Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:21–24
2:21Page 4
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١
O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -
﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ لَمّا عَدَّدَ فِرَقَ المُكَلَّفِينَ وذَكَرَ خَواصَّهم ومَصارِفَ أُمُورِهِمْ، أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ هَزًّا لِلسّامِعِ وتَنْشِيطًا لَهُ واهْتِمامًا بِأمْرِ العِبادَةِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وجَبْرًا لِكُلْفَةِ العِبادَةِ بِلَذَّةِ المُخاطَبَةِ. و (يا) حَرْفٌ وُضِعَ لِنِداءِ البَعِيدِ، وقَدْ يُنادى بِهِ القَرِيبُ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ. إمّا لِعَظَمَتِهِ كَقَوْلِ الدّاعِي: يا رَبِّ، ويا اللَّهُ، هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ. أوْ لِغَفْلَتِهِ وسُوءِ فَهْمِهِ. أوْ لِلِاعْتِناءِ بِالمَدْعُوِّ لَهُ وزِيادَةِ الحَثِّ عَلَيْهِ. وهو مَعَ المُنادى جُمْلَةٌ مُفِيدَةٌ، لِأنَّهُ نائِبٌ مَنابَ فَعَلَ. وأيُّ: جُعِلَ وصْلَةً إلى نِداءِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ، فَإنَّ إدْخالَ « يا» عَلَيْهِ مُتَعَذِّرٌ لِتَعَذُّرِ الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّعْرِيفِ فَإنَّهُما كَمَثَلَيْنِ وأُعْطِيَ حُكْمَ المُنادى وأُجْرِيَ عَلَيْهِ المَقْصُودُ بِالنِّداءِ وصْفًا مُوَضِّحًا لَهُ، والتِزامُ رَفْعِهِ إشْعارًا بِأنَّهُ المَقْصُودُ، وأُقْحِمَتْ بَيْنَهُما هاءُ التَّنْبِيهِ تَأْكِيدًا وتَعْوِيضًا عَمّا يَسْتَحِقُّهُ، أيْ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وإنَّما كَثُرَ النِّداءُ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في القُرْآنِ لِاسْتِقْلالِهِ بِأوْجُهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، وكُلُّ ما نادى اللَّهُ لَهُ عِبادَهُ مِن حَيْثُ إنَّها أُمُورٌ عِظامٌ، مِن حَقِّها أنْ يَتَفَطَّنُوا إلَيْها، ويُقْبِلُوا بِقُلُوبِهِمْ عَلَيْها، وأكْثَرُهم عَنْها غافِلُونَ، حَقِيقٌ بِأنْ يُنادى لَهُ بِالآكَدِ الأبْلَغِ، والجُمُوعُ وأسْماؤُها المُحَلّاةُ بِاللّامِ لِلْعُمُومِ حَيْثُ لا عَهْدَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ صِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ مِنها. أوِ التَّأْكِيدُ بِما يُفِيدُ العُمُومَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ واسْتِدْلالُ الصَّحابَةِ بِعُمُومِها شائِعًا وذائِعًا، فالنّاسُ يَعُمُّ المَوْجُودِينَ وقْتَ النُّزُولِ لَفْظًا ومَن سَيُوجَدُ، لِما تَواتَرَ مِن دِينِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ مُقْتَضى خِطابِهِ وأحْكامِهِ شامِلٌ لِلْقَبِيلَيْنِ، ثابِتٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وما رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ والحَسَنِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ نَزَلَ فِيهِ (يا أيُّها النّاسُ) فَمَكِّيٌّ و (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) فَمَدَّنِيٌّ، إنْ صَحَّ رَفَعَهُ فَلا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ بِالكَفّارِ، ولا أمَرَهم بِالعِبادَةِ، فَإنَّ المَأْمُورَ بِهِ هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ بَدْءِ العِبادَةِ، والزِّيادَةِ فِيها، والمُواظَبَةِ عَلَيْها، فالمَطْلُوبُ مِنَ الكَفّارِ هو الشُّرُوعُ فِيها بَعْدَ الإتْيانِ بِما يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنَ المَعْرِفَةِ والإقْرارِ بِالصّانِعِ، فَإنَّ مِن لَوازِمَ وُجُوبِ الشَّيْءِ وُجُوبَ ما لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وكَما أنَّ الحَدَثَ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلاةِ، فالكُفْرُ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ العِبادَةِ، بَلْ يَجِبُ رَفْعُهُ والِاشْتِغالُ بِها عَقِيبَهُ. ومِنَ المُؤْمِنِينَ ازْدِيادُهم وثَباتُهم عَلَيْها وإنَّما قالَ: ﴿رَبَّكُمُ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُوجِبَ لِلْعِبادَةِ هي الرُّبُوبِيَّةُ.
﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صِفَةٌ جَرَتْ عَلَيْهِ تَعالى لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْلِيلِ، ويُحْتَمَلُ التَّقْيِيدُ والتَّوْضِيحُ إنْ خُصَّ الخِطابُ بِالمُشْرِكِينَ، وأُرِيدُ بِالرَّبِّ أعَمُّ مِنَ الرَّبِّ الحَقِيقِيِّ، والآلِهَةُ الَّتِي يُسَمُّونَها أرْبابًا. والخَلْقُ إيجادُ الشَّيْءِ عَلى تَقْدِيرٍ واسْتِواءٍ، وأصْلُهُ التَّقْدِيرُ يُقالُ: خَلَقَ النَّعْلَ إذا قَدَّرَها وسَوّاها بِالمِقْياسِ.
﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مُتَناوِلٌ كُلَّ ما يَتَقَدَّمُ الإنْسانُ بِالذّاتِ أوْ بِالزَّمانِ. مَنصُوبٌ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿خَلَقَكُمْ﴾ . والجُمْلَةُ أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ المُقَرَّرِ عِنْدَهُمْ، إمّا لِاعْتِرافِهِمْ بِهِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أوْ لِتَمَكُّنِهم مِنَ العِلْمِ بِهِ بِأدْنى نَظَرٍ! وقُرِئَ « مَن قَبْلَكم» عَلى إقْحامِ المَوْصُولِ الثّانِي بَيْنَ الأوَّلِ وصِلَتِهِ تَأْكِيدًا، كَما أقْحَمَ جَرِيرٌ في قَوْلِهِ:
؎ يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أبا لَكُمُو
تَيْمًا الثّانِي بَيْنَ الأوَّلِ وما أُضِيفَ إلَيْهِ.
﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في اعْبُدُوا كَأنَّهُ قالَ: اعْبُدُوا رَبَّكم راجِينَ أنْ تَنْخَرِطُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ الفائِزِينَ بِالهُدى والفَلاحِ، المُسْتَوْجَبِينَ جِوارَ اللَّهِ تَعالى. نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ التَّقْوى مُنْتَهى دَرَجاتِ السّالِكِينَ وهو التَّبَرِّي مِن كُلِّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ، وأنَّ العابِدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَغْتَرَّ بِعِبادَتِهِ، ويَكُونَ ذا خَوْفٍ (p-55)وَرَجاءٍ قالَ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾، ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ . أوْ مِن مَفْعُولِ ﴿خَلَقَكُمْ﴾ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ خَلَقَكم ومَن قَبْلَكم في صُورَةِ مَن يُرْجى مِنهُ التَّقْوى لِتَرَجُّحِ أمْرِهِ بِاجْتِماعِ أسْبابِهِ وكَثْرَةِ الدَّواعِي إلَيْهِ. وغَلَّبَ المُخاطِبِينَ عَلى الغائِبِينَ في اللَّفْظِ، والمَعْنى عَلى إرادَتِهِمْ جَمِيعًا. وقِيلَ تَعْلِيلٌ لِلْخَلْقِ أيْ خَلَقَكم لِكَيْ تَتَّقُوا كَما قالَ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ . وهو ضَعِيفٌ إذْ لَمْ يَثْبُتْ في اللُّغَةِ مِثْلُهُ.
والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والعِلْمِ بِوَحْدانِيَّتِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ النَّظَرُ في صُنْعِهِ والِاسْتِدْلالُ بِأفْعالِهِ، وأنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ بِعِبادَتِهِ عَلَيْهِ ثَوابًا، فَإنَّها لَمّا وجَبَتْ عَلَيْهِ شُكْرًا لِما عَدَّدَهُ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ السّابِقَةِ فَهو كَأجِيرٍ أخَذَ الأجْرَ قَبْلَ العَمَلِ.
2:22Page 4
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢
[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allāh equals while you know [that there is nothing similar to Him].
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ، أوْ مَدْحٌ مَنصُوبٌ، أوْ مَرْفُوعٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فَلا تَجْعَلُوا﴾ و ﴿جَعَلَ﴾ مِنَ الأفْعالِ العامَّةِ يَجِيءُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِمَعْنى صارَ وطَفِقَ فَلا يَتَعَدّى كَقَوْلِهِ:
؎ فَقَدْ جَعَلْتُ قَلُوصَ بَنِي سُهَيْلٍ... مِنَ الأكْوارِ مَرْتَعُها قَرِيبُ
وَبِمَعْنى أوْجَدَ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ وبِمَعْنى صَيَّرَ، ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ والتَّصْيِيرُ يَكُونُ بِالفِعْلِ تارَةً، وبِالقَوْلِ أوِ العَقْدِ أُخْرى.
وَمَعْنى جَعَلَها فِراشًا أنْ جَعَلَ بَعْضَ جَوانِبِها بارِزًا ظاهِرًا عَنِ الماءِ، مَعَ ما في طَبْعِهِ مِنَ الإحاطَةِ بِها، وصَيَّرَها مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الصَّلابَةِ واللَّطافَةِ حَتّى صارَتْ مُهَيَّأةً لِأنْ يَقْعُدُوا ويَنامُوا عَلَيْها كالفِراشِ المَبْسُوطِ، وذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي كَوْنَها مُسَطَّحَةً، لِأنَّ كُرِيَّةَ شَكْلِها مَعَ عِظَمِ حَجْمِها. واتِّساعِ جِرْمِها لا تَأْبى الِافْتِراشَ عَلَيْها.
﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ عَلَيْكم. والسَّماءُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ كالدِّينارِ والدِّرْهَمِ، وقِيلَ: جَمْعُ سَماءَةٍ. والبِناءُ مَصْدَرٌ، سُمِّيَ بِهِ المَبْنى بَيْتًا كانَ أوْ قُبَّةً أوْ خِباءً، ومِنهُ بَنى عَلى امْرَأتِهِ، لِأنَّهم كانُوا إذا تَزَوَّجُوا ضَرَبُوا عَلَيْها خِباءً جَدِيدًا.
﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿جَعَلَ﴾، وخُرُوجُ الثِّمارِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ جَعْلَ الماءِ المَمْزُوجِ بِالتُّرابِ سَبَبًا في إخْراجِها ومادَّةً لَها كالنُّطْفَةِ لِلْحَيَوانِ، بِأنْ أجْرى عادَتَهُ بِإفاضَةِ صُوَرِها وكَيْفِيّاتِها عَلى المادَّةِ المُمْتَزِجَةِ مِنهُما، أوْ أوْدَعَ في الماءِ قُوَّةً فاعِلَةً وفي الأرْضِ قُوَّةً قابِلَةً يَتَوَلَّدُ مِنِ اجْتِماعِهِما أنْواعُ الثِّمارِ، وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُوجِدَ الأشْياءَ كُلَّها بِلا أسْبابٍ ومَوادَّ كَما أبْدَعَ نُفُوسَ الأسْبابِ والمَوادِّ، ولَكِنْ لَهُ في إنْشائِها مُدَرَّجًا مِن حالٍ إلى حالٍ صَنائِعُ وحِكَمٌ يُجَدِّدُ فِيها لِأُولِي الأبْصارِ عِبَرًا وسُكُونًا إلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لَيْسَ في إيجادِها دَفْعَةٌ، ومِنَ الأوْلى لِلِابْتِداءِ سَواءٌ أُرِيدَ بِالسَّماءِ السَّحابُ فَإنَّ ما عَلاكَ سَماءٌ، أوِ الفَلَكُ فَإنَّ المَطَرَ يَبْتَدِئُ مِنَ السَّماءِ إلى السَّحابِ ومِنهُ إلى الأرْضِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الظَّواهِرُ. أوْ مِن أسْبابٍ سَماوِيَّةٍ تُثِيرُ الأجْزاءَ الرَّطْبَةَ مِن أعْماقِ الأرْضِ إلى جَوِّ الهَواءِ فَتَنْعَقِدُ سَحابًا ماطِرًا. و ﴿مِنَ﴾ الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ واكْتِنافِ المُنْكِرِينَ لَهُ أعْنِي ماءً ورِزْقًا كَأنَّهُ قالَ: وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ بَعْضَ الماءِ فَأخْرَجْنا بِهِ بَعْضَ الثَّمَراتِ لِيَكُونَ بَعْضَ رِزْقِكُمْ، وهَكَذا الواقِعُ إذْ لَمْ يُنْزِلْ مِنَ السَّماءِ الماءَ كُلَّهُ، ولا أخْرَجَ بِالمَطَرِ كُلَّ الثَّمَراتِ، ولا جَعَلَ كُلَّ المَرْزُوقِ ثِمارًا. أوْ لِلتَّبْيِينِ، و ﴿رِزْقًا﴾ مَفْعُولٌ بِمَعْنى المَرْزُوقِ كَقَوْلِكَ أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ ألْفًا. وإنَّما ساغَ الثَّمَراتِ والمَوْضِعُ مَوْضِعُ الكَثْرَةِ، لِأنَّهُ أرادَ بِالثَّمَراتِ جَماعَةَ الثَّمَرَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ أدْرَكْتُ ثَمَرَةَ بُسْتانِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: « مِنَ الثَّمَرَةِ» عَلى التَّوْحِيدِ.
أوْ لِأنَّ الجُمُوعَ يَتَعاوَرُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وقَوْلِهِ: (p-56)﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ . أوْ لِأنَّها لَمّا كانَتْ مُحَلّاةً بِاللّامِ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ القِلَّةِ. و ﴿لَكُمُ﴾ صِفَةُ رِزْقًا إنْ أُرِيدَ بِهِ المَرْزُوقُ ومَفْعُولُهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ المَصْدَرَ كَأنَّهُ قالَ: رِزْقًا إيّاكم.
﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿اعْبُدُوا﴾ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. أوْ نَفْيٌ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنَّ جَوابٌ لَهُ. أوْ بِلَعَلَّ عَلى أنَّ نَصْبَ ﴿تَجْعَلُوا﴾ نَصَبَ ﴿فَأطَّلِعَ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ﴾ إلْحاقًا لَها بِالأشْياءِ السِّتَّةِ لِاشْتِراكِها في أنَّها غَيْرُ مُوجِبَةٍ، والمَعْنى: إنْ تَتَّقُوا لا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا، أوْ بِالَّذِي جُعِلَ، إنِ اسْتُأْنِفَتْ بِهِ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ وقَعَ خَبَرًا عَلى تَأْوِيلِ مَقُولٍ فِيهِ: لا تَجْعَلُوا، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ والمَعْنى: أنَّ مَن خَصَّكم بِهَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ والآياتِ العِظامِ يَنْبَغِي أنْ لا يُشْرَكَ بِهِ. والنِّدُّ: المِثْلُ المُناوِئُ، قالَ جَرِيرٌ:
؎ أتَيْمًا تَجْعَلُونَ إلَيَّ نِدًّا... ∗∗∗ وما تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ
مِن نَدَّ يَنِدُّ نُدُودًا: إذا نَفَرَ، ونادَدْتُ الرَّجُلَ خالَفْتُهُ، خُصَّ بِالمُخالِفِ المُماثِلِ في الذّاتِ كَما خُصَّ المُساوِي بِالمُماثِلِ في القَدْرِ، وتَسْمِيَةُ ما يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴿أنْدادًا﴾، وما زَعَمُوا أنَّها تُساوِيهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ولا أنَّها تُخالِفُهُ في أفْعالِهِ لِأنَّهم لَمّا تَرَكُوا عِبادَتَهُ إلى عِبادَتِها، وسَمُّوها آلِهَةً شابَهَتْ حالُهم حالَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّها ذَواتٌ واجِبَةٌ بِالذّاتِ، قادِرَةٌ عَلى أنْ تَدْفَعَ عَنْهم بَأْسَ اللَّهِ، وتَمْنَحَهم ما لَمْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِمْ مِن خَيْرٍ، فَتَهَكَّمَ بِهِمْ وشَنَّعَ عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلُوا أنْدادًا لِمَن يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ. ولِهَذا قالَ مُوَحِّدُ الجاهِلِيَّةِ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
؎ أرَبًّا واحِدًا أمْ ألْفَ رَبٍّ... ∗∗∗ أدِينُ إذا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ
؎ تَرَكْتُ اللّاتَ والعُزّى جَمِيعًا... ∗∗∗ كَذَلِكَ يَفْعَلُ الرَّجُلُ البَصِيرُ
﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿فَلا تَجْعَلُوا﴾، ومَفْعُولُ تَعْلَمُونَ مَطْرُوحٌ، أيْ: وحالُكم أنَّكم مِن أهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ وإصابَةِ الرَّأْيِ، فَلَوْ تَأمَّلْتُمْ أدْنى تَأمُّلٍ اضْطَرَّ عَقْلُكم إلى إثْباتِ مُوجِدٍ لِلْمُمَكَّناتِ مُنْفَرِدٍ بِوُجُوبِ الذّاتِ، مُتَعالٍ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقاتِ. أوْ مَنوِيٌّ وهو أنَّها لا تُماثِلُهُ ولا تَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ما يَفْعَلُهُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ وعَلى هَذا فالمَقْصُودُ مِنهُ التَّوْبِيخُ والتَّثْرِيبُ، لا تَقْيِيدُ الحُكْمِ وقَصْرِهِ عَلَيْهِ، فَإنَّ العالِمَ والجاهِلَ المُتَمَكِّنَ مِنَ العِلْمِ سَواءٌ في التَّكْلِيفِ.
واعْلَمْ أنَّ مَضْمُونَ الآيَتَيْنِ هو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والنَّهْيُ عَنِ الإشْراكِ بِهِ تَعالى، والإشارَةُ إلى ما هو العِلَّةُ والمُقْتَضى. وبَيانُهُ أنَّهُ رَتَّبَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ عَلى صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إشْعارًا بِأنَّها العِلَّةُ لِوُجُوبِها، ثُمَّ بَيَّنَ رُبُوبِيَّتِهِ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُهم وخالِقُ أُصُولِهِمْ وما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعاشِهِمْ مِنَ المُقِلَّةِ والمُظِلَّةِ والمَطاعِمِ والمَلابِسِ، فَإنَّ الثَّمَرَةَ أعَمُّ مِنَ المَطْعُومِ، والرِّزْقَ أعَمُّ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ. ثُمَّ لَمّا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ شاهِدَةً عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى، رَتَّبَ تَعالى عَلَيْها النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ بِهِ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ مِنَ الآيَةِ الأخِيرَةِ مَعَ ما دَلَّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ وسِيقَ فِيهِ الكَلامُ الإشارَةَ إلى تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ وما أفاضَ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي والصِّفاتِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، فَمَثَّلَ البَدَنَ بِالأرْضِ، والنَّفْسَ بِالسَّماءِ، والعَقْلَ بِالماءِ، وما أفاضَ عَلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ العَمَلِيَّةِ والنَّظَرِيَّةِ المُحَصَّلَةِ بِواسِطَةِ اسْتِعْمالِ العَقْلِ لِلْحَواسِّ، وازْدِواجِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ بِالثَّمَراتِ المُتَوَلِّدَةِ مِنِ ازْدِواجِ القُوى السَّماوِيَّةِ الفاعِلَةِ والأرْضِيَّةِ المُنْفَعِلَةِ بِقُدْرَةِ الفاعِلِ المُخْتارِ، فَإنَّ لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرًا وبَطْنًا ولِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعًا.
2:23Page 4
وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣
And if you are in doubt about what We have sent down [i.e., the Qur’ān] upon Our Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)], then produce a sūrah the like thereof and call upon your witnesses [i.e., supporters] other than Allāh, if you should be truthful.
(p-57)﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ لَمّا قَرَّرَ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى وبَيَّنَ الطَّرِيقَ المُوصِلَ إلى العِلْمِ بِها، ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما هو الحُجَّةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو القُرْآنُ المُعْجِزُ بِفَصاحَتِهِ الَّتِي بَذَّتْ فَصاحَةَ كُلِّ مِنطِيقٍ وإفْحامِهِ مَن طُولِبَ بِمُعارَضَتِهِ مِن مَصاقِعِ الخُطَباءِ مِنَ العَرَبِ العَرْباءِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وإفْراطِهِمْ في المُضادَّةِ والمُضارَّةِ، وتَهالُكِهِمْ عَلى المَعازَّةِ والمَعارَّةِ، وعَرَّفَ ما يُتَعَرَّفُ بِهِ إعْجازُهُ ويُتَيَقَّنُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما يَدَّعِيهِ.
وَإنَّما قالَ: ﴿مِمّا نَزَّلْنا﴾ لِأنَّ نُزُولَهُ نَجْمًا مُنَجَّمًا بِحَسَبِ الوَقائِعِ عَلى ما تَرى عَلَيْهِ أهْلَ الشِّعْرِ والخَطابَةِ مِمّا يُرِيبُهُمْ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم فَقالَ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ . فَكانَ الواجِبُ تَحَدِّيَهم عَلى هَذا الوَجْهِ إزاحَةً لِلشُّبْهَةِ وإلْزامًا لِلْحُجَّةِ، وأضافَ العَبْدُ إلى نَفْسِهِ تَعالى تَنْوِيهًا بِذِكْرِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ مُنْقادٌ لِحُكْمِهِ تَعالى، وقُرِئَ « عِبادِنا» يُرِيدُ مُحَمَّدًا ﷺ وأُمَّتَهُ. والسُّورَةُ الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ المُتَرْجَمَةُ الَّتِي أقَلُّها ثَلاثُ آياتٍ، وهي إنْ جُعِلَتْ واوُها أصْلِيَّةً مَنقُولَةً مِن سُوَرِ المَدِينَةِ لِأنَّها مُحِيطَةٌ بِطائِفَةٍ مِنَ القُرْآنِ مُفْرِزَةٍ مُحْوِزَةٍ عَلى حِيالِها، أوْ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أنْواعٍ مِنَ العِلْمِ احْتِواءَ سُوَرِ المَدِينَةِ عَلى ما فِيها، أوْ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي هي الرُّتْبَةُ، قالَ النّابِغَةُ:
؎ ولِرَهْطِ حَرّابٍ وقَدٍّ سُورَةٌ... في المَجْدِ لَيْسَ غُرابُها بِمُطارِ
لِأنَّ السُّوَرَ كالمَنازِلِ والمَراتِبِ يَتَرَقّى فِيها القارِئُ، أوَّلُها مَراتِبُ في الطُّولِ والقِصَرِ والفَضْلِ والشَّرَفِ وثَوابِ القِراءَةِ. وإنْ جُعِلَتْ مُبْدَلَةً مِنَ الهَمْزَةِ فَمِنَ السُّورَةِ الَّتِي هي البَقِيَّةُ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ. والحِكْمَةُ في تَقْطِيعِ القُرْآنِ سُوَرًا: إفْرادُ الأنْواعِ، وتَلاحُقُ الأشْكالِ، وتَجاوُبُ النَّظْمِ، وتَنْشِيطُ القارِئِ، وتَسْهِيلُ الحِفْظِ، والتَّرْغِيبُ فِيهِ. فَإنَّهُ إذا خَتَمَ سُورَةً نَفَّسَ ذَلِكَ عَنْهُ، كالمُسافِرِ إذا عَلِمَ أنَّهُ قَطَعَ مِيلًا أوْ طَوى بَرِيدًا، والحافِظُ مَتى حَذَفَها اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِنَ القُرْآنِ حَظًّا تامًّا، وفازَ بِطائِفَةٍ مَحْدُودَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِنَفْسِها، فَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وابْتَهَجَ بِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَوائِدِ.
﴿مِن مِثْلِهِ﴾ صِفَةُ سُورَةٍ أيْ: بِسُورَةٍ كائِنَةٍ مِن مِثْلِهِ، والضَّمِيرُ لِما نَزَلْنا، و ﴿مِن﴾ لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلتَّبْيِينِ. وزائِدَةٌ عِنْدَ الأخْفَشِ أيْ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِلْقُرْآنِ العَظِيمِ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ. أوْ لِعَبْدِنا، و ﴿مِن﴾ لِلِابْتِداءِ أيْ: بِسُورَةٍ كائِنَةٍ مِمَّنْ هو عَلى حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كَوْنِهِ بَشَرًا أُمِّيًّا لَمْ يَقْرَأِ الكُتُبَ ولَمْ يَتَعَلَّمِ العُلُومَ.
أوْ صِلَةُ ﴿فَأْتُوا﴾، والضَّمِيرُ لِلْعَبْدِ ﷺ، والرَّدُّ إلى المُنْزِلِ أوْجَهُ لِأنَّهُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ ولِسائِرِ آياتِ التَّحَدِّي، ولِأنَّ الكَلامَ فِيهِ لا في المُنَزَّلِ عَلَيْهِ فَحَقُّهُ أنْ لا يَنْفَكَّ عَنْهُ لِيَتَّسِقَ التَّرْتِيبُ والنَّظْمُ، ولِأنَّ مُخاطَبَةَ الجَمِّ الغَفِيرِ بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما أتى بِهِ واحِدٌ مِن أبْناءِ جِلْدَتِهِمْ أبْلَغُ في التَّحَدِّي مِن أنْ يُقالَ لَهُمْ: لِيَأْتِ بِنَحْوِ ما أتى بِهِ هَذا آخَرُ مِثْلَهُ، ولِأنَّهُ مُعْجِزٌ في نَفْسِهِ لا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ . ولِأنَّ رَدَّهُ إلى عَبْدِنا يُوهِمُ إمْكانَ صُدُورِهِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ عَلى صِفَتِهِ، ولا يُلائِمُهُ قَوْلُهُ تَعالى.
﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ أمَرَ بِأنْ يَسْتَعِينُوا بِكُلِّ مَن يَنْصُرُهم ويُعِينُهم. والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى الحاضِرِ، أوِ القائِمِ بِالشَّهادَةِ، أوِ النّاصِرِ، أوِ الإمامِ. وكَأنَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يَحْضُرُ النَّوادِيَ وتُبْرَمُ بِمَحْضَرِهِ الأُمُورُ، إذِ التَّرْكِيبُ لِلْحُضُورِ، إمّا بِالذّاتِ أوْ بِالتَّصَوُّرِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمَقْتُولِ في سَبِيلِ اللَّهِ: شَهِيدٌ لِأنَّهُ حَضَرَ ما كانَ يَرْجُوهُ، أوِ المَلائِكَةُ حَضَرُوهُ. ومَعْنى ﴿دُونِ﴾ أدْنى مَكانٍ مِنَ الشَّيْءِ ومِنهُ تَدْوِينُ الكُتُبِ، لِأنَّهُ إدْناءُ البَعْضِ مِنَ البَعْضِ، ودُونَكَ هَذا أيْ: خُذْهُ مِن أدْنى مَكانٍ مِنكَ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلرُّتَبِ فَقِيلَ: زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو أيْ: في الشَّرَفِ، ومِنهُ الشَّيْءُ الدُّونُ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَجاوُزِ حَدٍّ إلى حَدٍّ وتَخَطِّي أمْرٍ إلى آخَرَ، قالَ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لا يَتَجاوَزُوا وِلايَةَ المُؤْمِنِينَ إلى وِلايَةِ الكافِرِينَ. قالَ أُمَيَّةُ:
؎ يا نَفْسُ ما لَكِ دُونَ اللَّهِ مِن واقِ
(p-58)أيْ إذا تَجاوَزْتَ وِقايَةَ اللَّهِ فَلا يَقِيكَ غَيْرُهُ، و ﴿مِن﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (ادْعُوا) . والمَعْنى ﴿وادْعُوا﴾ لِلْمُعارَضَةِ مَن حَضَرَكُمْ، أوْ رَجَوْتُمْ مَعُونَتَهُ مِن إنْسِكم وجِنِّكم وآلِهَتِكم غَيْرَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ إلّا اللَّهُ. أوْ: ﴿وادْعُوا﴾ مِن دُونِ اللَّهِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ لَكم بِأنَّ ما أتَيْتُمْ بِهِ مِثْلُهُ، ولا تَسْتَشْهِدُوا بِاللَّهِ فَإنَّهُ مِن دَيْدَنِ المَبْهُوتِ العاجِزِ عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ. أوْ بِـ ﴿شُهَداءَكُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ وآلِهَةً، وزَعَمْتُمْ أنَّها تَشْهَدُ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ. أوِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَكم بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى عَلى زَعْمِكم مِن قَوْلِ الأعْشى:
؎ تُرِيكَ القَذى مِن دُونِها وهي دُونَهُ
لِيُعِينُوكم وفي أمْرِهِمْ أنْ يَسْتَظْهِرُوا بِالجَمادِ في مُعارَضَةِ القُرْآنِ العَزِيزِ غايَةَ التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ. وقِيلَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مِن دُونِ أوْلِيائِهِ، يَعْنِي فُصَحاءَ العَرَبِ ووُجُوهَ المَشاهِدِ لِيَشْهَدُوا لَكم أنَّ ما أتَيْتُمْ بِهِ مِثْلُهُ، فَإنَّ العاقِلَ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَشْهَدَ بِصِحَّةِ ما اتَّضَحَ فَسادُهُ وبانَ اخْتِلالُهُ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّهُ مِن كَلامِ البَشَرِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. والصِّدْقُ: الإخْبارُ المُطابِقُ، وقِيلَ: مَعَ اعْتِقادِ المُخْبِرِ أنَّهُ كَذَلِكَ عَنْ دَلالَةٍ أوْ أمارَةٍ، لِأنَّهُ تَعالى كَذَّبَ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، لَمّا لَمْ يَعْتَقِدُوا مُطابَقَتَهُ، ورَدَّ بِصَرْفِ التَّكْذِيبِ إلى قَوْلِهِمْ ﴿نَشْهَدُ﴾، لِأنَّ الشَّهادَةَ إخْبارٌ عَمّا عَلِمَهُ وهم ما كانُوا عالِمِينَ بِهِ.
2:24Page 4
فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ٢٤
But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is people and stones, prepared for the disbelievers.
﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ لَمّا بَيَّنَ لَهم ما يَتَعَرَّفُونَ بِهِ أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ وما جاءَ بِهِ، ومَيَّزَ لَهُمُ الحَقَّ عَنِ الباطِلِ، رَتَّبَ عَلَيْهِ ما هو كالفَذْلَكَةِ لَهُ، وهو أنَّكم إذا اجْتَهَدْتُمْ في مُعارَضَتِهِ وعَجَزْتُمْ جَمِيعًا عَنِ الإتْيانِ بِما يُساوِيهِ أوْ يُدانِيهِ، ظَهَرَ أنَّهُ مُعْجِزٌ والتَّصْدِيقُ بِهِ واجِبٌ، فَآمَنُوا بِهِ واتَّقَوُا العَذابَ المُعَدَّ لِمَن كَذَّبَ، فَعَبَّرَ عَنِ الإتْيانِ المُكَيَّفِ بِالفِعْلِ الَّذِي يَعُمُّ الإتْيانَ وغَيْرَهُ إيجازًا، ونَزَلَ لازِمُ الجَزاءِ مُنْزِلَتَهُ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ تَقْرِيرًا لِلْمُكَنّى عَنْهُ، وتَهْوِيلًا لِشَأْنِ العِنادِ، وتَصْرِيحًا بِالوَعِيدِ مَعَ الإيجازِ، وصَدَّرَ الشُّرْطِيَّةَ بِإنِ الَّتِي لِلشَّكِّ والحالُ يَقْتَضِي إذا الَّذِي لِلْوُجُوبِ، فَإنَّ القائِلَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَكُنْ شاكًّا في عَجْزِهِمْ، ولِذَلِكَ نَفى إتْيانَهم مُعْتَرِضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وخِطابًا مَعَهم عَلى حَسَبِ ظَنِّهِمْ، فَإنَّ العَجْزَ قَبْلَ التَّأمُّلِ لَمْ يَكُنْ مُحَقَّقًا عِنْدَهم. و ﴿تَفْعَلُوا﴾ جُزِمَ بِ ﴿لَمْ﴾ لِأنَّها واجِبَةُ الإعْمالِ مُخْتَصَّةٌ بِالمُضارِعِ مُتَّصِلَةٌ بِالمَعْمُولِ، ولِأنَّها لَمّا صَيَّرَتْهُ ماضِيًا صارَتْ كالجُزْءِ مِنهُ، وحَرْفُ الشَّرْطِ كالدّاخِلِ عَلى المَجْمُوعِ فَكَأنَّهُ قالَ: فَإنْ تَرَكْتُمُ الفِعْلَ، ولِذَلِكَ ساغَ اجْتِماعُهُما. ﴿وَلَنْ﴾ كَلا في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ غَيْرَ أنَّهُ أبْلَغُ وهو حَرْفٌ مُقْتَضَبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، وفي الرِّوايَةِ الأُخْرى أصْلُهُ لا أنْ، وعِنْدَ الفَرّاءِ لا فَأُبْدِلَتْ ألِفُها نُونًا. والوَقُودُ بِالفَتْحِ ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ وقَدْ جاءَ المَصْدَرُ بِالفَتْحِ قالَ سِيبَوَيْهِ: وسَمِعْنا مَن يَقُولُ وقَدَتِ النّارُ وقُودًا عالِيًا، والِاسْمُ بِالضَّمِّ ولَعَلَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ كَما قِيلَ: فُلانٌ فَخْرُ قَوْمِهِ وزَيْنُ بَلَدِهِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الِاسْمُ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المَصْدَرُ فَعَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: وقُودُها احْتِراقُ النّاسِ، والحِجارَةُ: وهي جَمْعُ حَجَرٍ. كَجِمالَةٍ جَمْعُ جَمَلٍ وهو قَلِيلٌ غَيْرُ مُنْقاسٍ، والمُرادُ بِها الأصْنامُ الَّتِي نَحَتُوها وقَرَنُوا بِها أنْفُسَهم وعَبَدُوها طَمَعًا في شَفاعَتِها والِانْتِفاعِ بِها واسْتِدْفاعِ المَضارِّ لِمَكانَتِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ . عُذِّبُوا بِما هو مَنشَأُ جُرْمِهِمْ كَما عُذِّبَ الكافِرُونَ بِما كَنَزُوهُ. أوْ بِنَقِيضِ ما كانُوا يَتَوَقَّعُونَ زِيادَةً في تَحَسُّرِهِمْ. وقِيلَ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ الَّتِي كانُوا يَكْنِزُونَها ويَغْتَرُّونَ بِها، وعَلى هَذا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ إعْدادِ هَذا النَّوْعِ مِنَ العَذابِ بِالكُفّارِ وجْهٌ، وقِيلَ: حِجارَةُ الكِبْرِيتِ وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وإبْطالٌ لِلْمَقْصُودِ، إذِ الغَرَضُ تَهْوِيلُ شَأْنِها وتَفاقُمُ لَهَبِها بِحَيْثُ تَتَّقِدُ بِما لا (p-59)يَتَّقِدُ بِهِ غَيْرُها، والكِبْرِيتُ تَتَّقِدُ بِهِ كُلُّ نارٍ وإنْ ضَعُفَتْ، فَإنْ صَحَّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَلَعَلَّهُ عَنى بِهِ أنَّ الأحْجارَ كُلَّها لِتِلْكَ النّارِ كالحِجارَةِ الكِبْرِيتِ لِسائِرِ النِّيرانِ. ولَمّا كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً نَزَلَتْ بَعْدَ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ التَّحْرِيمِ ﴿نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ . وسَمِعُوهُ صَحَّ تَعْرِيفُ النّارِ. ووُقُوعُ الجُمْلَةِ صِلَةً « بِإزائِها» فَإنَّها يَجِبُ أنْ تَكُونَ قِصَّةً مَعْلُومَةً.
﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ هُيِّئَتْ لَهم وجُعِلَتْ عُدَّةً لِعَذابِهِمْ. وقُرِئَ: « اعْتُدَّتْ» مِنَ العَتادِ بِمَعْنى العُدَّةِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ، أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ مِنَ النّارِ لا الضَّمِيرِ الَّذِي في ﴿وَقُودُها﴾، وإنْ جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ. وفي الآيَتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما فِيهِما مِنَ التَّحَدِّي والتَّحْرِيضِ عَلى الجِدِّ وبَذْلِ الوُسْعِ في المُعارَضَةِ بِالتَّقْرِيعِ والتَّهْدِيدِ، وتَعْلِيقِ الوَعِيدِ عَلى عَدَمِ الإتْيانِ بِما يُعارِضُ أقْصَرَ سُورَةٍ مِن سُوَرِ القُرْآنِ، ثُمَّ إنَّهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ واشْتِهارِهِمْ بِالفَصاحَةِ وتَهالُكِهِمْ عَلى المُضادَّةِ لَمْ يَتَصَدَّوْا لِمُعارَضَتِهِ، والتَجَؤُوا إلى جَلاءِ الوَطَنِ وبَذْلِ المُهَجِ.
الثّانِي: أنَّهُما يَتَضَمَّنانِ الإخْبارَ عَنِ الغَيْبِ عَلى ما هو بِهِ، فَإنَّهم لَوْ عارَضُوهُ بِشَيْءٍ لامْتَنَعَ خَفاؤُهُ عادَةً سِيَّما والطّاعِنُونَ فِيهِ أكْثَرُ مِنَ الذّابِّينَ عَنْهُ في كُلِّ عَصْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ﷺ لَوْ شَكَّ في أمْرِهِ لَما دَعاهم إلى المُعارَضَةِ بِهَذِهِ المُبالَغَةِ، مَخافَةَ أنْ يُعارَضَ فَتُدْحَضُ حُجَّتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ مُعَدَّةٌ الآنَ لَهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences