Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:265–281
2:265Page 45
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥
And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allāh and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allāh, of what you do, is Seeing.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ وتَثْبِيتًا بَعْضَ أنْفُسِهِمْ عَلى الإيمانِ، فَإنَّ (p-159)المالَ شَقِيقُ الرُّوحِ، فَمِن بَذَلَ مالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ ثَبَتَ بَعْضُ نَفْسِهِ ومَن بَذَلَ مالَهُ ورُوحَهُ ثَبَّتَها كُلَّها، أوْ تَصْدِيقًا لِلْإسْلامِ وتَحْقِيقًا لِلْجَزاءِ مُبْتَدَأٌ مِن أصْلِ أنْفُسِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حِكْمَةَ الإنْفاقِ لِلْمُنْفِقِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ البُخْلِ وحُبِّ المالِ. ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ أيْ ومَثَلَ نَفَقَةِ هَؤُلاءِ في الزَّكاةِ، كَمَثَلِ بُسْتانٍ بِمَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ، فَإنَّ شَجَرَهُ يَكُونُ أحْسَنَ مَنظَرًا وأزْكى ثَمَرًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ (بِرَبْوَةٍ) بِالفَتْحِ وقُرِئَ بِالكَسْرِ وثَلاثَتُها لُغاتٌ فِيها. ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ مَطَرٌ عَظِيمُ القُطْرِ. ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾ ثَمَرَتَها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِالسُّكُونِ لِلتَّخْفِيفِ. ضِعْفَيْنِ مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ بِسَبَبِ الوابِلِ. والمُرادُ بِالضِّعْفِ المِثْلِ كَما أُرِيدَ بِالزَّوْجِ الواحِدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ وقِيلَ: أرْبَعَةُ أمْثالِهِ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ أيْ مُضاعَفًا. ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أيْ فَيُصِيبُها، أوْ فالَّذِي يُصِيبُها طَلٌّ، أوْ فَطَلٌّ يَكْفِيها لِكَرَمِ مَنبَتِها وبُرُودَةِ هَوائِها لِارْتِفاعِ مَكانِها. وهو المَطَرُ الصَّغِيرُ القَطْرِ، والمَعْنى أنَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لا تَضِيعُ بِحالٍ وإنْ كانَتْ تَتَفاوَتُ بِاعْتِبارِ ما يَنْضَمُّ إلَيْها مِن أحْوالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّمْثِيلُ لِحالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِالجَنَّةِ عَلى الرَّبْوَةِ ونَفَقاتِهِمُ الكَثِيرَةِ والقَلِيلَةِ الزّائِدَتَيْنِ في زُلْفاهم بِالوابِلِ والطَّلِّ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَحْذِيرٌ عَنِ الرِّئاءِ وتَرْغِيبٌ في الإخْلاصِ.
2:266Page 45
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦
Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak [i.e., immature] offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allāh make clear to you [His] verses that you might give thought.
﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ. ﴿أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ جَعَلَ الجَنَّةَ مِنهُما مَعَ ما فِيها مِن سائِرِ الأشْجارِ تَغْلِيبًا لَهُما لِشَرَفِهِما وكَثْرَةِ مَنافِعِهِما، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ لِيَدُلَّ عَلى احْتِوائِها عَلى سائِرِ أنْواعِ الأشْجارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالثَّمَراتِ المَنافِعَ. ﴿وَأصابَهُ الكِبَرُ﴾ أيْ كِبَرُ السِّنِّ، فَإنَّ الفاقَةَ والعالَةَ في الشَّيْخُوخَةِ أصْعَبُ، والواوُ لِلْحالِ أوْ لِلْعَطْفِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيَوَدُّ أحَدُكم لَوْ كانَتْ لَهُ جَنَّةٌ وأصابَهُ الكِبَرُ. ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ صِغارٌ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الكَسْبِ. ﴿فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى أصابَهُ، أوْ تَكُونُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.
والإعْصارُ رِيحٌ عاصِفَةٌ تَنْعَكِسُ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ مُسْتَدِيرَةٌ كَعَمُودٍ، والمَعْنى تَمْثِيلُ حالِ مَن يَفْعَلُ الأفْعالَ الحَسَنَةَ ويَضُمُّ إلَيْها ما يُحْبِطُها كَرِياءٍ وإيذاءٍ في الحَسْرَةِ والأسَفِ، فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ واشْتَدَّتْ حاجَتُهُ إلَيْها وجَدَها مُحْبَطَةً بِحالِ مَن هَذا شَأْنُهُ، وأشْبَهَهم بِهِ مَن جالَ بِسِرِّهِ في عالَمِ المَلَكُوتِ، وتَرَقّى بِفِكْرِهِ إلى جَنابِ الجَبَرُوتِ، ثُمَّ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ إلى عالَمِ الزُّورِ والتَفَتَ إلى ما سِوى الحَقِّ وجَعَلَ سَعْيَهُ هَباءَ مَنثُورًا. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ تَتَفَكَّرُونَ فِيها فَتَعْتَبِرُونَ بِها.
2:267Page 45
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧
O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allāh is Free of need and Praiseworthy.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ مِن حَلالِهِ أوْ جِيادِهِ. ﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ ومِن طَيِّباتِ ما أخْرَجْنا لَكم مِنَ الحُبُوبِ والثَّمَراتِ والمَعادِنِ، فَحُذِفَ المُضافُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ. ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ أيْ ولا تَقْصِدُوا الرَّدِيءَ مِنهُ أيْ مِنَ المالِ، أوْ مِمّا أخْرَجْنا لَكم. وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيهِ أكْثَرُ، وقُرِئَ « ولا تُؤَمَّمُوا» « ولا تُيَمِّمُوا» بِضَمِّ التّاءِ. ﴿تُنْفِقُونَ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ تَيَمَّمُوا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مِنهُ ويَكُونُ الضَّمِيرُ لِلْخَبِيثِ والجُمْلَةُ حالًا مِنهُ. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أيْ وحالُكم أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ في حُقُوقِكم لِرَداءَتِهِ. ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ إلّا أنْ تَتَسامَحُوا فِيهِ، مَجازٌ مِن أغْمَضَ بَصَرَهُ إذا غَضَّهُ. وقُرِئَ (p-160)« ﴿تُغْمِضُوا﴾» أيْ تَحْمِلُوا عَلى الإغْماضِ، أوْ تُوجِدُوا مُغْمِضِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِحَشَفِ التَّمْرِ وشِرارِهِ فَنُهُوا عَنْهُ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ إنْفاقِكُمْ، وإنَّما يَأْمُرُكم بِهِ لِانْتِفاعِكم. ﴿حَمِيدٌ﴾ بِقَبُولِهِ وإثابَتِهِ.
2:268Page 45
ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨
Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ في الإنْفاقِ، والوَعْدُ في الأصْلِ شائِعٌ في الخَيْرِ والشَّرِّ. وقُرِئَ الفَقْرُ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ وبِضَمَّتَيْنِ وفَتْحَتَيْنِ. ﴿وَيَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ، والعَرَبُ تُسَمِّي البَخِيلَ فاحِشًا.
وَقِيلَ المَعاصِي ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ أيْ يَعِدُكم في الإنْفاقِ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِكم. ﴿وَفَضْلا﴾ خَلَفًا أفْضَلَ مِمّا أنْفَقْتُمْ في الدُّنْيا، أوْ في الآخِرَةِ. ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ أيْ واسِعُ الفَضْلِ لِمَن أنْفَقَ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِإنْفاقِهِ.
2:269Page 45
يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٦٩
He gives wisdom1 to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.
﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ تَحْقِيقَ العِلْمِ وإتْقانَ العِلْمِ. ﴿مَن يَشاءُ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ أُخِّرَ لِلِاهْتِمامِ بِالمَفْعُولِ الثّانِي ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾ بِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ. وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالكَسْرِ أيْ ومَن يُؤْتِهِ اللَّهُ الحِكْمَةَ. ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أيْ: أيُّ خَيْرٍ كَثِيرٍ؟ إذْ حِيزَ لَهُ خَيْرُ الدّارَيْنِ. ﴿وَما يَذَّكَّرُ﴾ وما يَتَّعِظُ بِما قُصَّ مِنَ الآياتِ، أوْ ما يَتَفَكَّرُ، فَإنَّ المُتَفَكِّرَ كالمُتَذَكِّرِ لِما أوْدَعَ اللَّهُ في قَلْبِهِ مِنَ العُلُومِ بِالقُوَّةِ. ﴿إلا أُولُو الألْبابِ﴾ ذَوُو العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبَ الوَهْمِ والرُّكُونِ إلى مُتابَعَةِ الهَوى.
2:270–272Page 46
وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ ٢٧٠
And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allāh knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.
إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٧١
If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.
۞ لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٢
Not upon you, [O Muḥammad], is [responsibility for] their guidance, but Allāh guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the face [i.e., approval] of Allāh. And whatever you spend of good1 - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.
﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ قَلِيلَةٍ أوْ كَثِيرَةٍ، سِرًّا أوْ عَلانِيَةً، في حَقٍّ أوْ باطِلٍ. ﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ بِشَرْطٍ أوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ، في طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في المَعاصِي ويُنْذِرُونَ فِيها، أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقاتِ ولا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ. ﴿مِن أنْصارٍ﴾ مَن يَنْصُرُهم مِنَ اللَّهِ ويَمْنَعُهم مِن عِقابِهِ.
﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وقالُونَ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ، ورُوِيَ عَنْهم بِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وهو أقِيسُ. ﴿وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ أيْ تُعْطُوها مَعَ الإخْفاءِ. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكُمْ، وهَذا في التَّطَوُّعِ ولِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ فَإنَّ إبْداءَ الفَرْضِ لِغَيْرِهِ أفْضَلُ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْهُ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما « (صَدَقَةُ السِّرِّ في التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها سَبْعِينَ ضِعْفًا، وصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتُها أفْضَلُ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا) .» ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ بِالياءِ أيْ واللَّهُ يُكَفِّرُ أوِ الإخْفاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ ويَعْقُوبَ بِالنُّونِ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ أوِ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ أيْ: ونَحْنُ نَكَفِّرُ. وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ مَجْزُومًا عَلى مَحَلِّ الفاءِ وما بَعْدَهُ. وقُرِئَ بِالتّاءِ مَرْفُوعًا ومَجْزُومًا والفِعْلُ لِلصَّدَقاتِ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَرْغِيبٌ في الإسْرارِ. (p-161)﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَ النّاسَ مَهْدِيِّينَ، وإنَّما عَلَيْكَ الإرْشادُ والحَثُّ عَلى المَحاسِنِ، والنَّهْيُ عَنِ المَقابِحِ كالمَنِّ والأذى وإنْفاقِ الخَبِيثِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ صَرِيحٌ بِأنَّ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِمَشِيئَتِهِ، وإنَّها تُخَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ مِن نَفَقَةٍ مَعْرُوفَةٍ. ﴿فَلأنْفُسِكُمْ﴾ فَهو لِأنْفُسِكم لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُكم فَلا تُمَنُّوا عَلَيْهِ ولا تُنْفِقُوا الخَبِيثَ. ﴿وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ حالٌ، وكَأنَّهُ قالَ وما تُنْفِقُونَ مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكم غَيْرَ مُنْفِقِينَ إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ وطَلَبِ ثَوابِهِ. أوْ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ ولَيْسَتْ نَفَقَتُكم إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِهِ فَما بالُكم تَمُنُّونَ بِها وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ. وقِيلَ: نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ ثَوابُهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً، فَهو تَأْكِيدٌ لِلشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ، أوْ ما يُخْلَفُ لِلْمُنْفِقِ اسْتِجابَةً لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِمُنْفِقٍ خَلَفًا، ولِمُمْسِكٍ تَلَفًا»
رُوِيَ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَتْ لَهم أصْهارٌ ورِضاعٌ في اليَهُودِ، وكانُوا يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ، فَكَرِهُوا لَمّا أسْلَمُوا أنْ يَنْفَعُوهم فَنَزَلَتْ. وهَذا في غَيْرِ الواجِبِ أمّا الواجِبُ فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الكُفّارِ. ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا تُنْقَصُونَ ثَوابَ نَفَقاتِكم.
2:273Page 46
لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣
[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allāh, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allāh is Knowing of it.
﴿لِلْفُقَراءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ اعْمَدُوا لِلْفُقَراءِ، أوِ اجْعَلُوا ما تُنْفِقُونَهُ لِلْفُقَراءِ، أوْ صَدَقاتُكم لِلْفُقَراءِ.
﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أحْصَرَهُمُ الجِهادُ. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لِاشْتِغالِهِمْ بِهِ. ﴿ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ ذَهابًا فِيها لِلْكَسْبِ. وقِيلَ هم أهْلُ الصُّفَّةِ كانُوا نَحْوًا مِن أرْبَعِمِائَةٍ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ يَسْكُنُونَ صُفَّةِ المَسْجِدِ يَسْتَغْرِقُونَ أوْقاتَهم بِالتَّعَلُّمِ والعِبادَةِ، وكانُوا يَخْرُجُونَ في كُلِّ سَرِيَّةٍ بَعَثَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ﴾ بِحالِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِفَتْحِ السِّينِ. ﴿أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ مِن أجْلِ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ السُّؤالِ، ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ مِنَ الضَّعْفِ ورَثاثَةِ الحالِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ إلْحاحًا، وهو أنْ يُلازِمَ المَسْؤُولَ حَتّى يُعْطِيَهُ، مِن قَوْلِهِمْ لَحَفَنِي مِن فَضْلِ لِحافِهِ، أيْ أعْطانِي مِن فَضْلِ ما عِنْدَهُ، والمَعْنى أنَّهم لا يَسْألُونَ وإنْ سَألُوا عَنْ ضَرُورَةٍ لَمْ يُلِحُّوا. وقِيلَ: هو نَفْيٌ لِلْأمْرَيْنِ كَقَوْلِهِ:
؎ عَلى لاحِبٍ يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
وَنَصَبَهُ عَلى المَصْدَرِ فَإنَّهُ كَنَوْعٍ مِنَ السُّؤالِ، أوْ عَلى الحالِ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ تَرْغِيبٌ في الإنْفاقِ وخُصُوصًا عَلى هَؤُلاءِ.
2:274Page 46
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٤
Those who spend their wealth [in Allāh's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ أيْ يَعُمُّونَ الأوْقاتَ والأحْوالَ بِالخَيْرِ. نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، تَصَدَّقَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ عَشَرَةٍ بِاللَّيْلِ وعَشَرَةٍ بِالنَّهارِ، وعَشَرَةٍ بِالسِّرِّ وعَشَرَةٍ بِالعَلانِيَةِ.
وَقِيلَ في أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَمْ يَمْلِكْ إلّا أرْبَعَةَ دَراهِمَ فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا ودِرْهَمٍ نَهارًا، ودِرْهَمٍ سِرًّا ودِرْهَمٍ عَلانِيَةً.
وَقِيلَ: في رَبْطِ الخَيْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ والإنْفاقِ عَلَيْها. ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ خَبَرُ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ ومِنهُمُ الَّذِينَ ولِذَلِكَ جَوَّزَ الوَقْفَ عَلى ﴿وَعَلانِيَةً﴾ .
2:275Page 47
ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥
Those who consume interest1 cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allāh has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allāh. But whoever returns [to dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.
(p-162)﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ أيِ الآخِذُونَ لَهُ، وإنَّما ذَكَرَ الأكْلَ لِأنَّهُ أعْظَمُ مَنافِعِ المالِ، ولِأنَّ الرِّبا شائِعٌ في المَطْعُوماتِ وهو زِيادَةٌ في الأجَلِ، بِأنْ يُباعَ مَطْعُومٌ بِمَطْعُومٍ، أوْ نَقْدٌ بِنَقْدٍ إلى أجَلٍ، أوْ في العِوَضِ بِأنْ يُباعَ أحَدُهُما بِأكْثَرَ مِنهُ مِن جِنْسِهِ، وإنَّما كُتِبَ بِالواوِ كالصَّلاةِ لِلتَّفْخِيمِ عَلى لُغَةٍ وزِيدَتِ الألِفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ. ﴿لا يَقُومُونَ﴾ إذا بُعِثُوا مِن قُبُورِهِمْ. ﴿إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ إلّا قِيامًا كَقِيامِ المَصْرُوعِ، وهو وارِدٌ عَلى ما يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُ الإنْسانَ فَيُصْرَعُ، والخَبْطُ ضَرْبٌ عَلى غَيْرِ اتِّساقٍ كَخَبْطِ العَشْواءِ.
﴿مِنَ المَسِّ﴾ أيِ الجُنُونِ، وهَذا أيْضًا مِن زَعَماتِهِمْ أنَّ الجِنِّيَّ يَمَسُّهُ فَيَخْتَلِطُ عَقْلُهُ ولِذَلِكَ قِيلَ: جُنَّ الرَّجُلُ.
وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿لا يَقُومُونَ﴾ أيْ لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ بِسَبَبِ أكْلِ الرِّبا، أوْ بِيَقُومُ أوْ بِيَتَخَبَّطُ فَيَكُونُ نُهُوضُهم وسُقُوطُهم كالمَصْرُوعِينَ لا لِاخْتِلالِ عُقُولِهِمْ ولَكِنْ لِأنَّ اللَّهَ أرْبى في بُطُونِهِمْ ما أكَلُوهُ مِنَ الرِّبا فَأثْقَلَهم. ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أيْ ذَلِكَ العِقابُ بِسَبَبِ أنَّهم نَظَّمُوا الرِّبا والبَيْعَ في سِلْكٍ واحِدٍ لِإفْضائِهِما إلى الرِّبْحِ فاسْتَحَلُّوهُ اسْتِحْلالَهُ. وكانَ الأصْلُ إنَّما الرِّبا مِثْلُ البَيْعِ ولَكِنْ عُكِسَ لِلْمُبالَغَةِ، كَأنَّهم جَعَلُوا الرِّبا أصْلًا وقاسُوا بِهِ البَيْعَ، والفَرْقُ بَيْنَ فَإنَّ مَن أعْطى دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ ضَيَّعَ دِرْهَمًا، ومَنِ اشْتَرى سِلْعَةً تُساوِي دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَلَعَلَّ مِساسَ الحاجَةِ إلَيْها، أوْ تَوَقُّعَ رَواجِها يُجْبِرُ هَذا الغَبْنَ. ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ إنْكارٌ لِتَسْوِيَتِهِمْ، وإبْطالُ القِياسِ بِمُعارَضَةِ النَّصِّ. ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ فَمَن بَلَغَهُ وعْظٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وزَجْرٌ كالنَّهْيِ عَنِ الرِّبا. ﴿فانْتَهى﴾ فاتَّعَظَ وتَبِعَ النَّهْيَ. ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ تَقَدَّمَ أخْذُهُ التَّحْرِيمَ ولا يُسْتَرَدُّ مِنهُ، وما في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالظَّرْفِ إنْ جُعِلَتْ مَن مَوْصُولَةً، وبِالِابْتِداءِ إنْ جُعِلَتْ شُرْطِيَّةً عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ إذِ الظَّرْفُ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ عَلى ما قَبْلَهُ. وأمْرُهُ إلى اللَّهِ يُجازِيهِ عَلى انْتِهائِهِ إنْ كانَ مِن قَبُولِ المَوْعِظَةِ وصِدْقِ النِّيَّةِ.
وَقِيلَ يَحْكُمُ في شَأْنِهِ ولا اعْتِراضَ لَكم عَلَيْهِ. ﴿وَمَن عادَ﴾ إلى تَحْلِيلِ الرِّبا، إذِ الكَلامُ فِيهِ. ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ.
2:276Page 47
يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦
Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ يَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ ويُهْلِكُ المالَ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ. ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ يُضاعِفُ ثَوابَها ويُبارِكُ فِيما أُخْرِجَتْ مِنهُ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ ويُرَبِّيها كَما يُرَبِّي أحَدُكم مُهْرَهُ» .
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ما نَقَصَتْ زَكاةٌ مِن مالٍ قَطُّ» . ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ﴾ لا يَرْضى ولا يُحِبُّ مَحَبَّتَهُ لِلتَّوّابِينَ. ﴿كُلَّ كَفّارٍ﴾ مُصِرٍّ عَلى تَحْلِيلِ المُحَرَّماتِ. ﴿أثِيمٍ﴾ مُنْهَمِكٍ في ارْتِكابِهِ.
2:277Page 47
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧
Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وبِما جاءَهم مِنهُ. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ عَطْفَهُما عَلى ما يَعُمُّهُما لِإنافَتِهِما عَلى سائِرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن آتٍ. ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى فائِتٍ.
2:278–279Page 47
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨
O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.
فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩
And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.
(p-163)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ واتْرُكُوا بَقايا ما شَرَطْتُمْ عَلى النّاسِ مِنَ الرِّبا. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِقُلُوبِكم فَإنَّ دَلِيلَهُ امْتِثالُ ما أمَرْتُمْ بِهِ.
رُوِيَ: أنَّهُ كانَ لِثَقِيفٍ مالٌ عَلى بَعْضِ قُرَيْشٍ، فَطالَبُوهم عِنْدَ المَحَلِّ بِالمالِ والرِّبا. فَنَزَلَتْ.
﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ فاعْلَمُوا بِها، مِن أذِنَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَ بِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ « فَآذِنُوا» أيْ فاعْلِمُوا بِها غَيْرَكُمْ، مِنَ الأذَنِ وهو الِاسْتِماعُ فَإنَّهُ مِن طُرُقِ العِلْمِ، وتَنْكِيرُ حَرْبٍ لِلتَّعْظِيمِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُقاتِلَ المُرَبِّي بَعْدَ الِاسْتِتابَةِ حَتّى يَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، كالباغِي ولا يَقْتَضِي كُفْرَهُ. رُوِيَ: أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ ثَقِيفٌ لا يَدِي لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. ﴿إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ مِنَ الِارْتِباءِ واعْتِقادِ حِلِّهِ. ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ﴾ بِأخْذِ الزِّيادَةِ. ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ بِالمَطْلِ والنُّقْصانِ، ويَفْهَمُ مِنهُ أنَّهم إنْ لَمْ يَتُوبُوا فَلَيْسَ لَهم رَأْسُ مالِهِمْ وهو سَدِيدٌ عَلى ما قُلْناهُ، إذِ المُصِرُّ عَلى التَّحْلِيلِ مُرْتَدٌّ ومالُهٌ فَيْءٌ:
2:280Page 47
وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠
And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.
﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ وإنْ وقَعَ غَرِيمٌ ذُو عُسْرَةٍ. وقُرِئَ « ذا عُسْرَةٍ» أيْ وإنْ كانَ الغَرِيمُ ذا عُسْرَةٍ.
﴿فَنَظِرَةٌ﴾ فالحُكْمُ نَظِرَةٌ، أوْ فَعَلَيْكم نَظِرَةٌ، أوْ فَلْيَكُنْ نَظِرَةٌ وهي الإنْظارُ. وقُرِئَ « فَناظِرُهُ» عَلى الخَبَرِ أيْ فالمُسْتَحَقُّ ناظِرُهُ بِمَعْنى مُنْتَظِرِهِ، أوْ صاحِبِ نَظْرَتِهِ عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ وفَناظِرْهُ عَلى الأمْرِ أيْ فَسامِحْهُ بِالنَّظْرَةِ.
﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ يَسارٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ بِضَمِّ السِّينِ، وهُما لُغَتانِ كَمَشْرَقَةٍ ومَشْرُقَةٍ. وقُرِئَ بِهِما مُضافَيْنِ بِحَذْفِ التّاءِ عِنْدَ الإضافَةِ كَقَوْلِهِ: وأخْلَفُوكَ وعْدَ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا. ﴿وَأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِالإبْراءِ. وقَرَأ عاصِمٌ بِتَخْفِيفِ الصّادِ. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أكْثَرُ ثَوابًا مِنَ الإنْظارِ، أوْ خَيْرٌ مِمّا تَأْخُذُونَ لِمُضاعَفَةِ ثَوابِهِ ودَوامِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّصَدُّقِ الإنْظارُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، «لا يَحِلُّ دَيْنُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيُؤَخِّرُهُ إلّا كانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ» ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما فِيهِ مِنَ الذِّكْرِ الجَمِيلِ الجَزِيلِ.
2:281Page 47
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٨١
And fear a Day when you will be returned to Allāh. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].
﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يَوْمَ المَوْتِ فَتَأهَّبُوا لِمَصِيرِكم إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ وتَضْعِيفِ عِقابٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (أنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ ضَعْها في رَأْسِ المِائَتَيْنِ والثَّمانِينَ مِنَ البَقَرَةِ وعاشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَها أحَدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا وقِيلَ أحَدًا وثَمانِينَ يَوْمًا. وقِيلَ سَبْعَةَ أيّامٍ وقِيلَ ثَلاثَةَ ساعاتٍ) .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences