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾، ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ . وقِيلَ أهْلُهُ أُمَّتُهُ فَإنَّ الأنْبِياءَ آباءُ الأُمَمِ. ﴿وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ لِاسْتِقامَةِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ.
19:56–57Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦
And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ٥٧
And We raised him to a high station.
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ﴾ وهو سُبْطُ شِيثٍ وجَدُّ أبِي نُوحٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، واسْمُهُ أخْنُوخُ واشْتِقاقُ إدْرِيسَ مِنَ الدَّرْسِ يَرُدُّهُ مَنعُ صَرْفِهِ، نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ قَرِيبًا مِن ذَلِكَ فَلُقِّبَ بِهِ لِكَثْرَةِ دَرْسِهِ، إذْ رُوِيَ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عَلَيْهِ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وأنَّهُ أوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ ونَظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والحِسابِ. (﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ) .(p-14)
﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ يَعْنِي شَرَفَ النُّبُوَّةِ والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ الجَنَّةُ، وقِيلَ السَّماءُ السّادِسَةُ أوِ الرّابِعَةُ.
19:58Page 309
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨
Those were the ones upon whom Allāh bestowed favor from among the prophets of the descendants of Adam and of those We carried [in the ship] with Noah, and of the descendants of Abraham and Israel [i.e., Jacob], and of those whom We guided and chose. When the verses of the Most Merciful were recited to them, they fell in prostration and weeping.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ في السُّورَةِ مِن زَكَرِيّا إلى إدْرِيسَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بِأنْواعِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ. ﴿مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بِإعادَةِ الجارِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿مِنَ﴾ فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ أعَمُّ مِنَ الأنْبِياءِ وأخَصُّ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ أيْ ومِن ذُرِّيَّةِ مَن حَمَلْنا خُصُوصًا، وهم مَن عَدا إدْرِيسَ فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ مِن ذُرِّيَّةِ سامِ بْنِ نُوحٍ. ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ﴾ الباقُونَ. ﴿وَإسْرائِيلَ﴾ عُطِفَ عَلى إبْراهِيمَ أيْ ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ، وكانَ مِنهم مُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أوْلادَ البَناتِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا﴾ ومِن جُمْلَةِ مَن هَدَيْناهم إلى الحَقِّ. ﴿واجْتَبَيْنا﴾ لِلنُّبُوَّةِ والكَرامَةِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ خَبَرٌ لِـ ﴿أُولَئِكَ﴾ إنْ جَعَلْتَ المَوْصُولَ صِفَتَهُ، واسْتِئْنافٌ إنْ جَعَلْتَهُ خَبَرَهُ لِبَيانِ خَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ وإخْباتِهِمْ لَهُ مَعَ ما لَهم مِن عُلُوِّ الطَّبَقَةِ في شَرَفِ النَّسَبِ وكَمالِ النَّفْسِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وَعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اتْلُوا القُرْآنَ وابْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا» .
والبُكِيُّ جَمْعُ باكٍ كالسُّجُودِ في جَمْعِ ساجِدٍ. وقُرِئَ «يُتْلى» بِالياءِ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( بِكِيًّا) بِكَسْرِ الباءِ.
19:59Page 309
۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩
But there came after them successors [i.e., later generations] who neglected prayer and pursued desires; so they are going to meet evil1 -
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ فَعَقِبَهم وجاءَ بَعْدَهم عَقِبُ سُوءٍ يُقالُ خَلَفُ صِدْقٍ بِالفَتْحِ، وخَلْفُ سُوءٍ بِالسُّكُونِ. ﴿أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ تَرَكُوها أوْ أخَّرُوها عَنْ وقْتِها. ﴿واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ كَشُرْبِ الخَمْرِ واسْتِحْلالِ نِكاحِ الأُخْتِ مِنَ الأبِ والِانْهِماكِ في المَعاصِي.
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾: مِن بُنى الشَّدِيدِ، ورَكْبِ المَنظُورِ، ولُبْسِ المَشْهُورِ. ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ شَرًّا كَقَوْلِهِ:
؎ فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ. . . ومَن يَغْوِ لا يُعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِمًا
أوْ جَزاءَ غَيٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ أوْ غَيًّا عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، وقِيلَ هو وادٍ في جَهَنَّمَ يَسْتَعِيذُ مِنهُ أوْدِيَتُها.
19:60–61Page 309
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠
Except those who repent, believe and do righteousness; for those will enter Paradise and will not be wronged at all.
جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا ٦١
[Therein are] gardens of perpetual residence which the Most Merciful has promised His servants in the unseen. Indeed, His promise has ever been eminent.1
﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ في الكَفَرَةِ. ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أدْخَلَ. ﴿وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ولا يُنْقَصُونَ شَيْئًا مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ ﴿شَيْئًا﴾ عَلى المَصْدَرِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُفْرَهُمُ السّابِقَ لا يَضُرُّهم ولا يُنْقِصُ أُجُورَهم.
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةِ بَدَلَ البَعْضِ لِاشْتِمالِها عَلَيْها، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وعَدْنٍ لِأنَّهُ المُضافُ إلَيْهِ في العِلْمِ أوْ عَلَمٌ لِلْعَدْنِ بِمَعْنى الإقامَةِ كَبُرَّةٍ ولِذَلِكَ صَحَّ وصْفُ ما أُضِيفَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ أيْ وعَدَها إيّاهم وهي غائِبَةٌ عَنْهم، أوْ وهم غائِبُونَ عَنْها، أوْ وعَدَهم بِإيمانِهِمْ بِالغَيْبِ. ﴿إنَّهُ﴾ إنَّ اللَّهَ. ﴿كانَ وعْدُهُ﴾ الَّذِي هو الجَنَّةُ. ﴿مَأْتِيًّا﴾ يَأْتِيها أهْلُها المَوْعُودُ لَهم لا مَحالَةَ، وقِيلَ هو مِن أتى إلَيْهِ إحْسانًا أيْ مَفْعُولًا مُنْجَزًا.(p-15)
19:62Page 309
لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢
They will not hear therein any ill speech - only [greetings of] peace - and they will have their provision therein, morning and afternoon.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ فُضُولَ كَلامٍ. ﴿إلا سَلامًا﴾ ولَكِنْ يَسْمَعُونَ قَوْلًا يَسْلَمُونَ فِيهِ مِنَ العَيْبِ والنَّقِيصَةِ، أوْ تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ أوْ تَسْلِيمُ بَعْضِهِمْ، عَلى بَعْضٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، أوْ عَلى أنَّ مَعْنى التَّسْلِيمِ إنْ كانَ لَغْوًا فَلا يَسْمَعُونَ لَغْوًا سِواهُ كَقَوْلِهِ:
؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم. . . بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أوْ عَلى أنَّ مَعْناهُ الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ وأهْلُها أغْنِياءُ عَنْهُ فَهو مِن بابِ اللَّغْوِ ظاهِرًا وإنَّما فائِدَتُهُ الإكْرامُ.
﴿وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ عَلى عادَةِ المُتَنَعِّمِينَ والتَّوَسُّطِ بَيْنَ الزَّهادَةِ والرَّغابَةِ، وقِيلَ المُرادُ دَوامُ الرِّزْقِ ودُرُورُهُ.
19:63Page 309
تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣
That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.
﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ نُبْقِيها عَلَيْهِمْ مِن ثَمَرَةِ تَقْواهم كَما يُبْقى عَلى الوارِثِ مالُ مُورِثِهِ، والوِراثَةُ أقْوى لَفْظٍ يُسْتَعْمَلُ في التَّمَلُّكِ والِاسْتِحْقاقِ مِن حَيْثُ إنَّها لا تَعْقُبُ بِفَسْخٍ ولا اسْتِرْجاعٍ، ولا تَبْطُلُ بِرَدٍّ ولا إسْقاطٍ. وقِيلَ يُورَّثُ المُتَّقُونَ مِنَ الجَنَّةِ المَساكِنَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النّارِ لَوْ أطاعُوا زِيادَةً في كَرامَتِهِمْ، وعَنْ يَعْقُوبَ ( نُوَرِّثُ ) بِالتَّشْدِيدِ.
19:64Page 309
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤
[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -
﴿وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ حِكايَةُ قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ اسْتَبْطَأهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ والرُّوحِ ولَمْ يَدْرِ ما يُجِيبُ، ورَجا أنْ يُوحى إلَيْهِ فِيهِ فَأبْطَأ عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقِيلَ أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى قالَ المُشْرِكُونَ ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ، ثُمَّ نَزَلَ بِبَيانِ ذَلِكَ. والتَّنَزُّلُ النُّزُولُ عَلى مَهَلٍ لِأنَّهُ مُطاوِعُ نَزَلَ وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى النُّزُولِ مُطْلَقًا كَما يُطْلَقُ نَزَلَ بِمَعْنى أنْزَلَ، والمَعْنى وما نَنْزِلُ وقْتًا غِبَّ وقْتٍ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وقُرِئَ «وَما يَتَنَزَّلُ» بِالياءِ والضَّمِيرِ لِلْوَحْيِ. ﴿لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وهو ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الأماكِنِ والأحايِينِ لا نَنْتَقِلُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ولا نَنْزِلُ في زَمانٍ دُونَ زَمانٍ إلّا بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ. ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ تارِكًا لَكَ أيَّ ما كانَ عَدَمَ النُّزُولِ إلّا لِعَدَمِ الأمْرِ بِهِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ تَرْكِ اللَّهِ لَكَ وتَوْدِيعِهِ إيّاكَ كَما زَعَمَتِ الكَفَرَةُ وإنَّما كانَ لِحِكْمَةٍ رَآها فِيهِ. وقِيلَ أوَّلُ الآيَةِ حِكايَةُ قَوْلِ المُتَّقِينَ حِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، والمَعْنى وما نَنْزِلُ الجَنَّةَ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ ولُطْفِهِ، وهو مالِكُ الأُمُورِ كُلِّها السّالِفَةِ والمُتَرَقَّبَةِ والحاضِرَةِ فَما وجَدْناهُ وما نَجِدُهُ مِن لُطْفِهِ وفَضْلِهِ وقَوْلُهُ ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ تَقْرِيرٌ مِنَ اللَّهِ لِقَوْلِهِمْ أيْ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا لِأعْمالِ العامِلِينَ وما وعَدَ لَهم مِنَ الثَّوابِ عَلَيْها وقَوْلُهُ:
19:65Page 310
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥
Lord of the heavens and the earth and whatever is between them - so worship Him and have patience for His worship. Do you know of any similarity to Him?"
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ بَيانٌ لِامْتِناعِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ، وهو خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿رَبِّكَ﴾ ﴿فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ، أيْ لَمّا عَرَفْتَ رَبَّكَ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنْساكَ، أوْ أعْمالَ العُمّالِ فَأقْبِلْ عَلى عِبادَتِهِ واصْطَبِرْ عَلَيْها ولا تَتَشَوَّشْ بِإبْطاءِ الوَحْيِ وهَزْءِ الكَفَرَةِ، وإنَّما عُدِّيَ بِاللّامِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الثَّباتِ لِلْعِبادَةِ فِيما يُورَدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَشاقِّ كَقَوْلِكَ لِلْمُحارِبِ: اصْطَبِرْ لِقَرْنِكَ. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ مَثَلًا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى إلَهًا أوْ أحَدًا سُمِّيَ اللَّهَ فَإنَّ المُشْرِكِينَ وإنْ سَمُّوا الصَّنَمَ إلَهًا لَمْ يُسَمُّوهُ اللَّهَ قَطُّ، وذَلِكَ لِظُهُورِ أحَدِيَّتِهِ تَعالى، وتَعالى ذاتُهُ عَنِ المُماثَلَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَقْبَلِ اللَّبْسَ والمُكابَرَةَ، وهو تَقْرِيرٌ لِلْأمْرِ (p-16)
أيْ إذا صَحَّ أنْ لا أحَدَ مِثْلُهُ ولا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّسْلِيمِ لِأمْرِهِ والِاشْتِغالِ بِعِبادَتِهِ والِاصْطِبارِ عَلى مَشاقِّها.
19:66–67Page 310
وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا ٦٦
And man [i.e., the disbeliever] says, "When I have died, am I going to be brought forth alive?"
أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا ٦٧
Does man not remember that We created him before, while he was nothing?
﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ﴾ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ بِأسْرِهِ فَإنَّ المَقُولَ مَقُولٌ فِيما بَيْنَهم وإنْ لَمْ يَقُلْهُ كُلُّهم كَقَوْلِكَ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهم، أوْ بَعْضُهُمُ المَعْهُودُ وهُمُ الكَفَرَةُ أوْ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَإنَّهُ أخَذَ عِظامًا بالِيَةً فَفَتَّها وقالَ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنّا نُبْعَثُ بَعْدَ ما نَمُوتُ. ﴿أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ مِنَ الأرْضِ أوْ مِن حالِ المَوْتِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ وإيلاؤُهُ حَرْفَ الإنْكارِ لِأنَّ المُنْكَرَ كَوْنُ ما بَعْدَ المَوْتِ وقْتَ الحَياةِ، وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أُخْرَجُ﴾ لا بِهِ فَإنَّ ما بَعْدَ اللّامِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهي ها هُنا مُخْلَصَةٌ لِلتَّوْكِيدِ مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنى الحالِ كَما خَلُصَتِ الهَمْزَةُ واللّامُ في يا أللَّهُ لِلتَّعْوِيضِ فَساغَ اقْتِرانُها بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ (إذا ما مِتُّ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ عَلى الخَبَرِ.
﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾ عُطِفَ عَلى ( يَقُولُ )، وتَوْسِيطُ هَمْزَةِ الإنْكارِ بَيْنَهُ وبَيْنَ العاطِفِ مَعَ أنَّ الأصْلَ أنْ يَتَقَدَّمَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُنْكَرَ بِالذّاتِ هو المَعْطُوفُ وأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ إنَّما نَشَأ مِنهُ فَإنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ وتَأمَّلَ:
﴿أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ بَلْ كانَ عَدَمًا صِرْفًا، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَإنَّهُ أعْجَبُ مِن جَمْعِ المَوادِّ بَعْدَ التَّفْرِيقِ وإيجادِ مِثْلِ ما كانَ فِيها مِنَ الأعْراضِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وقالُونُ عَنْ يَعْقُوبَ ( يَذَّكَّرُ ) مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّفَكُّرُ، وقُرِئَ «يَتَذَكَّرُ» عَلى الأصْلِ.
19:68Page 310
فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا ٦٨
So by your Lord, We will surely gather them and the devils; then We will bring them to be present around Hell upon their knees.1
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أقْسَمَ بِاسْمِهِ تَعالى مُضافًا إلى نَبِيِّهِ تَحْقِيقًا لِلْأمْرِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
﴿والشَّياطِينَ﴾ عُطِفَ أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ لِما رُوِيَ أنَّ الكَفَرَةَ يُحْشَرُونَ مَعَ قُرَنائِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أغْوَوْهم كُلٌّ مَعَ شَيْطانِهِ في سِلْسِلَةٍ، وهَذا وإنْ كانَ مَخُصُوصًا بِهِمْ ساغَ نِسْبَتُهُ إلى الجِنْسِ بِأسْرِهِ، فَإنَّهم إذا حُشِرُوا وفِيهِمُ الكَفَرَةُ مَقْرُونِينَ بِالشَّياطِينِ فَقَدْ حُشِرُوا جَمِيعًا مَعَهم. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ لِيَرى السُّعَداءُ ما نَجّاهُمُ اللَّهُ مِنهُ فَيَزْدادُوا غِبْطَةً وسُرُورًا، ويَنالَ الأشْقِياءُ ما ادَّخَرُوا لِمَعادِهِمْ عِدَّةً ويَزْدادُوا غَيْظًا مِن رُجُوعِ السُّعَداءِ عَنْهم إلى دارِ الثَّوابِ وشَماتَتِهِمْ عَلَيْهِمْ ﴿جِثِيًّا﴾ عَلى رُكَبِهِمْ لِما يَدْهَمُهم مِن هَوْلِ المَطْلَعِ، أوْ لِأنَّهُ مِن تَوابِعِ التَّواقُفِ لِلْحِسابِ قَبْلَ التَّواصُلِ إلى الثَّوابِ والعِقابِ، وأهْلُ المَوْقِفِ جاثُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ عَلى المُعْتادِ في مَواقِفِ التَّقاوُلِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالإنْسانِ الكَفَرَةُ فَلَعَلَّهم يُساقُونَ جُثاةً مِنَ المَوْقِفِ إلى شاطِئِ جَهَنَّمَ إهانَةً بِهِمْ، أوْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ القِيامِ لِما عَراهم مِنَ الشِّدَّةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ( جِثِيًّا ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences