Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:144–164
2:144Page 22
قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٤٤
We have certainly seen the turning of your face, [O Muḥammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face [i.e., yourself] toward al-Masjid al-Ḥarām.1 And wherever you [believers] are, turn your faces [i.e., yourselves] toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture [i.e., the Jews and the Christians] well know that it is the truth from their Lord. And Allāh is not unaware of what they do.
﴿قَدْ نَرى﴾ رُبَّما نَرى ﴿تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ تَرَدُّدَ وجْهِكَ في جِهَةِ السَّماءِ تَطَلُّعًا لِلْوَحْيِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقَعُ في رَوْعِهِ ويَتَوَقَّعُ مِن رَبِّهِ أنْ يُحَوِّلَهُ إلى الكَعْبَةِ، لِأنَّها قِبْلَةُ أبِيهِ إبْراهِيمَ، وأقْدَمُ القِبْلَتَيْنِ وأدْعى لِلْعَرَبِ إلى الإيمانِ، ولِمُخالَفَةِ اليَهُودِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ أدَبِهِ حَيْثُ انْتَظَرَ ولَمْ يَسْألْ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ فَلَنُمَكِّنَنَّكَ مِنِ اسْتِقْبالِها مِن قَوْلِكَ: ولَّيْتُهُ كَذا، إذا صَيَّرْتَهُ والِيًا لَهُ، أوْ فَلَنَجْعَلَنَّكَ تَلِي جِهَتَها تَرْضاها تُحِبُّها وتَتَشَوَّقُ إلَيْها، لِمَقاصِدَ دِينِيَّةٍ وافَقَتْ مَشِيئَةَ اللَّهِ وحِكْمَتَهُ. ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ اصْرِفْ وجْهَكَ.
(p-112)﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ نَحْوَهُ. وقِيلَ: الشَّطْرُ في الأصْلِ لِما انْفَصَلَ عَنِ الشَّيْءِ إذا انْفَصَلَ، ودارٌ شَطُورٌ: أيْ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الدُّورِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِجانِبِهِ، وإنْ لَمْ يَنْفَصِلْ كالقَطْرِ، والحَرامُ المُحَرَّمُ أيْ مُحَرَّمٌ فِيهِ القِتالُ، أوْ مَمْنُوعٌ مِنَ الظَّلَمَةِ أنْ يَتَعَرَّضُوهُ، وإنَّما ذُكِرَ المَسْجِدُ دُونَ الكَعْبَةِ لِأنَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في المَدِينَةِ، والبَعِيدُ يَكْفِيهِ مُراعاةُ الجِهَةِ، فَإنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِها حَرَجٌ عَلَيْهِ بِخَلافِ القَرِيبِ.
رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ في رَجَبٍ بَعْدَ الزَّوالِ قَبْلَ قِتالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ.
وَقَدْ صَلّى بِأصْحابِهِ في مَسْجِدِ بَنِي سَلَمَةَ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، فَتَحَوَّلَ في الصَّلاةِ واسْتَقْبَلَ المِيزابَ، وتَبادَلَ الرِّجالُ والنِّساءُ صُفُوفَهُمْ، فَسُمِّيَ المَسْجِدُ مَسْجِدَ القِبْلَتَيْنِ.» ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ خَصَّ الرَّسُولَ بِالخُطّابِ تَعْظِيمًا لَهُ وإيجابًا لِرَغْبَتِهِ، ثُمَّ عَمَّمَ تَصْرِيحًا بِعُمُومِ الحُكْمِ وتَأْكِيدًا لِأمْرِ القِبْلَةِ وتَحْضِيضًا لِلْأُمَّةِ عَلى المُتابَعَةِ. ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ جُمْلَةٌ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ عادَتَهُ تَعالى تَخْصِيصُ كُلِّ شَرِيعَةٍ بِقِبْلَةٍ، وتَفْصِيلًا لِتَضَمُّنِ كُتُبِهِمْ أنَّهُ ﷺ يُصَلِّي إلى القِبْلَتَيْنِ، والضَّمِيرُ لِلتَّحْوِيلِ أوِ التَّوَجُّهِ ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْفَرِيقَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ.
2:145Page 22
وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٥
And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.
﴿وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ بُرْهانٌ وحُجَّةٌ عَلى أنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةٌ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُضْمَرِ، والقَسَمُ وجَوابُهُ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، والمَعْنى ما تَرَكُوا قِبْلَتَكَ لِشُبْهَةٍ تُزِيلُها بِالحُجَّةِ، وإنَّما خالَفُوكَ مُكابَرَةً وعِنادًا. ﴿وَما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ قَطْعٌ لِأطْماعِهِمْ، فَإنَّهم قالُوا: لَوْ ثَبَتَ عَلى قِبْلَتِنا لَكُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ صاحِبَنا الَّذِي نَنْتَظِرُهُ، تَعْزِيرًا لَهُ وطَمَعًا في رُجُوعِهِ، وقِبْلَتُهم وإنْ تَعَدَّدَتْ لَكِنَّها مُتَّحِدَةٌ بِالبُطْلانِ ومُخالِفَةٌ الحَقَّ. ﴿وَما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فَإنَّ اليَهُودَ تَسْتَقْبِلُ الصَّخْرَةَ، والنَّصارى مَطْلَعَ الشَّمْسِ. لا يُرْجى تَوافُقُهم كَما لا يُرْجى مُوافَقَتُهم لَكَ، لِتَصَلُّبِ كُلِّ حِزْبٍ فِيما هو فِيهِ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أيْ: ولَئِنِ اتَّبَعْتَهم مَثَلًا بَعْدَ ما بانَ لَكَ الحَقُّ وجاءَكَ فِيهِ الوَحْيُ ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ وأكَّدَ تَهْدِيدَهُ وبالَغَ فِيهِ مِن سَبْعَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: الإتْيانُ بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ.
ثانِيها: القَسَمُ المُضْمَرُ.
ثالِثُها: حَرْفُ التَّحْقِيقِ وهو إنَّ.
رابِعُها: تَرْكِيبُهُ مِن جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ وجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ.
وَخامِسُها: الإتْيانُ بِاللّامِ في الخَبَرِ.
وَسادِسُها: جَعْلُهُ مِنَ ﴿الظّالِمِينَ﴾، ولَمْ يَقُلْ إنَّكَ ظالِمٌ لِأنَّ في الِانْدِراجِ مَعَهم إيهامًا بِحُصُولِ أنْواعِ الظُّلْمِ.
وَسابِعُها: التَّقْيِيدُ بِمَجِيءِ العِلْمِ تَعْظِيمًا لِلْحَقِّ المَعْلُومِ، وتَحْرِيصًا عَلى اقْتِفائِهِ وتَحْذِيرًا عَنْ مُتابَعَةِ الهَوى، واسْتِفْظاعًا لِصُدُورِ الذَّنْبِ عَنِ الأنْبِياءِ.
2:146–147Page 23
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤٦
Those to whom We gave the Scripture know him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].
ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١٤٧
The truth is from your Lord, so never be among the doubters.
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يَعْنِي عُلَماءَهم ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ الضَّمِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. وقِيلَ لِلْعِلْمِ، أوِ القُرْآنِ، أوِ التَّحْوِيلِ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ يَشْهَدُ لِلْأوَّلِ: أيْ يَعْرِفُونَهُ بِأوْصافِهِ كَمَعْرِفَتِهِمْ أبْناءَهم لا يَلْتَبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِمْ. عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أنا أعْلَمُ بِهِ مِنِّي بِابْنِي قالَ: ولِمَ؟ قالَ: لِأنِّي لَسْتُ أشُكُّ في مُحَمَّدٍ أنَّهُ نَبِيٌّ فَأمّا ولَدِي فَلَعَلَّ والِدَتَهُ قَدْ خانَتْ. ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ تَخْصِيصٌ لِمَن عانَدَ واسْتِثْناءٌ لِمَن آمَنَ.
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والحَقُّ إمّا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مِن رَبِّكَ واللّامُ لِلْعَهْدِ، والإشارَةُ إلى ما عَلَيْهِ (p-113)الرَّسُولُ ﷺ، أوِ الحَقُّ الَّذِي يَكْتُمُونَهُ، أوْ لِلْجِنْسِ. والمَعْنى أنَّ الحَقَّ ما ثَبَتَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ لا ما لَمْ يَثْبُتْ كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ، وإمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو ﴿الحَقُّ﴾ . ومِن رَبِّكَ حالٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، أوْ مَفْعُولُ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ الشّاكِّينَ في أنَّهُ مِن رَبِّكَ، أوْ في كِتْمانِهِمُ الحَقَّ عالِمِينَ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ نَهْيَ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ الشَّكِّ فِيهِ، لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ مِنهُ ولَيْسَ بِقَصْدٍ واخْتِيارٍ، بَلْ إمّا تَحْقِيقُ الأمْرِ وإنَّهُ بِحَيْثُ لا يَشُكُّ فِيهِ ناظِرٌ، أوْ أمْرُ الأُمَّةِ بِاكْتِسابِ المَعارِفِ المُزِيحَةِ لِلشَّكِّ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ.
2:148Page 23
وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٤٨
For each [religious following] is a [prayer] direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allāh will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allāh is over all things competent.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ ولِكُلِّ أُمَّةِ قِبْلَةٌ، أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ جِهَةٌ وجانِبٌ مِنَ الكَعْبَةِ، والتَّنْوِينُ بَدَلُ الإضافَةِ ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ مَحْذُوفٌ، أيْ هو مُوَلِّيها وجْهَهُ، أوِ اللَّهُ تَعالى مُوَلِّيها إيّاهُ. وقُرِئَ: « ولِكُلٍّ وِجْهَةٍ» بِالإضافَةِ، والمَعْنى وكُلُّ وُجْهَةِ اللَّهِ مُوَلِّيها أهْلُها، واللّامُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ جَبْرًا لِضَعْفِ العامِلِ.
وَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: « مَوْلاها» أيْ هو مَوْلى تِلْكَ الجِهَةِ أيْ قَدْ ولِيَها ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ مِن أمْرِ القِبْلَةِ وغَيْرِهِ مِمّا يُنالُ بِهِ سَعادَةُ الدّارَيْنِ، أوِ الفاضِلاتِ مِنَ الجِهاتِ وهي المُسامَتَةُ لِلْكَعْبَةِ ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ أيْ: في أيِّ مَوْضِعٍ تَكُونُوا مِن مُوافِقٍ ومُخالِفٍ مُجْتَمِعِ الأجْزاءِ ومُفْتَرَقِها، يَحْشُرُكُمُ اللَّهُ إلى المَحْشَرِ لِلْجَزاءِ، أوْ أيْنَما تَكُونُوا مِن أعْماقِ الأرْضِ وقُلَلِ الجِبالِ، يَقْبِضُ أرْواحَكُمْ، أوْ أيْنَما تَكُونُوا مِنَ الجِهاتِ المُتَقابِلَةِ، يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ويَجْعَلْ صَلَواتِكم كَأنَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ والجَمْعِ.
2:149–150Page 23
وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٩
So from wherever you go out [for prayer, O Muḥammad], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allāh is not unaware of what you do.
وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٠
And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided,
﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ومِن أيِّ مَكانٍ خَرَجْتَ لِلسَّفَرِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ إذا صَلَّيْتَ ﴿وَإنَّهُ﴾ وإنَّ هَذا الأمْرَ ﴿لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ.
﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ كَرَّرَ هَذا الحُكْمَ لِتَعَدُّدِ عِلَلِهِ، فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِلتَّحْوِيلِ ثَلاثَ عِلَلٍ. تَعْظِيمُ الرَّسُولِ ﷺ بِابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، وجَرْيُ العادَةِ الإلَهِيَّةِ عَلى أنْ يُوَلِّيَ أهْلَ كُلِّ مِلَّةٍ وصاحِبَ دَعْوَةٍ وِجْهَةً يَسْتَقْبِلُها ويَتَمَيَّزُ بِها. ودَفْعُ حُجَجِ المُخالِفِينَ عَلى ما نُبَيِّنُهُ. وقَرَنَ بِكُلِّ عِلَّةٍ مَعْلُولَها كَما يُقْرَنُ المَدْلُولُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن دَلائِلِهِ تَقْرِيبًا وتَقْرِيرًا، مَعَ أنَّ القِبْلَةَ لَها شَأْنٌ.
والنَّسْخُ مِن مَظانَّ الفِتْنَةِ والشُّبْهَةِ فَبِالحَرِيِّ أنْ يُؤَكَّدَ أمْرُها ويُعادَ ذِكْرُها مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى. ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَوَلُّوا﴾، والمَعْنى أنَّ التَّوْلِيَةَ عَنِ الصَّخْرَةِ إلى الكَعْبَةِ تَدْفَعُ احْتِجاجَ اليَهُودِ بِأنَّ المَنعُوتَ في التَّوْراةِ قِبْلَتُهُ الكَعْبَةُ، وأنَّ مُحَمَّدًا يَجْحَدُ دِينَنا ويَتْبَعُنا في قِبْلَتِنا. والمُشْرِكِينَ بِأنَّهُ يَدَّعِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ ويُخالِفُ قِبْلَتَهُ ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ النّاسِ، أيْ لِئَلّا يَكُونَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ حُجَّةٌ إلّا المُعانِدِينَ مِنهم فَإنَّهم يَقُولُونَ: ما تَحَوَّلَ إلى الكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا إلى دِينِ قَوْمِهِ وحُبًّا لِبَلَدِهِ، أوْ بَدا لَهُ فَرَجَعَ إلى قِبْلَةِ آبائِهِ ويُوشِكُ أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ. وسَمّى هَذِهِ حُجَّةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لِأنَّهم يَسُوقُونَها (p-114)مَساقَها. وقِيلَ الحُجَّةُ بِمَعْنى الِاحْتِجاجِ. وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الحُجَّةِ رَأْسًا كَقَوْلِهِ:
؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم... بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
لِلْعِلْمِ بِأنَّ الظّالِمَ لا حُجَّةَ لَهُ، وقُرِئَ: « ألا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم» . عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ. ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ فَلا تَخافُوهُمْ، فَإنَّ مَطاعِنَهم لا تَضُرُّكم. ﴿واخْشَوْنِي﴾ فَلا تُخالِفُوا ما أمَرْتُكم بِهِ. ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ عِلَّةُ مَحْذُوفٍ أيْ وأمَرْتْكم لِإتْمامِي النِّعْمَةَ عَلَيْكم وإرادَتِي اهْتِداءَكُمْ، أوْ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مِثْلَ: واخْشَوْنِي لِأحْفَظَكم مِنهم ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ، أوْ لِئَلّا يَكُونَ وفي الحَدِيثِ «تَمامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ» .
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ « تَمامُ النِّعْمَةِ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ» .
2:151–152Page 23
كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ١٥١
Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom1 and teaching you that which you did not know.
فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢
So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.
﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكُمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في أمْرِ القِبْلَةِ، أوْ في الآخِرَةِ كَما أتْمَمْتُها بِإرْسالِ رَسُولٍ مِنكُمْ، أوْ بِما بَعْدَهُ كَما ذَكَرْتُكم بِالإرْسالِ فاذْكُرُونِي. ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكُمْ﴾ يَحْمِلُكم عَلى ما تَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ، قَدَّمَهُ بِاعْتِبارِ القَصْدِ وأخَّرَهُ في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاعْتِبارِ الفِعْلِ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ بِالفِكْرِ والنَّظَرِ، إذْ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ سِوى الوَحْيِ، وكَرَّرَ الفِعْلَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ.
﴿فاذْكُرُونِي﴾ بِالطّاعَةِ. ﴿أذْكُرْكُمْ﴾ بِالثَّوابِ. ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ ما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكم. ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ بِجَحْدِ النِّعَمِ وعِصْيانِ الأمْرِ.
2:153–154Page 23
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٣
O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allāh is with the patient.
وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ ١٥٤
And do not say about those who are killed in the way of Allāh, "They are dead." Rather, they are alive, but you perceive [it] not.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ عَنِ المَعاصِي وحُظُوظِ النَّفْسِ، ﴿والصَّلاةِ﴾ الَّتِي هي أُمُّ العِباداتِ ومِعْراجُ المُؤْمِنِينَ، ومُناجاةُ رَبِّ العالَمِينَ. ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بِالنَّصْرِ وإجابَةِ الدَّعْوَةِ. ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ أيْ هم أمْواتٌ ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ أيْ بَلْ هم أحْياءٌ. ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ما حالُهُمْ، وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حَياتَهم لَيْسَتْ بِالجَسَدِ ولا مِن جِنْسِ ما يُحَسُّ بِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وإنَّما هي أمْرٌ لا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ بَلْ بِالوَحْيِ، وعَنِ الحَسَنِ: إنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرُّوحُ والفَرَحُ، كَما تُعْرَضُ النّارُ عَلى أرْواحِ آلِ فِرْعَوْنَ غُدُوًّا وعَشِيًّا فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الألَمُ والوَجَعُ. والآيَةُ نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ، وكانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأرْواحَ جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها مُغايِرَةٌ لِما يُحَسُّ بِهِ مِنَ البَدَنِ تَبْقى بَعْدَ المَوْتِ دارِكَةً، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وبِهِ نَطَقَتِ الآياتُ والسُّنَنُ، وعَلى هَذا فَتَخْصِيصُ الشُّهَداءِ لِاخْتِصاصِهِمْ بِالقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَزِيدِ البَهْجَةِ والكَرامَةِ.
2:155Page 24
وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥
And We will surely test you with something of fear and hunger and a loss of wealth and lives and fruits, but give good tidings to the patient,
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ ولَنُصِيبَنَّكم إصابَةَ مَن يَخْتَبِرُ لِأحْوالِكُمْ، هَلْ تَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ وتَسْتَسْلِمُونَ لِلْقَضاءِ؟ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ أيْ بِقَلِيلٍ مِن ذَلِكَ، وإنَّما قَلَّلَهُ بِالإضافَةِ إلى ما وقاهم مِنهُ لِيُخَفِّفَ عَلَيْهِمْ ويُرِيَهم أنَّ رَحْمَتَهُ لا تُفارِقُهُمْ، أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُصِيبُ بِهِ مُعانَدِيهِمْ في الآخِرَةِ، وإنَّما أخْبَرَهم بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ لِيُوَطِّنُوا عَلَيْهِ نُفُوسَهم ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾ عَطْفُ شَيْءٍ أوِ الخَوْفِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ (p-115)اللَّهُ عَنْهُ الخَوْفُ: خَوْفُ اللَّهِ، والجُوعُ: صَوْمُ رَمَضانَ، والنَّقْصُ: مِنَ الأمْوالِ الصَّدَقاتُ والزَّكَواتُ، ومِنَ الأنْفُسِ: الأمْراضُ، ومِنَ الثَّمَراتِ: مَوْتُ الأوْلادِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ قالَ اللَّهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: أقَبَضْتُمْ رُوحَ ولَدِ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ: أقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ، فَيَقُولُونَ نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ماذا قالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمَدَكَ واسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا في الجَنَّةِ وسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ» . ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ .
2:156–157Page 24
ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦
Who, when disaster strikes them, say, "Indeed we belong to Allāh, and indeed to Him we will return."
أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ ١٥٧
Those are the ones upon whom are blessings from their Lord and mercy. And it is those who are the [rightly] guided.
﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، أوْ لِمَن تَتَأتّى مِنهُ البِشارَةُ. والمُصِيبَةُ تَعُمُّ ما يُصِيبُ الإنْسانَ مِن مَكْرُوهٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كُلُّ شَيْءٍ يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو لَهُ مُصِيبَةٌ» . ولَيْسَ الصَّبْرُ بِالِاسْتِرْجاعِ بِاللِّسانِ، بَلْ بِهِ وبِالقَلْبِ بِأنْ يَتَصَوَّرَ ما خُلِقَ لِأجْلِهِ، وأنَّهُ راجِعٌ إلى رَبِّهِ، ويَتَذَكَّرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ لِيَرى أنَّ ما أبْقى عَلَيْهِ أضْعافَ ما اسْتَرَدَّهُ مِنهُ فَيَهُونُ عَلى نَفْسِهِ، ويَسْتَسْلِمُ لَهُ. والمُبَشَّرُ بِهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ.
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ الصَّلاةُ في الأصْلِ الدُّعاءُ، ومِنَ اللَّهِ تَعالى التَّزْكِيَةُ والمَغْفِرَةُ. وجَمَعَها لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَثْرَتِها وتَنَوُّعِها. والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ اللُّطْفُ والإحْسانُ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ» ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ لِلْحَقِّ والصَّوابِ حَيْثُ اسْتَرْجَعُوا وسَلَّمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى.
2:158Page 24
۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ١٥٨
Indeed, aṣ-Ṣafā and al-Marwah are among the symbols1 of Allāh. So whoever makes ḥajj [pilgrimage] to the House or performs ʿumrah - there is no blame upon him for walking between them.2 And whoever volunteers good - then indeed, Allāh is Appreciative3 and Knowing.
﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ هُما عَلَما جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ. مِن شَعائِرِ اللَّهِ مِن أعْلامِ مَناسِكِهِ، جَمْعُ شَعِيرَةٍ وهي العَلامَةُ، ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ﴾ الحَجُّ لُغَةُ القَصْدِ، والِاعْتِمارُ الزِّيارَةُ. فَغَلَبا شَرْعًا عَلى قَصْدِ البَيْتِ وزِيارَتِهِ عَلى الوَجْهَيْنِ المَخْصُوصَيْنِ. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ كانَ إسافُ عَلى الصَّفا ونائِلَةُ عَلى المَرْوَةِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا سَعَوْا مَسَحُوهُما. فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وكُسِرَتِ الأصْنامُ تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ أنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُما لِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. والإجْماعُ عَلى أنَّهُ مَشْرُوعٌ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، وإنَّما الخِلافُ في وُجُوبِهِ. فَعَنْ أحْمَدَ أنَّهُ سُنَّةٌ، وبِهِ قالَ أنَسٌ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ﴾ فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ التَّخْيِيرُ وهو ضَعِيفٌ، لِأنَّ نَفْيَ الجُناحِ يَدُلُّ عَلى الجَوازِ الدّاخِلِ في مَعْنى الوُجُوبِ، فَلا يَدْفَعُهُ. وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ واجِبٌ، يُجْبَرُ بِالدَّمِ. وعَنْ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ أنَّهُ رُكْنٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اسْعُوا فَإنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» .
﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أيْ فَعَلَ طاعَةً فَرْضًا كانَ أوْ نَفْلًا، أوْ زادَ عَلى ما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، أوْ طَوافٍ أوْ تَطَوَّعَ بِالسَّعْيِ إنْ قُلْنا إنَّهُ سُنَّةٌ. و ﴿خَيْرًا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بِحَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ، أوْ بِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى أتى أوْ فَعَلَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ يَطَّوَّعُ، وأصْلُهُ يَتَطَوَّعُ فَأُدْغِمَ مِثْلَ يَطَّوَّفُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ مُثِيبٌ عَلى الطّاعَةِ لا تَخْفى عَلَيْهِ.
2:159–160Page 24
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ ١٥٩
Indeed, those who conceal what We sent down of clear proofs and guidance after We made it clear for the people in the Scripture - those are cursed by Allāh and cursed by those who curse,1
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٠
Except for those who repent and correct themselves and make evident [what they concealed]. Those - I will accept their repentance, and I am the Accepting of Repentance,1 the Merciful.
(p-116)﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ كَأحْبارِ اليَهُودِ. ﴿ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ كالآياتِ الشّاهِدَةِ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ﴿والهُدى﴾ وما يَهْدِي إلى وُجُوبِ اتِّباعِهِ والإيمانِ بِهِ. ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ﴾ لَخَّصْناهُ. ﴿فِي الكِتابِ﴾ في التَّوْراةِ. ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَأتّى مِنهُمُ اللَّعْنُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ.
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ عَنِ الكِتْمانِ وسائِرِ ما يَجِبُ أنْ يُتابَ عَنْهُ ﴿وَأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا بِالتَّدارُكِ. ﴿وَبَيَّنُوا﴾ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِمْ لِتَتِمَّ تَوْبَتُهم. وقِيلَ ما أحْدَثُوهُ مِنَ التَّوْبَةِ لِيَمْحُوا بِهِ سِمَةَ الكُفْرِ عَنْ أنْفُسِهِمْ ويَقْتَدِيَ بِهِمْ أضْرابُهم ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ بِالقَبُولِ والمَغْفِرَةِ. ﴿وَأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ المُبالِغُ في قَبُولِ التَّوْبَةِ وإفاضَةِ الرَّحْمَةِ.
2:161–162Page 24
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٦١
Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allāh and of the angels and the people, all together,
خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ١٦٢
Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ أيْ ومَن لَمْ يَتُبْ مِنَ الكاتِمِينَ حَتّى ماتَ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِمُ اللَّعْنُ مِنَ اللَّهِ، ومَن يَعْتَدُّ بِلَعْنِهِ مِن خَلْقِهِ. وقِيلَ الأوَّلُ لَعْنُهم أحْياءً، وهَذا لَعْنُهم أمْواتًا. وقُرِئَ و « المَلائِكَةُ والنّاسُ أجْمَعُونَ» عَطْفًا عَلى مَحَلِّ اسْمِ اللَّهِ لِأنَّهُ فاعِلٌ في المَعْنى، كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ وعَمْرٍو، أوْ فاعِلًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ نَحْوَ وتَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ في اللَّعْنَةِ، أوِ النّارِ. وإضْمارُها قَبْلَ الذِّكْرِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وتَهْوِيلًا، أوِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللَّعْنِ عَلَيْهِ. ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ، أوْ لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا، أوْ لا يُنْظَرُ إلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ.
2:163Page 24
وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٣
And your god is one God. There is no deity [worthy of worship] except Him, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.
﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ خِطابٌ عامٌّ، أيِ المُسْتَحِقُّ مِنكُمُ العِبادَةَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ أوْ يُسَمّى إلَهًا. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ، وإزاحَةٌ لِأنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ في الوُجُودِ إلَهًا ولَكِنْ لا يَسْتَحِقُّ مِنهُمُ العِبادَةَ.
﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ كالحُجَّةِ عَلَيْها، فَإنَّهُ لَمّا كانَ مَوْلى النِّعَمِ كُلِّها أُصُولِها وفُرُوعِها وما سِواهُ إمّا نِعْمَةٌ أوْ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ العِبادَةَ أحَدٌ غَيْرُهُ، وهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِقَوْلِهِ إلَهُكُمْ، أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قِيلَ لَمّا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ تَعَجَّبُوا وقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فائْتَ بِآيَةٍ نَعْرِفُ بِها صِدْقَكَ فَنَزَلَتْ.
2:164Page 25
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٦٤
Indeed, in the creation of the heavens and the earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allāh has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and earth are signs for a people who use reason.
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إنَّما جَمَعَ السَّماواتِ وأفْرَدَ الأرْضَ، لِأنَّها طَبَقاتٌ مُتَفاصِلَةٌ بِالذّاتِ مُخْتَلِفَةٌ بِالحَقِيقَةِ بِخِلافِ الأرْضِينَ. واخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَعاقُبُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ . ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ أيْ بِنَفْعِهِمْ، أوْ بِالَّذِي يَنْفَعُهُمْ، والقَصْدِ بِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالبَحْرِ وأحْوالِهِ، وتَخْصِيصِ الفُلْكِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَبَبُ الخَوْضِ فِيهِ والِاطِّلاعِ عَلى عَجائِبِهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَهُ عَلى ذِكْرِ المَطَرِ والسَّحابِ، لِأنَّ مَنشَأهُما البَحْرُ في غالِبِ الأمْرِ، وتَأْنِيثُ الفُلْكِ لِأنَّهُ بِمَعْنى السَّفِينَةِ.
وَقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ عَلى الأصْلِ أوِ الجَمْعِ وضَمَّةُ الجَمْعِ غَيْرُ ضَمَّةِ الواحِدِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ. ﴿وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ﴾ مِنَ الأُولى لِلِابْتِداءِ، والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ. والسَّماءُ يَحْتَمِلُ الفَلَكَ والسَّحابَ وُجْهَةُ العُلُوِّ. (p-117)﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ بِالنَّباتِ ﴿وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْزَلَ، كَأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِنُزُولِ المَطَرِ وتَكْوِينِ النَّباتِ بِهِ وبَثِّ الحَيَواناتِ في الأرْضِ، أوْ عَلى أحْيا فَإنَّ الدَّوابَّ يَنْمُونَ بِالخِصْبِ ويَعِيشُونَ بِالحَياةِ. والبَثُّ النَّشْرُ والتَّفْرِيقُ. وتَصْرِيفُ الرِّياحِ في مَهابِّها وأحْوالِها، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى الإفْرادِ. ﴿والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لا يَنْزِلُ ولا يَنْقَشِعُ، مَعَ أنَّ الطَّبْعَ يَقْتَضِي أحَدَهُما حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى.
وَقِيلَ: مُسَخَّرُ الرِّياحِ تَقَلُّبُهُ في الجَوِّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، واشْتِقاقُهُ مِنَ السَّحْبِ لِأنَّ بَعْضَهُ يَجُرُّ بَعْضًا. ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَتَفَكَّرُونَ فِيها ويَنْظُرُونَ إلَيْها بِعُيُونِ عُقُولِهِمْ، وعَنْهُ ﷺ «وَيْلٌ لِمَن قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَمَجَّ بِها» أيْ لَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها.
واعْلَمْ أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الآياتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ ووَحْدَتِهِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ شَرْحُها مُفَصَّلًا، والكَلامُ المُجْمَلُ أنَّها: أُمُورٌ مُمْكِنَةٌ وُجِدَ كُلٌّ مِنها بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ مِن وُجُوهٍ مُحْتَمَلَةٍ، وأنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، إذْ كانَ مِنَ الجائِزِ مَثَلًا أنْ لا تَتَحَرَّكَ السَّماواتُ، أوْ بَعْضُها كالأرْضِ وأنْ تَتَحَرَّكَ بِعَكْسِ حَرَكاتِها، وبِحَيْثُ تَصِيرُ المِنطَقَةُ دائِرَةً مارَّةً بِالقُطْبَيْنِ، وأنْ لا يَكُونَ لَها أوْجٌ وحَضِيضٌ أصْلًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ لِبَساطَتِها وتَساوِي أجْزائِها، فَلا بُدَّ لَها مِن مُوجِدٍ قادِرٍ حَكِيمٍ، يُوجِدُها عَلى ما تَسْتَدْعِيهِ حِكْمَتُهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، مُتَعالِيًا عَنْ مُعارَضَةِ غَيْرِهِ. إذْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الآخَرُ. فَإنْ تَوافَقَتْ إرادَتُهُما: فالفِعْلُ إنْ كانَ لَهُما، لَزِمَ اجْتِماعُ مُؤَثِّرَيْنِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ، وإنْ كانَ لِأحَدِهِما، لَزِمَ تَرْجِيحُ الفاعِلِ بِلا مُرَجِّحٍ وجَزُّ الآخَرِ المُنافِي لِآلِهِيَّتِهِ. وإنِ اخْتَلَفَتْ: لَزِمَ التَّمانُعُ والتَّطارُدُ، كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ . وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ عِلْمِ الكَلامِ وأهْلِهِ، وحَثَّ عَلى البَحْثِ والنَّظَرِ فِيهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences