Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:212–227
2:212Page 33
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢١٢
Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allāh are above them on the Day of Resurrection. And Allāh gives provision to whom He wills without account.
(p-135)﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ حَسُنَتْ في أعْيُنِهِمْ وأُشْرِبَتْ مَحَبَّتُها في قُلُوبِهِمْ حَتّى تَهالَكُوا عَلَيْها وأعْرَضُوا عَنْ غَيْرِها، والمُزَيِّنُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى إذْ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو فاعِلُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ « زَيَّنَ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وكُلٌّ مِنَ الشَّيْطانِ والقُوَّةِ الحَيَوانِيَّةِ وما خَلَقَهُ اللَّهُ فِيها مِنَ الأُمُورِ البَهِيَّةِ والأشْياءِ الشَّهِيَّةِ مُزَيَّنٌ بِالعَرْضِ.
﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُرِيدُ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ كَبِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ، أيْ يَسْتَرْذِلُونَهم ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ عَلى رَفْضِهِمُ الدُّنْيا وإقْبالِهِمْ عَلى العُقْبى، ومِن لِلِابْتِداءِ كَأنَّهم جَعَلُوا السُّخْرِيَةَ مُبْتَدَأةً مِنهم ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِأنَّهم في عِلِّيِّينَ وهم في أسْفَلِ السّافِلِينَ، أوْ لِأنَّهم في كَرامَةٍ وهم في مَذَلَّةٍ، أوْ لِأنَّهم يَتَطاوَلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَسْخَرُونَ مِنهم كَما سَخِرُوا مِنهم في الدُّنْيا، وإنَّما قالَ والَّذِينَ اتَّقَوْا بَعْدَ قَوْلِهِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم مُتَّقُونَ وأنَّ اسْتِعْلاءَهم لِلتَّقْوى. ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ في الدّارَيْنِ. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ فَيُوَسِّعُ في الدُّنْيا اسْتِدْراجًا تارَةً وابْتِلاءً أُخْرى.
2:213Page 33
كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ ٢١٣
Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allāh sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over it [i.e., the Scripture] except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allāh guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allāh guides whom He wills to a straight path.
﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ فِيما بَيْنَ آدَمَ وإدْرِيسَ أوْ نُوحٍ أوْ بَعْدَ الطُّوفانِ، أوْ مُتَّفِقِينَ عَلى الجَهالَةِ والكُفْرِ في فَتْرَةِ إدْرِيسَ أوْ نُوحٍ. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ أيْ فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ. وعَنْ كَعْبٍ (الَّذِي عَلِمْتُهُ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ مِائَةٌ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا والمُرْسَلُ مِنهم ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ والمَذْكُورُ في القُرْآنِ بِاسْمِ العَلَمِ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ) . ﴿وَأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجِنْسَ ولا يُرِيدُ بِهِ أنَّهُ أُنْزِلَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ كِتابًا يَخُصُّهُ، فَإنَّ أكْثَرَهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ يَخُصُّهُمْ، وإنَّما كانُوا يَأْخُذُونَ بِكُتُبِ مَن قَبْلَهم. ﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ، أيْ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ شاهِدًا بِهِ. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ أيِ اللَّهُ، أوِ النَّبِيُّ المَبْعُوثُ، أوْ كِتابُهُ. ﴿فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ في الحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ فِيما التَبَسَ عَلَيْهِمْ. ﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ في الحَقِّ، أوِ الكِتابِ. ﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أيِ الكِتابَ المُنَزَّلَ لِإزالَةِ الخِلافِ أيْ عَكَسُوا الأمْرَ فَجَعَلُوا ما أُنْزِلَ مَزِيجًا لِلِاخْتِلافِ سَبَبًا لِاسْتِحْكامِهِ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ حَسَدًا بَيْنَهم وظُلْمًا لِحِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا. ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ لِلْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ مَنِ اخْتَلَفَ. ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ بَيانٌ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ. ﴿بِإذْنِهِ﴾ بِأمْرِهِ أوْ بِإرادَتِهِ ولُطْفِهِ. ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا يَضِلُّ سالِكُهُ.
2:214Page 33
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤
Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allāh?" Unquestionably, the help of Allāh is near.
﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ خاطَبَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بَعْدَ ما ذَكَرَ اخْتِلافَ الأُمَمِ عَلى الأنْبِياءِ بَعْدَ مَجِيءِ الآياتِ، تَشْجِيعًا لَهم عَلى الثَّباتِ مَعَ مُخالَفَتِهِمْ. و ﴿أمْ﴾ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ ﴿وَلَمّا يَأْتِكُمْ﴾ ولَمْ يَأْتِكُمْ، وأصْلُ « لَمّا» لَمْ زِيدَتْ عَلَيْها ما وفِيها تَوَقُّعٌ ولِذَلِكَ جُعِلَتْ مُقابِلَ قَدْ. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ حالُهُمُ الَّتِي هي مَثَلٌ في الشِّدَّةِ. ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ بَيانٌ لَهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ. ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ وأُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا بِما أصابَهم مِنَ الشَّدائِدِ. ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ لِتَناهِي الشِّدَّةِ واسْتِطالَةِ المُدَّةِ بِحَيْثُ تَقَطَّعَتْ حِبالُ الصَّبْرِ. وقَرَأ نافِعٌ يَقُولُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ كَقَوْلِكَ مَرِضَ حَتّى لا يَرْجُونَهُ. ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ اسْتِبْطاءً لَهُ لِتَأخُّرِهِ. ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ اسْتِئْنافٌ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ (p-136)فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ إسْعافًا لَهم إلى طَلِبَتِهِمْ مِن عاجَلِ النَّصْرِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الوُصُولَ إلى اللَّهِ تَعالى والفَوْزَ بِالكَرامَةِ عِنْدَهُ بِرَفْضِ الهَوى واللَّذّاتِ، ومُكابَدَةِ الشَّدائِدِ والرِّياضاتِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النّارِ بِالشَّهَواتِ» .
2:215Page 33
يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٢١٥
They ask you, [O Muḥammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allāh is Knowing of it."
﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (أنَّ عَمْرَو بْنَ الجَمُوحِ الأنْصارِيَّ كانَ شَيْخًا هَرِمًا ذا مالٍ عَظِيمٍ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ماذا نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا وأيْنَ نَضَعُها) فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾» سُئِلَ عَنِ المُنْفِقِ فَأُجِيبَ بِبَيانِ المَصْرِفِ لِأنَّهُ أهَمُّ فَإنَّ اعْتِدادَ النَّفَقَةِ بِاعْتِبارِهِ، ولِأنَّهُ كانَ في سُؤالِ عَمْرٍو وإنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا في الآيَةِ، واقْتَصَرَ في بَيانِ المُنْفِقِ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ . ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ في مَعْنى الشَّرْطِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ جَوابُهُ أيْ إنْ تَفْعَلُوا خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُنْهَهُ ويُوَفِّي ثَوابَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِيهِ فَرْضُ الزَّكاةِ لِيُنْسَخَ بِهِ.
2:216Page 34
كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢١٦
Battle has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allāh knows, while you know not.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ شاقٌّ عَلَيْكم مَكْرُوهٌ طَبْعًا، وهو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ فُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخَيْرِ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ لُغَةٌ فِيهِ كالضَّعْفِ والضُّعْفِ، أوْ بِمَعْنى الإكْراهِ عَلى المَجازِ كَأنَّهم أُكْرِهُوا عَلَيْهِ لِشَدَّتِهِ وعِظَمِ مَشَقَّتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ . ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وهو جَمِيعُ ما كُلِّفُوا بِهِ، فَإنَّ الطَّبْعَ يَكْرَهُهُ وهو مَناطُ صَلاحِهِمْ وسَبَبُ فَلاحِهِمْ. ﴿وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهو جَمِيعُ ما نُهُوا عَنْهُ، فَإنَّ النَّفْسَ تُحِبُّهُ وتَهْواهُ وهو يُفْضِي بِها إلى الرَّدى، وإنَّما ذَكَرَ (عَسى) لِأنَّ النَّفْسَ إذا ارْتاضَتْ يَنْعَكِسُ الأمْرُ عَلَيْها. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكم. ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأحْكامَ تَتْبَعُ المَصالِحَ الرّاجِحَةَ وإنْ لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُها.
2:217Page 34
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢١٧
They ask you about the sacred month1 - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allāh and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Ḥarām and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allāh. And fitnah2 is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ ابْنَ عَمَّتِهِ عَلى سَرِيَّةٍ في جُمادى الآخِرَةِ. قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ. لِيَتَرَصَّدَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيها عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَضْرَمِيُّ وثَلاثَةٌ مَعَهُ، فَقَتَلُوهُ وأسَرُوا اثْنَيْنِ واسْتاقُوا العِيرَ وفِيها مِن تِجارَةِ الطّائِفِ، وكانَ ذَلِكَ غُرَّةَ رَجَبٍ وهم يَظُنُّونَهُ مِن جُمادى الآخِرَةِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ شَهْرًا يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ، ويَنْذَعِرُ فِيهِ النّاسُ إلى مَعايِشِهِمْ. وشَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ السَّرِيَّةِ وقالُوا ما نَبْرَحُ حَتّى تَنْزِلَ تَوْبَتُنا، ورَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِيرَ والأسارى) .»
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «لَمّا نَزَلَتْ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَنِيمَةَ وهي أوَّلُ غَنِيمَةٍ في الإسْلامِ» والسّائِلُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ كَتَبُوا إلَيْهِ في ذَلِكَ تَشْنِيعًا وتَعْيِيرًا وقِيلَ أصْحابُ السَّرِيَّةِ. ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الشَّهْرِ الحَرامِ. وقُرِئَ « عَنْ قِتالٍ» بِتَكْرِيرِ العامِلِ. ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أيْ ذَنَبٌ كَبِيرٌ، والأكْثَرُ أنَّهُ (p-137)مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ خِلافًا لِعَطاءٍ وهو نَسْخُ الخاصِّ بِالعامِّ وفِيهِ خِلافٌ، والأوْلى مَنعُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى حُرْمَةِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ مُطْلَقًا فَإنَّ ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ نَكِرَةٌ في حَيِّزٍ مُثْبَتٍ فَلا يَعُمُّ. ﴿وَصَدٌّ﴾ صَرْفٌ ومَنعٌ. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الإسْلامِ أوْ ما يُوصِلُ العَبْدَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الطّاعاتِ. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أيْ بِاللَّهِ. ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَلى إرادَةِ المُضافِ أيْ وصَدُّ المَسْجِدِ الحَرامِ كَقَوْلِ أبِي دُؤادٍ:
؎ أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً... ونارٌ تُوقِدُ بِاللَّيْلِ نارا
وَلا يَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّ عَطْفَ قَوْلِهِ: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ عَلى ﴿وَصَدٌّ﴾ مانِعٌ مِنهُ إذْ لا يَتَقَدَّمُ العَطْفُ عَلى المَوْصُولِ عَلى العَطْفِ عَلى الصِّلَةِ ولا عَلى الهاءِ في ﴿بِهِ﴾، فَإنَّ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ إنَّما يَكُونُ بِإعادَةِ الجارِّ. ﴿وَإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ﴾ أهْلِ المَسْجِدِ الحَرامِ وهُمُ النَّبِيُّ ﷺ والمُؤْمِنُونَ. ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِمّا فَعَلَتْهُ السَّرِيَّةُ خَطَأً وبِناءً عَلى الظَّنِّ، وهو خَبَرٌ عَنِ الأشْياءِ الأرْبَعَةِ المَعْدُودَةِ مِن كَبائِرِ قُرَيْشٍ. وأفْعَلُ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ أيْ ما تَرْتَكِبُونَهُ مِنَ الإخْراجِ والشِّرْكِ أفْظَعُ مِمّا ارْتَكَبُوهُ مِن قَتْلِ الحَضْرَمِيِّ. ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ﴾ إخْبارٌ عَنْ دَوامِ عَداوَةِ الكُفّارِ لَهم وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْها حَتّى يَرُدُّوهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَتّى لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِكَ أعْبُدُ اللَّهَ حَتّى أدْخُلَ الجَنَّةَ.
﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾ وهو اسْتِبْعادٌ لِاسْتِطاعَتِهِمْ كَقَوْلِ الواثِقِ بِقُوَّتِهِ عَلى قَرْنِهِ: إنْ ظَفِرْتَ بِي فَلا تُبْقِ عَلَيَّ، وإيذانٌ بِأنَّهم لا يَرُدُّونَهم. ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ قَيَّدَ الرِّدَّةَ بِالمَوْتِ عَلَيْها في إحْباطِ الأعْمالِ كَما هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ بِها الأعْمالُ النّافِعَةُ. وقُرِئَ « حَبَطَتْ» بِالفَتْحِ وهي لُغَةٌ فِيهِ. في الدُّنْيا لِبُطْلانِ ما تَخَيَّلُوهُ وفَواتِ ما لِلْإسْلامِ مِنَ الفَوائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ والآخِرَةِ بِسُقُوطِ الثَّوابِ. ﴿وَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ كَسائِرِ الكَفَرَةِ.
2:218Page 34
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢١٨
Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allāh - those expect the mercy of Allāh. And Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نَزَلَتْ أيْضًا في أصْحابِ السَّرِيَّةِ لَمّا ظُنَّ بِهِمْ أنَّهم إنْ سَلِمُوا مِنَ الإثْمِ فَلَيْسَ لَهم أجْرٌ.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ المَوْصُولَ لِتَعْظِيمِ الهِجْرَةِ والجِهادِ كَأنَّهُما مُسْتَقِلّانِ في تَحْقِيقِ الرَّجاءِ ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ ثَوابَهُ، أثْبَتَ لَهُمُ الرَّجاءَ إشْعارًا بِأنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُوجَبٍ ولا قاطِعٍ في الدَّلالَةِ سِيَّما والعِبْرَةُ بِالخَواتِيمِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ لِما فَعَلُوا خَطَأً وقِلَّةَ احْتِياطٍ. ﴿رَحِيمٌ﴾ بِإجْزالِ الأجْرِ والثَّوابِ.
2:219Page 34
۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩
They ask you about wine1 and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allāh makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ «رُوِيَ (أنَّهُ نَزَلَ بِمَكَّةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ فَأخَذَ المُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَها، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ ومُعاذًا ونَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: أفْتِنا يا رَسُولَ اللَّهِ في الخَمْرِ فَإنَّها مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ مُسْلِبَةٌ لِلْمالِ)، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَشَرِبَها قَوْمٌ وتَرَكَها آخَرُونَ. ثُمَّ دَعا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ناسًا مِنهم فَشَرِبُوا وسَكِرُوا، فَأمَّ أحَدُهم فَقَرَأ: « قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ» فَنَزَلَتْ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ فَقَلَّ مَن يَشْرَبُها، ثُمَّ دَعا عِتْبانُ بْنُ مالِكٍ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ في نَفَرٍ فَلَمّا سَكِرُوا افْتَخَرُوا وتَناشَدُوا، فَأنْشَدَ سَعْدٌ شِعْرًا فِيهِ هِجاءُ الأنْصارِ، فَضَرَبَهُ أنْصارِيٌّ بِلَحْيِ بَعِيرٍ فَشَجَّهُ، فَشَكا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: انْتَهَيْنا يا رَبِّ.» والخَمْرُ في الأصْلِ مَصْدَرُ خَمَرَهُ إذا (p-138)سَتَرَهُ، سُمِّيَ بِها عَصِيرُ العِنَبِ والتَّمْرِ إذا اشْتَدَّ وغَلا كَأنَّهُ يَخْمُرُ العَقْلَ، كَما سُمِّيَ سَكَرًا لِأنَّهُ يُسْكِرُهُ أيْ يَحْجِزُهُ، وهي حَرامٌ مُطْلَقًا وكَذا كُلُّ ما أسْكَرَ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: نَقِيعُ الزَّبِيبِ والتَّمْرِ إذا طُبِخَ حَتّى ذَهَبَ ثُلُثاهُ ثُمَّ اشْتَدَّ حَلَّ شُرْبُهُ ما دُونَ السَّكَرِ. ﴿والمَيْسِرِ﴾ أيْضًا مَصْدَرٌ كالمَوْعِدِ، سُمِّيَ بِهِ القِمارُ لِأنَّهُ أخْذُ مالِ الغَيْرِ بِيُسْرٍ أوْ سَلْبُ يَسارِهِ، والمَعْنى يَسْألُونَكَ عَنْ تَعاطِيهِما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما﴾ أيْ في تَعاطِيهِما. ﴿إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُؤَدِّي إلى الِانْتِكابِ عَنِ المَأْمُورِ، وارْتِكابِ المَحْظُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « كَثِيرٌ» بِالثّاءِ. ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ مِن كَسْبِ المالِ والطَّرَبِ والِالتِذاذِ ومُصادَقَةِ الفِتْيانِ، وفي الخَمْرِ خُصُوصًا تَشْجِيعُ الجَبانِ وتَوْفِيرُ المُرُوءَةِ وتَقْوِيَةُ الطَّبِيعَةِ. ﴿وَإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ أيِ المَفاسِدُ الَّتِي تَنْشَأُ مِنهُما أعْظَمُ مِنَ المَنافِعِ المُتَوَقَّعَةِ مِنهُما. ولِهَذا قِيلَ إنَّها المُحَرَّمَةُ لِلْخَمْرِ لِأنَّ المَفْسَدَةَ إذا تَرَجَّحَتْ عَلى المَصْلَحَةِ اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ الفِعْلِ، والأظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِما مَرَّ مِن إبْطالِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ. ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ قِيلَ سائِلُهُ أيْضًا عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ سَألَ أوَّلًا عَنِ المُنْفَقِ والمَصْرِفِ، ثُمَّ سَألَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ. ﴿قُلِ العَفْوَ﴾ العَفْوُ نَقِيضُ الجُهْدِ ومِنهُ يُقالُ لِلْأرْضِ السَّهْلَةِ، وهو أنْ يُنْفِقَ ما تَيَسَّرَ لَهُ بَذْلُهُ ولا يَبْلُغُ مِنهُ الجَهْدَ.
قالَ:
؎ خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي... ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ
وَرُوِيَ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ بِبَيْضَةٍ مِن ذَهَبٍ أصابَها في بَعْضِ المَغانِمِ فَقالَ: خُذْها مِنِّي صَدَقَةً، فَأعْرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ حَتّى كَرَّرَ عَلَيْهِ مِرارًا فَقالَ: هاتِها مُغْضَبًا فَأخَذَها فَحَذَفَها حَذْفًا لَوْ أصابَهُ لَشَجَّهُ ثُمَّ قالَ: « يَأْتِي أحَدُكم بِمالِهِ كُلِّهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ ويَجْلِسُ يَتَكَفَّفُ النّاسَ، إنَّما الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ « العَفْوُ» . ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلَ ما بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أصْلَحُ مِنَ الجَهْدِ، أوْ ما ذَكَرَ مِنَ الأحْكامِ، والكافُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَبْيِينًا مِثْلَ هَذا التَّبْيِينِ، وإنَّما وحَّدَ العَلامَةَ والمُخاطَبُ بِهِ جَمْعٌ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلِ والجَمْعِ، ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ في الدَّلائِلِ والأحْكامِ.
2:220Page 35
فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٢٠
To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allāh knows the corrupter from the amender. And if Allāh had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise."
﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ في أُمُورِ الدّارَيْنِ فَتَأْخُذُوا بِالأصْلَحِ والأنْفَعِ فِيهِما، وتَجْتَنِبُونَ عَمّا يَضُرُّكم ولا يَنْفَعُكُمْ، أوْ يَضُرُّكم أكْثَرَ مِمّا يَنْفَعُكم. ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ الآيَةَ اعْتَزَلُوا اليَتامى ومُخالَطَتَهم والِاهْتِمامَ بِأمْرِهِمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ أيْ مُداخَلَتُهم لِإصْلاحِهِمْ أوْ إصْلاحِ أمْوالِهِمْ خَيْرٌ مِن مُجانَبَتِهِمْ. ﴿وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ حَثٌّ عَلى المُخالَطَةِ، أيْ أنَّهم إخْوانُكم في الدِّينِ ومِن حَقِّ الأخِ أنْ يُخالِطَ الأخَ. وقِيلَ المُرادُ بِالمُخالَطَةِ المُصاهَرَةُ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ وعِيدٌ ووَعْدٌ لِمَن خالَطَهم لِإفْسادٍ وإصْلاحٍ، أيْ يَعْلَمُ أمْرَهُ فَيُجازِيهِ عَلَيْهِ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ أيْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ إعْناتَكم لَأعْنَتَكُمْ، أيْ كَلَّفَكم ما يَشُقُّ عَلَيْكم مِنَ العَنَتِ وهي المَشَقَّةُ ولَمْ يَجَوِّزْ لَكم مُداخَلَتَكم. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ يَقْدِرُ عَلى الإعْناتِ. ﴿حَكِيمٌ﴾ يَحْكُمُ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَتَّسِعُ لَهُ الطّاقَةُ.
2:221Page 35
وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٢١
And do not marry polytheistic women until they believe.1 And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allāh invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses [i.e., ordinances] to the people that perhaps they may remember.
(p-139)﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ أيْ ولا تَتَزَوَّجُوهُنَّ. وقُرِئَ بِالضَّمِّ أيْ ولا تُزَوِّجُوهُنَّ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمُشْرِكاتُ تَعُمُّ الكِتابِيّاتِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ولَكِنَّها خُصَّتْ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ «رُوِيَ (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ مَرْثَدًا الغَنَوِيَّ إلى مَكَّةَ لِيُخْرِجَ مِنها أُناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأتَتْهُ عَناقُ وكانَ يَهْواها في الجاهِلِيَّةِ فَقالَتْ: ألا تَخْلُوا. فَقالَ: إنَّ الإسْلامَ حالَ بَيْنَنا فَقالَتْ: هَلْ لَكَ أنْ تَتَزَوَّجَ بِي فَقالَ: نَعَمْ ولَكِنِ أسْتَأْمِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فاسْتَأْمَرَهُ) فَنَزَلَتْ ﴿وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾» أيْ ولامْرَأةٌ مُؤْمِنَةٌ حُرَّةً كانَتْ أوْ مَمْلُوكَةً، فَإنَّ النّاسَ كُلَّهم عَبِيدُ اللَّهِ وإماؤُهُ. ﴿وَلَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ بِحُسْنِها وشَمائِلِها، والواوُ لِلْحالِ ولَوْ بِمَعْنى إنْ وهو كَثِيرٌ. ﴿وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ ولا تُزَوِّجُوا مِنهُمُ المُؤْمِناتِ حَتّى يُؤْمِنُوا، وهو عَلى عُمُومِهِ. ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ مُواصَلَتِهِمْ، وتَرْغِيبٌ في مُواصَلَةِ المُؤْمِنِينَ. ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ. ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ أيِ الكُفْرِ المُؤَدِّي إلى النّارِ فَلا يَلِيقُ مُوالاتُهم ومُصاهَرَتُهم. ﴿واللَّهُ﴾ أيْ وأوْلِياؤُهُ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ. ﴿يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ﴾ أيْ إلى الِاعْتِقادِ والعَمَلِ المُوَصِّلِينَ إلَيْهِما فَهُمُ الأحِقّاءُ بِالمُواصَلَةِ. ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، أوْ بِقَضائِهِ وإرادَتِهِ. ﴿وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ لِكَيْ يَتَذَكَّرُوا، أوْ لِيَكُونُوا بِحَيْثُ يُرْجى مِنهُمُ التَّذَكُّرُ لِما رَكَزَ في العُقُولِ مِن مَيْلِ الخَيْرِ ومُخالَفَةِ الهَوى.
2:222Page 35
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢
And they ask you about menstruation. Say, "It is harm, so keep away from wives1 during menstruation. And do not approach them until they are pure. And when they have purified themselves,2 then come to them from where Allāh has ordained for you. Indeed, Allāh loves those who are constantly repentant and loves those who purify themselves."
﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ رُوِيَ (أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يُساكِنُونَ الحَيِّضَ ولا يُؤاكِلُونَها، كَفِعْلِ اليَهُودِ والمَجُوسِ، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلى أنْ سَألَ أبُو الدَّحْداحِ في نَفَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ عَنْ ذَلِكَ) فَنَزَلَتْ. والمَحِيضُ مَصْدَرٌ كالمَجِيءِ والمَبِيتِ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما ذَكَرَ يَسْألُونَكَ بِغَيْرِ واوٍ ثَلاثًا ثُمَّ بِها ثَلاثًا، لِأنَّ السُّؤالاتِ الأُوَلَ كانَتْ في أوْقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ والثَّلاثَةَ الأخِيرَةَ كانَتْ في وقْتٍ واحِدٍ فَلِذَلِكَ ذَكَرَها بِحِرَفِ الجَمْعِ. ﴿قُلْ هو أذًى﴾ أيِ الحَيْضُ شَيْءٌ مُسْتَقْذَرٌ مُؤْذٍ مَن يَقْرَبُهُ نَفْرَةً مِنهُ. ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ فاجْتَنِبُوا مُجامَعَتَهم لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّما أُمِرْتُمْ أنْ تَعْتَزِلُوا مُجامَعَتَهُنَّ إذا حِضْنَ ولَمْ يَأْمُرْكم بِإخْراجِهِنَّ مِنَ البُيُوتِ كَفِعْلِ الأعاجِمِ» . وهو الِاقْتِصادُ بَيْنَ إفْراطِ اليَهُودِ، وتَفْرِيطِ النَّصارى فَإنَّهم كانُوا يُجامِعُوهُنَّ ولا يُبالُونَ بِالحَيْضِ.
وَإنَّما وصْفُهُ بِأنَّهُ أذًى ورَتَّبَ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِالفاءِ إشْعارًا بِأنَّهُ العِلَّةُ. ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ وبَيانٌ لِغايَتِهِ، وهو أنْ يَغْتَسِلْنَ بَعْدَ الِانْقِطاعِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحًا قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وعاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ « يَطَّهَّرْنَ» أيْ يَتَطَهَّرْنَ بِمَعْنى يَغْتَسِلْنَ والتِزامًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ جَوازِ الإتْيانِ عَنِ الغُسْلِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إذا طَهُرَتْ لِأكْثَرِ الحَيْضِ جازَ قُرْبانُها قَبْلَ الغُسْلِ.
﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ المَأْتى الَّذِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ وحَلَّلَهُ لَكم. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ.
﴿وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ أيِ المُتَنَزِّهِينَ عَنِ الفَواحِشِ والأقْذارِ، كَمُجامَعَةِ الحائِضِ والإتْيانِ في غَيْرِ المَأْتى.
2:223Page 35
نِسَآؤُكُمۡ حَرۡثٞ لَّكُمۡ فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٢٣
Your wives are a place of cultivation [i.e., sowing of seed] for you, so come to your place of cultivation however you wish and put forth [righteousness] for yourselves. And fear Allāh and know that you will meet Him. And give good tidings to the believers.
﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ مَواضِعُ حَرْثٍ لَكم. شَبَّهُّنَ بِها تَشْبِيهًا لِما يُلْقى في أرْحامِهِنَّ مِنَ النُّطَفِ بِالبُذُورِ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أيْ فَأْتُوهُنَّ كَما تَأْتُونَ المَحارِثَ، وهو كالبَيانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (p-140)﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ، «رُوِيَ (أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: مَن جامَعَ امْرَأتَهُ مِن دُبُرِها في قُبُلِها كانَ ولَدُها أحْوَلُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ) فَنَزَلَتْ.» ﴿وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾ ما يُدَّخَرُ لَكم مِنَ الثَّوابِ. وقِيلَ هو طَلَبُ الوَلَدِ. وقِيلَ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الوَطْءِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِالِاجْتِنابِ عَنْ مَعاصِيهِ. ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ فَتَزَوَّدُوا ما لا تَفْتَضِحُونَ بِهِ. ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ الكامِلِينَ في الإيمانِ بِالكَرامَةِ والنَّعِيمِ الدّائِمِ. أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ أنْ يَنْصَحَهم ويُبَشِّرَ مَن صَدَّقَهُ وامْتَثَلَ أمْرَهُ مِنهم.
2:224Page 35
وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٢٤
And do not make [your oath by] Allāh an excuse against being righteous and fearing Allāh and making peace among people. And Allāh is Hearing and Knowing.
﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ نَزَلَتْ في الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ لِافْتِرائِهِ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، أوْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ خَتْنَهُ بَشِيرَ بْنَ النُّعْمانِ ولا يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُخْتِهِ. والعُرْضَةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالقَبْضَةِ تُطْلَقُ لِما يُعْرَضُ دُونَ الشَّيْءِ ولِلْمُعَرَّضِ لِلْأمْرِ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى الأوَّلِ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ حاجِزًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن أنْواعِ الخَيْرِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالإيمانِ الأُمُورَ المَحْلُوفَ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِابْنِ سَمُرَةَ «إذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنها، فَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» . وأنْ مَعَ صِلَتِها عَطْفُ بَيانٍ لَها، واللّامُ صِلَةُ ﴿عُرْضَةً﴾ لِما فِيها مِن مَعْنى الِاعْتِراضِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ ويَتَعَلَّقُ أنْ بِالفِعْلِ أوْ بِعُرْضَةٍ أيْ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأنْ تَبَرُّوا لِأجْلِ أيْمانِكم بِهِ، وعَلى الثّانِي ولا تَجْعَلُوهُ مُعَرَّضًا لِأيْمانِكم فَتَبْتَذِلُوهُ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ، ولِذَلِكَ ذَمَّ الحَلّافَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ و ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ أيْ أنْهاكم عَنْهُ إرادَةَ بِرِّكم وتَقْواكم وإصْلاحِكم بَيْنَ النّاسِ، فَإنَّ الحَلّافَ مُجْتَرِئٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، والمُجْتَرِئُ عَلَيْهِ لا يَكُونُ بَرًّا مُتَّقِيًا ولا مَوْثُوقًا بِهِ في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِأيْمانِكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِكم.
2:225Page 36
لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٢٥
Allāh does not impose blame upon you for what is unintentional in your oaths, but He imposes blame upon you for what your hearts have earned. And Allāh is Forgiving and Forbearing.1
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ اللَّغْوُ السّاقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ مِن كَلامٍ وغَيْرِهِ، ولَغْوُ اليَمِينِ ما لا عَقْدَ مَعَهُ كَما سَبَقَ بِهِ اللِّسانُ أوْ تَكَلَّمَ بِهِ جاهِلًا لِمَعْناهُ كَقَوْلِ العَرَبِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ، لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ والمَعْنى لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِعُقُوبَةٍ ولا كَفّارَةٍ بِما لا قَصْدَ مَعَهُ، ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِهِما أوْ بِأحَدِهِما بِما قَصَدْتُمْ مِنَ الأيْمانِ وواطَأتْ فِيها قُلُوبُكم ألْسِنَتُكم. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: اللَّغْوُ أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ بِناءً عَلى ظَنِّهِ الكاذِبِ، والمَعْنى لا يُعاقِبُكم بِما أخْطَأْتُمْ فِيهِ مِنَ الأيْمانِ، ولَكِنْ يُعاقِبُكم بِما تَعَمَّدْتُمُ الكَذِبَ فِيهِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْ بِاللَّغْوِ ﴿حَلِيمٌ﴾ حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ بِالمُؤاخَذَةِ عَلى يَمِينِ الجِدِّ تَرَبُّصًا لِلتَّوْبَةِ.
2:226–227Page 36
لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٢٦
For those who swear not to have sexual relations with their wives1 is a waiting time of four months, but if they return [to normal relations] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٢٧
And if they decide on divorce - then indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ أيْ يَحْلِفُونَ عَلى أنْ لا يُجامِعُوهُنَّ. والإيلاءُ: الحَلِفُ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَلى ولَكِنْ لَمّا ضَمِنَ هَذا القَسَمُ مَعْنى البُعْدِ عُدِّيَ بِمِن. ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وما قَبْلَهُ خَبَرُهُ، أوْ فاعِلُ الظَّرْفِ عَلى خِلافِ سَبْقٍ، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ والتَّوَقُّفُ أُضِيفَ إلى الظَّرْفِ عَلى الِاتِّساعِ، أيْ لِلْمَوْلى حَقُّ التَّلَبُّثِ في هَذِهِ المُدَّةِ فَلا يُطالَبُ بِفَيْءٍ، ولا طَلاقٍ، ولِذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ: لا إيلاءَ إلّا في أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ويُؤَيِّدُهُ ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ رَجَعُوا في اليَمِينِ بِالحِنْثِ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِلْمَوْلى إثْمَ حِنْثِهِ إذا كَفَرَ، أوْ ما تَوَخّى بِالإيلاءِ مِن (p-141)ضِرارِ المَرْأةِ ونَحْوِهِ بِالفَيْئَةِ الَّتِي هي كالتَّوْبَةِ.
﴿وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ وإنْ صَمَّمُوا قَصْدَهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِطَلاقِهِمْ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِغَرَضِهِمْ فِيهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الإيلاءُ في أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَما فَوْقَها، وحُكْمُهُ أنَّ المَوْلى إنْ فاءَ في المُدَّةِ بِالوَطْءِ إنْ قَدَرَ، وبِالوَعْدِ إنْ عَجَزَ، صَحَّ الفَيْءُ ولَزِمَ الواطِئَ أنْ يُكَفِّرَ وإلّا بانَتْ بَعْدَها بِطَلْقَةٍ. وعِنْدَنا يُطالَبُ بَعْدَ المُدَّةِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ فَإنْ أبى عَنْهُما طَلَّقَ عَلَيْهِ الحاكِمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences