Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:196–211
2:196Page 30
وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦
And complete the ḥajj and ʿumrah for Allāh. But if you are prevented, then [offer] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And do not shave your heads until the sacrificial animal has reached its place of slaughter. And whoever among you is ill or has an ailment of the head [making shaving necessary must offer] a ransom of fasting [three days] or charity1 or sacrifice.2 And when you are secure,3 then whoever performs ʿumrah [during the ḥajj months]4 followed by ḥajj [offers] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And whoever cannot find [or afford such an animal] - then a fast of three days during ḥajj and of seven when you have returned [home]. Those are ten complete [days]. This is for those whose family is not in the area of al-Masjid al-Ḥarām. And fear Allāh and know that Allāh is severe in penalty.
﴿وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أيِ ائْتُوا بِهِما تامَّيْنِ مُسْتَجْمَعَيِ المَناسِكِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهو عَلى هَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِهِما ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ « وأقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ»، وما رَوى جابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّهُ قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ العُمْرَةُ واجِبَةٌ مِثْلُ الحَجِّ، فَقالَ: لا ولَكِنْ إنْ تَعْتَمِرْ خَيْرٌ لَكَ»
فَمَعارَضٌ بِما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، إنِّي وجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ أهْلَلْتُ بِهِما جَمِيعًا، فَقالَ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ» ولا يُقالُ إنَّهُ فَسَّرَ وجَدَ أنَّهُما مَكْتُوبَيْنِ بِقَوْلِهِ أهْلَلْتُ بِهِما فَجازَ أنْ يَكُونَ الوُجُوبُ بِسَبَبِ إهْلالِهِ بِهِما، لِأنَّهُ رَتَّبَ الإهْلالَ عَلى الوِجْدانِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَبَبُ الإهْلالِ دُونَ العَكْسِ. وقِيلَ إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، أوْ أنْ تُفْرِدَ لِكُلٍّ مِنهُما سَفَرًا، أوْ أنْ تُجَرِّدَهُ لَهُما لا تَشُوبُهُما بِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، أوْ أنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلالًا. ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ مُنِعْتُمْ، يُقالُ حَصَرُهُ العَدُوُّ وأحْصَرَهُ إذا حَبَسَهُ ومَنَعَهُ عَنِ المُضِيِّ، مِثْلَ صَدَّهُ وأصَدَّهُ، والمُرادُ حَصْرُ العَدُوِّ عِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَها اللَّهُ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ ولِنُزُولِهِ في الحُدَيْبِيَةِ، ولِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ العَدُوِّ وكُلُّ مَنعٍ مِن عَدُوٍّ أوْ مَرَضٍ أوْ غَيْرِهِما عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، لِما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مِن كَسْرٍ أوْ عَرَجٍ فَقَدْ حَلَّ فَعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ»
وَهُوَ ضَعِيفٌ مُؤَوَّلٌ بِما إذا شُرِطَ الإحْلالُ بِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِضُباعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ «حُجِّي واشْتَرِطِي وقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»
﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ فَعَلَيْكم ما اسْتَيْسَرَ، أوْ فالواجِبُ ما اسْتَيْسَرَ. أوْ فاهْدُوا ما اسْتَيْسَرَ. والمَعْنى إنْ أُحْصِرَ المُحْرِمُ وأرادَ أنْ يَتَحَلَّلَ تَحَلَّلَ بِذَبْحِ هَدْيٍ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ مِن بَدَنَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ حَيْثُ أُحْصِرَ عِنْدَ الأكْثَرِ. لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَبَحَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ بِها وهي مِنَ الحِلِّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَبْعَثُ بِهِ، ويَجْعَلُ لِلْمَبْعُوثِ عَلى يَدِهِ يَوْمَ أمارٍ فَإذا جاءَ اليَوْمُ وظَنَّ أنَّهُ ذَبَحَ تَحَلَّلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أيْ لا تَحِلُّوا حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ الهَدْيَ المَبْعُوثَ إلى الحَرَمِ بَلَغَ مَحِلَّهُ أيْ مَكانَهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُنْحَرَ فِيهِ، وحَمَلَ الأوَّلُونَ بُلُوغَ الهَدْيِ مَحِلَّهُ عَلى ذَبْحِهِ حَيْثُ يَحِلُّ الذَّبْحُ فِيهِ حِلًّا كانَ أوْ حَرَمًا، واقْتِصارُهُ عَلى الهَدْيِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ القَضاءِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: يَجِبُ القَضاءُ، والمَحِلُّ. بِالكَسْرِ. يُطْلَقُ عَلى المَكانِ والزَّمانِ. والهَدْيُ: جَمْعُ هَدْيَةٍ كَجَدْيٍ وجَدْيَةٍ، وقُرِئَ مِن « الهَدِيُّ» جَمْعُ هَدِيَّةٍ كَمَطِيٍّ في مَطِيَّةٍ ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ مَرَضًا يُحْوِجُهُ إلى الحَلْقِ.
﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ كَجِراحَةٍ وقَمْلٍ. ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ إنْ حَلَقَ. ﴿مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ بَيانٌ لِجِنْسِ الفِدْيَةِ، وأمّا قَدْرُها فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ « لَعَلَّكَ آذاكَ هَوامُّكَ، قالَ: (p-130)نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: احْلِقْ وصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ أوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ أوِ انْسُكْ شاةً»
والفَرَقُ ثَلاثَةُ آصُعٍ ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ الإحْصارَ. أوْ كُنْتُمْ في حالِ سِعَةٍ وأمْنٍ. ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ فَمَنِ اسْتَمْتَعَ وانْتَفَعَ بِالتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ بِالعُمْرَةِ قَبْلَ الِانْتِفاعِ بِتَقَرُّبِهِ بِالحَجِّ في أشْهُرِهِ. وقِيلَ: فَمَنِ اسْتَمْتَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِن عُمْرَتِهِ بِاسْتِباحَةِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ إلى أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ. ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ فَعَلَيْهِ دَمٌ اسْتَيْسَرَهُ بِسَبَبِ التَّمَتُّعِ، فَهو دَمُ جَبْرٍ أنْ يَذْبَحَهُ إذا أحْرَمَ بِالحَجِّ ولا يَأْكُلَ مِنهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، إنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَهو كالأُضْحِيَّةِ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيِ الهَدْيَ. ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ في أيّامِ الِاشْتِغالِ بِهِ بَعْدَ الإحْرامِ وقَبْلَ التَّحَلُّلِ. قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في أشْهُرِهِ بَيْنَ الإحْرامَيْنِ، والأحَبُّ أنْ يَصُومَ سابِعَ ذِي الحِجَّةِ وثامِنَهُ وتاسِعَهُ. ولا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ وأيّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ. ﴿وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أهْلِيكم وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أوْ نَفَرْتُمْ وفَرَغْتُمْ مِن أعْمالِهِ وهو قَوْلُهُ الثّانِي ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. وقُرِئَ « سَبْعَةً» بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ . ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ فَذْلَكَةُ الحِسابِ، وفائِدَتُها أنْ لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ الواوَ بِمَعْنى أوْ، كَقَوْلِكَ جالَسَ الحَسَنَ وابْنَ سِيرِينَ. وأنْ يُعْلَمَ العَدَدُ جُمْلَةً كَما عُلِمَ تَفْصِيلًا فَإنَّ أكْثَرَ العَرَبِ لَمْ يُحْسِنُوا الحِسابَ، وأنَّ المُرادَ بِالسَّبْعَةِ هو العَدَدُ دُونَ الكَثْرَةِ فَإنَّهُ يُطْلَقُ لَهُما ﴿كامِلَةٌ﴾ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ تُفِيدُ المُبالِغَةَ في مُحافَظَةِ العَدَدِ، أوْ مُبِينَةٌ كَمالَ العَشْرَةِ فَإنَّهُ أوَّلُ عَدَدٍ كامِلٍ إذْ بِهِ تَنْتَهِي الآحادُ وتَتِمُّ مَراتِبُها، أوْ مُقَيِّدَةٌ تُقَيِّدُ كَمالِ بَدَلِيَّتِها مِنَ الهَدْيِ. ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الحُكْمِ المَذْكُورِ عِنْدَنا. والتَّمَتُّعُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ لا مُتْعَةَ ولا قِرانَ لِحاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ عِنْدَهُ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ أيِ التَّمَتُّعَ مِنهم فَعَلَيْهِ دَمُ جِنايَةٍ. ﴿لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وهو مَن كانَ مِنَ الحَرَمِ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ عِنْدَنا، فَإنَّ مَن كانَ عَلى أقَلَّ فَهو مُقِيمٌ في الحَرَمِ، أوْ في حُكْمِهِ. ومَن مَسْكَنُهُ وراءَ المِيقاتِ عِنْدَهُ وأهْلَ الحِلِّ عِنْدَ طاوُسٍ وغَيْرَ المَكِّيِّ عِنْدَ مالِكٍ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في المُحافَظَةِ عَلى أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وخُصُوصًا في الحَجِّ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَن لَمْ يَتَّقِهِ كَيْ يَصُدَّكُمُ العِلْمُ بِهِ عَنِ العِصْيانِ.
2:197Page 31
ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٧
Ḥajj is [during] well-known months,1 so whoever has made ḥajj obligatory upon himself therein [by entering the state of iḥrām], there is [to be for him] no sexual relations and no disobedience and no disputing during ḥajj. And whatever good you do - Allāh knows it. And take provisions, but indeed, the best provision is fear of Allāh. And fear Me, O you of understanding.
﴿الحَجُّ أشْهُرٌ﴾ أيْ وقْتُهُ. كَقَوْلِكَ البَرْدُ شَهْرانِ. ﴿مَعْلُوماتٌ﴾ مَعْرُوفاتٌ وهِيَ: شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وتِسْعَةُ مِن ذِي الحِجَّةِ بِلَيْلَةِ النَّحْرِ عِنْدَنا، والعَشْرُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. وذِي الحِجَّةِ كُلُّهُ عِنْدَ مالِكٍ. وبِناءً عَلى الخِلافِ عَلى أنَّ المُرادَ بِوَقْتِهِ وقْتُ إحْرامِهِ، أوْ وقْتُ أعْمالِهِ ومَناسِكِهِ، أوْ ما لا يَحْسُنُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ المَناسِكِ مُطْلَقًا، فَإنَّ مالِكًا كَرِهَ العُمْرَةَ في بَقِيَّةِ ذِي الحِجَّةِ. وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وإنْ صَحَّحَ الإحْرامَ بِهِ قَبْلَ شَوّالٍ فَقَدِ اسْتَكْرَهَهُ. وإنَّما سُمِّيَ شَهْرانِ وبَعْضُ شَهْرٍ أشْهُرًا إقامَةً لِلْبَعْضِ مَقامَ الكُلِّ، أوْ إطْلاقًا لِلْجَمْعِ عَلى ما فَوْقَ الواحِدِ. ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ فَمَن أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالإحْرامِ فِيهِنَّ عِنْدَنا، أوْ بِالتَّلْبِيَةِ أوْ سُوقِ الهَدْيِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وهو دَلِيلٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأنَّ مَن أحْرَمَ بِالحَجِّ لَزِمَهُ الإتْمامُ. ﴿فَلا رَفَثَ﴾ فَلا جِماعَ، أوْ فَلا فُحْشَ مِنَ الكَلامِ. ﴿وَلا فُسُوقَ﴾ ولا خُرُوجَ عَنْ حُدُودِ الشَّرْعِ بِالسَّيِّئاتِ وارْتِكابِ المَحْظُوراتِ. ﴿وَلا جِدالَ﴾ ولا مِراءَ مَعَ الخَدَمِ والرُّفْقَةِ. ﴿فِي الحَجِّ﴾ في أيّامِهِ، نَفْيُ الثَّلاثَةِ عَلى قَصْدِ النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها حَقِيقَةٌ بِأنْ لا تَكُونَ، وما كانَتْ مِنها مُسْتَقْبَحَةً في أنْفُسِها فَفي الحَجِّ أقْبَحَ كَلُبْسَةِ الحَرِيرِ في الصَّلاةِ. والتَّطْرِيبُ بِقِراءَةِ القُرْآنِ لِأنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ مُقْتَضى الطَّبْعِ والعادَةِ إلى مَحْضِ العِبادَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والأوَّلُونَ بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى: لا يَكُونَنَّ رَفَثٌ ولا فُسُوقٌ. والثّالِثُ بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى الإخْبارِ بِانْتِفاءِ الخِلافِ في الحَجِّ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تُحالِفُ سائِرَ العَرَبِ فَتَقِفُ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ، فارْتَفَعَ الخِلافُ بِأنْ أُمِرُوا أنْ يَقَعُوا أيْضًا بِعَرَفَةَ. ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ حَثٌّ عَلى الخَيْرِ (p-131)عَقَّبَ بِهِ النَّهْيَ عَنِ الشَّرِّ لِيُسْتَبْدَلَ بِهِ ويُسْتَعْمَلَ مَكانَهُ. ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ وتَزَوَّدُوا لِمَعادِكُمُ التَّقْوى فَإنَّهُ خَيْرُ زادٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ اليَمَنِ كانُوا يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ ويَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ فَيَكُونُونَ كَلًّا عَلى النّاسِ، فَأُمِرُوا أنْ يَتَزَوَّدُوا ويَتَّقُوا الإبْرامَ في السُّؤالِ والتَّثْقِيلِ عَلى النّاسِ. ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ اللُّبِّ خَشْيَةُ اللَّهِ وتَقْواهُ، حَثَّهم عَلى التَّقْوى ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِها هو اللَّهُ تَعالى فَيَتَبَرَّأُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سِواهُ، وهو مُقْتَضى العَقْلِ المُعَرّى عَنْ شَوائِبِ الهَوى فَلِذَلِكَ خَصَّ أُولِي الألْبابِ بِهَذا الخِطابِ.
2:198Page 31
لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨
There is no blame upon you for seeking bounty1 from your Lord [during ḥajj]. But when you depart from ʿArafāt, remember Allāh at al-Mashʿar al-Ḥarām.2 And remember Him, as He has guided you, for indeed, you were before that among those astray.
﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا﴾ أيْ في أنْ تَبْتَغُوا أيْ تَطْلُبُوا. فَضْلًا مِن رَبِّكم عَطاءً ورِزْقًا مِنهُ، يُرِيدُ الرِّبْحَ بِالتِّجارَةِ، وقِيلَ: كانَ عُكاظٌ ومِجَنَّةُ وذُو المَجازِ أسْواقَهم في الجاهِلِيَّةِ يُقِيمُونَها مَواسِمَ الحَجِّ، وكانَتْ مَعايِشُهم مِنها، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَأثَّمُوا مِنهُ فَنَزَلَتْ. ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ دَفَعْتُمْ مِنها بِكَثْرَةٍ، مَن أفْضْتُ الماءَ إذا صَبَبْتَهُ بِكَثْرَةٍ. وأصْلُهُ أفَضْتُمْ أنْفُسَكم فَحُذِفَ المَفْعُولُ كَما حُذِفَ في دَفَعْتُ مِنَ البَصْرَةِ. و ﴿عَرَفاتٍ﴾ جَمْعٌ سُمِّيَ بِهِ كَأذْرَعاتَ، وإنَّما نُوِّنَ وكُسِرَ وفِيهِ العَلَمِيَّةُ والتَّأْنِيثُ لِأنَّ تَنْوِينَ الجَمْعِ تَنْوِينُ المُقابَلَةِ لا تَنْوِينُ التَّمْكِينِ ولِذَلِكَ يُجْمَعُ مَعَ اللّامِ، وذَهابُ الكَسْرَةِ تَبِعَ ذَهابَ التَّنْوِينِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ لِعَدَمِ الصَّرْفِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ. أوْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ إمّا أنْ يَكُونَ بِالتّاءِ المَذْكُورَةِ وهي لَيْسَتْ تاءَ تَأْنِيثٍ. وإنَّما هي مَعَ الألِفِ الَّتِي قَبْلَها عَلامَةُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ، أوْ بِتاءٍ مُقَدَّرَةٍ كَما في سُعادَ ولا يَصِحُّ تَقْدِيرُها لِأنَّ المَذْكُورَةَ تَمْنَعُهُ مِن حَيْثُ إنَّها كالبَدَلِ لَها لِاخْتِصاصِها بِالمُؤَنَّثِ كَتاءِ بِنْتٍ، وإنَّما سُمِّيَ المَوْقِفُ عَرَفَةَ لِأنَّهُ نَعْتٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا أبْصَرَهُ عَرَفَهُ أوْ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدُورُ بِهِ في المَشاعِرِ فَلَمّا أراهُ إيّاهُ قالَ قَدْ عَرَفْتُ، أوْ لِأنَّ آدَمَ وحَوّاءَ التَقَيا فِيهِ فَتَعارَفا. أوْ لِأنَّ النّاسَ يَتَعارَفُونَ فِيهِ. وعَرَفاتٌ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ وهي مِنَ الأسْماءِ المُرْتَجَلَةِ إلّا أنْ يُجْعَلَ جَمْعَ عارِفٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوُقُوفِ بِها لِأنَّ الإفاضَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَهُ وهي مَأْمُورٌ بِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ أوْ مُقَدِّمَةٌ لِلذِّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الذِّكْرُ غَيْرُ واجِبٍ بَلْ مُسْتَحَبٌّ. وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ واجِبٌ فَهو واجِبٌ مُقَيَّدٌ لا واجِبٌ مُطْلَقٌ حَتّى تَجِبَ مُقَدِّمَتُهُ والأمْرُ بِهِ غَيْرُ مُطْلَقٍ. فاذْكُرُوا اللَّهَ بِالتَّلْبِيَةِ والتَّهْلِيلِ والدُّعاءِ. وقِيلَ: بِصَلاةِ العِشاءَيْنِ. ﴿عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ جَبَلٌ يَقِفُ عَلَيْهِ الإمامُ ويُسَمّى « قُزَحَ» . وقِيلَ: ما بَيْنَ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ ووادِي مُحَسِّرٍ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رَوى جابِرٌ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا صَلّى الفَجْرَ - يَعْنِي بِالمُزْدَلِفَةِ بِغَلَسٍ - رَكِبَ ناقَتَهُ حَتّى أتى المَشْعَرَ الحَرامَ فَدَعا وكَبَّرَ وهَلَّلَ، ولَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتّى أسْفَرَ» وإنَّما سُمِّيَ مَشْعَرًا لِأنَّهُ مَعْلَمُ العِبادَةِ، ووُصِفَ بِالحَرامِ لِحُرْمَتِهِ: ومَعْنى عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ: مِمّا يَلِيهِ ويَقْرُبُ مِنهُ فَإنَّهُ أفْضَلُ، وإلّا فالمُزْدَلِفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ إلّا وادِي مُحَسِّرٍ. ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ كَما عَلَّمَكُمْ، أوِ اذْكُرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا كَما هَداكم هِدايَةً حَسَنَةً إلى المَناسِكِ وغَيْرِها. وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ. ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ الهُدى. ﴿لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ أيِ الجاهِلِينَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ. وقِيلَ: إنْ نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ .
2:199Page 31
ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٩
Then depart from the place from where [all] the people depart and ask forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ أيْ مِن عَرَفَةَ لا مِنَ المُزْدَلِفَةِ، والخِطابُ مَعَ قُرَيْشٍ كانُوا يَقِفُونَ بِجَمْعٍ وسائِرُ النّاسِ بِعَرَفَةَ ويَرَوْنَ ذَلِكَ تَرَفُّعًا عَلَيْهِمْ، فَأُمِرُوا بِأنْ يُساوُوهم. و ﴿ثُمَّ﴾ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ كَما في قَوْلِكَ: أحْسِنْ إلى النّاسِ ثُمَّ لا تُحْسِنْ إلى غَيْرِ كَرِيمٍ. وقِيلَ: مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى بَعْدَ الإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ إلَيْها والخِطابُ عامٌّ. وقُرِئَ « النّاسِ» بِالكَسْرِ أيِ النّاسِي يُرِيدُ آدَمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ والمَعْنى (p-132)أنَّ الإفاضَةَ مِن عَرَفَةَ شَرْعٌ قَدِيمٌ فَلا تُغَيِّرُوهُ. ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ مِن جاهِلِيَّتِكم في تَغْيِيرِ المَناسِكِ ونَحْوِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ ذَنْبَ المُسْتَغْفِرِ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ.
2:200Page 31
فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ ٢٠٠
And when you have completed your rites, remember Allāh like your [previous] remembrance of your fathers or with [much] greater remembrance. And among the people is he who says, "Our Lord, give us in this world," and he will have in the Hereafter no share.
﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ فَإذا قَضَيْتُمُ العِباداتِ الحَجِّيَّةَ وفَرَغْتُمْ مِنها. ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ فَأكْثِرُوا ذِكْرَهُ وبالِغُوا فِيهِ كَما تَفْعَلُونَ بِذِكْرِ آبائِكم في المُفاخَرَةِ. وكانَتِ العَرَبُ إذا قَضَوْا مَناسِكَهم وقَفُوا بِمِنًى بَيْنَ المَسْجِدِ والجَبَلِ فَيَذْكُرُونَ مُفاخِرَ آبائِهِمْ ومَحاسِنَ أيّامِهِمْ. ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ إمّا مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلى الذِّكْرِ يَجْعَلُ الذِّكْرَ ذاكِرًا عَلى المَجازِ والمَعْنى: فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ كَذِكْرٍ أشَدَّ مِنهُ وأبْلَغَ. أوْ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ عَلى ضَعْفٍ بِمَعْنى أوْ كَذِكْرِ قَوْمٍ أشَدَّ مِنكم ذِكْرًا. وإمّا مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى ﴿آباءَكُمْ﴾ وذِكْرًا مِن فِعْلِ المَذْكُورِ بِمَعْنى أوْ كَذِكْرِكم أشَدَّ مَذْكُورِيَّةً مِن آباءِكم. أمْ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: أوْ كُونُوا أشَدَّ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنكم لِآبائِكم. ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ تَفْصِيلٌ لِلذّاكِرِينَ إلى مُقِلٍّ لا يَطْلُبُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى إلّا الدُّنْيا ومُكْثِرٍ يَطْلُبُ بِهِ خَيْرَ الدّارَيْنِ، والمُرادُ الحَثُّ عَلى الإكْثارِ والإرْشادِ إلَيْهِ. ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ اجْعَلْ إيتاءَنا ومِنحَتَنا في الدُّنْيا ﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ أيْ نَصِيبٍ وحَظٍّ لِأنَّ هَمَّهُ مَقْصُورٌ بِالدُّنْيا، أوْ مِن طَلَبِ خَلاقٍ.
2:201–202Page 31
وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ٢٠١
But among them is he who says, "Our Lord, give us in this world [that which is] good and in the Hereafter [that which is] good and protect us from the punishment of the Fire."
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٢٠٢
Those will have a share of what they have earned, and Allāh is swift in account.
﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ يَعْنِي الصِّحَّةَ والكَفافَ وتَوْفِيقَ الخَيْرِ. ﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ يَعْنِي الثَّوابَ والرَّحْمَةَ. ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ، وقَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا المَرْأةُ الصّالِحَةُ، وفي الآخِرَةِ الحَوْراءُ. وعَذابُ النّارِ المَرْأةُ السُّوءُ وقَوْلُ الحَسَنِ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا العِلْمُ والعِبادَةُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ. ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ مَعْناهُ احْفَظْنا مِنَ الشَّهَواتِ والذُّنُوبِ والمُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ أمْثِلَةً لِلْمُرادِ بِها.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي. وقِيلَ إلَيْهِما. ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ مِن جِنْسِهِ وهو جَزاؤُهُ، أوْ مِن أجْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ أوْ مِمّا دَعَوْا بِهِ نُعْطِيهِمْ مِنهُ ما قَدَّرْناهُ فَسُمِّيَ الدُّعاءُ كَسْبًا لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ. ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ يُحاسِبُ العِبادَ عَلى كَثْرَتِهِمْ وكَثْرَةِ أعْمالِهِمْ في مِقْدارِ لَمْحَةٍ، أوْ يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ ويُحاسِبَ النّاسَ فَبادِرُوا إلى الطّاعاتِ واكْتَسِبُوا الحَسَناتِ.
2:203Page 32
۞ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٠٣
And remember Allāh during [specific] numbered days. Then whoever hastens [his departure] in two days - there is no sin upon him; and whoever delays [until the third] - there is no sin upon him - for him who fears Allāh. And fear Allāh and know that unto Him you will be gathered.
﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ كَبِّرُوهُ في أدْبارِ الصَّلاةِ وعِنْدَ ذَبْحِ القَرابِينِ ورَمْيِ الجِمارِ وغَيْرِها في أيّامِ التَّشْرِيقِ. ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ فَمَنِ اسْتَعْجَلَ النَّفْرَ. ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ يَوْمِ القَرِّ والَّذِي بَعْدَهُ، أيْ فَمَن نَفَرَ في ثانِي أيّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ رَمْيِ الجِمارِ عِنْدَنا، وقَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ. ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ بِاسْتِعْجالِهِ. ﴿وَمَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ ومَن تَأخَّرَ في النَّفْرِ حَتّى رَمى في اليَوْمِ الثّالِثِ بَعْدَ الزَّوالِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ تَقْدِيمُ رَمْيِهِ عَلى الزَّوالِ. ومَعْنى نَفْيِ الإثْمِ بِالتَّعْجِيلِ والتَّأْخِيرِ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُما والرَّدُّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّ مِنهم مَن أثَّمَ المُتَعَجِّلَ ومِنهم مَن أثَّمَ المُتَأخِّرَ. ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ أيِ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ التَّخْيِيرِ، أوْ مِنَ الأحْكامِ لِمَنِ اتَّقى لِأنَّهُ (p-133)الحاجُّ عَلى الحَقِيقَةِ والمُنْتَفِعُ بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ حَتّى لا يَتَضَرَّرَ بِتَرْكِ ما يُهِمُّهُ مِنهُما. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مَجامِعِ أُمُورِكم لِيَعْبَأ بِكم. ﴿واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لِلْجَزاءِ بَعْدَ الإحْياءِ. وأصْلُ الحَشْرِ الجَمْعُ وضَمُّ المُتَفَرِّقِ.
2:204Page 32
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤
And of the people is he whose speech pleases you in worldly life, and he calls Allāh to witness as to what is in his heart, yet he is the fiercest of opponents.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ يَرُوقُكَ ويَعْظُمُ في نَفْسِكَ، والتَّعَجُّبُ: حَيْرَةٌ تَعْرِضُ لِلْإنْسانِ لِجَهْلِهِ بِسَبَبِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ. ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ، أيْ ما يَقُولُهُ في أُمُورِ الدُّنْيا وأسْبابِ المَعاشِ، أوْ في مَعْنى الدُّنْيا فَإنَّها مُرادٌ مِنِ ادِّعاءِ المَحَبَّةِ وإظْهارِ الإيمانِ، أوْ يُعْجِبُكَ أيْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الدُّنْيا حَلاوَةً وفَصاحَةً ولا يُعْجِبُكَ في الآخِرَةِ لِما يَعْتَرِيهِ مِنَ الدَّهْشَةِ والحُبْسَةِ، أوْ لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ لَهُ في الكَلامِ. ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ يَحْلِفُ ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلى أنَّ ما في قَلْبِهِ مُوافِقٌ لِكَلامِهِ. ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ شَدِيدُ العَداوَةِ والجِدالِ لِلْمُسْلِمِينَ، والخِصامُ المُخاصَمَةُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ خَصْمٍ كَصَعْبٍ وصِعابٍ بِمَعْنى أشَدِّ الخُصُومِ خُصُومَةً.
قِيلَ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ وكانَ حَسَنَ المَنظَرِ حُلْوَ المَنطِقِ يُوالِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَدَّعِي الإسْلامَ.
وَقِيلَ في المُنافِقِينَ كُلِّهِمْ.
2:205–206Page 32
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥
And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allāh does not like corruption.
وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٢٠٦
And when it is said to him, "Fear Allāh," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.
﴿وَإذا تَوَلّى﴾ أدْبَرَ وانْصَرَفَ عَنْكَ. وقِيلَ: إذا غَلَبَ وصارَ والِيًا. ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ كَما فَعَلَهُ الأخْنَسُ بِثَقِيفَ إذْ بَيَّتَهم وأحْرَقَ زُرُوعَهم وأهْلَكَ مَواشِيَهُمْ، أوْ كَما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ بِالقَتْلِ والإتْلافِ، أوْ بِالظُّلْمِ حَتّى يَمْنَعَ اللَّهُ بِشُؤْمِهِ القَطْرَ فَيَهْلَكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ لا يَرْتَضِيهِ فاحْذَرُوا غَضَبَهُ عَلَيْهِ.
﴿وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ حَمَلَتْهُ الأنَفَةُ وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ عَلى الإثْمِ الَّذِي يُؤْمَرُ بِإتْقانِهِ لَجاجًا، مِن قَوْلِكَ أخَذْتُهُ بِكَذا إذا حَمَلْتَهُ عَلَيْهِ وألْزَمْتَهُ إيّاهُ. ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ كَفَتْهُ جَزاءً وعَذابًا، وجَهَنَّمُ عَلَمٌ لِدارِ العِقابِ وهو في الأصْلِ مُرادِفٌ لِلنّارِ. وقِيلَ مُعْرَبٌ. ﴿وَلَبِئْسَ المِهادُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، والمِهادُ الفِراشُ. وقِيلَ ما يُوطَأُ لِلْجَنْبِ.
2:207Page 32
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠٧
And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allāh. And Allāh is Kind to [His] servants.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ يَبِيعُها أيْ يَبْذُلُها في الجِهادِ، أوْ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ حَتّى يُقْتَلَ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ طَلَبًا لِرِضاهُ. قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ الرُّومِيِّ، أخَذَهُ المُشْرِكُونَ وعَذَّبُوهُ لِيَرْتَدَّ فَقالَ: إنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَنْفَعُكم إنْ كُنْتُ مَعَكم ولا يَضُرُّكم إنْ كُنْتُ عَلَيْكم فَخَلُّونِي وما أنا عَلَيْهِ وخُذُوا مالِي فَقَبِلُوهُ مِنهُ وأتى المَدِينَةَ. ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ حَيْثُ أرْشَدَهم إلى مِثْلِ هَذا الشِّراءِ وكَلَّفَهم بِالجِهادِ فَعَرَّضَهم لِثَوابِ الغُزاةِ والشُّهَداءِ.
2:208–209Page 32
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٠٨
O you who have believed, enter into Islām completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.
فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩
But if you slip [i.e., deviate] after clear proofs have come to you, then know that Allāh is Exalted in Might and Wise.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ السِّلْمُ بِالكَسْرِ والفَتْحِ الِاسْتِسْلامُ والطّاعَةُ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ في الصُّلْحِ والإسْلامِ. فَتَحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ والكِسائِيٌّ وكَسَرَهُ الباقُونَ. وكافَّةٌ اسْمٌ لِلْجُمْلَةِ لِأنَّها تَكُفُّ الأجْزاءَ (p-134)مِنَ التَّفَرُّقِ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ السِّلْمِ لِأنَّها تُؤَنَّثُ كالحَرْبِ قالَ:
؎ السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ... والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنَفاسِها جُرَعُ
والمَعْنى اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ وأطِيعُوهُ جُمْلَةً ظاهِرًا وباطِنًا، والخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ، أوِ ادْخُلُوا في الإسْلامِ بِكُلِّيَّتِكم ولا تَخْلِطُوا بِهِ غَيْرَهُ. والخِطابُ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم بَعْدَ إسْلامِهِمْ عَظَّمُوا السَّبْتَ وحَرَّمُوا الإبِلَ وألْبانَها، أوْ في شَرائِعِ اللَّهِ كُلِّها بِالإيمانِ بِالأنْبِياءِ والكُتُبِ جَمِيعًا والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ، أوْ في شُعَبِ الإسْلامِ وأحْكامِهِ كُلِّها فَلا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ بِالتَّفَرُّقِ والتَّفْرِيقِ. إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهِرُ العَداوَةِ.
﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ عَنِ الدُّخُولِ في السِّلْمِ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ الآياتُ والحُجَجُ الشّاهِدَةُ عَلى أنَّهُ الحَقُّ. ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَنْتَقِمُ إلّا بِحَقٍّ.
2:210Page 32
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٢١٠
Do they await but that Allāh should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allāh [all] matters are returned.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى النَّفْيِ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ. ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ يَأْتِيَهم أمْرُهُ أوْ بَأْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ أوْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِبَأْسِهِ فَحُذِفَ المَأْتِيُّ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جَمْعُ ظُلَّةٍ كَقُلَّةٍ وقُلَلٍ وهي ما أظَلَّكَ، وقُرِئَ « ظِلالٍ» كَقِلالٍ. ﴿مِنَ الغَمامِ﴾ السَّحابِ الأبْيَضِ وإنَّما يَأْتِيهِمُ العَذابُ فِيهِ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ، فَإذا جاءَ مِنهُ العَذابُ كانَ أفْظَعَ لِأنَّ الشَّرَّ إذا جاءَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ كانَ أصْعَبَ فَكَيْفَ إذا جاءَ مِن حَيْثُ يَحْتَسِبُ الخَيْرَ. ﴿والمَلائِكَةُ﴾ فَإنَّهُمُ الواسِطَةُ في إتْيانِ أمْرِهِ، أوِ الآتُونَ عَلى الحَقِيقَةِ بِبَأْسِهِ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿ظُلَلٍ﴾ أوِ ﴿الغَمامِ﴾ . ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أتَمَّ أمَرَ إهْلاكِهِمْ وفَرَغَ مِنهُ، وضَعَ الماضِيَ مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِدُنُوِّهِ وتَيَقُّنِ وُقُوعِهِ. وقُرِئَ و « قَضاءُ الأمْرِ» عَطْفًا عَلى المَلائِكَةِ. ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّهُ مِنَ الرّاجِعِ، وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِالتَّأْنِيثِ غَيْرَ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مِنَ الرُّجُوعِ، وقُرِئَ أيْضًا بِالتَّذْكِيرِ وبِناءِ المَفْعُولِ.
2:211Page 33
سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢١١
Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allāh [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allāh is severe in penalty.
﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ والمُرادُ بِهَذا السُّؤالِ تَقْرِيعُهم. ﴿كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ مُعْجِزَةٍ ظاهِرَةٍ، أوْ آيَةٍ في الكُتُبِ شاهِدَةٍ عَلى الحَقِّ والصَّوابِ عَلى أيْدِي الأنْبِياءِ، وكَمْ خَبَرِيَّةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوِ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ عَلى حَذْفِ العائِدِ مِنَ الخَبَرِ إلى المُبْتَدَأِ. وآيَةٌ مُمَيِّزُها. ومِن لِلْفَصْلِ. ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيْ آياتِ اللَّهِ فَإنَّها سَبَبُ الهُدى الَّذِي هو أجَلُّ النِّعَمِ، يَجْعَلُها سَبَبَ الضَّلالَةِ وازْدِيادِ الرِّجْسِ، أوْ بِالتَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ الزّائِغِ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ مِن بَعْدِ ما وصَلَتْ إلَيْهِ وتَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِها، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم بَدَّلُوها بَعْدَ ما عَقَلُوها ولِذَلِكَ قِيلَ تَقْدِيرُها فَبَدَّلُوها ﴿وَمَن يُبَدِّلْ﴾ . ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ فَيُعاقِبُهُ أشَدَّ عُقُوبَةٍ لِأنَّهُ ارْتَكَبَ أشَدَّ جَرِيمَةٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences