Al-BaydawiAl‑Baqarah · 2:165–180

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:165–180

2:165Page 25

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥

And [yet], among the people are those who take other than Allāh as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allāh. But those who believe are stronger in love for Allāh. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allāh and that Allāh is severe in punishment.

﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ مِنَ الأصْنامِ. وقِيلَ مِنَ الرُّؤَساءِ الَّذِينَ كانُوا يُطِيعُونَهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ ولَعَلَّ المُرادَ أعَمُّ مِنهُما وهو ما يَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ يُعَظِّمُونَهم ويُطِيعُونَهم ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ كَتَعْظِيمِهِ والمَيْلِ إلى طاعَتِهِ، أيْ يُسَوُّونَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في المَحَبَّةِ والطّاعَةِ، والمَحَبَّةُ: مَيْلُ القَلْبِ مِنَ الحُبِّ، اسْتُعِيرَ لِحَبَّةِ القَلْبِ، ثُمَّ اشْتُقَّ مِنهُ الحُبُّ لِأنَّهُ أصابَها ورَسَخَ فِيها، ومَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى إرادَةُ طاعَتِهِ والِاعْتِناءُ بِتَحْصِيلِ مَراضِيهِ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ إرادَةُ إكْرامِهِ واسْتِعْمالِهِ في الطّاعَةِ، وصَوْنُهُ عَنِ المَعاصِي. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لا تَنْقَطِعُ مَحَبَّتُهم لِلَّهِ تَعالى، بِخِلافِ مَحَبَّةِ الأنْدادِ فَإنَّها لِأغْراضٍ فاسِدَةٍ مَوْهُومَةٍ تَزُولُ بِأدْنى سَبَبٍ، ولِذَلِكَ كانُوا يَعْدِلُونَ عَنْ آلِهَتِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الشَّدائِدِ، ويَعْبُدُونَ الصَّنَمَ زَمانًا ثُمَّ يَرْفُضُونَهُ إلى غَيْرِهِ.

﴿وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولَوْ يَعْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِاتِّخاذِ الأنْدادِ ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ إذْ عايَنُوهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وأجْرى المُسْتَقْبَلَ مَجْرى الماضِي لِتَحَقُّقِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ .

﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ﴿يَرى﴾، وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ. أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا إذا عايَنُوا العَذابَ لَنَدِمُوا أشَدَّ النَّدَمِ. وقِيلَ هو مُتَعَلِّقُ الجَوابِ والمَفْعُولانِ مَحْذُوفانِ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْدادَهم لا تَنْفَعُ، لَعَلِمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ كُلِّها لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ غَيْرَهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ ويَعْقُوبُ: و « لَوْ تَرى» عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أيْ ولَوْ تَرى ذَلِكَ لَرَأيْتُ أمْرًا عَظِيمًا، وابْنُ عامِرٍ: « إذْ يُرَوْنَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ويَعْقُوبُ إنَّ بِالكَسْرِ وكَذا ﴿وَأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ إضْمارِ القَوْلِ.(p-118)

2:166–167Page 25

إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦

[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧

Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allāh show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.

﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾، أيْ إذْ تَبَرَّأ المُتَّبَعُونَ مِنَ الأتْباعِ. وقُرِئَ بِالعَكْسِ، أيْ تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ ﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾ أيْ رائِينَ لَهُ، والواوُ لِلْحالِ، وقَدْ مُضْمَرَةٌ. وقِيلَ عَطْفٌ عَلى تَبَرَّأ ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ يُحْتَمَلُ العَطْفُ عَلى تَبَرَّأ، أوْ رَأوْا والواوُ لِلْحالِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. والأسْبابُ: الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم مِنَ الأتْباعِ والِاتِّفاقِ عَلى الدِّينِ، والأغْراضِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ. وأصْلُ السَّبَبِ: الحَبْلُ الَّذِي يُرْتَقى بِهِ الشَّجَرُ. وقُرِئَ « وتُقُطِّعَتْ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ ﴿لَوْ﴾ لِلتَّمَنِّي ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ، أيْ لَيْتَ لَنا كَرَّةً إلى الدُّنْيا فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَذَلِكَ مِثْلَ ذَلِكَ الإراءِ الفَظِيعِ. ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ نَداماتٍ، وهي ثالِثُ مَفاعِيلِ يَرى أنْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ وإلّا فَحالٌ ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ أصْلُهُ وما يَخْرُجُونَ، فَعَدَلَ بِهِ إلى هَذِهِ العِبارَةِ، لِلْمُبالَغَةِ في الخُلُودِ والإقْناطِ عَنِ الخَلاصِ والرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا.

2:168Page 25

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨

O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا﴾ نَزَلَتْ في قَوْمٍ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ رَفِيعَ الأطْعِمَةِ والمَلابِسِ، وحَلالًا مَفْعُولُ كُلُوا، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ حالٌ مِمّا في الأرْضِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ إذْ لا يُؤْكَلُ كُلُّ ما في الأرْضِ طَيِّبًا يَسْتَطِيبُهُ الشَّرْعُ، أوِ الشَّهْوَةُ المُسْتَقِيمَةُ. إذِ الحَلالُ دَلَّ عَلى الأوَّلِ. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ لا تَقْتَدُوا بِهِ في اتِّباعِ الهَوى فَتُحَرِّمُوا الحَلالَ وتُحَلِّلُوا الحَرامَ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والبِزِّيُّ وأبُو بَكْرٍ حَيْثُ وقَعَ بِتَسْكِينِ الطّاءِ وهُما لُغَتانِ في جَمْعِ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ قَدَمَيِ الخاطِي. وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ وهَمْزَةٍ جُعِلَتْ ضَمَّةُ الطّاءِ كَأنَّها عَلَيْها، وبِفَتْحَتَيْنِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ خُطْوَةٍ وهي المَرَّةُ مِنَ الخَطْوِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهِرُ العَداوَةِ عِنْدَ ذَوِي البَصِيرَةِ وإنْ كانَ يُظْهِرُ المُوالاةَ لِمَن يُغْوِيهِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ ولِيًّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ .

2:169Page 25

إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩

He only orders you to evil and immorality and to say about Allāh what you do not know.

﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ بَيانٌ لِعَداوَتِهِ، ووُجُوبِ التَّحَرُّزِ عَنْ مُتابَعَتِهِ. واسْتُعِيرَ الأمْرُ لِتَزْيِينِهِ وبَعْثِهِ لَهم عَلى الشَّرِّ تَسْفِيهًا لِرَأْيِهِمْ وتَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ، والسُّوءُ والفَحْشاءُ ما أنْكَرَهُ العَقْلُ واسْتَقْبَحَهُ الشَّرْعُ، والعَطْفُ لِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ فَإنَّهُ سُوءٌ لِاغْتِمامِ العاقِلِ بِهِ، وفَحْشاءٌ بِاسْتِقْباحِهِ إيّاهُ. وقِيلَ: السُّوءُ يَعُمُّ القَبائِحَ، والفَحْشاءُ ما يَتَجاوَزُ الحَدَّ في القُبْحِ مِنَ الكَبائِرِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما لا حَدَّ فِيهِ، والثّانِي ما شُرِعَ فِيهِ الحَدُّ ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كاتِّخاذِ الأنْدادِ وتَحْلِيلِ المُحَرَّماتِ وتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِنِ اتِّباعِ الظَّنِّ رَأْسًا. وأمّا اتِّباعُ المُجْتَهِدِ لِما أدّى إلَيْهِ ظَنٌّ مُسْتَنِدٌ إلى مُدْرَكٍ شَرْعِيٍّ فَوُجُوبُهُ قَطْعِيٌّ، والظَّنُّ في طَرِيقِهِ كَما بَيَّنّاهُ في الكُتُبِ الأُصُولِيَّةِ.

2:170Page 26

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠

And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

(p-119)﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ، وعَدَلَ بِالخِطابِ عَنْهم لِلنِّداءِ عَلى ضَلالِهِمْ، كَأنَّهُ التَفَتَ إلى العُقَلاءِ وقالَ لَهُمُ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ الحَمْقى ماذا يُجِيبُونَ. ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ ما وجَدْناهم عَلَيْهِ، نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ أُمِرُوا بِاتِّباعِ القُرْآنِ وسائِرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الحُجَجِ والآياتِ، فَجَنَحُوا إلى التَّقْلِيدِ. وقِيلَ في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا لِأنَّهم كانُوا خَيْرًا مِنّا وأعْلَمَ. وعَلى هَذا فَيَعُمُّ ما أنْزَلَ اللَّهُ التَّوْراةَ لِأنَّها أيْضًا تَدْعُو إلى الإسْلامِ. ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ الواوُ لِلْحالِ، أوِ العَطْفِ. والهَمْزَةُ لِلرَّدِّ والتَّعْجِيبِ. وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ أيْ لَوْ كانَ آباؤُهم جَهَلَةً لا يَتَفَكَّرُونَ في أمْرِ الدِّينِ، ولا يَهْتَدُونَ إلى الحَقِّ لاتَّبَعُوهم. وهو دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِنَ التَّقْلِيدِ لِمَن قَدَرَ عَلى النَّظَرِ والِاجْتِهادِ. وأمّا اتِّباعُ الغَيْرِ في الدِّينِ إذا عُلِمَ بِدَلِيلٍ ما أنَّهُ مُحِقٌّ كالأنْبِياءِ والمُجْتَهِدِينَ في الأحْكامِ، فَهو في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ بَلِ اتِّباعٌ لِما أنْزَلَ اللَّهُ.

2:171Page 26

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ومَثَلُ داعِي الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ، أوْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ بِهائِمِ الَّذِي يَنْعِقُ. والمَعْنى أنَّ الكَفَرَةَ لِانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ لا يُلْقُونَ أذْهانَهم إلى ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولا يَتَأمَّلُونَ فِيما يُقَرَّرُ مَعَهُمْ، فَهم في ذَلِكَ كالبَهائِمِ الَّتِي يُنْعَقُ عَلَيْها فَتَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَعْرِفُ مَغْزاهُ، وتُحِسُّ بِالنِّداءِ ولا تَفْهَمُ مَعْناهُ. وقِيلَ هو تَمْثِيلُهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ جاهِلِينَ بِحَقِيقَتِها، بِالبَهائِمِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْهَمُ ما تَحْتَهُ. أوْ تَمْثِيلُهم في دُعائِهِمُ الأصْنامَ بِالنّاعِقِ في نَعْقِهِ وهو التَّصْوِيتُ عَلى البَهائِمِ، وهَذا يُغْنِي الإضْمارَ ولَكِنْ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ إلّا دُعاءً ونِداءً، لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ إلّا أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ المُرَكَّبِ.

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ رُفِعَ عَلى الذَّمِّ. ﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ بِالفِعْلِ لِلْإخْلالِ بِالنَّظَرِ.

2:172Page 26

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢

O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ لَمّا وسَّعَ الأمْرَ عَلى النّاسِ كافَّةً وأباحَ لَهم ما في الأرْضِ سِوى ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ مِنهم أنْ يَتَحَرَّوْا طَيِّباتِ ما رُزِقُوا ويَقُومُوا بِحُقُوقِها فَقالَ:

﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ عَلى ما رَزَقَكم وأحَلَّ لَكم. ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ إنْ صَحَّ أنَّكم تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ، وتُقِرُّونَ أنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ، فَإنَّ عِبادَتَهُ تَعالى لا تَتِمُّ إلّا بِالشُّكْرِ. فالمُعَلَّقُ بِفِعْلِ العِبادَةِ هو الأمْرُ بِالشُّكْرِ لِإتْمامِهِ، وهو عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِهِ.

وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إنِّي والإنْسَ والجِنَّ في نَبَأٍ عَظِيمٍ، أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي» .

2:173Page 26

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ أكْلَها، أوِ الِانْتِفاعَ بِها. وهي الَّتِي ماتَتْ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ. والحَدِيثُ أُلْحِقَ بِها ما أبْيَنَ مِن حَيٍّ. والسَّمَكُ والجَرادُ أخْرَجَهُما العُرْفُ عَنْها، أوِ اسْتَثْناهُ الشَّرْعُ. والحُرْمَةُ المُضافَةُ إلى العَيْنِ تُفِيدُ عُرْفًا حُرْمَةَ التَّصَرُّفِ فِيها مُطْلَقًا إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، كالتَّصَرُّفِ في المَدْبُوغِ. ﴿والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ إنَّما خَصَّ اللَّحْمَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ مِنَ الحَيَوانِ وسائِرِ أجْزائِهِ كالتّابِعِ لَهُ. ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أيْ رُفِعَ بِهِ (p-120)الصَّوْتُ عِنْدَ ذَبْحِهِ لِلصَّنَمِ. والإهْلالُ أصْلُهُ رُؤْيَةُ الهِلالِ، يُقالُ: أهَلَّ الهِلالُ وأهْلَلْتُهُ. لَكِنْ لَمّا جَرَتِ العادَةُ أنْ يُرْفَعَ الصَّوْتُ بِالتَّكْبِيرِ إذا رُئِيَ سُمِّيَ ذَلِكَ إهْلالًا، ثُمَّ قِيلَ لِرَفْعِ الصَّوْتِ وإنْ كانَ لِغَيْرِهِ. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾ بِالِاسْتِيثارِ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ. وقَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو حَمْزَةُ بِكَسْرِ النُّونِ. ﴿وَلا عادٍ﴾ سَدِّ الرَّمَقِ، أوِ الجَوْعَةِ. وقِيلَ غَيْرِ باغٍ عَلى الوالِي. ولا عادٍ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ. فَعَلى هَذا لا يُباحُ لِلْعاصِي بِالسَّفَرِ وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وقَوْلُ أحْمَدَ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى. ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تَناوُلِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِما فَعَلَ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالرُّخْصَةِ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما تُفِيدُ قَصْرَ الحُكْمِ عَلى ما ذُكِرَ وكَمْ مِن حَرامٍ لَمْ يُذْكَرْ. قُلْتُ: المُرادُ قَصْرُ الحُرْمَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ لا مُطْلَقًا، أوْ قَصْرُ حُرْمَتِهِ عَلى حالِ الِاخْتِيارِ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكم هَذِهِ الأشْياءَ ما لَمْ تَضْطَرُّوا إلَيْها.

2:174–175Page 26

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤

Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are for [i.e., in pursuit of] the Fire!

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عِوَضًا حَقِيرًا. ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ إمّا في الحالِ، لِأنَّهم أكَلُوا ما يَتَلَبَّسُ بِالنّارِ لِكَوْنِها عُقُوبَةً عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ أكَلَ النّارَ كَقَوْلِهِ:

؎ أكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أرُعْكِ بِضَرَّةٍ... بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ

يَعْنِي الدِّيَةَ. أوْ في المَآلِ أيْ لا يَأْكُلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا النّارَ. ومَعْنى في بُطُونِهِمْ: مِلْءُ بُطُونِهِمْ. يُقالُ أكَلَ في بَطْنِهِ وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ كَقَوْلِهِ:

كُلُوا في بَعْضٍ بَطْنِكُمُو تُعْفُوا

﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ عِبارَةُ عَنْ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وتَعْرِيضٌ بِحِرْمانِهِمْ حالَ مُقابَلِيهِمْ في الكَرامَةِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ. ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ في الدُّنْيا. ﴿والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ في الآخِرَةِ، بِكِتْمانِ الحَقِّ لِلْمَطامِعِ والأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ تَعَجَّبَ مِن حالِهِمْ في الِالتِباسِ بِمُوجِباتِ النّارِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ. وما تامَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وتَخْصِيصُها كَتَخْصِيصِ قَوْلِهِمْ:

شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ

أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ وما بَعْدَها الخَبَرُ، أوْ مَوْصُولَةٌ وما بَعْدَها صِلَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.

2:176Page 26

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦

That is [deserved by them] because Allāh has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أيْ ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ فَرَفَضُوهُ بِالتَّكْذِيبِ أوِ الكِتْمانِ. ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ اللّامُ فِيهِ إمّا لِلْجِنْسِ واخْتِلافُهم إيمانُهم بِبَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وكُفْرُهم بِبَعْضٍ. أوْ لِلْعَهْدِ، والإشارَةُ إمّا إلى التَّوْراةِ، واخْتَلَفُوا بِمَعْنى تَخَلَّفُوا عَنِ المَنهَجِ المُسْتَقِيمِ في تَأْوِيلِها، أوْ خَلَّفُوا خِلالَ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مَكانَهُ، أيْ حَرَّفُوا ما فِيها. وإمّا إلى القُرْآنِ واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُهم سِحْرٌ، وتَقَوَّلَ، وكَلامٌ عَلَّمَهُ بَشَرٌ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ. ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ لَفي خِلافٍ بَعِيدٍ عَنِ الحَقِّ.

2:177Page 27

۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧

Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allāh, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakāh; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.

(p-121)﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ البِرُّ كُلُّ فِعْلٍ مُرْضٍ، والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ فَإنَّهم أكْثَرُوا الخَوْضَ في أمْرِ القِبْلَةِ حِينَ حُوِّلَتْ، وادَّعى كُلُّ طائِفَةٍ أنَّ البِرَّ هو التَّوَجُّهُ إلى قِبْلَتِهِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وقالَ لَيْسَ البِرَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ مَنسُوخٌ، ولَكِنَّ البِرَّ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ واتَّبَعَهُ المُؤْمِنُونَ. وقِيلَ عامٌّ لَهم ولِلْمُسْلِمِينَ، أيْ لَيْسَ البِرُّ مَقْصُورًا بِأمْرِ القِبْلَةِ، أوْ لَيْسَ البِرَّ العَظِيمَ الَّذِي يَحْسُنُ أنْ تُذْهِلُوا بِشَأْنِهِ عَنْ غَيْرِهِ أمْرَها، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ البِرَّ بِالنَّصْبِ ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ﴾ أيْ ولَكِنَّ البِرَّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُهْتَمَّ بِهِ بِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ، أوْ لَكِنَّ ذا البَرِّ مَن آمَنَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ولَكِنَّ « البارَّ» . والأوَّلُ أوْفَقُ وأحْسَنُ. والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ، أوِ القُرْآنُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ولَكِنْ بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ البِرِّ. ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ عَلى حُبِّ المالِ،

«قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا سُئِلَ أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ قالَ « أنْ تُؤْتِيَهُ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ العَيْشَ، وتَخْشى الفَقْرَ» . وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ، أوْ لِلْمَصْدَرِ. والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ. ﴿ذَوِي القُرْبى واليَتامى﴾ يُرِيدُ المَحاوِيجَ مِنهُمْ، ولَمْ يُقَيِّدْ لِعَدَمِ الِالتِباسِ. وقَدَّمَ ذَوِي القُرْبى لِأنَّ إيتاءَهم أفْضَلً كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «صَدَقَتُكَ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ وعَلى ذَوِي رَحِمِكَ اثْنَتانِ، صَدَقَةٌ وصِلَةٌ» . ﴿والمَساكِينَ﴾ جَمْعُ المِسْكِينِ وهو الَّذِي أسْكَنَتْهُ الخَلَّةُ، وأصْلُهُ دائِمُ السُّكُونِ كالمِسْكِيرِ لِلدّائِمِ السُّكْرِ. ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ المُسافِرُ، سُمِّيَ بِهِ لِمُلازَمَتِهِ السَّبِيلَ كَما سُمِّيَ القاطِعُ ابْنَ الطَّرِيقِ. وقِيلَ الضَّيْفَ لِأنَّ السَّبِيلَ يُرْعَفُ بِهِ. ﴿والسّائِلِينَ﴾ الَّذِينَ ألْجَأتْهُمُ الحاجَةُ إلى السُّؤالِ،

وَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ «لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسِهِ» . ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ وفي تَخْلِيصِها بِمُعاوَنَةِ المُكاتَبِينَ، أوْ فَكِّ الأُسارى، أوِ ابْتِياعِ الرِّقابِ لِعِتْقِها. ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ﴾ المَفْرُوضَةَ. ﴿وَآتى الزَّكاةَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ ومِن قَوْلِهِ: ﴿وَآتى المالَ﴾ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، ولَكِنَّ الغَرَضَ مِنَ الأوَّلِ بَيانُ مَصارِفِها، ومِنَ الثّانِي أداؤُها والحَثُّ عَلَيْها.

وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأوَّلِ نَوافِلَ الصَّدَقاتِ أوْ حُقُوقًا كانَتْ في المالِ سِوى الزَّكاةِ.

وَفِي الحَدِيثِ «نَسَخَتِ الزَّكاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ» . ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿مَن آمَنَ﴾ . ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ نَصَبَهُ عَلى المَدْحِ ولَمْ يَعْطِفْ لِفَضْلِ الصَّبْرِ عَلى سائِرِ الأعْمالِ. وعَنِ الأزْهَرِيِّ: البَأْساءُ في الأمْوالِ كالفَقْرِ، والضَّرّاءُ في الأنْفُسِ كالمَرَضِ. ﴿وَحِينَ البَأْسِ﴾ وقْتَ مُجاهَدَةِ العَدُوِّ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الدِّينِ واتِّباعِ الحَقِّ وطَلَبِ البِرِّ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ عَنِ الكُفْرِ وسائِرِ الرَّذائِلِ. والآيَةُ كَما تَرى جامِعَةٌ لِلْكَمالاتِ الإنْسانِيَّةِ بِأسْرِها دالَّةٌ عَلَيْها صَرِيحًا أوْ ضِمْنًا، فَإنَّها بِكَثْرَتِها وتَشَعُّبِها مُنْحَصِرَةٌ في ثَلاثَةِ أشْياءَ:

صِحَّةِ الِاعْتِقادِ، وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، وتَهْذِيبِ النَّفْسِ. وقَدْ أُشِيرَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿والنَّبِيِّينَ﴾ . وإلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتى المالَ﴾ إلى ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ وإلى الثّالِثِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ﴾ إلى آخِرِها ولِذَلِكَ وُصِفَ المُسْتَجْمِعُ لَها بِالصِّدْقِ نَظَرًا إلى إيمانِهِ واعْتِقادِهِ بِالتَّقْوى، اعْتِبارًا بِمُعاشَرَتِهِ لِلْخَلْقِ ومُعامَلَتِهِ مَعَ الحَقِّ. وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «مَن عَمِلَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ»

2:178Page 27

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٨

O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female.1 But whoever overlooks from his brother [i.e., the killer] anything,2 then there should be a suitable follow-up and payment to him [i.e., the deceased's heir or legal representative] with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that3 will have a painful punishment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ كانَ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِن أحْياءِ العَرَبِ دِماءٌ، وكانَ لِأحَدِهِما طَوْلٌ عَلى الآخَرِ، فَأقْسَمُوا لَنَقْتُلَنَّ الحُرَّ مِنكم بِالعَبْدِ (p-122)والذَّكَرَ بِالأُنْثى. فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ، وأمَرَهم أنْ يَتَباوَءُوا. ولا تَدُلُّ عَلى أنْ لا يُقْتَلَ الحُرُّ بِالعَبْدِ والذَّكَرُ بِالأُنْثى، كَما لا تَدُلُّ عَلى عَكْسِهِ، فَإنَّ المَفْهُومَ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّخْصِيصِ غَرَضٌ سِوى اخْتِصاصِ الحُكْمِ وقَدْ بَيَّنّا ما كانَ الغَرَضُ وإنَّما مَنَعَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قَتْلَ الحُرِّ بِالعَبْدِ سَواءٌ كانَ عَبْدَهُ أوْ عَبْدَ غَيْرِهِ، لِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ فَجَلَدَهُ الرَّسُولُ ﷺ ونَفاهُ سَنَةً ولَمْ يُقِدْهُ بِهِ.»

وَرُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِذِي عَهْدٍ ولا حَرٌّ بِعَبْدٍ.»

وَلِأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، كانا لا يَقْتُلانِ الحُرَّ بِالعَبْدِ بَيْنَ أظْهُرِ الصَّحابَةِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ.

وَلِلْقِياسِ عَلى الأطْرافِ، ومَن سَلِمَ دَلالَتُهُ فَلَيْسَ لَهُ دَعْوى نَسْخِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ لِأنَّهُ حِكايَةُ ما في التَّوْراةِ فَلا يَنْسَخُ ما في القُرْآنِ. واحْتَجَّتِ الحَنَفِيَّةُ بِهِ عَلى أنَّ مُقْتَضى العَمْدِ القَوَدُ وحْدَهُ، وهو ضَعِيفٌ إذِ الواجِبُ عَلى التَّخْيِيرِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ وُجِبَ وكُتِبَ، ولِذَلِكَ قِيلَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الواجِبِ وغَيْرِهِ لَيْسَ نَسْخًا لِوُجُوبِهِ. وقُرِئَ « كُتِبَ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و « القِصاصَ» بِالنَّصْبِ، وكَذَلِكَ كُلُّ فِعْلٍ جاءَ في القُرْآنِ. ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ أيْ شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ، لِأنَّ عَفا لازِمٌ. وفائِدَتُهُ الإشْعارُ بِأنَّ بَعْضَ العَفْوِ كالعَفْوِ التّامِّ في إسْقاطِ القِصاصِ. وقِيلَ عَفا بِمَعْنى تَرَكَ، وشَيْءٌ مَفْعُولٌ بِهِ وهو ضَعِيفٌ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ عَفا الشَّيْءَ بِمَعْنى تَرَكَهُ بَلْ أعْفاهُ. وعَفا يُعَدّى بِعْنَ إلى الجانِي وإلى الذَّنْبِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ وقالَ ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ . فَإذا عُدِّيَ بِهِ إلى الذَّنْبِ عُدِّيَ إلى الجانِي بِاللّامِ وعَلَيْهِ ما في الآيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَمِن عُفِيَ لَهُ عَنْ جِنايَتِهِ مِن جِهَةِ أخِيهِ، يَعْنِي ولِيَّ الدَّمِ. وذَكَرَهُ بِلَفْظِ الإخْوَةِ الثّابِتَةَ بَيْنَهُما مِنَ الجِنْسِيَّةِ والإسْلامِ لِيَرِقَّ لَهُ ويَعْطِفَ عَلَيْهِ. ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ أيْ فَلْيَكُنِ اتِّباعٌ، أوْ فالأمْرُ اتِّباعٌ. والمُرادُ بِهِ وصِيَّةُ العافِي بِأنْ يَطْلُبَ الدِّيَةَ بِالمَعْرُوفِ فَلا يُعَنِّفُ، والمَعْفُوُّ عَنْهُ بِأنْ يُؤَدِّيَها بِالإحْسانِ: وهو أنْ لا يَمْطُلَ ولا يَبْخَسَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدِّيَةَ أحَدُ مُقْتَضى العَمْدِ، وإلّا لَما رَتَّبَ الأمْرَ بِأدائِها عَلى مُطْلَقِ العَفْوِ. ولِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في المَسْألَةِ قَوْلانِ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الحُكْمُ المَذْكُورُ في العَفْوِ والدِّيَةِ. ﴿تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ لِما فِيهِ مِنَ التَّسْهِيلِ والنَّفْعِ، قِيلَ كُتِبَ عَلى اليَهُودِ القِصاصُ وحْدَهُ، وعَلى النَّصارى العَفْوُ مُطْلَقًا. وخُيِّرَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بَيْنَهُما وبَيْنَ الدِّيَةِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ وتَقْدِيرًا لِلْحُكْمِ عَلى حَسَبِ مَراتِبِهِمْ. فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ أيْ قَتَلَ بَعْدَ العَفْوِ وأخْذِ الدِّيَةِ. فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ في الآخِرَةِ. وقِيلَ في الدُّنْيا بِأنْ يَقْتُلَ لا مَحالَةَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «لا أُعافِي أحَدًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِهِ الدِّيَةِ»

2:179Page 27

وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩

And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.1

﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ كَلامٌ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ مِن حَيْثُ جَعْلُ الشَّيْءِ مَحَلَّ ضِدِّهِ، وعَرَّفَ القِصاصَ ونَكَّرَ الحَياةَ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ في هَذا الجِنْسِ مِنَ الحُكْمِ نَوْعًا مِنَ الحَياةِ عَظِيمًا، وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ يَرْدَعُ القاتِلَ عَنِ القَتْلِ، فَيَكُونُ سَبَبَ حَياةِ نَفْسَيْنِ. ولِأنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ غَيْرَ القاتِلِ، والجَماعَةَ بِالواحِدِ، فَتَثُورُ الفِتْنَةُ بَيْنَهم. فَإذا اقْتُصَّ مِنَ القاتِلِ سَلَّمَ الباقُونَ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحَياتِهِمْ. وعَلى الأوَّلِ فِيهِ إضْمارٌ وعَلى الثّانِي تَخْصِيصٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِها الحَياةُ الأُخْرَوِيَّةُ، فَإنَّ القاتِلَ إذا اقْتَصَّ مِنهُ في الدُّنْيا لَمْ يُؤاخَذْ بِهِ في الآخِرَةِ. ﴿وَلَكم في القِصاصِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِحَياةٍ وأنْ يَكُونَ أحَدُهُما خَبَرًا والآخِرِ صِلَةً لَهُ، أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ. وقُرِئَ في « القَصَصِ» أيْ فِيما قُصَّ عَلَيْكم مِن حُكْمِ القَتْلِ حَياةٌ، أوْ في القُرْآنِ حَياةٌ لِلْقُلُوبِ. ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ ذَوِي العُقُولِ الكامِلَةِ. ناداهم لِلتَّأمُّلِ في حِكْمَةِ القِصاصِ مِنِ اسْتِبْقاءِ الأرْواحِ وحِفْظِ النُّفُوسِ. ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ في المُحافَظَةِ عَلى القِصاصِ والحُكْمِ بِهِ والإذْعانِ لَهُ، أوْ عَنِ القِصاصِ فَتَكُفُّوا عَنِ القَتْلِ.

2:180Page 27

كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ١٨٠

Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.1

(p-123)﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ حَضَرَتْ أسْبابُهُ وظَهَرَتْ أماراتُهُ. ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أيْ مالًا وقِيلَ مالًا كَثِيرًا، لِما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ مَوْلًى لَهُ أرادَ أنْ يُوصِيَ ولَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَمَنَعَهُ وقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ والخَيْرُ هو المالُ الكَثِيرُ.

وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: أنَّ رَجُلًا أرادَ أنْ يُوصِيَ فَسَألَتْهُ كَمْ مالُكَ؟ فَقالَ: ثَلاثَةُ آلافٍ. فَقالَتْ: كَمْ عِيالُكَ؟ قالَ: أرْبَعَةٌ. قالَتْ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنَّ هَذا لَشَيْءٌ يَسِيرٌ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ. ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ مَرْفُوعُ بِكُتِبَ، وتَذْكِيرُ فِعْلِها لِلْفَصْلِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِ أنْ يُوصِيَ أوِ الإيصاءِ ولِذَلِكَ ذَكَرَ الرّاجِعَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ . والعامِلُ في إذا مَدْلُولُ كُتِبَ لا الوَصِيَّةُ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْها. وقِيلَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿لِلْوالِدَيْنِ﴾، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ بِإضْمارِ الفاءِ كَقَوْلِهِ:

؎ مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها... والشَّرُّ بِالشَّرِ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ

وَرُّدَّ بِأنَّهُ إنْ صَحَّ فَمِن ضَرُوراتِ الشِّعْرِ. وكانَ هَذا الحُكْمُ في بَدْءِ الإسْلامِ فَنُسِخَ بِآيَةِ المَوارِيثِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّ اللَّهَ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، ألا لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» . وفِيهِ نَظَرٌ: لِأنَّ آيَةَ المَوارِيثِ لا تُعارِضُهُ بَلْ تُؤَكِّدُهُ مِن حَيْثُ إنَّها تَدُلُّ عَلى تَقْدِيمِ الوَصِيَّةِ مُطْلَقًا، والحَدِيثُ مِنَ الآحادِ، وتَلَقِّي الأُمَّةِ لَهُ بِالقَبُولِ لا يُلْحِقُهُ بِالمُتَواتِرِ. ولَعَلَّهُ احْتَرَزَ عَنْهُ مَن فَسَّرَ الوَصِيَّةَ بِما أوْصى بِهِ اللَّهُ مِن تَوْرِيثِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ . أوْ بِإيصاءِ المُحْتَضِرِ لَهم بِتَوْفِيرِ ما أوْصى بِهِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالعَدْلِ فَلا يُفَضِّلُ الغِنى، ولا يَتَجاوَزُ الثُّلُثَ. ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском