Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:236–252
2:236Page 38
لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٣٦
There is no blame upon you if you divorce women you have not touched1 nor specified for them an obligation.2 But give them [a gift of] compensation - the wealthy according to his capability and the poor according to his capability - a provision according to what is acceptable, a duty upon the doers of good.
﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا تَبِعَةَ مِن مَهْرٍ. وقِيلَ مِن وِزْرٍ لِأنَّهُ لا بِدْعَةَ في الطَّلاقِ قَبْلَ المَسِيسِ. وقِيلَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ النَّهْيَ عَنِ الطُّرُقِ فَظَنَّ أنَّ فِيهِ حَرَجًا فَنَفى ﴿إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أيْ تُجامِعُوهُنَّ.
وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « تَماسُّوهُنَّ» بِضَمِّ التّاءِ ومَدِّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلّا أنْ تَفْرِضُوا، أوْ حَتّى تَفْرِضُوا أوْ وتَفْرِضُوا. والفَرْضُ تَسْمِيَةُ المَهْرِ، وفَرِيضَةً نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. والتّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ. والمَعْنى أنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلى المُطَلِّقِ مِن مُطالَبَةِ المَهْرِ إذا كانَتِ المُطَلَّقَةُ غَيْرَ مَمْسُوسَةٍ ولَكِنْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا، إذْ لَوْ كانَتْ مَمْسُوسَةً فَعَلَيْهِ المُسَمّى، أوْ مَهْرُ المِثْلِ. ولَوْ كانَتْ غَيْرَ مَمْسُوسَةٍ ولَكِنَّ سُمِّيَ لَها فَلَها نِصْفُ المُسَمّى، فَمَنطُوقُ الآيَةِ يَنْفِي الوُجُوبَ في الصُّورَةِ الأُولى، ومَفْهُومُها يَقْتَضِي الوُجُوبَ عَلى الجُمْلَةِ في الأخِيرَتَيْنِ. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ فَطَلِّقُوهُنَّ ومَتِّعُوهُنَّ، والحِكْمَةُ في إيجابِ المُتْعَةِ جَبْرُ إيحاشِ الطَّلاقِ، وتَقْدِيرُها مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الحاكِمِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ أيْ عَلى كُلٍّ مِنَ الَّذِي لَهُ سِعَةٌ، والمُقْتِرُ الضَّيِّقُ الحالِ ما يُطِيقُهُ ويَلِيقُ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنْصارِيٍّ طَلَّقَ امْرَأتَهُ المُفَوَّضَةَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّها «مَتِّعْها بِقَلَنْسُوَتِكَ» . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هي دِرْعٌ ومِلْحَفَةٌ وخِمارٌ حَسَبَ الحالِ إلّا أنْ يَقِلَّ مَهْرُ مِثْلِها عَنْ ذَلِكَ فَلَها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، ومَفْهُومُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ إيجابِ المُتْعَةِ لِلْمُفَوَّضَةِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّها الزَّوْجُ، وألْحَقَ بِها الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في أحَدِ قَوْلَيْهِ المَمْسُوسَةَ المُفَوَّضَةَ وغَيْرَها قِياسًا، وهو مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وابْنُ ذَكْوانَ بِفَتْحِ الدّالِ ﴿مَتاعًا﴾ تَمْتِيعًا. ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالوَجْهِ الَّذِي يَسْتَحْسِنُهُ الشَّرْعُ والمُرُوءَةُ. ﴿حَقًّا﴾ صِفَةٌ لِمَتاعًا، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. ﴿عَلى المُحْسِنِينَ﴾ الَّذِي يُحْسِنُونَ إلى (p-147)أنْفُسِهِمْ بِالمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، أوْ إلى المُطَلَّقاتِ بِالتَّمْتِيعِ وسَمّاهم مُحْسِنِينَ قَبْلَ الفِعْلِ لِلْمُشارَفَةِ تَرْغِيبًا وتَحْرِيضًا.
2:237Page 38
وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٣٧
And if you divorce them before you have touched them and you have already specified for them an obligation, then [give] half of what you specified - unless they forego the right or the one in whose hand is the marriage contract foregoes it. And to forego it is nearer to righteousness. And do not forget graciousness between you. Indeed Allāh, of whatever you do, is Seeing.
﴿وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ لِما ذَكَرَ حُكْمَ المُفَوَّضَةِ أتْبَعَهُ حُكْمَ قَسِيمِها. ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ أيْ فَلَهُنَّ، أوْ فالواجِبُ نِصْفُ ما فَرَضْتُمْ لَهُنَّ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجُناحَ المَنفِيَّ ثُمَّ تَبِعَهُ المَهْرُ وأنْ لا مُتْعَةَ مَعَ التَّشْطِيرِ لِأنَّهُ قَسِيمُها ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾ أيِ المُطَلَّقاتُ فَلا يَأْخُذْنَ شَيْئًا، والصِّيغَةُ تَحْتَمِلُ التَّذْكِيرَ والتَّأْنِيثَ، والفَرْقُ أنَّ الواوَ في الأوَّلِ ضَمِيرٌ والنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ وفي الثّانِي لامُ الفِعْلِ والنُّونُ ضَمِيرٌ والفِعْلُ مَبْنِيٌّ ولِذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ أنْ هاهُنا ونُصِبَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ. ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ أيِ الزَّوْجُ المالِكُ لِعَقْدِهِ وحِلِّهِ عَمّا يَعُودُ إلَيْهِ بِالتَّشْطِيرِ فَيَسُوقُ المَهْرَ إلَيْها كامِلًا، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ الطَّلاقَ قَبْلَ المَسِيسِ مُخَيَّرٌ لِلزَّوْجِ غَيْرُ مُشَطَّرٍ بِنَفْسِهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أصْحابِنا والحَنَفِيَّةِ. وقِيلَ الوَلِيُّ الَّذِي يَلِي عَقْدَ نِكاحِهِنَّ وذَلِكَ إذا كانَتِ المَرْأةُ صَغِيرَةً، وهو قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. ﴿وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ وعَفْوُ الزَّوْجِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ ظاهِرٌ وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ عَلى الحَقِّ، وتَسْمِيَتُها عَفْوًا إمّا عَلى المُشاكَلَةِ وإمّا لِأنَّهم يَسُوقُونَ المَهْرَ إلى النِّساءِ عِنْدَ التَّزَوُّجِ، فَمِن طَلَّقَ قَبْلَ المَسِيسِ اسْتَحَقَّ اسْتِرْدادَ النِّصْفِ فَإذا لَمْ يَسْتَرِدَّهُ فَقَدْ عَفا عَنْهُ. وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأةً وطَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ فَأكْمَلَ لَها الصَّداقَ وقالَ أنا أحَقُّ بِالعَفْوِ. ﴿وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ ولا تَنْسَوْا أنْ يَتَفَضَّلَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يُضِيعُ تَفَضُّلَكم وإحْسانَكم.
2:238Page 39
حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ ٢٣٨
Maintain with care the [obligatory] prayers and [in particular] the middle [i.e., ʿaṣr] prayer and stand before Allāh, devoutly obedient.
﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ بِالأداءِ لِوَقْتِها والمُداوَمَةِ عَلَيْها، ولَعَلَّ الأمْرَ بِها في تَضاعِيفِ أحْكامِ الأوْلادِ والأزْواجِ لِئَلّا يُلْهِيَهُمُ الِاشْتِغالُ بِشَأْنِهِمْ عَنْها. ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ أيِ الوُسْطى بَيْنَها، أوِ الفُضْلى مِنها خُصُوصًا وهي صَلاةُ العَصْرِ
لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الأحْزابِ «شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ مَلَأ اللَّهُ بُيُوتَهم نارًا» . وفَضَّلَها لِكَثْرَةِ اشْتِغالِ النّاسِ في وقْتِها، واجْتِماعِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ صَلاةُ الظُّهْرِ لِأنَّها في وسَطِ النَّهارِ وكانَتْ أشَقُّ الصَّلَواتِ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أفْضَلُ العِباداتِ أحَمَزُها» . وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ النَّهارِ واللَّيْلِ والواقِعَةُ في الحَدِّ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما ولِأنَّها مَشْهُودَةٌ. وقِيلَ المَغْرِبُ لِأنَّها المُتَوَسِّطَةُ بِالعَدَدِ ووِتْرِ النَّهارِ. وقِيلَ العِشاءُ لِأنَّها بَيْنَ جَهْرِيَّتَيْنِ واقِعَتَيْنِ طَرَفَيِ اللَّيْلِ.
وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقْرَأُ: « والصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ»
، فَتَكُونُ صَلاةٌ مِنَ الأرْبَعِ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ مَعَ العَصْرِ لِانْفِرادِهِما بِالفَضْلِ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ. ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾ في الصَّلاةِ. ﴿قانِتِينَ﴾ ذاكِرِينَ لَهُ في القِيامِ، والقُنُوتُ الذِّكْرُ فِيهِ. وقِيلَ خاشِعِينَ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ المُرادُ بِهِ القُنُوتُ في الصُّبْحِ.
2:239Page 39
فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ٢٣٩
And if you fear [an enemy, then pray] on foot or riding. But when you are secure, then remember Allāh [in prayer], as He has taught you that which you did not [previously] know.
﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ. ﴿فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾ فَصَلُّوا راجِلِينَ أوْ راكِبِينَ ورِجالًا جَمْعُ راجِلٍ أوْ (p-148)رَجُلٍ بِمَعْناهُ كَقائِمٍ وقِيامٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الصَّلاةِ حالَ المُسايَفَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لا يُصَلّى حالَ المَشْيِ والمُسايَفَةِ ما لَمْ يَكُنِ الوُقُوفُ. ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ وزالَ خَوْفُكم. ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ صَلُّوا صَلاةَ الأمْنِ أوِ اشْكُرُوهُ عَلى الأمْنِ ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾ ذِكْرًا مِثْلَ ما عَلَّمَكم مِنَ الشَّرائِعِ وكَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ حالَتَيِ الخَوْفِ والأمْنِ. أوْ شُكْرًا يُوازِيهِ وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ. ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ مَفْعُولُ عَلَّمَكم.
2:240Page 39
وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٤٠
And those who are taken in death among you and leave wives behind - for their wives is a bequest: maintenance for one year without turning [them] out. But if they leave [of their own accord], then there is no blame upon you for what they do with themselves in an acceptable way.1 And Allāh is Exalted in Might and Wise.
﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ﴾ قَرَأها بِالنَّصْبِ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم يُوصُونَ وصِيَّةً، أوْ لِيُوصُوا وصِيَّةً، أوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصِيَّةً، أوْ أُلْزِمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وصِيَّةً. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الوَصِيَّةَ لِأزْواجِكم مَتاعًا إلى الحَوْلِ مَكانَهُ.
وَقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ ووَصِيَّةِ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ، أوْ وحُكْمُهم وصِيَّةً، أوْ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أهْلُ وصِيَّةٍ، أوْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ، أوْ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ وقُرِئَ « مَتاعٌ» بَدَلَها. ﴿مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾ نُصِبَ بِيُوصُونَ إنْ أُضْمِرَتْ وإلّا فَبِالوَصِيَّةِ وبِمَتاعٍ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَّمْتِيعِ. ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ كَقَوْلِكَ هَذا القَوْلُ غَيْرُ ما تَقُولُ، أوْ حالٌ مِن أزْواجِهِمْ أيْ غَيْرَ مُخْرَجاتِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أنْ يُوصُوا قَبْلَ أنْ يَحْتَضِرُوا لِأزْواجِهِمْ بِأنْ يُمَتَّعْنَ بَعْدَهم حَوْلًا بِالسُّكْنى والنَّفَقَةِ، وكانَ ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَتِ المُدَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ وهو وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا في التِّلاوَةِ فَهو مُتَأخِّرٌ في النُّزُولِ، وسَقَطَتِ النَّفَقَةُ بِتَوْرِيثِها الرُّبْعَ أوِ الثُّمْنَ، والسُّكْنى لَها بَعْدَ ثابِتَةٍ عِنْدَنا خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ عَنْ مَنزِلِ الأزْواجِ. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها الأئِمَّةُ. ﴿فِي ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ كالتَّطَيُّبِ وتَرْكِ الإحْدادِ. ﴿مِن مَعْرُوفٍ﴾ مِمّا لَمْ يُنْكِرْهُ الشَّرْعُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجِبُ عَلَيْها مُلازَمَةُ مَسْكَنِ الزَّوْجِ والحِدادِ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُخَيَّرَةً بَيْنَ المُلازَمَةِ وأخْذِ النَّفَقَةِ وبَيْنَ الخُرُوجِ وتَرْكِها. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يَنْتَقِمُ مِمَّنْ خالَفَهُ مِنهم. ﴿حَكِيمٌ﴾ يُراعِي مَصالِحَهم.
2:241–242Page 39
وَلِلۡمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٤١
And for divorced women is a provision according to what is acceptable - a duty upon the righteous.
كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٤٢
Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., laws] that you might use reason.
﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ أثْبَتَ المُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقاتِ جَمِيعًا بَعْدَ ما أوْجَبَها لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ، وإفْرادُ بَعْضِ العامِّ بِالحُكْمِ لا يُخَصِّصُهُ إلّا إذا جَوَّزْنا تَخْصِيصَ المَنطُوقِ بِالمَفْهُومِ ولِذَلِكَ أوْجَبَها ابْنُ جُبَيْرٍ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وأوَّلَ غَيْرُهُ بِما يَعُمُّ التَّمْتِيعَ الواجِبَ والمُسْتَحَبَّ. وقالَ قَوْمٌ المُرادُ بِالمَتاعِ نَفَقَةُ العِدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعَهْدِ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ أوْ لِتَكَرُّرِ القَضِيَّةِ ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ والعِدَّةِ. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ وعْدٌ بِأنَّهُ سَيُبَيِّنُ لِعِبادِهِ مِنَ الدَّلائِلِ والأحْكامِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مَعاشًا ومَعادًا.
﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ لَعَلَّكم تَفْهَمُونَها فَتَسْتَعْمِلُونَ العَقْلَ فِيها.
2:243Page 39
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٢٤٣
Have you not considered those who left their homes in many thousands, fearing death? Allāh said to them, "Die"; then He restored them to life. And Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of the people do not show gratitude.
﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَعْجِيبٌ وتَقْرِيرٌ لِمَن سَمِعَ بِقِصَّتِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ وأرْبابِ التَّوارِيخِ، وقَدْ يُخاطَبُ بِهِ مَن لَمْ يَرَ ومَن لَمْ يَسْمَعْ فَإنَّهُ صارَ مَثَلًا في التَّعْجِيبِ. ﴿إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ يُرِيدُ أهْلَ داوَرْدانَ قَرْيَةٍ قَبْلَ (p-149)واسِطَ وقَعَ فِيها طاعُونٌ فَخَرَجُوا هارِبِينَ، فَأماتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا ويَتَيَقَّنُوا أنْ لا مَفَرَّ مِن قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ. أوْ قَوْمًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ دَعاهم مَلِكُهم إلى الجِهادِ فَفَرُّوا حَذَرَ المَوْتِ فَأماتَهُمُ اللَّهُ ثَمانِيَةَ أيّامٍ ثُمَّ أحْياهم. ﴿وَهم أُلُوفٌ﴾ أيْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ. قِيلَ عَشَرَةٌ. وقِيلَ ثَلاثُونَ. وقِيلَ سَبْعُونَ وقِيلَ مُتَألِّفُونَ جَمْعُ إلْفٍ أوْ آلِفٌ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ والواوُ لِلْحالِ. ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ. ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ أيْ قالَ لَهم مُوتُوا فَماتُوا كَقَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ والمَعْنى أنَّهم ماتُوا مَيْتَةَ رَجُلٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ. وقِيلَ ناداهم بِهِ مَلَكٌ وإنَّما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى تَخْوِيفًا وتَهْوِيلًا. ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ قِيلَ «مَرَّ حِزْقِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أهْلِ داوَرْدانَ وقَدْ عَرِيَتْ عِظامُهم وتَفَرَّقَتْ أوْصالُهُمْ، فَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ نادِ فِيهِمْ أنْ قُومُوا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فَنادى فَقامُوا يَقُولُونَ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ.» وفائِدَةُ القِصَّةِ تَشْجِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ والتَّعَرُّضِ لِلشَّهادَةِ، وحَثُّهم عَلى التَّوَكُّلِ والِاسْتِسْلامِ لِلْقَضاءِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ حَيْثُ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا ويَفُوزُوا وقَصَّ عَلَيْهِمْ حالَهم لِيَسْتَبْصِرُوا ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ لا يَشْكُرُونَهُ كَما يَنْبَغِي، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالشُّكْرِ الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ.
2:244–245Page 39
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٤٤
And fight in the cause of Allāh and know that Allāh is Hearing and Knowing.
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٤٥
Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He may multiply it for him many times over? And it is Allāh who withholds and grants abundance, and to Him you will be returned.
﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ غَيْرُ مُخَلِّصٍ مِنهُ وأنَّ المُقَدَّرَ لا مَحالَةَ واقِعٌ، أمَرَهم بِالقِتالِ إذْ لَوْ جاءَ أجْلُهم في سَبِيلِ اللَّهِ وإلّا فالنَّصْرُ والثَّوابُ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُهُ المُتَخَلِّفُ والسّابِقُ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يُضْمِرانِهِ وهو مِن وراءِ الجَزاءِ.
﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ مَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَوْضِعِ بِالِابْتِداءِ، وذا خَبَرُهُ، والَّذِي صِفَةُ ذا أوْ بَدَلُهُ، وإقْراضُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ الَّذِي بِهِ يُطْلَبُ ثَوابُهُ. ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ إقْراضًا حَسَنًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ وطِيبِ النَّفْسِ أوْ مُقْرِضًا حَلالًا طَيِّبًا. وقِيلَ: القَرْضُ الحَسَنُ بِالمُجاهَدَةِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ فَيُضاعِفُ جَزاءَهُ، أخْرَجَهُ عَلى صُورَةِ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، فَإنَّ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ في مَعْنى أيُقْرِضُ اللَّهَ أحَدٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « فَيُضَعِّفُهُ» بِالرَّفْعِ والتَّشْدِيدِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالنَّصْبِ. ﴿أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ كَثْرَةٌ لا يُقَدِّرُها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وقِيلَ الواحِدُ بِسَبْعِمِائَةٍ، و « أضْعافًا» جَمْعُ ضِعْفٍ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوِ المَفْعُولِ الثّانِي لِتَضَمُّنِ المُضاعَفَةِ مَعْنى التَّصْيِيرِ أوِ المَصْدَرُ عَلى أنَّ الضِّعْفَ اسْمُ مَصْدَرٍ وجَمَعَهُ لِلتَّنْوِيعِ. ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ يَقْتُرُ عَلى بَعْضٍ ويُوَسِّعُ عَلى بَعْضٍ حَسَبِ ما اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ، فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ بِما وسَّعَ عَلَيْكم كَيْلا يُبَدِّلَ حالَكم. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ والبَزِّيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالصّادِ ومِثْلُهُ في الأعْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْتُمْ.
2:246Page 40
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٢٤٦
Have you not considered the assembly of the Children of Israel after [the time of] Moses when they said to a prophet of theirs, "Send to us a king, and we will fight in the way of Allāh"? He said, "Would you perhaps refrain from fighting if battle was prescribed for you?" They said, "And why should we not fight in the cause of Allāh when we have been driven out from our homes and from our children?" But when battle was prescribed for them, they turned away, except for a few of them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.
﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ المَلَأُ جَماعَةٌ يَجْتَمِعُونَ لِلتَّشاوُرِ، ولا واحِدَ لَهُ كالقَوْمِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ. ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ وفاتِهِ ومِن لِلِابْتِداءِ. ﴿إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ هو يُوشَعُ، أوْ شَمْعُونُ، أوْ (p-150)شَمْوِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أقِمْ لَنا أمِيرًا نَنْهَضُ مَعَهُ لِلْقِتالِ يُدَبِّرُ أمْرَهُ ونُصْدُرُ فِيهِ عَنْ رَأْيِهِ، وجَزَمَ ﴿نُقاتِلْ﴾ عَلى الجَوابِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ أيِ ابْعَثْهُ لَنا مُقَدِّرِينَ القِتالَ، ويُقاتِلُ بِالياءِ مَجْزُومًا ومَرْفُوعًا عَلى الجَوابِ والوَصْفِ لَمَلِكًا. ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا﴾ فَصَلَ بَيْنَ عَسى وخَبَرِهِ بِالشَّرْطِ، والمَعْنى أتَوَقَّعُ جُبْنَكم عَنِ القِتالِ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ، فَأدْخَلَ هَلْ عَلى فِعْلِ التَّوَقُّعِ مُسْتَفْهِمًا عَمّا هو المُتَوَقَّعُ عِنْدَهُ تَقْرِيرًا وتَثْبِيتًا. وقَرَأ نافِعٌ عَسِيتُمْ بِكَسْرِ السِّينِ. ﴿قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾ أيْ أيُّ غَرَضٍ لَنا في تَرْكِ القِتالِ وقَدْ عَرَضَ لَنا ما يُوجِبُهُ ويَحُثُّ عَلَيْهِ مِنَ الإخْراجِ عَنِ الأوْطانِ والإفْرادِ عَنِ الأوْلادِ، وذَلِكَ أنَّ جالُوتَ ومَن مَعَهُ مِنَ العَمالِقَةِ كانُوا يَسْكُنُونَ ساحِلَ بَحْرِ الرُّومِ بَيْنَ مِصْرَ وفِلَسْطِينَ، فَظَهَرُوا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَأخَذُوا دِيارَهم وسَبَوْا أوْلادَهم وأسَرُوا مِن أبْناءِ المُلُوكِ أرْبَعَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ. ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ بِعَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ في تَرْكِ الجِهادِ.
2:247Page 40
وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٤٧
And their prophet said to them, "Indeed, Allāh has sent to you Saul as a king." They said, "How can he have kingship over us while we are more worthy of kingship than him and he has not been given any measure of wealth?" He said, "Indeed, Allāh has chosen him over you and has increased him abundantly in knowledge and stature. And Allāh gives His sovereignty to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing [in favor] and Knowing."
﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ طالُوتُ عَلَمٌ عِبْرِيٌّ كَداوُدَ وجَعَلَهُ فَعَلُوتًا مِنَ الطَّوْلِ تَعَسَّفَ يَدْفَعُهُ مَنعُ صَرْفِهِ، رُوِيَ أنَّ نَبِيَّهم ﷺ لَمّا دَعا اللَّهَ أنْ يُمَلِّكَهم أتى بَعْضًا يُقاسُ بِها مَن يُمَلَّكُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُساوِها إلّا طالُوتُ ﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ مِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ ويَسْتَأْهِلُ. ﴿وَنَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ والحالُ أنّا أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ وِراثَةً ومُكْنَةً وإنَّهُ فَقِيرٌ لا مالَ لَهُ يَعْتَضِدُ بِهِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّ طالُوتَ كانَ فَقِيرًا راعِيًا أوْ سَقّاءً أوْ دَبّاغًا مِن أوْلادٍ بِنْيامِينَ ولَمْ تَكُنْ فِيهِمُ النُّبُوَّةُ والمُلْكُ، وإنَّما كانَتِ النُّبُوَّةُ في أوْلادِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ والمُلْكُ في أوْلادِ يَهُوذا وكانَ فِيهِمْ مِنَ السِّبْطَيْنِ خَلْقٌ. ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ لَمّا اسْتَبْعَدُوا تَمَلُّكَهُ لِفَقْرِهِ وسُقُوطِ نَسَبِهِ رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. أوَّلًا بِأنَّ العُمْدَةَ فِيهِ اصْطَفاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وقَدِ اخْتارَهُ عَلَيْكم وهو أعْلَمُ بِالمَصالِحِ مِنكُمْ، وثانِيًا بِأنَّ الشَّرْطَ فِيهِ وُفُورُ العِلْمِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِن مَعْرِفَةِ الأُمُورِ السِّياسِيَّةِ، وجَسامَةُ البَدَنِ لِيَكُونَ أعْظَمَ خَطَرًا في القُلُوبِ، وأقْوى عَلى مُقاوَمَةِ العَدُوِّ ومُكابَدَةِ الحُرُوبِ، لا ما ذَكَرْتُمْ. وقَدْ زادَهُ اللَّهُ فِيهِما وكانَ الرَّجُلُ القائِمُ يَمُدُّ يَدَهُ فَيَنالُ رَأْسَهُ، وثالِثًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مالِكُ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ فَلَهُ أنْ يُؤْتِيَهُ مَن يَشاءُ، ورابِعًا أنَّهُ واسِعُ الفَضْلِ يُوَسِّعُ عَلى الفَقِيرِ ويُغْنِيهِ عَلِيمٌ بِمَن يَلِيقُ بِالمُلْكِ مِنَ النَّسِيبِ وغَيْرِهِ.
2:248Page 40
وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٤٨
And their prophet said to them, "Indeed, a sign of his kingship is that the chest will come to you in which is assurance1 from your Lord and a remnant of what the family of Moses and the family of Aaron had left, carried by the angels. Indeed in that is a sign for you, if you are believers."
﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ حُجَّةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى اصْطَفى طالُوتَ ومَلَّكَهُ عَلَيْهِمْ. ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ الصُّنْدُوقُ فَعَلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ، وهو الرُّجُوعُ فَإنَّهُ لا يَزالُ يَرْجِعُ إلى ما يَخْرُجُ مِنهُ، ولَيْسَ بِفاعُولٍ لِقِلَّةِ نَحْوِ سَلِسَ وقَلِقَ، ومَن قَرَأهُ بِالهاءِ فَلَعَلَّهُ أبْدَلَهُ مِنهُ كَما أبْدَلَ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ لِاشْتِراكِهِما في الهَمْسِ والزِّيادَةِ، ويُرِيدُ بِهِ صُنْدُوقَ التَّوْراةِ وكانَ مِن خَشَبِ الشِّمْشادِ مُمَوَّهًا بِالذَّهَبِ نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ الضَّمِيرُ لِلْإتْيانِ أيْ في إتْيانِهِ سُكُونٌ لَكم وطُمَأْنِينَةٌ، أوْ لِلتّابُوتِ أيْ مُودَعٌ فِيهِ (p-151)ما تَسْكُنُونَ إلَيْهِ وهو التَّوْراةُ. وكانَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا قاتَلَ قَدَّمَهُ فَتَسْكُنُ نُفُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ ولا يَفِرُّونَ. وقِيلَ صُورَةٌ كانَتْ فِيهِ مِن زَبَرْجَدٍ أوْ ياقُوتٍ لَها رَأْسٌ وذَنَبٌ كَرَأْسِ الهِرَّةِ وذَنَبِها وجَناحانِ فَتَئِنُّ فَيُزِفُّ التّابُوتَ نَحْوَ العَدُوِّ وهم يَتْبَعُونَهُ فَإذا اسْتَقَرَّ ثَبَتُوا وسَكَنُوا ونَزَلَ النَّصْرُ. وقِيلَ صُورَةُ الأنْبِياءِ مِن آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ التّابُوتُ هو القَلْبُ والسَّكِينَةُ ما فِيهِ مِنَ العِلْمِ والإخْلاصِ، وإتْيانُهُ مَصِيرُ قَلْبِهِ مَقَرًّا لِلْعِلْمِ والوَقارِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ. ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ رُضاضُ الألْواحِ وعَصا مُوسى وثِيابِهِ وعِمامَةُ هارُونَ، وآلُهُما أبْناؤُهُما أوْ أنْفُسُهُما. والآلُ مُقْحَمٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما، أوْ أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّهم أبْناءُ عَمِّهِما.﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ رَفَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ مُوسى فَنَزَلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ كانَ بَعْدَهُ مَعَ أنْبِيائِهِمْ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ حَتّى أفْسَدُوا فَغَلَبَهُمُ الكُفّارُ عَلَيْهِ، وكانَ في أرْضِ جالُوتَ إلى أنْ مَلَّكَ اللَّهُ طالُوتَ فَأصابَهم بَلاءٌ حَتّى هَلَكَتْ خَمْسُ مَدائِنَ فَتَشاءَمُوا بِالتّابُوتِ فَوَضَعُوهُ عَلى ثَوْرَيْنِ فَساقَتْهُما المَلائِكَةُ إلى طالُوتَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْ يَكُونَ ابْتِداءُ خِطابٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
2:249Page 41
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩
And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allāh will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allāh said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allāh. And Allāh is with the patient."
﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ انْفَصَلَ بِهِمْ عَنْ بَلَدِهِ لِقِتالِ العَمالِقَةِ، وأصْلُهُ فَصَلَ نَفْسَهُ عَنْهُ ولَكِنْ لَمّا كَثُرَ حُذِفَ مَفْعُولُهُ صارَ كاللّازِمِ.
رُوِيَ: أنَّهُ قالَ لَهم لا يَخْرُجُ مَعِي إلّا الشّابُّ النَّشِيطُ الفارِغُ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِمَّنِ اخْتارَهُ ثَمانُونَ ألْفًا، وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا فَسَلَكُوا مَفازَهُ وسَألُوهُ أنْ يُجْرِيَ اللَّهُ لَهم نَهْرًا. ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ مَعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ. ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ فَلَيْسَ مِن أشْياعِي، أوْ لَيْسَ بِمُتَّحِدٍ مَعِي. ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ مِن لَمْ يَذُقْهُ مِن طَعِمَ الشَّيْءَ إذا ذاقَهُ مَأْكُولًا أوْ مَشْرُوبًا قالَ الشّاعِرُ:
؎ وإنْ شِئْتُ لَمْ أطْعِمْ نُقاخًا ولا بَرَدا
وَإنَّما عَلِمَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ إنْ كانَ نَبِيًّا كَما قِيلَ، أوْ بِإخْبارِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ فَمَن شَرِبَ مِنهُ، وإنَّما قُدِّمَتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ لِلْعِنايَةِ بِها كَما قُدِّمَ والصّائِبُونَ عَلى الخَبَرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ والمَعْنى الرُّخْصَةُ في القَلِيلِ دُونَ الكَثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ ﴿غُرْفَةً﴾ بِضَمِّ الغَيْنِ. ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ أيْ فَكَرَعُوا فِيهِ إذِ الأصْلُ في الشُّرْبِ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ بِوَسَطٍ، وتَعْمِيمُ الأوَّلِ لِيَتَّصِلَ الِاسْتِثْناءُ، أوْ أفْرَطُوا في الشُّرْبِ مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ حَمْلًا عَلى المَعْنى فَإنَّ قَوْلَهُ فَشَرِبُوا مِنهُ في مَعْنى فَلَمْ يُطِيعُوهُ والقَلِيلُ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وقِيلَ ثَلاثَةُ آلافٍ. وقِيلَ: ألْفًا. رُوِيَ أنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى الغُرْفَةِ كَفَتْهُ لِشُرْبِهِ وإداوَتِهِ، ومَن لَمْ يَقْتَصِرْ غَلَبَ عَلَيْهِ واسْوَدَّتْ شَفَتُهُ ولَمْ يَقْدِرْ أنْ يَمْضِيَ وهَكَذا الدُّنْيا لِقاصِدِ الآخِرَةِ. ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أيِ القَلِيلُ الَّذِينَ لَمْ يُخالِفُوهُ. ﴿قالُوا﴾ أيْ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ لِكَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ. ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ أيْ قالَ الخُلَّصُ مِنهُمُ الَّذِينَ تَيَقَّنُوا لِقاءَ اللَّهِ وتَوَقَّعُوا ثَوابَهُ، أوْ عَلِمُوا أنَّهم يَسْتَشْهِدُونَ عَمّا قَرِيبٌ فَيَلْقَوْنَ اللَّهَ تَعالى. وقِيلَ: هُمُ القَلِيلُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ، والضَّمِيرُ في ﴿قالُوا﴾ لِلْكَثِيرِ المُنْخَذِلِينَ عَنْهُ اعْتِذارًا في التَّخَلُّفِ وتَخْذِيلًا لِلْقَلِيلِ، وكَأنَّهم تَقاوَلُوا بِهِ والنَّهْرُ بَيْنَهُما. ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾ (p-152)بِحُكْمِهِ وتَيْسِيرِهِ، وكَمْ تَحْتَمِلُ الخَبَرَ والِاسْتِفْهامَ، ومِن مُبَيِّنَةٌ أوْ مَزِيدَةٌ. والفِئَةُ الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ مِن فَأوْتُ رَأْسَهُ إذا شَقَقْتَهُ، أوْ مِن فاءَ رَجَعَ فَوَزْنُها فِعَةٌ أوْ فِلَةٌ. ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ . بِالنَّصْرِ والإثابَةِ.
2:250–251Page 41
وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠
And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."
فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١
So they defeated them by permission of Allāh, and David killed Goliath, and Allāh gave him the kingship and wisdom [i.e., prophethood] and taught him from that which He willed. And if it were not for Allāh checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allāh is the possessor of bounty for the worlds.
﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ أيْ ظَهَرُوا لَهم ودَنَوْا مِنهم. ﴿قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ التَجَأُوا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالدُّعاءِ، وفِيهِ تَرْتِيبٌ بَلِيغٌ إذْ سَألُوا أوَّلًا إفْراغَ الصَّبْرِ في قُلُوبِهِمُ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ، ثُمَّ ثَباتَ القَدَمِ في مَداحِضِ الحَرْبِ المُسَبَّبَ عَنْهُ، ثُمَّ النَّصْرَ عَلى العَدُوِّ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِما غالِبًا.
﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَكَسَرُوهم بِنَصْرِهِ، أوْ مُصاحِبِينَ لِنَصْرِهِ إيّاهم إجابَةً لِدُعائِهِمْ. ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ قِيلَ: كانَ إيشا في عَسْكَرِ طالُوتَ مَعَهُ سِتَّةٌ مِن بَنِيهِ، وكانَ داوُدُ سابِعَهم وكانَ صَغِيرًا يَرْعى الغَنَمَ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِمْ أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُ جالُوتَ فَطَلَبَهُ مِن أبِيهِ فَجاءَ وقَدْ كَلَّمَهُ في الطَّرِيقِ ثَلاثَةُ أحْجارٍ وقالَتْ لَهُ: إنَّكَ بِنا تَقْتُلُ جالُوتَ، فَحَمَلَها في مِخْلاتِهِ ورَماهُ بِها فَقَتَلَهُ ثُمَّ زَوَّجَهُ طالُوتُ بِنْتَهُ. ﴿وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ أيْ مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَجْتَمِعُوا قَبْلَ داوُدَ عَلى مُلْكٍ. والحِكْمَةُ أيِ النُّبُوَّةِ. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ كالسَّرْدِ وكَلامِ الدَّوابِّ والطَّيْرِ. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ ولَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَدْفَعُ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ ويَنْصُرُ المُسْلِمِينَ عَلى الكَفّارِ ويَكُفُّ بِهِمْ فَسادَهُمْ، لَغَلَبُوا وأفْسَدُوا في الأرْضِ، أوْ لَفَسَدَتِ الأرْضُ بِشُؤْمِهِمْ. وقَرَأ نافِعٌ هُنا وفي الحَجِّ « دِفاعُ اللَّهِ» .
2:252Page 41
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢
These are the verses of Allāh which We recite to you, [O Muḥammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.
﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما قَصَّ مِن حَدِيثِ الأُلُوفِ وتَمْلِيكِ طالُوتَ وإتْيانِ التّابُوتِ وانْهِزامِ الجَبابِرَةِ وقَتْلِ داوُدَ جالُوتَ ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ بِالوَجْهِ المُطابِقِ الَّذِي لا يَشُكُّ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ وأرْبابُ التَّوارِيخِ.
﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لِما أخْبَرَتْ بِها مِن غَيْرِ تَعَرُّفٍ واسْتِماعٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences