Al-BaydawiAl‑Baqarah · 2:3–6

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:3–6

2:3Page 2

ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣

Who believe in the unseen, establish prayer,1 and spend out of what We2 have provided for them,

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ إمّا مَوْصُولٌ بِالمُتَّقِينَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مَجْرُورَةٌ مُقَيِّدَةٌ لَهُ إنْ فُسِّرَ التَّقْوى بِتَرْكِ ما لا يَنْبَغِي مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ تَرْتِيبَ التَّحْلِيَةِ عَلى التَّخْلِيَةِ، والتَّصْوِيرِ عَلى التَّصْقِيلِ. أوْ مُوَضِّحَةٌ إنْ فُسِّرَ بِما يَعُمُّ فِعْلَ الحَسَناتِ وتَرْكَ السَّيِّئاتِ لِاشْتِمالِهِ عَلى ما هو أصْلُ الأعْمالِ وأساسُ الحَسَناتِ مِنَ الإيمانِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، فَإنَّها أُمَّهاتُ الأعْمالِ النَّفْسانِيَّةِ والعِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِسائِرِ الطّاعاتِ والتَّجَنُّبِ عَنِ المَعاصِي غالِبًا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ . وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الصَّلاةُ عِمادُ الدِّينِ، والزَّكاةُ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ» . أوْ مَسُوقَةٌ لِلْمَدْحِ بِما تَضَمَّنَهُ المُتَّقِينَ. وتَخْصِيصُ الإيمانِ بِالغَيْبِ وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ بِالذِّكْرِ إظْهارٌ لِفَضْلِها عَلى سائِرِ ما يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ التَّقْوى. أوْ عَلى أنَّهُ مَدْحٌ مَنصُوبٌ، أوْ مَرْفُوعٌ بِتَقْدِيرٍ أعْنِي أوْ هُمُ الَّذِينَ. وإمّا مَفْصُولٌ عَنْهُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ أُولَئِكَ عَلى هُدًى، فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى المُتَّقِينَ تامًّا.

والإيمانُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ مَأْخُوذٌ مِنَ الأمْنِ، كَأنَّ المُصَدِّقَ أمِنَ المُصَدَّقَ مِنَ التَّكْذِيبِ والمُخالَفَةِ، وتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاعْتِرافِ وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى الوُثُوقِ مِن حَيْثُ إنَّ الواثِقَ بِالشَّيْءِ صارَ ذا أمْنٍ مِنهُ، ومِنهُ ما أمِنتُ أنْ أجِدَ صَحابَةً وكِلا الوَجْهَيْنِ حَسَنٌ في يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ.

وَأمّا في الشَّرْعِ: فالتَّصْدِيقُ بِما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ كالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ والجَزاءِ، ومَجْمُوعُ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: اعْتِقادُ الحَقِّ، والإقْرارُ بِهِ، والعَمَلُ بِمُقْتَضاهُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُحَدِّثِينَ والمُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ.

فَمَن أخَلَّ بِالِاعْتِقادِ وحْدَهُ فَهو مُنافِقٌ، ومَن أخَلَّ بِالإقْرارِ فَكافِرٌ، ومَن أخَلَّ بِالعَمَلِ فَفاسِقٌ وِفاقًا، وكافِرٌ عِنْدَ الخَوارِجِ، وخارِجٌ عَنِ الإيمانِ غَيْرُ داخِلٍ في الكُفْرِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ التَّصْدِيقُ وحْدَهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أضافَ الإيمانَ إلى القَلْبِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾، ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾، (p-38)﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾، ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾، وعُطِفَ عَلَيْهِ العَمَلُ الصّالِحُ في مَواضِعَ لا تُحْصى وقَرَنَهُ بِالمَعاصِي فَقالَ تَعالى: ﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ مَعَ ما فِيهِ مِن قِلَّةِ التَّغْيِيرِ فَإنَّهُ أقْرَبُ إلى الأصْلِ وهو مُتَعَيِّنُ الإرادَةِ في الآيَةِ، إذِ المُعَدّى بِالباءِ هو التَّصْدِيقُ وِفاقًا. ثُمَّ اخْتُلِفَ في أنَّ مُجَرَّدَ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ هَلْ هو كافٍ لِأنَّهُ المَقْصُودُ أمْ لا بُدَّ مِنِ انْضِمامِ الإقْرارِ بِهِ لِلْمُتَمَكِّنِ مِنهُ، ولَعَلَّ الحَقَّ هو الثّانِي لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ المُعانِدَ أكْثَرَ مِن ذَمِّ الجاهِلِ المُقَصِّرِ، ولِلْمانِعِ أنْ يَجْعَلَ الذَّمَّ لِلْإنْكارِ لا لِعَدَمِ الإقْرارِ لِلْمُتَمَكِّنِ مِنهُ.

والغَيْبُ مَصْدَرٌ، وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ كالشَّهادَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ والعَرَبُ تُسَمِّي المُطْمَئِنَّ مِنَ الأرْضِ والخَمْصَةَ الَّتِي تَلِي الكُلْيَةَ غَيْبًا، أوْ فَيْعَلَ خُفِّفَ كَقِيلَ، والمُرادُ بِهِ الخَفِيَّ الَّذِي لا يُدْرِكُهُ الحِسُّ ولا تَقْتَضِيهِ بَدِيهَةُ العَقْلِ، وهو قِسْمانِ: قِسْمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾ وقِسْمٌ نُصِبَ مُوَقَّعٌ عَلَيْهِ دَلِيلٌ: كالصّانِعِ وصِفاتِهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأحْوالِهِ وهو المُرادُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، هَذا إذا جَعَلْتَهُ صِلَةً لِلْإيمانِ وأوْقَعْتَهُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ بِهِ. وإنْ جَعَلْتُهُ حالًا عَلى تَقْدِيرِ مُلْتَبِسِينَ بِالغَيْبِ كانَ بِمَعْنى الغَيْبَةِ والخَفاءِ. والمَعْنى أنَّهم يُؤْمِنُونَ غائِبِينَ عَنْكم لا كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ إذا ﴿لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ . أوْ عَنِ المُؤْمِنِ بِهِ لِما رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: والَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ ما آمَنَ أحَدٌ أفْضَلُ مِن إيمانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

وَقِيلَ المُرادُ بِالغَيْبِ: القَلْبُ لِأنَّهُ مَسْتُورٌ، والمَعْنى يُؤْمِنُونَ بِقُلُوبِهِمْ لا كَمَن يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ. فالباءُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعْدِيَةِ. وعَلى الثّانِي لِلْمُصاحَبَةِ. وعَلى الثّالِثِ لِلْآلَةِ.

﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أيْ يَعْدِلُونَ أرْكانَها ويَحْفَظُونَها مِن أنْ يَقَعَ زَيْغٌ في أفْعالِها، مَن أقامَ العَوْدَ إذا قَوَّمَهُ أوْ يُواظِبُونَ عَلَيْها، مِن قامَتِ السُّوقُ إذا نَفَقَتْ وأقَمْتُها إذا جَعَلْتَها نافِقَةً قالَ:

؎ أقامَتْ غَزالَةٌ سُوقَ الضِّرابِ... لِأهْلِ العِراقَيْنِ حَوْلًا قَمِيطا

فَإنَّهُ إذا حُوفِظَ عَلَيْها كانَتْ كالنّافِقِ الَّذِي يُرْغَبُ فِيهِ، وإذا ضُيِّعَتْ كانَتْ كالكاسِدِ المَرْغُوبِ عَنْهُ، أوْ يُتَشَمِّرُونَ لِأدائِها مِن غَيْرِ فُتُورٍ ولا تَوانٍ، مِن قَوْلِهِمْ قامَ بِالأمْرِ وأقامَهُ إذا جَدَّ فِيهِ وتَجَلَّدَ، وضِدُّهُ قَعَدَ عَنِ الأمْرِ، وتَقاعَدَ. أوْ يُؤَدُّونَها. عَبَّرَ عَنِ الأداءِ بِالإقامَةِ لِاشْتِمالِها عَلى القِيامِ، كَما عَبَّرَ عَنْها بِالقُنُوتِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ والتَّسْبِيحِ. والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ أشْهَرُ وإلى الحَقِيقَةِ أقْرَبُ، وأفْيَدُ لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ الحَقِيقَ بِالمَدْحِ مَن راعى حُدُودَها الظّاهِرَةَ مِنَ الفَرائِضِ والسُّنَنِ، وحُقُوقَها الباطِنَةِ مِنَ الخُشُوعِ والإقْبالِ بِقَلْبِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، لا المُصَلُّونَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ في سِياقِ المَدْحَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وفي مَعْرِضِ الذَّمِّ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، والصَّلاةُ فَعْلَةٌ مِن صَلّى إذا دَعا كالزَّكاةِ مِن زَكّى، كَتَبْتا بِالواوِ عَلى لَفْظِ المُفَخَّمِ، وإنَّما سُمِّيَ الفِعْلُ المَخْصُوصُ بِها لِاشْتِمالِهِ عَلى الدُّعاءِ.

وَقِيلَ: أصْلُ صَلّى حَرَّكَ الصَّلَوَيْنِ لِأنَّ المُصَلِّيَ يَفْعَلُهُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ، واشْتِهارُ هَذا اللَّفْظِ في المَعْنى الثّانِي مَعَ عَدَمِ اشْتِهارِهِ في الأوَّلِ لا يَقْدَحُ في نَقْلِهِ عَنْهُ، وإنَّما سُمِّي الدّاعِي مُصَلِّيًا تَشْبِيهًا لَهُ في تَخَشُّعِهِ بِالرّاكِعِ السّاجِدِ.

﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ الرِّزْقُ في اللُّغَةِ: الحَظُّ قالَ تَعالى: وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ. والعُرْفُ خَصَّصَهُ بِتَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالحَيَوانِ لِلِانْتِفاعِ بِهِ وتَمْكِينِهِ مِنهُ.

وَأمّا المُعْتَزِلَةُ لَمّا اسْتَحالُوا عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُمَكِّنَ مِنَ الحَرامِ لِأنَّهُ مَنَعَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ وأمَرَ بِالزَّجْرِ عَنْهُ، قالُوا: الحَرامُ لَيْسَ بِرِزْقٍ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى أسْنَدَ الرِّزْقَ هاهُنا إلى نَفْسِهِ إيذانًا بِأنَّهم يُنْفِقُونَ الحَلالَ المُطْلَقَ.

فَإنَّ إنْفاقَ الحَرامِ لا يُوجِبُ المَدْحَ، وذَمَّ المُشْرِكِينَ عَلى تَحْرِيمِ بَعْضِ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: (p-39)﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا﴾ . وأصْحابُنا جَعَلُوا الإسْنادَ لِلتَّعْظِيمِ والتَّحْرِيضِ عَلى الإنْفاقِ، والذَّمِّ لِتَحْرِيمِ ما لَمْ يُحَرَّمْ. واخْتِصاصُ ما رَزَقْناهم بِالحَلالِ لِلْقَرِينَةِ. وتَمَسَّكُوا لِشُمُولِ الرِّزْقِ لَهُ بِقَوْلِهِ ﷺ في حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ قُرَّةَ: «لَقَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ طَيِّبًا فاخْتَرْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ مَكانَ ما أحَلَّ اللَّهَ لَكَ مِن حَلالِهِ» . وبِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ رِزْقًا لَمْ يَكُنِ المُتَغَذِّي بِهِ طُولَ عُمْرِهِ مَرْزُوقًا، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ .

وَأنْفَقَ الشَّيْءَ وأنْفَدَهُ أخَوانِ، ولَوِ اسْتَقْرَيْتَ الألْفاظَ وجَدْتَ كُلَّ ما فاؤُهُ نُونٌ وعَيْنُهُ فاءٌ دالًّا عَلى مَعْنى الذَّهابِ والخُرُوجِ، والظّاهِرُ مِن هَذا الإنْفاقِ صَرْفُ المالِ في سَبِيلِ الخَيْرِ مِنَ الفَرْضِ والنَّفْلِ. ومَن فَسَّرَهُ بِالزَّكاةِ ذَكَرَ أفْضَلَ أنْواعِهِ والأصْلَ فِيهِ، أوْ خَصَّصَهُ بِها لِاقْتِرانِهِ بِما هو شَقِيقُها. وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ولِلْمُحافَظَةِ عَلى رُؤُوسِ الآيِ، وإدْخالُ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ عَلَيْهِ لِمَنعِ المُكَلَّفِ عَنِ الإسْرافِ المَنهِيِّ عَنْهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الإنْفاقُ مِن جَمِيعِ المَعاوِنِ الَّتِي أتاهُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ عِلْمًا لا يُقالُ بِهِ، كَكَنْزٍ لا يُنْفَقُ مِنهُ» . وإلَيْهِ ذَهَبَ مَن قالَ: ومِمّا خَصَصْناهم بِهِ مِن أنْوارِ المَعْرِفَةِ يُفِيضُونَ.

2:4Page 2

وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤

And who believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you, and of the Hereafter they are certain [in faith].

﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأضْرابِهِ، مَعْطُوفُونَ عَلى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾، داخِلُونَ مَعَهم في جُمْلَةِ المُتَّقِينَ دُخُولَ أخَصَّيْنِ تَحْتَ أعَمَّ، إذِ المُرادُ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ شِرْكٍ وإنْكارٍ، وبِهَؤُلاءِ مُقابِلُوهم فَكانَتِ الآيَتانِ تَفْصِيلًا لِلْمُتَّقِينَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. أوْ عَلى المُتَّقِينَ وكَأنَّهُ قالَ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَنِ الشِّرْكِ، والَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ المِلَلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الأوَّلُونَ بِأعْيانِهِمْ، ووُسِّطَ العاطِفُ كَما وُسِّطَ في قَوْلِهِ:

؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ... ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ

وَقَوْلِهِ:

؎ يا لَهْفَ ذُؤابَةَ لِلْحارِثِ الصَّ... ∗∗∗ ائِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ

عَلى مَعْنى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِما يُدْرِكُهُ العَقْلُ جُمْلَةً والإتْيانُ بِما يُصَدِّقُهُ مِنَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ وبَيْنَ الإيمانِ بِما لا طَرِيقَ إلَيْهِ عَبْرَ السَّمْعِ. وكَرَّرَ المَوْصُولَ تَنْبِيهًا عَلى تَغايُرِ القَبِيلَيْنِ وتَبايُنِ السَّبِيلَيْنِ.

أوْ طائِفَةٌ مِنهم وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، ذَكَرَهم مُخَصَّصِينَ عَنِ الجُمْلَةِ كَذِكْرِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بَعْدَ المَلائِكَةِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وتَرْغِيبًا لِأمْثالِهِمْ.

والإنْزالُ نَقْلُ الشَّيْءِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ وهو إنَّما يُلْحِقُ المَعانِيَ بِتَوَسُّطِ لُحُوقِهِ الذَّواتِ الحامِلَةَ لَها، ولَعَلَّ نُزُولَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى الرُّسُلِ بِأنْ يَلْتَقِفَهُ المَلَكُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَلَقُّفًا رَوْحانِيًّا، أوْ يَحْفَظَهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَيَنْزِلَ بِهِ فَيُبَلِّغَهُ إلى الرَّسُولِ. والمُرادُ ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ القُرْآنُ بِأسْرِهِ والشَّرِيعَةُ عَنْ آخِرِها، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي وإنْ كانَ بَعْضُهُ مُتَرَقَّبًا تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلى ما لَمْ يُوجَدْ. أوْ تَنْزِيلًا لِلْمُنْتَظَرِ مَنزِلَةَ الواقِعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ . فَإنَّ الجِنَّ لَمْ يَسْمَعُوا جَمِيعَهُ ولَمْ يَكُنِ الكِتابُ كُلُّهُ مُنَزَّلًا حِينَئِذٍ. وبِما ﴿أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ الكُتُبِ السّابِقَةِ، والإيمانُ بِها جُمْلَةً فَرْضُ عَيْنٍ، وبِالأوَّلِ دُونَ الثّانِي تَفْصِيلًا مِن حَيْثُ إنّا مُتَعَبِّدُونَ بِتَفاصِيلِهِ فَرْضٌ، ولَكِنْ عَلى الكِفايَةِ. لِأنَّ وُجُوبَهُ عَلى كُلِّ أحَدٍ يُوجِبُ الحَرَجَ وفَسادَ المَعاشِ.

﴿وَبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ أيْ يُوقِنُونَ إيقانًا زالَ مَعَهُ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا (p-40)أوْ نَصارى، وأنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، واخْتِلافَهم في نَعِيمِ الجَنَّةِ: أهْوَ مِن جِنْسِ نَعِيمِ الدُّنْيا أوْ غَيْرِهِ؟ وفي دَوامِهِ وانْقِطاعِهِ، وفي تَقْدِيمِ الصِّلَةِ وبِناءِ يُوقِنُونَ عَلى هم تَعْرِيضٌ لِمَن عَداهم مِن أهْلِ الكِتابِ، وبِأنَّ اعْتِقادَهم في أمْرِ الآخِرَةِ غَيْرُ مُطابِقٍ ولا صادِرٍ عَنْ إيقانٍ. واليَقِينُ: إتْقانُ العِلْمِ بِنَفْيِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ عَنْهُ نَظَرًا واسْتِدْلالًا، ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ بِهِ عِلْمُ البارِئِ، ولا العُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ. والآخِرَةُ تَأْنِيثُ الآخِرِ، صِفَةُ الدّارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ فَغَلَبَتْ كالدُّنْيا، وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ خَفَّفَها بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وقُرِئَ « يُوقِنُونَ» بِقَلْبِ الواوِ هَمْزَةً لِضَمِّ ما قَبْلَها إجْراءً لَها مَجْرى المَضْمُومَةِ في وُجُوهٍ ووَقَتْتُ ونَظِيرُهُ:

؎ لِحُبِّ المُؤْقِدِ إنْ إلى مُؤْسى... ∗∗∗ وجَعْدَةُ إذْ أضاءَهُما الوَقُودُ

2:5Page 2

أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥

Those are upon [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.

﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ إنْ جُعِلَ أحَدُ المَوْصُولَيْنِ مَفْصُولًا عَنِ المُتَّقِينَ خَبَرٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ لَمّا قِيلَ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قِيلَ ما بالُهم خُصُّوا بِذَلِكَ؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ. وإلّا فاسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَها، فَكَأنَّهُ نَتِيجَةُ الأحْكامِ والصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ. أوْ جَوابُ سائِلٍ قالَ: ما لِلْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ اخْتَصُّوا بِالهُدى؟ ونَظِيرُهُ أحْسَنْتُ إلى زَيْدٍ صَدِيقِكَ القَدِيمِ حَقِيقٍ بِالإحْسانِ، فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ هاهُنا كَإعادَةِ المَوْصُوفِ بِصِفاتِهِ المَذْكُورَةِ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُسْتَأْنَفَ بِإعادَةِ الِاسْمِ وحْدَهُ لِما فِيهِ مِن بَيانِ المُقْتَضى وتَلْخِيصِهِ، فَإنَّ تَرَتُّبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ إيذانٌ بِأنَّهُ المُوجِبُ لَهُ. ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في ﴿عَلى هُدًى﴾ تَمْثِيلُ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهُدى واسْتِقْرارِهِمْ عَلَيْهِ بِحالِ مَنِ اعْتَلى الشَّيْءَ ورَكِبَهُ، وقَدْ صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمُ: امْتَطى الجَهْلَ وغَوى واقْتَعَدَ غارِبَ الهَوى، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِاسْتِفْراغِ الفِكْرِ وإدامَةِ النَّظَرِ فِيما نُصِبَ مِنَ الحُجَجِ والمُواظَبَةِ عَلى مُحاسَبَةِ النَّفْسِ في العَمَلِ. ونُكِّرَ هُدًى لِلتَّعْظِيمِ. فَكَأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ ضَرْبٌ لا يُبالِغُ كُنْهَهُ ولا يُقادِرُ قَدْرَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:

؎ فَلا وأبِي الطَّيْرُ المُرِبَّةُ بِالضُّحى... عَلى خالِدٍ لَقَدْ وقَعْتَ عَلى لَحْمِ

وَأُكِّدَ تَعْظِيمُهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مانِحُهُ والمُوَفِّقُ لَهُ، وقَدْ أُدْغِمَتِ النُّونُ في الرّاءِ بِغُنَّةٍ وبِغَيْرِ غُنَّةٍ.

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ كَرَّرَ فِيهِ اسْمَ الإشارَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اتِّصافَهم بِتِلْكَ الصِّفاتِ يَقْتَضِي كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الأثَرَتَيْنِ وإنَّ كُلًّا مِنهُما كافٍ في تَمْيِيزِهِمْ بِها عَنْ غَيْرِهِمْ، ووَسَّطَ العاطِفَ لِاخْتِلافِ مَفْهُومِ الجُمْلَتَيْنِ هاهُنا بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾، فَإنَّ التَّسْجِيلَ بِالغَفْلَةِ والتَّشْبِيهَ بِالبَهائِمِ شَيْءٌ واحِدٌ فَكانَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُقَرِّرَةً لِلْأُولى فَلا تَناسِبُ العَطْفَ. وهُمْ: فَصْلٌ يَفْصِلُ الخَبَرَ عَنِ الصِّفَةِ ويُؤَكِّدُ النِّسْبَةَ، ويُفِيدُ اخْتِصاصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ، أوْ مُبْتَدَأٌ والمُفْلِحُونَ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ أُولَئِكَ. والمُفْلِحُ بِالحاءِ والجِيمِ: الفائِزُ بِالمَطْلُوبِ، كَأنَّهُ الَّذِي انْفَتَحَتْ لَهُ وُجُوهُ الظَّفَرِ، وهَذا التَّرْكِيبُ وما يُشارِكُهُ في الفاءِ والعَيْنِ نَحْوَ فَلَقَ وفَلَذَ وفَلِيَ يَدُلُّ عَلى الشَّقِّ. والفَتْحُ وتَعْرِيفُ المُفْلِحِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ هُمُ النّاسُ الَّذِينَ بَلَغَكَ أنَّهُمُ المُفْلِحُونَ في الآخِرَةِ. أوِ الإشارَةُ إلى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن حَقِيقَةِ المُفْلِحِينَ وخُصُوصِيّاتِهِمْ.

تَنْبِيهٌ: تَأمَّلْ كَيْفَ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى اخْتِصاصِ المُتَّقِينَ بِنَيْلِ ما لا يَنالُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن وُجُوهٍ شَتّى، وبِناءُ الكَلامِ عَلى اسْمِ الإشارَةِ لِلتَّعْلِيلِ مَعَ الإيجازِ وتَكْرِيرُهُ وتَعْرِيفُ الخَبَرِ وتَوْسِيطُ الفَصْلِ لِإظْهارِ قَدْرِهِمْ والتَّرْغِيبِ في اقْتِفاءِ أثَرِهِمْ، وقَدْ تَشَبَّثَ بِهِ الوَعِيدِيَّةُ في خُلُودِ الفُسّاقِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ في العَذابِ، ورَدَّ بِأنَّ المُرادَ بِالمُفْلِحِينَ الكامِلُونَ في الفَلاحِ، ويَلْزَمُهُ عَدَمُ كَمالِ الفَلاحِ لِمَن لَيْسَ عَلى صِفَتِهِمْ، لا عَدَمُ الفَلاحِ لَهُ رَأْسًا.

2:6Page 3

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٦

Indeed, those who disbelieve1 - it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

(p-41)﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَمّا ذَكَرَ خاصَّةَ عِبادِهِ، وخُلاصَةَ أوْلِيائِهِ بِصِفاتِهِمُ الَّتِي أهَّلَتْهم لِلْهُدى والفَلاحِ، عَقَّبَهم بِأضْدادِهِمُ العُتاةِ المَرَدَةِ، الَّذِينَ لا يَنْفَعُ فِيهِمُ الهُدى ولا تُغْنِي عَنْهُمُ الآياتُ والنُّذُرُ، ولَمْ يَعْطِفْ قِصَّتَهم عَلى قِصَّةِ المُؤْمِنِينَ كَما عَطَفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ لِتَبايُنِهِما في الغَرَضِ، فَإنَّ الأُولى سِيقَتْ لِذِكْرِ الكِتابِ وبَيانِ شَأْنِهِ والأُخْرى مَسُوقَةٌ لِشَرْحِ تَمَرُّدِهِمْ، وانْهِماكِهِمْ في الضَّلالِ، و (إنَّ) مِنَ الحُرُوفِ الَّتِي تُشابِهُ الفِعْلَ في عَدَدِ الحُرُوفِ والبِناءِ عَلى الفَتْحِ ولُزُومِ الأسْماءِ وإعْطاءِ مَعانِيهِ، والمُتَعَدِّي خاصَّةً في دُخُولِها عَلى اسْمَيْنِ. ولِذَلِكَ أعْمَلَتْ عَمَلَهُ الفَرْعِيَّ وهو نَصْبُ الجُزْءِ الأوَّلِ ورَفْعِ الثّانِي إيذانًا بِأنَّهُ فَرْعٌ في العَمَلِ دَخِيلٌ فِيهِ.

وَقالَ الكُوفِيُّونَ: الخَبَرُ قَبْلَ دُخُولِها كانَ مَرْفُوعًا بِالخَبَرِيَّةِ، وهي بَعْدُ باقِيَةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِلرَّفْعِ قَضِيَّةٌ لِلِاسْتِصْحابِ فَلا يَرْفَعُهُ الحَرْفُ. وأُجِيبُ بِأنَّ اقْتِضاءَ الخَبَرِيَّةِ الرَّفْعَ مَشْرُوطٌ بِالتَّجَرُّدِ لِتَخَلُّفِهِ عَنْها في خَبَرِ كانَ، وقَدْ زالَ بِدُخُولِها فَتَعَيَّنَ إعْمالُ الحَرْفِ. وفائِدَتُها تَأْكِيدُ النِّسْبَةِ وتَحْقِيقُها، ولِذَلِكَ يُتَلَقّى بِها القَسَمُ ويَصْدُرُ بِها الأجْوِبَةُ، وتُذْكَرُ في مَعْرِضِ الشَّكِّ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾، ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ المُبَرِّدُ (قَوْلُكَ: عَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ) إخْبارٌ عَنْ قِيامِهِ، وإنَّ عَبْدَ اللَّهِ قائِمٌ، جَوابُ سائِلٍ عَنْ قِيامِهِ، وإنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَقائِمٌ، جَوابُ مُنْكِرٍ لِقِيامِهِ.

وَتَعْرِيفُ المَوْصُولِ: إمّا لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ ناسٌ بِأعْيانِهِمْ كَأبِي لَهَبٍ، وأبِي جَهْلٍ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأحْبارِ اليَهُودِ. أوْ لِلْجِنْسِ، مُتَناوِلًا مَن صَمَّمَ عَلى الكُفْرِ، وغَيْرَهم. فَخَصَّ مِنهم غَيْرَ المُصِرِّينَ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِ. والكُفْرُ لُغَةً: سَتْرُ النِّعْمَةِ، وأصْلُهُ الكَفْرُ بِالفَتْحِ وهو السَّتْرُ، ومِنهُ قِيلَ لِلزّارِعِ ولِلَّيْلِ كافِرٌ، ولِكِمامِ الثَّمَرَةِ كافُورٌ. وفي الشَّرْعِ: إنْكارُ ما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرَّسُولِ ﷺ بِهِ، وإنَّما عُدَّ لُبْسُ الغِيارِ وشَدُّ الزُّنّارِ ونَحْوُهُما كُفْرًا لِأنَّها تَدُلُّ عَلى التَّكْذِيبِ، فَإنَّ مَن صَدَّقَ الرَّسُولَ ﷺ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْها ظاهِرًا لا لِأنَّها كُفْرٌ في أنْفُسِها.

واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِما جاءَ في القُرْآنِ بِلَفْظِ الماضِي عَلى حُدُوثِهِ لِاسْتِدْعائِهِ سابِقَةَ المُخْبِرِ عَنْهُ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ مُقْتَضى التَّعَلُّقِ وحُدُوثُهُ لا يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ الكَلامِ كَما في العِلْمِ.

﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ خَبَرُ إنَّ وسَواءٌ اسْمٌ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ، نُعِتَ بِهِ كَما نُعِتَ بِالمَصادِرِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ رُفِعَ بِأنَّهُ خَبَرُ إنَّ وما بَعْدَهُ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ، أوْ بِأنَّهُ خَبَرٌ لِما بَعْدَهُ بِمَعْنى: إنْذارُكَ وعَدَمُهُ سِيّانِ عَلَيْهِمْ، والفِعْلُ إنَّما يَمْتَنِعُ الإخْبارُ عَنْهُ إذا أُرِيدَ بِهِ تَمامُ ما وُضِعَ لَهُ، أمّا لَوْ أُطْلِقُ وأُرِيدُ بِهِ اللَّفْظُ، أوْ مُطْلَقُ الحَدَثِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ ضِمْنًا عَلى الِاتِّساعِ فَهو كالِاسْمِ في الإضافَةِ والإسْنادِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وقَوْلِهِمْ: تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ.

وَإنَّما عَدَلَ هاهُنا عَنِ المَصْدَرِ إلى الفِعْلِ لِما فِيهِ مِن إيهامِ التَّجَدُّدِ وحُسْنِ دُخُولِ الهَمْزَةِ، وأمْ عَلَيْهِ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الِاسْتِواءِ وتَأْكِيدِهِ، فَإنَّهُما جُرِّدَتا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِواءِ، كَما جُرِّدَتْ حُرُوفُ النِّداءِ عَنِ الطَّلَبِ لِمُجَرَّدِ التَّخْصِيصِ في قَوْلِهِمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ.

والإنْذارُ: التَّخْوِيفُ أُرِيدَ بِهِ التَّخْوِيفُ مِن عَذابِ اللَّهِ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلَيْهِ دُونَ البِشارَةِ لِأنَّهُ أوْقَعُ في القَلْبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ، مِن حَيْثُ إنَّ دَفْعَ الضُّرِّ أهَمُّ مِن جَلْبِ النَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ كانَتِ البِشارَةُ بِعَدَمِ النَّفْعِ أوْلى، وقُرِئَ ﴿أأنْذَرْتَهُمْ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ وتَخْفِيفِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَلْبِها ألِفًا وهو لَحْنٌ لِأنَّ المُتَحَرِّكَةَ لا تُقْلَبُ، ولِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى جَمْعِ السّاكِنَيْنٍ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، وبِتَوْسِيطِ ألِفٍ بَيْنَهُما مُحَقَّقَتَيْنِ، وبِتَوْسِيطِها والثّانِيَةِ بَيْنَ (بَيْنَ) وبِحَذْفِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وبِحَذْفِها وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى السّاكِنِ قَبْلَها.

﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِإجْمالِ ما قَبْلَها فِيما فِيهِ الِاسْتِواءُ فَلا مَحَلَّ لَها أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. أوْ بَدَلٌ عَنْهُ. أوْ خَبَرُ إنَّ والجُمْلَةُ قَبْلَها اعْتِراضٌ بِما هو عِلَّةُ الحُكْمِ.

(p-42)والآيَةُ مِمّا احْتَجَّ بِهِ مَن جَوَّزَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ وأمَرَهم بِالإيمانِ، فَلَوْ آمَنُوا انْقَلَبَ خَبَرُهُ كَذِبًا. وشَمَلَ إيمانُهُمُ الإيمانَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَيَجْتَمِعُ الضِّدّانِ، والحَقُّ أنَّ التَّكْلِيفَ بِالمُمْتَنِعِ لِذاتِهِ وإنْ جازَ عَقْلًا مِن حَيْثُ إنَّ الأحْكامَ لا تَسْتَدْعِي غَرَضًا سِيَّما الِامْتِثالَ، لَكِنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ لِلِاسْتِقْراءِ، والإخْبارُ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ أوْ عَدَمِهِ لا يَنْفِي القُدْرَةَ عَلَيْهِ كَإخْبارِهِ تَعالى عَمّا يَفْعَلُهُ هو أوِ العَبْدُ بِاخْتِيارِهِ، وفائِدَةُ الإنْذارِ بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يَنْجَعُ إلْزامُ الحُجَّةِ، وحِيازَةُ الرَّسُولِ فَضْلَ الإبْلاغِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: سَواءٌ عَلَيْكَ. كَما قالَ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ .

وَفِي الآيَةِ إخْبارٌ بِالغَيْبِ عَلى ما هو بِهِ إنْ أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ أشْخاصٌ بِأعْيانِهِمْ فَهي مِنَ المُعْجِزاتِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском