Al-BaydawiAl‑Baqarah · 2:109–127

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:109–127

2:109–110Page 17

وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩

Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allāh delivers His command. Indeed, Allāh is over all things competent.

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٠

And establish prayer and give zakāh, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. Indeed Allāh, of what you do, is Seeing.

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ يَعْنِي أحْبارَهم. ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ أنْ يَرُدُّوكُمْ، فَإنَّ لَوْ تَنُوبُ عَنْ أنْ في المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ: ﴿مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾ مُرْتَدِّينَ، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ﴿حَسَدًا﴾ عِلَّةُ ودَّ.

﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِوَدَّ، أيْ تَمَنَّوْا ذَلِكَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ وتَشَهِّيهِمْ، لا مِن قِبَلِ التَّدَيُّنِ والمَيْلِ مَعَ الحَقِّ. أوْ بِحَسَدًا أيْ حَسَدًا بالِغًا مُنْبَعِثًا مِن أصْلِ نُفُوسِهِمْ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ بِالمُعْجِزاتِ والنُّعُوتِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ. ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ العَفْوُ تَرْكُ عُقُوبَةِ المُذْنِبِ، والصَّفْحُ تُرْكُ تَثْرِيبِهِ. ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ الَّذِي هو الإذْنُ في قِتالِهِمْ وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ قَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الأمْرُ غَيْرُ مُطْلَقٍ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم.

﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ عَطْفٌ عَلى فاعْفُوا كَأنَّهُ أمَرَهم بِالصَّبْرِ والمُخالَفَةِ واللَّجَأِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ والبِرِّ ﴿وَما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ كَصَلاةٍ وصَدَقَةٍ. وقُرِئَ « تُقْدِمُوا» مِن أقْدَمَ ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ ثَوابَهُ.

﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلٌ. وقُرِئَ بِالياءِ فَيَكُونُ وعِيدًا.

2:111–112Page 17

وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١١١

And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking. Say, "Produce your proof, if you should be truthful."

بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١١٢

Yes, [on the contrary], whoever submits his face [i.e., self] in Islām to Allāh while being a doer of good will have his reward with his Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

(p-101)﴿وَقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وَدَّ﴾، والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ لَفٌّ بَيْنَ قَوْلَيِ الفَرِيقَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ ثِقَةٌ بِفَهْمِ السّامِعِ، وهُودٌ جَمْعُ هائِدٍ كَعُوذٍ وعائِذٍ، وتَوْحِيدُ الِاسْمِ المُضْمَرِ في كانَ وجَمْعُ الخَبَرِ لِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى.

﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الأمانِي المَذْكُورَةِ، وهي أنْ لا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهُمْ، أوْ إلى ما في الآيَةِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ الأُمْنِيَةِ أمانِيُّهُمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ والأُمْنِيَةُ أُفْعُولَةٌ مِنَ التَّمَنِّي كالأُضْحُوكَةِ والأُعْجُوبَةِ. ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ عَلى اخْتِصاصِكم بِدُخُولِ الجَنَّةِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم فَإنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ غَيْرُ ثابِتٍ.

﴿بَلى﴾ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أخْلَصَ لَهُ نَفْسَهُ أوْ قَصَدَهُ، وأصْلُهُ العُضْوُ ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عَمَلِهِ ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾ الَّذِي وُعِدَ لَهُ عَلى عَمَلِهِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ثابِتًا عَنْ رَبِّهِ لا يَضِيعُ ولا يَنْقُصُ، والجُمْلَةُ جَوابُ مَن إنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً وخَبَرُها إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً. والفاءُ فِيها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ فَيَكُونُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ: بَلى وحْدَهُ، ويَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مَن أسْلَمَ﴾ فاعِلَ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِثْلِ بَلى يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في الآخِرَةِ.

2:113Page 18

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١١٣

The Jews say, "The Christians have nothing [true] to stand on," and the Christians say, "The Jews have nothing to stand on," although they [both] recite the Scripture. Thus do those who know not [i.e., the polytheists] speak the same as their words. But Allāh will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ عَلى أمْرٍ يَصِحُّ ويُعْتَدُّ بِهِ. نَزَلَتْ لَمّا قَدِمَ وفْدُ نَجْرانَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأتاهم أحْبارُ اليَهُودِ فَتَناظَرُوا وتَقاوَلُوا بِذَلِكَ. ﴿وَهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ أيْ: قالُوا ذَلِكَ وهم مِن أهْلِ العِلْمِ والكِتابِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ كَعَبَدَةِ الأصْنامِ، والمُعَطِّلَةِ. وبَّخَهم عَلى المُكابَرَةِ والتَّشَبُّهِ بِالجُهّالِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ وبَّخَهم وقَدْ صَدَقُوا، فَإنَّ كِلا الدِّينَيْنِ بَعْدَ النَّسْخِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؟ قُلْتُ: لَمْ يَقْصِدُوا ذَلِكَ، وإنَّما قَصَدَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ إبْطالَ دِينِ الآخَرِ مِن أصْلِهِ والكَفْرَ بِنَبِيِّهِ وكِتابِهِ مَعَ أنَّ ما لَمْ يُنْسَخْ مِنهُما حَقٌّ واجِبُ القَبُولِ والعَمَلِ بِهِ ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ﴾ يَفْصِلُ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بِما يَقْسِمُ لِكُلِّ فَرِيقٍ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ العِقابِ. وقِيلَ حُكْمُهُ بَيْنَهم أنْ يُكَذِّبَهم ويُدْخِلَهُمُ النّارَ.

2:114Page 18

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤

And who are more unjust than those who prevent the name of Allāh from being mentioned [i.e., praised] in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ عامٌّ لِكُلِّ مَن خَرَّبَ مَسْجِدًا، أوْ سَعى في تَعْطِيلِ مَكانٍ مُرَشَّحٍ لِلصَّلاةِ. وإنْ نَزَلَ في الرُّومِ لَمّا غَزَوْا بَيْتَ المَقْدِسِ وخَرَّبُوهُ وقَتَلُوا أهْلَهُ. أوْ في المُشْرِكِينَ لَمّا مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ ثانِي مَفْعُولَيْ مَنَعَ ﴿وَسَعى في خَرابِها﴾ بِالهَدْمِ، أوِ التَّعْطِيلِ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المانِعُونَ ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ ما كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا بِخَشْيَةٍ وخُشُوعٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَجْتَرِئُوا عَلى تَخْرِيبِها، أوْ ما كانَ الحَقُّ أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْنَعُوهم مِنها، أوْ ما كانَ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ، فَيَكُونُ وعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ واسْتِخْلاصِ المَساجِدِ مِنهم وقَدْ أنْجَزَ وعْدَهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ النَّهْيُ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ في المَسْجِدِ، واخْتَلَفَ الأئِمَّةُ فِيهِ فَجَوَّزَ أبُو حَنِيفَةَ ومَنَعَ مالِكٌ، وفَرَّقَ الشّافِعِيُّ بَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ وغَيْرِهِ ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ قَتْلٌ وسَبْيٌ، أوْ ذِلَّةٌ بِضَرْبِ الجِزْيَةِ ﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ بِكُفْرِهِمْ وظُلْمِهِمْ.(p-102)

2:115Page 18

وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ١١٥

And to Allāh belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face1 of Allāh. Indeed, Allāh is all-Encompassing and Knowing.

﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ يُرِيدُ بِهِما ناحِيَتَيِ الأرْضِ، أيْ لَهُ الأرْضُ كُلُّها لا يَخْتَصُّ بِهِ مَكانٌ دُونَ مَكانٍ، فَإنْ مُنِعْتُمْ أنْ تُصَلُّوا في المَسْجِدِ الحَرامِ أوِ الأقْصى فَقَدْ جُعِلَتْ لَكُمُ الأرْضُ مَسْجِدًا. ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾ فَفي أيِّ مَكانٍ فَعَلْتُمُ التَّوْلِيَةَ شَطْرَ القِبْلَةِ ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ أيْ جِهَتُهُ الَّتِي أمَرَ بِها فَإنَّ إمْكانَ التَّوْلِيَةِ لا يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ أوْ مَكانٍ. أوْ فَثَمَّ ذاتُهُ: أيْ هو عالِمٌ مُطَّلِعٌ بِما يَفْعَلُ فِيهِ ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ﴾ بِإحاطَتِهِ بِالأشْياءِ أوْ بِرَحْمَتِهِ يُرِيدُ التَّوْسِعَةَ عَلى عِبادِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِمَصالِحِهِمْ وأعْمالِهِمْ في الأماكِنِ كُلِّها وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في صَلاةِ المُسافِرِ عَلى الرّاحِلَةِ: وقِيلَ: في قَوْمٍ عُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ القِبْلَةُ فَصَلُّوا إلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلَمّا أصْبَحُوا تَبَيَّنُوا خَطَأهُمْ، وعَلى هَذا لَوْ أخْطَأ المُجْتَهِدُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الخَطَأُ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّدارُكُ. وقِيلَ هي تَوْطِئَةٌ لِنَسْخِ القِبْلَةِ وتَنْزِيهٌ لِلْمَعْبُودِ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ وِجْهَةٍ.

2:116Page 18

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ١١٦

They say, "Allāh has taken a son." Exalted is He!1 Rather, to Him belongs whatever is in the heavens and the earth. All are devoutly obedient to Him,

﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ نَزَلَتْ لَمّا قالَ اليَهُودُ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، والنَّصارى: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، ومُشْرِكُو العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وعَطْفُهُ عَلى قالَتِ اليَهُودُ، أوْ مَنَعَ، أوْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمَن أظْلَمُ﴾ .

وَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ واوٍ ﴿سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ والحاجَةَ وسُرْعَةَ الفَناءِ، ألا تَرى أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ مَعَ إمْكانِها وفَنائِها لَمّا كانَتْ باقِيَةً ما دامَ العالَمُ، لَمْ تَتَّخِذْ ما يَكُونُ لَها كالوَلَدِ اتِّخاذَ الحَيَوانِ والنَّباتِ، اخْتِيارًا أوْ طَبْعًا. ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ رَدٌّ لِما قالُوهُ، واسْتِدْلالٌ عَلى فَسادِهِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى خالِقٌ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ والمَسِيحٌ ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ مُنْقادُونَ لا يَمْتَنِعُونَ عَنْ مَشِيئَتِهِ وتَكْوِينِهِ، وكُلُّ ما كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُجانِسْ مُكَوِّنَهُ الواجِبَ لِذاتِهِ: فَلا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ، لِأنَّ مِن حَقِّ الوَلَدِ أنْ يُجانِسَ والِدَهُ، وإنَّما جاءَ بِما الَّذِي لِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ، وقالَ قانِتُونَ عَلى تَغْلِيبِ أُولِي العِلْمِ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ، وتَنْوِينُ كُلٍّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ ما فِيهِما. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ كُلُّ مَن جَعَلُوهُ ولَدًا لَهُ مُطِيعُونَ مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، فَيَكُونُ إلْزامًا بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ، والآيَةُ مُشْعِرَةٌ عَلى فَسادِ ما قالُوهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، واحْتَجَّ بِها الفُقَهاءُ عَلى أنَّ مَن مَلَكَ ولَدَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَعالى نَفى الوَلَدَ بِإثْباتِ المِلْكِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تُنافِيَهِما.

2:117Page 18

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧

Originator of the heavens and the earth. When He decrees a matter, He only says to it, "Be," and it is.

﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُبْدِعُهُما، ونَظِيرُهُ السَّمِيعُ في قَوْلِهِ:

؎ أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ... يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ

أوْ بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، مِن بَدَّعَ فَهو بَدِيعٌ، وهو حُجَّةٌ رابِعَةٌ. وتَقْرِيرُها أنَّ الوالِدَ عُنْصُرُ الوَلَدِ المُنْفَعِلُ بِانْفِصالِ مادَّتِهِ عَنْهُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُبْدِعُ الأشْياءِ كُلِّها، فاعِلٌ عَلى الإطْلاقِ، مُنَزَّهٌ عَنِ الِانْفِعالِ، فَلا يَكُونُ والِدًا. والإبْداعُ: اخْتِراعُ الشَّيْءِ لا عَنِ الشَّيْءِ دُفْعَةً، وهو ألْيَقُ بِهَذا المَوْضُوعِ مِنَ الصُّنْعِ الَّذِي هُوَ: تَرْكِيبُ الصُّوَرِ لا بِالعُنْصُرِ، والتَّكْوِينُ الَّذِي يَكُونُ بِتَغْيِيرٍ وفي زَمانٍ غالِبًا. وقُرِئَ بَدِيعِ مَجْرُورًا عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهُ. وبَدِيعَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ.

﴿وَإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أرادَ شَيْئًا، وأصْلُ القَضاءِ إتْمامُ الشَّيْءِ قُوَّةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾، أوْ فِعْلًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ . وأُطْلِقَ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُهُ.

﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن كانَ التّامَّةِ بِمَعْنى احْدُثْ فَيَحْدُثُ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَةَ أمْرٍ وامْتِثالٍ، بَلْ (p-103)تَمْثِيلِ حُصُولِ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ بِلا مُهْلَةٍ بِطاعَةِ المَأْمُورِ المُطِيعِ بِلا تَوَقُّفٍ. وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى الإبْداعِ، وإيماءٌ إلى حُجَّةٍ خامِسَةٍ وهِيَ: أنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ مِمّا يَكُونُ بِأطْوارٍ ومُهْلَةٍ، وفِعْلُهُ تَعالى مُسْتَغْنٍ عَنْ ذَلِكَ. وقَرَأابْنُ عامِرٍ « فَيَكُونَ» بِفَتْحِ النُّونِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ في هَذِهِ الضَّلالَةِ أنَّ أرْبابَ الشَّرائِعِ المُتَقَدَّمَةِ كانُوا يُطْلِقُونَ الأبَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أنَّهُ السَّبَبُ الأوَّلُ، حَتّى قالُوا إنَّ الأبَ هو الرَّبُّ الأصْغَرُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الرَّبُّ الأكْبَرُ، ثُمَّ ظَنَّتِ الجَهَلَةُ مِنهم أنَّ المُرادَ بِهِ مَعْنى الوِلادَةِ، فاعْتَقَدُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا، ولِذَلِكَ كَفَرَ قائِلُهُ ومُنِعَ مِنهُ مُطْلَقًا حَسْمًا لِمادَّةِ الفَسادِ.

2:118Page 18

وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ١١٨

Those who do not know say, "Why does Allāh not speak to us or there come to us a sign?" Thus spoke those before them like their words. Their hearts resemble each other. We have shown clearly the signs to a people who are certain [in faith].

﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ جَهَلَةُ المُشْرِكِينَ، أوِ المُتَجاهِلُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ. ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ هَلّا يُكَلِّمُنا اللَّهُ كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ، أوْ يُوحِي إلَيْنا بِأنَّكَ رَسُولُهُ. ﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ حُجَّةٌ عَلى صِدْقِكَ، والأوَّلُ اسْتِكْبارٌ والثّانِي جَحُودٌ، لِأنَّ ما أتاهم آياتُ اللَّهِ اسْتِهانَةً بِهِ وعِنادًا، ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ فَقالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ . ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قُلُوبُ هَؤُلاءِ ومَن قَبْلَهم في العَمى والعِنادِ. وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ. ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ اليَقِينَ، أوْ يُوقِنُونَ الحَقائِقَ لا يَعْتَرِيهِمْ شُبْهَةٌ ولا عِنادٌ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم ما قالُوا ذَلِكَ لِخَفاءٍ في الآياتِ أوْ لِطَلَبِ مَزِيدِ اليَقِينِ، وإنَّما قالُوهُ عُتُوًّا وعِنادًا.

2:119–120Page 18

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ ١١٩

Indeed, We have sent you, [O Muḥammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.

وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠

And never will the Jews and the Christians approve of you until you follow their religion. Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance." If you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, you would have against Allāh no protector or helper.

﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ مُتَلَبِّسًا مُؤَيَّدًا بِهِ. ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ فَلا عَلَيْكَ إنْ أصَرُّوا وكابَرُوا. ﴿وَلا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ أنْ بَلَغَتْ. وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ: « لا تَسْألُ»، عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِلرَّسُولِ ﷺ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالِ أبَوَيْهِ. أوْ تَعْظِيمٌ لِعُقُوبَةِ الكُفّارِ كَأنَّها لِفَظاعَتِها لا يَقْدِرُ أنْ يُخْبَرَ عَنْها، أوِ السّامِعُ لا يَصْبِرُ عَلى اسْتِماعِ خَبَرِها فَنَهاهُ عَنِ السُّؤالِ. والجَحِيمُ: المُتَأجِّجُ مِنَ النّارِ.

﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ مُبالَغَةٌ في إقْناطِ الرَّسُولِ ﷺ مِن إسْلامِهِمْ، فَإنَّهم إذا لَمْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتّى يَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، فَكَيْفَ يَتَّبِعُونَ مِلَّتَهُ. ولَعَلَّهم قالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فَحَكى اللَّهُ عَنْهم ولِذَلِكَ قالَ: ﴿قُلْ﴾ تَعْلِيمًا لِلْجَوابِ. ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ أيْ هُدى اللَّهِ الَّذِي هو الإسْلامُ هو الهُدى إلى الحَقِّ، لا ما تَدْعُونَ إلَيْهِ. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ آراءَهُمُ الزّائِفَةَ. والمِلَّةُ ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ، مِن أمْلَلْتُ الكِتابَ إذا أمْلَيْتَهُ، والهَوى: رَأْيٌ يَتْبَعُ الشَّهْوَةَ ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيِ الوَحْيِ، أوِ الدِّينِ المَعْلُومِ صِحَّتُهُ. ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ يَدْفَعُ عَنْكَ عِقابَهُ وهو جَوابُ لَئِنْ.

2:121Page 19

ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٢١

Those to whom We have given the Book recite it with its true recital.1 They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يُرِيدُ بِهِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ بِمُراعاةِ اللَّفْظِ عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّدَبُّرِ في مَعْناهُ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ مُؤْمِنُو (p-104)أهْلِ الكِتابِ ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بِكِتابِهِمْ دُونَ المُحَرِّفِينَ. ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ بِالتَّحْرِيفِ والكُفْرِ بِما يُصَدِّقُهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ حَيْثُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ.

2:122–123Page 19

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٢

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ١٢٣

And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ لَمّا صَدَّرَ قِصَّتَهم بِالأمْرِ بِذِكْرِ النِّعَمِ، والقِيامِ بِحُقُوقِها، والحَذَرِ مِن إضاعَتِها، والخَوْفِ مِنَ السّاعَةِ وأهْوالِها، كَرَّرَ ذَلِكَ وخَتَمَ بِهِ الكَلامَ مَعَهم مُبالَغَةً في النُّصْحِ، وإيذانًا بِأنَّهُ فَذْلَكَةُ القَضِيَّةِ والمَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ.

2:124Page 19

۞ وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ ١٢٤

And [mention, O Muḥammad], when Abraham was tried by his Lord with words [i.e., commands] and he fulfilled them. [Allāh] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allāh] said, "My covenant does not include the wrongdoers."

﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ كَلَّفَهُ بِأوامِرَ ونَواهٍ، والِابْتِلاءُ في الأصْلِ التَّكْلِيفُ بِالأمْرِ الشّاقِّ مِنَ البَلاءِ، لَكِنَّهُ لَمّا اسْتَلْزَمَ الِاخْتِبارَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يَجْهَلُ العَواقِبَ ظُنَّ تَرادُفُهُما، والضَّمِيرُ لِإبْراهِيمَ، وحَسُنَ لِتَقَدُّمِهِ لَفْظًا وإنْ تَأخَّرَ رُتْبَةً، لِأنَّ الشَّرْطَ أحَدُ المُتَقَدِّمِينَ، والكَلِماتُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى المَعانِي فَلِذَلِكَ فُسِّرَتْ بِالخِصالِ الثَّلاثِينَ المَحْمُودَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ الآيَةَ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ كَما فُسِّرَتْ بِها في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ وبِالعَشْرِ الَّتِي هي مِن سُنَنِهِ، وبِمَناسِكِ الحَجِّ وبِالكَواكِبِ، والقَمَرَيْنِ، والخِتانِ، وذَبْحِ الوَلَدِ، والنّارِ، والهِجْرَةِ. عَلى أنَّهُ تَعالى عامَلَهُ بِها مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِهِنَّ وبِما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ الَّتِي بَعْدَها. وقُرِئَ « إبْراهِيمُ رَبَّهُ» عَلى أنَّهُ دَعا رَبَّهُ بِكَلِماتٍ مِثْلِ ﴿أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ . و ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ إبْراهامَ بِالألِفِ جَمِيعَ ما في هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ فَأدّاهُنَّ كُمَّلًا وقامَ بِهِنَّ حَقَّ القِيامِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ وفى القِراءَةِ الأخِيرَةِ الضَّمِيرُ لِرَبِّهِ، أيْ أعْطاهُ جَمِيعَ ما دَعاهُ. قالَ ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ اسْتِئْنافٌ إنْ أضْمَرْتَ ناصِبَ إذْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ رَبُّهُ حِينَ أتَمَّهُنَّ، فَأُجِيبَ بِذَلِكَ. أوْ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿ابْتَلى﴾ فَتَكُونُ الكَلِماتُ ما ذَكَرَهُ مِنَ الإمامَةِ، وتَطْهِيرِ البَيْتِ، ورَفْعِ قَواعِدِهِ، والإسْلامِ. وإنْ نَصَبْتَهُ يُقالُ فالمَجْمُوعُ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، أوْ جاعِلٌ مِن جَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولانِ، والإمامُ اسْمٌ لِمَن يُؤْتَمُّ بِهِ وإمامَتُهُ عامَّةٌ مُؤَبَّدَةٌ، إذْ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إلّا كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَأْمُورًا بِاتِّباعِهِ. ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ عَطْفٌ عَلى الكافِ أيْ وبَعْضِ ذُرِّيَّتِي، كَما تَقُولُ: وزَيْدًا، في جَوابِ: سَأُكْرِمُكَ، والذُّرِّيَّةُ نَسْلُ الرَّجُلِ، فُعْلِيَّةٌ أوْ فَعُولَةٌ قُلِبَتْ راؤُها الثّانِيَةُ ياءً كَما في تَقَضَّيْتُ. مِنَ الذَّرِّ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ، أوْ فَعُولَةٌ أوْ فِعْلِيَّةٌ قُلِبَتْ هَمْزَتُها مِنَ الذَّرَّةِ بِمَعْنى الخَلْقِ. وقُرِئَ « ذِرِّيَّتِي» بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ. ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ إجابَةٌ إلى مُلْتَمِسِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِهِ ظَلَمَةٌ، وأنَّهم لا يَنالُونَ الإمامَةَ لِأنَّها أمانَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وعَهْدٌ، والظّالِمُ لا يَصْلُحُ لَها، وإنَّما يَنالُها البَرَرَةُ الأتْقِياءُ مِنهم. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ البَعْثَةِ، وأنَّ الفاسِقَ لا يَصْلُحُ لِلْإمامَةِ. وقُرِئَ « الظّالِمُونَ» والمَعْنى واحِدٌ إذْ كُلُّ ما نالَكَ فَقَدْ نِلْتَهُ.

2:125Page 19

وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥

And [mention] when We made the House [i.e., the Kaʿbah] a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."

﴿وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ أيِ الكَعْبَةَ، غَلَبَ عَلَيْها كالنَّجْمِ عَلى الثُّرَيّا. ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ مَرْجِعًا يَثُوبُ إلَيْهِ أعْيانُ (p-105)الزُّوّارِ أوْ أمْثالُهُمْ، أوْ مَوْضِعَ ثَوابٍ يُثابُونَ بِحَجِّهِ واعْتِمارِهِ. وقُرِئَ: « مَثاباتٍ» أيْ لِأنَّهُ مَثابَةُ كُلِّ أحَدٍ.

﴿وَأمْنًا﴾ ومَوْضِعَ أمْنٍ لا يُتَعَرَّضُ لِأهْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ . ﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾، أوْ يَأْمَنُ حاجُّهُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ مِن حَيْثُ إنَّ الحَجَّ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، أوْ لا يُؤاخَذُ الجانِي المُلْتَجِئُ إلَيْهِ حَتّى يَخْرُجَ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ عَطْفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا لِإذْ، أوِ اعْتِراضٌ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ تُوبُوا إلَيْهِ واتَّخِذُوا، عَلى أنَّ الخِطابَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو أمْرُ اسْتِحْبابٍ، ومَقامُ إبْراهِيمَ هو الحَجَرُ الَّذِي فِيهِ أثَرُ قَدَمِهِ، أوِ المَوْضِعُ الَّذِي كانَ فِيهِ الحَجَرُ حِينَ قامَ عَلَيْهِ ودَعا النّاسَ إلى الحَجِّ، أوْ رَفَعَ بِناءَ البَيْتِ وهو مَوْضِعُهُ اليَوْمَ.

رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: «هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ، فَقالَ عُمَرُ: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَقالَ: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، فَلَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ حَتّى نَزَلَتْ»

وَقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأمْرُ بِرَكْعَتَيِ الطَّوافِ، لِما «رَوى جابِرٌ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَمّا فَرَغَ مِن طَوافِهِ عَمَدَ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ فَصَلّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ وقَرَأ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾» .

وَلِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في وُجُوبِهِما قَوْلانِ. وقِيلَ: مَقامُ إبْراهِيمَ الحَرَمُ كُلُّهُ. وقِيلَ: مَواقِفُ الحَجِّ واتِّخاذُها مُصَلًّى أنْ يُدْعى فِيها، ويُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ « واتَّخَذُوا» بِلَفْظِ الماضِي عَطْفًا عَلى ﴿جَعَلْنا﴾، أيْ: واتَّخَذُوا النّاسُ مَقامَهُ المَوْسُومَ بِهِ، يَعْنِي الكَعْبَةَ قِبْلَةً يُصَلُّونَ إلَيْها. ﴿وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ أمَرْناهُما. ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ بِأنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً لِتَضَمُّنِ العَهْدِ مَعْنى القَوْلِ، يُرِيدُ طَهِّراهُ مِنَ الأوْثانِ والأنْجاسِ وما لا يَلِيقُ بِهِ، أوْ أخْلِصاهُ. ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ حَوْلَهُ. ﴿والعاكِفِينَ﴾ المُقِيمِينَ عِنْدَهُ، أوِ المُعْتَكِفِينَ فِيهِ ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أيِ المُصَلِّينَ، جَمْعُ راكِعٍ وساجِدٍ.

2:126Page 19

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٢٦

And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allāh and the Last Day." [Allāh] said, "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا﴾ يُرِيدُ بِهِ البَلَدَ، أوِ المَكانَ. ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ ذا أمْنٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ . أوْ آمِنًا أهْلُهُ كَقَوْلِكَ: لَيْلٌ نائِمٌ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أبْدَلَ مِن ﴿مَن آمَنَ﴾ ﴿أهْلَهُ﴾ بَدَلَ البَعْضِ لِلتَّخْصِيصِ ﴿قالَ ومَن كَفَرَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿آمَنَ﴾ والمَعْنى وارْزُقْ مِن كَفَرَ، قاسَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرِّزْقَ عَلى الإمامَةِ، فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ الرِّزْقَ رَحْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ تَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، بِخِلافِ الإمامَةِ والتَّقَدُّمِ في الدِّينِ. أوْ مُبْتَدَأٌ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ خَبَرُهُ، والكُفْرُ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِلتَّمْتِيعِ لَكِنَّهُ سَبَبٌ لِتَقْلِيلِهِ، بِأنْ يَجْعَلَهُ مَقْصُورًا بِحُظُوظِ الدُّنْيا غَيْرَ مُتَوَسَّلٍ بِهِ إلى نَيْلِ الثَّوابِ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾ أيْ ألَزُّهُ إلَيْهِ لَزَّ المُضْطَرِّ لِكُفْرِهِ وتَضْيِيعِهِ ما مَتَّعْتُهُ بِهِ مِنَ النِّعَمِ، وقَلِيلًا نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أوِ الظَّرْفِ. وقُرِئَ بِلَفْظِ الأمْرِ فِيهِما عَلى أنَّهُ مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ وفي قالَ ضَمِيرُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فَأمْتَعَهُ مَن أمْتَعَ. وقُرِئَ « فَنُمَتِّعُهُ» ثُمَّ نَضْطَرُّهُ، و « إضْطَرُّهُ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى لُغَةِ مَن يَكْسِرُ حُرُوفَ المُضارَعَةِ، و « أطَّرُّهُ» بِإدْغامِ الضّادِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ حُرُوفَ « ضم شفر» يُدْغَمُ فِيها ما يُجاوِرُها دُونَ العَكْسِ.

﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وهو العَذابُ.

2:127Page 20

وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧

And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed, You are the Hearing,1 the Knowing.2

﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ حِكايَةٌ حالٌ ماضِيَةٌ، و ﴿القَواعِدَ﴾ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي الأساسُ صِفَةٌ غالِبَةٌ مِنَ القُعُودِ، بِمَعْنى الثَّباتِ، ولَعَلَّهُ مَجازٌ مِنَ المُقابِلِ لِلْقِيامِ، ومِنهُ قِعْدَكَ اللَّهَ، ورَفَعَها البِناءُ عَلَيْها فَإنَّهُ يَنْقُلُها عَنْ هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها سافّاتُ البِناءِ فَإنَّ كُلَّ سافٍ قاعِدَةٌ ما يُوضَعُ (p-106)فَوْقَهُ ويَرْفَعُها بِناؤُها. وقِيلَ المُرادُ رَفْعُ مَكانَتِهِ وإظْهارُ شَرَفِهِ بِتَعْظِيمِهِ ودُعاءِ النّاسِ إلى حَجِّهِ. وفي إبْهامِ القَواعِدِ وتَبْيِينِها تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها. ﴿وَإسْماعِيلُ﴾ كانَ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ لَهُ مَدْخَلٌ في البِناءِ عُطِفَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: كانا يَبْنِيانِ في طَرَفَيْنِ، أوْ عَلى التَّناوُبِ. ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ أيْ يَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا، وقَدْ قُرِئَ بِهِ والجُمْلَةُ حالٌ مِنهُما. ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ﴾ لِدُعاتِنا ﴿العَلِيمُ﴾ بِنِيّاتِنا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском