Al-BaydawiAl‑Baqarah · 2:128–143

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:128–143

2:128–129Page 20

رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨

Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites [of worship] and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of Repentance, the Merciful.

رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩

Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might,1 the Wise."

﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ مُخْلِصَيْنِ لَكَ، مِن أسْلَمَ وجْهَهُ، أوْ مُسْتَسْلِمَيْنِ مِن أُسْلِمَ إذا اسْتَسْلَمَ وانْقادَ، والمُرادُ طَلَبُ الزِّيادَةِ في الإخْلاصِ والإذْعانِ، أوِ الثَّباتِ عَلَيْهِ. وقُرِئَ « مُسْلِمِينَ» عَلى أنَّ المُرادَ أنْفَسَهُما وهاجَرَ. أوْ أنَّ التَّثْنِيَةَ مِن مَراتِبِ الجَمْعِ. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ أيْ واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِنا، وإنَّما خَصّا الذُّرِّيَّةَ بِالدُّعاءِ لِأنَّهم أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ، ولِأنَّهم إذا صَلَحُوا صَلَحَ بِهِمُ الأتْباعُ، وخَصّا بَعْضَهم لِما أُعْلِما أنَّ في ذُرِّيَّتِهِما ظَلَمَةً، وعَلِما أنَّ الحِكْمَةَ الإلَهِيَّةَ لا تَقْتَضِي الِاتِّفاقَ عَلى الإخْلاصِ والإقْبالِ الكُلِّيِّ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ مِمّا يُشَوِّشُ المَعاشَ، ولِذَلِكَ قِيلَ: لَوْلا الحَمْقى لَخُرِّبَتِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أرادَ بِالأُمَّةِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ قُدِّمَ عَلى المُبِينِ وفَصَلَ بِهِ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ . ﴿وَأرِنا﴾ مِن رَأى بِمَعْنى أبْصَرَ، أوْ عَرَفَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَتَجاوَزْ مَفْعُولَيْنِ ﴿مَناسِكَنا﴾ مُتَعَبَّداتِنا في الحَجِّ، أوْ مَذابِحَنا. والنُّسُكُ في الأصْلِ غايَةُ العِبادَةِ، وشاعَ في الحَجِّ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ والبُعْدِ عَنِ العادَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والسُّوسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ « أرِنا»، قِياسًا عَلى فَخْذٍ في فَخِذٍ، وفِيهِ إجْحافٌ لِأنَّ الكَسْرَةَ مَنقُولَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ السّاقِطَةِ دَلِيلٌ عَلَيْها. وقَرَأ الدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالِاخْتِلاسِ ﴿وَتُبْ عَلَيْنا﴾ اسْتِتابَةً لِذُرِّيَّتِهِما، أوْ عَمّا فَرَطَ مِنهُما سَهْوًا. ولَعَلَّهُما قالا هَضْمًا لِأنْفُسِهِما وإرْشادًا لِذَرِّيَّتِهِما ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ لِمَن تابَ.

﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ في الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ ولَمْ يَبْعَثْ مِن ذُرِّيَّتِهِما غَيْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهو المُجابُ بِهِ دَعْوَتُهُما كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى، ورُؤْيا أُمِّي» . ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ ويُبَلِّغُهم ما تُوحِي إلَيْهِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ.

﴿والحِكْمَةَ﴾ ما تَكْمُلُ بِهِ نُفُوسُهم مِنَ المَعارِفِ والأحْكامِ. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُقْهَرُ ولا يُغْلَبُ عَلى ما يُرِيدُ ﴿الحَكِيمُ﴾ المُحْكِمُ لَهُ.

2:130Page 20

وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٣٠

And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.

﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ اسْتِبْعادٌ وإنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ الواضِحَةِ الغَرّاءِ، أيْ لا يَرْغَبُ أحَدٌ مِن مِلَّتِهِ. ﴿إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ إلّا مَنِ اسْتَمْهَنَها وأذَلَّها واسْتَخَفَّ بِها. قالَ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ: سَفِهَ بِالكَسْرِ مُتَعَدٍّ وبِالضَّمِّ لازِمٌ، ويَشْهَدُ لَهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ «الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحَقَّ، وتَغْمِصَ النّاسَ» . وقِيلَ: أصْلُهُ سَفُهَ نَفْسُهُ عَلى الرَّفْعِ، فَنُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ نَحْوَ غَبُنَ رَأْيُهُ وألِمَ رَأْسُهُ، وقَوْلِ جَرِيرٍ:

؎ ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذَنابِ عَيْشٍ... أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سِنامُ

أوْ سَفِهَ في نَفْسِهِ، فَنُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ. والمُسْتَثْنى في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى المُخْتارِ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (p-107)يَرْغَبُ لِأنَّهُ في مَعْنى النَّفْيِ. ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حُجَّةٌ وبَيانٌ لِذَلِكَ، فَإنَّ مَن كانَ صَفْوَةَ العِبادِ في الدُّنْيا مَشْهُودًا لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ والصَّلاحِ يَوْمَ القِيامَةِ، كانَ حَقِيقًا بِالِاتِّباعِ لَهُ لا يَرْغَبُ عَنْهُ إلّا سَفِيهٌ، أوْ مُتَسَفِّهٌ أذَلَّ نَفْسَهُ بِالجَهْلِ والإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ.

2:131Page 20

إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٣١

When his Lord said to him, "Submit," he said, "I have submitted [in Islām]1 to the Lord of the worlds."

﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿اصْطَفَيْناهُ﴾، أوْ تَعْلِيلٌ لَهُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ. كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِتَعْلَمَ أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ المُسْتَحِقُّ لِلْإمامَةِ والتَّقَدُّمِ، وأنَّهُ نالَ ما نالَ بِالمُبادَرَةِ إلى الإذْعانِ وإخْلاصِ السِّرِّ حِينَ دَعاهُ رَبُّهُ وأخْطَرَ بِبالِهِ دَلائِلَهُ المُؤَدِّيَةَ إلى المَعْرِفَةِ الدّاعِيَةَ إلى الإسْلامِ.

رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ لَمّا دَعا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ابْنَيْ أخِيهِ: سَلَمَةَ ومُهاجِرًا إلى الإسْلامِ، فَأسْلَمَ سَلَمَةُ وأبى مُهاجِرٌ.

2:132Page 20

وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢

And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allāh has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."

﴿وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ التَّوْصِيَةُ هي التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ بِفِعْلٍ فِيهِ صَلاحٌ وقُرْبَةٌ، وأصْلُها الوَصْلُ يُقالُ: وصّاهُ إذا وصَلَهُ، وفَصّاهُ: إذا فَصَلَهُ، كَأنَّ المُوصِيَ يَصِلُ فِعْلَهُ بِفِعْلِ المُوصى، والضَّمِيرُ في بِها لِلْمِلَّةِ، أوْ لِقَوْلِهِ أسْلَمْتُ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ « ووَصّى» والأوَّلُ أبْلَغُ ويَعْقُوبُ عَطَفَ عَلى إبْراهِيمَ، أيْ ووَصّى هو أيْضًا بِها بَنِيهِ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مِمَّنْ وصّاهُ إبْراهِيمُ ﴿يا بَنِيَّ﴾ . عَلى إضْمارِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، مُتَعَلِّقٌ بِوَصّى عِنْدَ الكُوفِيِّينَ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ ونَظِيرُهُ:

؎ رَجُلانِ مِن ضَبَّةَ أخْبَرانا... أنّا رَأيْنا رَجُلًا عُرْيانا

بِالكَسْرِ، وبَنُو إبْراهِيمَ كانُوا أرْبَعَةً: إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ومَدْيَنَ ومُدانَ. وقِيلَ: ثَمانِيَةٌ. وقِيلَ: أرْبَعَةَ عَشَرَ:

وَبَنُو يَعْقُوبَ اثْنا عَشْرَ: رُوبِيلُ وشَمْعُونُ ولاوِي ويَهُوذا ويَشُسُوخُورُ وزُبُولُونُ ونِفْتُونِي ودُونُ وكُوذا وأُوشِيرُ وبِنْيامِينُ ويُوسُفُ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ دِينَ الإسْلامِ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ظاهِرُهُ النَّهْيُ عَنِ المَوْتِ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ، والمَقْصُودُ هو النَّهْيُ عَنْ أنْ يَكُونُوا عَلى خِلافِ تِلْكَ الحالِ إذا ماتُوا، والأمْرُ بِالثَّباتِ عَلى الإسْلامِ كَقَوْلِكَ: لا تُصَلِّ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَوْتَهم لا عَلى الإسْلامِ مَوْتٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وأنَّ مِن حَقِّهِ أنْ لا يَحِلَّ بِهِمْ، ونَظِيرُهُ في الأمْرِ مُتْ وأنْتَ شَهِيدٌ.

وَرُوِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ يَعْقُوبَ أوْصى بَنِيهِ بِاليَهُودِيَّةِ يَوْمَ ماتَ فَنَزَلَتْ.

2:133Page 20

أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٣

Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God.1 And we are Muslims [in submission] to Him."

﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ، أيْ ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ وقالَ لِبَنِيهِ ما قالَ فَلِمَ تَدَّعُونَ اليَهُودِيَّةَ عَلَيْهِ، أوْ مُتَّصِلَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أكَنْتُمْ غائِبِينَ أمْ كُنْتُمْ شاهِدِينَ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمَعْنى ما شاهَدْتُمْ ذَلِكَ وإنَّما عَلِمْتُمُوهُ بِالوَحْيِ وقُرِئَ « حَضِرَ» بِالكَسْرِ.

﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ حَضَرَ﴾ . ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ، أرادَ بِهِ تَقْرِيرَهم عَلى التَّوْحِيدِ والإسْلامِ وأخْذَ مِيثاقِهِمْ عَلى الثَّباتِ عَلَيْهِما، وما يُسْألُ بِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ما لَمْ يُعْرَفْ، فَإذا عُرِفَ خُصَّ العُقَلاءُ بِمَن إذا سُئِلَ عَنْ تَعْيِينِهِ، وإنْ سُئِلَ عَنْ وصْفِهِ قِيلَ: ما زَيْدٌ أفَقِيهٌ أمْ طَبِيبٌ؟ (p-108)﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ المُتَّفَقَ عَلى وُجُودِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ ووُجُوبِ عِبادَتِهِ، وعَدَّ إسْماعِيلَ مِن آبائِهِ تَغْلِيبًا لِلْأبِ والجَدِّ، أوْ لِأنَّهُ كالأبِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبِيهِ» . كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «هَذا بَقِيَّةُ آبائِي» . وقُرِئَ « إلَهَ أبِيكَ»، عَلى أنَّهُ جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ كَما قالَ:

؎ ولَمّا تَبَيَّنَّ أصْواتَنا... بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبِينا

أوْ مُفْرَدٌ وإبْراهِيمُ وحْدَهُ عَطْفُ بَيانٍ.

﴿إلَهًا واحِدًا﴾ بَدَلٌ مِن « إلَهَ آبائِكَ» كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ . وفائِدَتُهُ التَّصْرِيحُ بِالتَّوْحِيدِ، ونُفِيَ التَّوَهُّمُ النّاشِئُ مِن تَكْرِيرِ المُضافِ لِتَعَذُّرِ العَطْفِ عَلى المَجْرُورِ والتَّأْكِيدِ، أوْ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ نَعْبُدُ أوْ مَفْعُولِهِ، أوْ مِنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا.

2:134Page 20

تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٤

That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ يَعْنِي إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِما، والأُمَّةُ في الأصْلِ المَقْصُودُ وسَمِّيَ بِها الجَماعَةُ، لِأنَّ الفِرَقَ تَؤُمُّها. ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ لِكُلٍّ أجْرُ عَمَلِهِ، والمَعْنى أنَّ انْتِسابَكم إلَيْهِمْ لا يُوجِبُ انْتِفاعَكم بِأعْمالِهِمْ، وإنَّما تَنْتَفِعُونَ بِمُوافَقَتِهِمْ واتِّباعِهِمْ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يَأْتِينِي النّاسُ بِأعْمالِهِمْ وتَأْتُونِي بِأنْسابِكم»

﴿وَلا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ كَما لا تُثابُونَ بِحَسَناتِهِمْ.

2:135Page 21

وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٣٥

They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."1

﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ الضَّمِيرُ الغائِبُ لِأهْلِ الكِتابِ وأوْ لِلتَّنْوِيعِ، والمَعْنى مَقالَتُهم أحَدَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. قالَتِ اليَهُودُ كُونُوا هُودًا. وقالَ النَّصارى كُونُوا نَصارى ﴿تَهْتَدُوا﴾ جَوابُ الأمْرِ. ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ بَلْ تَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ، أوْ بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ مِلَّتُهُ مِلَّتُنا، أوْ عَكْسُهُ، أوْ نَحْنُ مِلَّتُهُ بِمَعْنى نَحْنُ أهْلُ مِلَّتِهِ. ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ. حالٌ مِنَ المُضافِ أوِ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾ . ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّهم يَدَّعُونَ اتِّباعَهُ وهم مُشْرِكُونَ.

2:136Page 21

قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٦

Say, [O believers], "We have believed in Allāh and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants [al-Asbāṭ]1 and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."

﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ . ﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ القُرْآنُ، قَدَّمَ ذِكْرَهُ لِأنَّهُ أوَّلُ بِالإضافَةِ إلَيْنا، أوْ سَبَبٌ لِلْإيمانِ بِغَيْرِهِ ﴿وَما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ الصُّحُفُ، وهي وإنْ نَزَلَتْ إلى إبْراهِيمَ لَكِنَّهم لَمّا كانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِتَفاصِيلِها داخِلِينَ تَحْتَ أحْكامِها فَهي أيْضًا مُنَزَّلَةٌ إلَيْهِمْ، كَما أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ إلَيْنا، والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ وهو الحافِدُ، يُرِيدُ بِهِ حَفَدَةَ يَعْقُوبَ، أوْ أبْناءَهُ وذَرارِيَّهم فَإنَّهم حَفَدَةُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ بِحُكْمٍ أبْلَغَ لِأنَّ أمْرَهُما بِالإضافَةِ إلى مُوسى وعِيسى مُغايِرٌ لِما سَبَقَ، والنِّزاعُ وقَعَ فِيهِما ﴿وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ جُمْلَةُ المَذْكُورِينَ مِنهم وغَيْرِ المَذْكُورِينَ. ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ مُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ كاليَهُودِ، فَنُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، وأحَدٌ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ عامٌّ فَساغَ أنْ يُضافَ إلَيْهِ بَيْنَ.

﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ أيْ لِلَّهِ. ﴿مُسْلِمُونَ﴾ مُذْعِنُونَ مُخْلِصُونَ.(p-109)

2:137Page 21

فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧

So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allāh will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.

﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ مِن بابِ التَّعْجِيزِ والتَّبْكِيتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ إذْ لا مِثْلَ لِما آمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ، ولا دِينَ كَدِينِ الإسْلامِ. وقِيلَ: الباءُ لِلْآلَةِ دُونَ التَّعْدِيَةِ، والمَعْنى إنْ تَحَرَّوُا الإيمانَ بِطَرِيقٍ يَهْدِي إلى الحَقِّ مِثْلَ طَرِيقِكُمْ، فَإنَّ وحْدَةَ المَقْصِدِ لا تَأْبى تَعَدُّدَ الطُّرُقِ، أوْ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ . والمَعْنى فَإنْ آمَنُوا بِاللَّهِ إيمانًا مِثْلَ إيمانِكم بِهِ، أوِ المِثْلُ مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ أيْ عَلَيْهِ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِما آمَنتُمْ بِهِ أوْ بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ أيْ إنْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ، أوْ عَمّا تَقُولُونَ لَهم فَما هم إلّا في شِقاقِ الحَقِّ، وهو المُناوَأةُ والمُخالَفَةُ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَخالِفِينَ في شِقٍّ غَيْرَ شِقٍّ الآخَرِ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ تَسْلِيَةٌ وتَسْكِينٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووَعْدٌ لَهم بِالحِفْظِ والنُّصْرَةِ عَلى مَن ناوَأهم ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ إمّا مِن تَمامِ الوَعْدِ، بِمَعْنى أنَّهُ يَسْمَعُ أقْوالَكم ويَعْلَمُ إخْلاصَكم وهو مُجازِيكم لا مَحالَةَ، أوْ وعِيدٌ لِلْمُعْرِضِينَ، بِمَعْنى أنَّهُ يَسْمَعُ ما يُبْدُونَ ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وهو مُعاقِبُهم عَلَيْهِ.

2:138Page 21

صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ١٣٨

[And say, "Ours is] the religion of Allāh. And who is better than Allāh in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."

﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيْ صَبَغَنا اللَّهُ صِبْغَتَهُ، وهي فِطْرَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، فَإنَّها حِلْيَةُ الإنْسانِ كَما أنَّ الصِّبْغَةَ حِلْيَةُ المَصْبُوغِ، أوْ هَدانا اللَّهُ هِدايَتَهُ وأرْشَدَنا حُجَّتَهُ، أوْ طَهَّرَ قُلُوبَنا بِالإيمانِ تَطْهِيرَهُ، وسَمّاهُ صِبْغَةً لِأنَّهُ ظَهَرَ أثَرُهُ عَلَيْهِمْ ظُهُورَ الصَّبْغِ عَلى المَصْبُوغِ، وتَداخَلَ في قُلُوبِهِمْ تَداخُلَ الصَّبْغِ الثَّوْبَ، أوْ لِلْمُشاكَلَةِ، فَإنَّ النَّصارى كانُوا يَغْمِسُونَ أوْلادَهم في ماءٍ أصْفَرَ يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَقُولُونَ: هو تَطْهِيرٌ لَهم وبِهِ تَتَحَقَّقُ نَصْرانِيَّتُهُمْ، ونَصْبُها عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿آمَنّا﴾، وقِيلَ عَلى الإغْراءِ، وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ لا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ ﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ تَعْرِيضٌ بِهِمْ، أيْ لا نَشْرُكُ بِهِ كَشِرْكِكم. وهو عَطْفٌ عَلى ﴿آمَنّا﴾، وذَلِكَ يَقْتَضِي دُخُولَ قَوْلِهِ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ في مَفْعُولِ ﴿قُولُوا﴾ ولِمَن يَنْصِبُها عَلى الإغْراءِ أوِ البَدَلِ أنْ يُضْمِرَ قُولُوا مَعْطُوفًا عَلى الزَمُوا، أوِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ و ﴿قُولُوا آمَنّا﴾ بَدَلُ اتَّبِعُوا، حَتّى لا يَلْزَمُ فَكُّ النَّظْمِ وسُوءُ التَّرْتِيبِ.

2:139Page 21

قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ ١٣٩

Say, [O Muḥammad], "Do you argue with us about Allāh while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."

﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾ أتُجادِلُونَنا. ﴿فِي اللَّهِ﴾ في شَأْنِهِ واصْطِفائِهِ نَبِيًّا مِنَ العَرَبِ دُونَكُمْ، رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: الأنْبِياءُ كُلُّهم مِنّا، لَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَكُنْتَ مِنّا. فَنَزَلَتْ: ﴿وَهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، يُصِيبُ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. ﴿وَلَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُكْرِمَنا بِأعْمالِنا، كَأنَّهُ ألْزَمَهم عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ يَنْتَحِلُونَهُ إفْحامًا وتَبْكِيتًا، فَإنَّ كَرامَةَ النُّبُوَّةِ إمّا تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلى مَن يَشاءُ والكُلُّ فِيهِ سَواءٌ، وإمّا إفاضَةُ حَقٍّ عَلى المُسْتَعِدِّينَ لَها بِالمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ والتَّحَلِّي بِالإخْلاصِ. وكَما أنَّ لَكم أعْمالًا رُبَّما يَعْتَبِرُها اللَّهُ في إعْطائِها، فَلَنا أيْضًا أعْمالٌ. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ مُوَحِّدُونَ نَخُصُّهُ بِالإيمانِ والطّاعَةِ دُونَكم.

2:140Page 21

أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٠

Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allāh?" And who is more unjust than one who conceals a testimony1 he has from Allāh? And Allāh is not unaware of what you do.

(p-110)﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ بِالتّاءِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ في ﴿أتُحاجُّونَنا﴾، بِمَعْنى أيُّ الأمْرَيْنِ تَأْتُونَ المُحاجَّةَ، أوِ ادِّعاءَ اليَهُودِيَّةِ، أوِ النَّصْرانِيَّةِ عَلى الأنْبِياءِ. ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ وقَدْ نَفى الأمْرَيْنِ عَنْ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ . وهَؤُلاءِ المَعْطُوفُونَ عَلَيْهِ أتْباعُهُ في الدِّينِ وِفاقًا. ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي شَهادَةَ اللَّهِ لِإبْراهِيمَ بِالحَنِيفِيَّةِ والبَراءَةِ عَنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، والمَعْنى لا أحَدَ أظْلَمُ مِن أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّهم كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ. أوْ مِنّا لَوْ كَتَمْنا هَذِهِ الشَّهادَةَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِهِمْ شَهادَةَ اللَّهِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنُّبُوَّةِ في كُتُبِهِمْ وغَيْرِها، ومِن لِلِابْتِداءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ . ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ لَهُمْ، وقُرِئَ بِالياءِ.

2:141Page 21

تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤١

That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ والزَّجْرِ عَمّا اسْتُحْكِمَ في الطِّباعِ مِنَ الِافْتِخارِ بِالآباءِ والِاتِّكالِ عَلَيْهِمْ. قِيلَ: الخِطابُ فِيما سَبَقَ لَهُمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ لَنا تَحْذِيرٌ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمَّةِ في الأوَّلِ الأنْبِياءُ، وفي الثّانِي أسْلافُ اليَهُودِ والنَّصارى.

2:142Page 22

۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٤٢

The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah,1 which they used to face?"2 Say, "To Allāh belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."

﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ الَّذِينَ خَفَّتَ أحْلامُهُمْ، واسْتَمْهَنُوها بِالتَّقْلِيدِ والإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ. يُرِيدُ بِهِ المُنْكِرِينَ لِتَغْيِيرِ القِبْلَةِ مِنَ المُنافِقِينَ واليَهُودِ والمُشْرِكِينَ. وفائِدَةُ تَقْدِيمِ الإخْبارِ بِهِ تَوْطِينُ النَّفْسِ وإعْدادُ الجَوابِ وإظْهارُ المُعْجِزَةِ. ﴿ما ولاهُمْ﴾ ما صَرَفَهم. ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، والقِبْلَةُ في الأصْلِ الحالَةُ الَّتِي عَلَيْها الإنْسانُ مِنَ الِاسْتِقْبالِ، فَصارَتْ عُرْفًا لِلْمَكانِ المُتَوَجَّهِ نَحْوَهُ لِلصَّلاةِ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ لا يَخْتَصُّ بِهِ مَكانٌ دُونَ مَكانٍ بِخاصِّيَّةٍ ذاتِيَّةٍ تَمْنَعُ إقامَةَ غَيْرِهِ مَقامَهُ، وإنَّما العِبْرَةُ بِارْتِسامِ أمْرِهِ لا بِخُصُوصِ المَكانِ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو ما تَرْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وتَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ مِنَ التَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ تارَةً والكَعْبَةِ أُخْرى.

2:143Page 22

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٤٣

And thus We have made you a median [i.e., just] community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels.1 And indeed, it is difficult except for those whom Allāh has guided. And never would Allāh have caused you to lose your faith [i.e., your previous prayers]. Indeed Allāh is, to the people, Kind and Merciful.

﴿وَكَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَفْهُومِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، أيْ كَما جَعَلْناكم مَهْدِيِّينَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أوْ جَعَلْنا قِبْلَتَكم أفْضَلَ القِبَلِ. ﴿جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ أيْ خِيارًا، أوْ عُدُولًا مُزَكِّينَ بِالعِلْمِ والعَمَلِ. وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي تَسْتَوِي إلَيْهِ المِساحَةُ مِنَ الجَوانِبِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْخِصالِ المَحْمُودَةِ لِوُقُوعِها بَيْنَ طَرَفَيْ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ، كالجُودِ بَيْنَ الإسْرافِ والبُخْلِ، والشَّجاعَةِ بَيْنَ التَّهَوُّرِ والجُبْنِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المُتَّصِفِ بِها مُسْتَوِيًا فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ كَسائِرِ الأسْماءِ الَّتِي وُصِفَ بِها، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ إذْ لَوْ كانَ فِيما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ باطِلٌ لانْثَلَمَتْ بِهِ عَدالَتُهم ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ عِلَّةٌ لِلْجَعْلِ، أيْ لِتَعْلَمُوا بِالتَّأمُّلِ فِيما نُصِبَ لَكم مِنَ الحُجَجِ، وأنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ أنَّهُ تَعالى ما بَخِلَ عَلى (p-111)أحَدٍ وما ظَلَمَ، بَلْ أوْضَحَ السُّبُلَ وأرْسَلَ الرُّسُلَ، فَبَلَّغُوا ونَصَحُوا. ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا حَمَلَهُمُ الشَّقاءُ عَلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ، فَتَشْهَدُونَ بِذَلِكَ عَلى مُعاصِرِيكم وعَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم أوْ بَعْدِكم.

رُوِيَ «أنَّ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُونَ تَبْلِيغَ الأنْبِياءِ، فَيُطالِبُهُمُ اللَّهُ بِبَيِّنَةِ التَّبْلِيغِ - وهو أعْلَمُ بِهِمْ - إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلى المُنْكِرِينَ، فَيُؤْتى بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَشْهَدُونَ، فَتَقُولُ الأُمَمُ مِن أيْنَ عَرَفْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: عَلِمْنا ذَلِكَ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى في كِتابِهِ النّاطِقِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ الصّادِقِ، فَيُؤْتى بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيُسْألُ عَنْ حالِ أُمَّتِهِ، فَيَشْهَدُ بِعَدالَتِهِمْ»

وَهَذِهِ الشَّهادَةُ وإنْ كانَتْ لَهم لَكِنْ لَمّا كانَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ كالرَّقِيبِ المُهَيْمِنِ عَلى أُمَّتِهِ عُدِّي بِعَلى، وقُدِّمَتِ الصِّلَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِهِمْ يَكُونُ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ. ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أيِ الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها، وهي الكَعْبَةُ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُصَلِّي إلَيْها بِمَكَّةَ، ثُمَّ لَمّا هاجَرَ أُمِرَ بِالصَّلاةِ إلى الصَّخْرَةِ تَألُّفًا لِلْيَهُودِ. أوِ الصَّخْرَةُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما (كانَتْ قِبْلَتُهُ بِمَكَّةَ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا أنَّهُ كانَ يَجْعَلُ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ) فالمُخْبَرُ بِهِ عَلى الأوَّلِ الجَعْلُ النّاسِخُ، وعَلى الثّانِي المَنسُوخِ. والمَعْنى أنَّ أصْلَ أمْرِكَ أنْ تَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، وما جَعَلْنا قِبْلَتَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ.

﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ إلّا لِنَمْتَحِنَ بِهِ النّاسَ ونَعْلَمَ مَن يَتْبَعُكَ في الصَّلاةِ إلَيْها، مِمَّنْ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِكَ إلْفًا لِقِبْلَةِ آبائِهِ. أوْ لِنَعْلَمَ الآنَ مَن يُتْبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ لا يَتْبَعُهُ، وما كانَ لِعارِضٍ يَزُولُ بِزَوالِهِ. وعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ: ما رَدَدْناكَ إلى الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ الثّابِتَ عَلى الإسْلامِ مِمَّنْ يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ لِقَلَقِهِ وضَعْفِ إيمانِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ عِلْمُهُ تَعالى غايَةَ الجَعْلِ وهو لَمْ يَزَلْ عالِمًا. قُلْتُ: هَذا وأشْباهُهُ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ الحالِيِّ الَّذِي هو مَناطُ الجَزاءِ، والمَعْنى لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِهِ مَوْجُودًا. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ رَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ لَكِنَّهُ أسْنَدَهُ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم خَواصُّهُ، أوْ لِتَمَيُّزِ الثّابِتِ مِنَ المُتَزَلْزِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فَوُضِعَ العِلْمُ مَوْضِعَ التَّمْيِيزِ المُسَبَّبِ عَنْهُ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ « لِيُعْلَمَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والعِلْمُ إمّا بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، أوْ مُعَلَّقٌ لِما في مَن مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أوْ مَفْعُولُهُ الثّانِي مِمَّنْ يَنْقَلِبُ، أيْ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مُتَمَيِّزًا مِمَّنْ يَنْقَلِبُ. ﴿وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفاصِلَةُ.

وَقالَ الكُوفِيُّونَ: هي النّافِيَةُ واللّامُ بِمَعْنى إلّا. والضَّمِيرُ لَمّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ مِنَ الجَعْلَةِ، أوِ الرِّدَّةِ، أوِ التَّوْلِيَةِ، أوِ التَّحْوِيلَةِ، أوِ القِبْلَةِ. وقُرِئَ « لَكَبِيرَةٌ» بِالرَّفْعِ فَتَكُونُ كانَ زائِدَةً ﴿إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ إلى حِكْمَةِ الأحْكامِ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ والِاتِّباعِ ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ أيْ ثَباتَكم عَلى الإيمانِ. وقِيلَ: إيمانَكم بِالقِبْلَةِ المَنسُوخَةِ، أوْ صَلاتَكم إلَيْها لِما رُوِيَ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ قالُوا: كَيْفَ بِمَن ماتَ يا رَسُولَ اللَّهِ قَبْلَ التَّحْوِيلِ مِن إخْوانِنا فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فَلا يُضِيعُ أُجُورَهم ولا يَدَعُ صَلاحَهُمْ، ولَعَلَّهُ قَدَّمَ الرَّءُوفَ وهو أبْلَغُ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ لَرَءُوفٌ بِالمَدِّ، والباقُونَ بِالقَصْرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском