Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:33–40
2:33Page 6
قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٣٣
He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."
﴿قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ أيْ: أعْلِمْهُمْ، وقُرِئَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً وحَذْفِها بِكَسْرِ الهاءِ فِيهِما.
﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ اسْتِحْضارٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لَكِنَّهُ جاءَ بِهِ عَلى وجْهٍ أبْسَطَ لِيَكُونَ كالحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ ما خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِن أُمُورِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما ظَهَرَ لَهم مِن أحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ عَلِمَ ما لا يَعْلَمُونَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمُعاتَبَتِهِمْ عَلى تَرْكِ الأوْلى، وهو أنْ يَتَوَقَّفُوا مُتَرَصِّدِينَ لِأنْ يُبَيَّنَ لَهُمْ، وقِيلَ: ما تُبْدُونَ قَوْلَهُمْ: أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها. وما ( تَكْتُمُونَ ) اسْتِبْطانَهم أنَّهم أحِقّاءُ بِالخِلافَةِ، وأنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ خَلْقًا أفْضَلَ مِنهم. وقِيلَ: ما أظْهَرُوا مِنَ الطّاعَةِ، وأسَرَّ إبْلِيسُ مِنهم مِنَ المَعْصِيَةِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ دَخَلَتْ حَرْفَ الجَحْدِ فَأفادَتِ الإثْباتَ والتَّقْرِيرَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى شَرَفِ الإنْسانِ، ومِزْيَةِ العِلْمِ وفَضْلِهِ عَلى العِبادَةِ، وأنَّهُ شَرْطٌ في الخِلافَةِ بَلِ العُمْدَةُ فِيها، وأنَّ التَّعْلِيمَ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ لَمْ يَصِحَّ إطْلاقُ المُعَلِّمِ عَلَيْهِ لِاخْتِصاصِهِ بِمَن يَحْتَرِفُ بِهِ، وأنَّ اللُّغاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ، فَإنَّ الأسْماءَ تَدُلُّ عَلى الألْفاظِ بِخُصُوصٍ أوْ عُمُومٍ، وتَعْلِيمُها ظاهِرٌ في إلْقائِها عَلى المُتَعَلِّمِ مُبَيِّنًا لَهُ مَعانِيَها، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ وضْعٍ، والأصْلُ يَنْفِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَضْعُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَ آدَمَ فَيَكُونُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأنَّ مَفْهُومَ الحِكْمَةِ زائِدٌ عَلى مَفْهُومِ العِلْمِ وإلّا لَتَكَرَّرَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ وأنَّ عُلُومَ المَلائِكَةِ وكَمالاتِهِمْ تَقْبَلُ الزِّيادَةَ، والحُكَماءُ مَنَعُوا ذَلِكَ في الطَّبَقَةِ العُلْيا مِنهُمْ، وحَمَلُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وأنَّ آدَمَ أفْضَلُ مِن هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ لِأنَّهُ أعْلَمُ مِنهُمْ، والأعْلَمُ أفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الأشْياءَ قَبْلَ حُدُوثِها.
2:34Page 6
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٤
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He refused and was arrogant and became of the disbelievers.
﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ لَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ وعَلَّمَهم ما لَمْ يَعْلَمُوا أمَرَهم بِالسُّجُودِ لَهُ، اعْتِرافًا بِفَضْلِهِ، وأداءً لِحَقِّهِ واعْتِذارًا عَمّا قالُوا فِيهِ، وقِيلَ: أمَرَهم بِهِ قَبْلَ أنْ يُسَوِّيَ خَلْقَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ امْتِحانًا لَهم وإظْهارًا لِفَضْلِهِ. والعاطِفُ عَطْفُ الظَّرْفِ عَلى الظَّرْفِ السّابِقِ إنْ نَصَبْتَهُ بِمُضْمَرٍ، وإلّا عَطْفُهُ بِما يَقْدِرُ عامِلًا فِيهِ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، بَلِ القِصَّةُ بِأسْرِها عَلى القِصَّةِ الأُخْرى، وهي نِعْمَةٌ رابِعَةٌ عَدَّها عَلَيْهِمْ. والسُّجُودُ في الأصْلِ تَذَلُّلٌ مَعَ تَطامُنٍ قالَ الشّاعِرُ: (p-71)
؎ تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
وَقالَ آخَرُ:
؎ وقُلْنَ لَهُ اسْجُدْ لِلَيْلى فاسْجُدا
يَعْنِي البَعِيرَ إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ. وفي الشَّرْعِ: وضَعَ الجَبْهَةَ عَلى قَصْدِ العِبادَةِ، والمَأْمُورُ بِهِ إمّا المَعْنى الشَّرْعِيُّ فالمَسْجُودُ لَهُ بِالحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وجَعَلَ آدَمُ قِبْلَةً لِسُجُودِهِمْ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، أوْ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ نَمُوذَجًا لِلْمُبْدَعاتِ كُلِّها بَلِ المَوْجُوداتِ بِأسْرِها، ونُسْخَةً لِما في العالَمِ الرَّوْحانِيِّ والجُسْمانِيِّ وذَرِيعَةً لِلْمَلائِكَةِ إلى اسْتِيفاءِ ما قُدِّرَ لَهم مِنَ الكَمالاتِ، ووَصْلَةً إلى ظُهُورِ ما تَبايَنُوا فِيهِ مِنَ المَراتِبِ والدَّرَجاتِ، أمَرَهم بِالسُّجُودِ تَذَلُّلًا لِما رَأوْا فِيهِ مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ آياتِهِ، وشُكْرًا لِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِواسِطَتِهِ، فاللّامُ فِيهِ كاللّامِ في قَوْلِ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
؎ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم... ∗∗∗ وأعْرَفَ النّاسِ بِالقُرْآنِ والسُّنَنِ
أوْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ .
وَأمّا المَعْنى اللُّغَوِيُّ وهو التَّواضُعُ لِآدَمَ تَحِيَّةً وتَعْظِيمًا لَهُ، كَسُجُودِ إخْوَةِ يُوسُفَ لَهُ، أوِ التَّذَلُّلُ والِانْقِيادُ بِالسَّعْيِ في تَحْصِيلِ ما يَنُوطُ بِهِ مَعاشُهم ويَتِمُّ بِهِ كَمالُهم. والكَلامُ في أنَّ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ، أوْ طائِفَةٌ مِنهم ما سَبَقَ.
﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ امْتَنَعَ عَمّا أُمِرَ بِهِ، اسْتِكْبارًا مِن أنْ يَتَّخِذَهُ وصْلَةً في عِبادَةِ رَبِّهِ، أوْ يُعَظِّمَهُ ويَتَلَقّاهُ بِالتَّحِيَّةِ، أوْ يَخْدِمَهُ ويَسْعى فِيما فِيهِ خَيْرُهُ وصَلاحُهُ. والإباءُ: امْتِناعٌ بِاخْتِيارٍ. والتَّكَبُّرُ: أنْ يَرى الرَّجُلُ نَفْسَهُ أكْبَرَ مِن غَيْرِهِ. والِاسْتِكْبارُ طَلَبُ ذَلِكَ بِالتَّشَبُّعِ.
وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ أيْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ صارَ مِنهم بِاسْتِقْباحِهِ أمْرَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ اعْتِقادًا بِأنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ، والأفْضَلُ لا يَحْسُنُ أنْ يُؤْمَرَ بِالتَّخَضُّعِ لِلْمَفْضُولِ والتَّوَسُّلِ بِهِ كَما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ . لا بِتَرْكِ الواجِبِ وحْدَهُ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لَهُ، ولَوْ مِن وجْهٍ، وأنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ وإلّا لَمْ يَتَناوَلْهُ أمْرُهم ولا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنهُمْ، ولا يَرُدُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ لِجَوازِ أنْ يُقالَ إنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ فِعْلًا ومِنَ المَلائِكَةِ نَوْعًا، ولِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَوى: أنَّ مِنَ المَلائِكَةِ ضَرْبًا يَتَوالَدُونَ يُقالُ لَهُمُ الجِنُّ ومِنهم إبْلِيسُ. ولِمَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ كانَ جِنِّيًّا نَشَأ بَيْنَ أظْهُرِ المَلائِكَةِ، وكانَ مَغْمُورًا بِالأُلُوفِ مِنهم فَغَلَبُوا عَلَيْهِ، أوِ الجِنُّ أيْضًا كانُوا مَأْمُورِينَ مَعَ المَلائِكَةِ لَكِنَّهُ اسْتَغْنى بِذِكْرِ المَلائِكَةِ عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَإنَّهُ إذا عُلِمَ أنَّ الأكابِرَ مَأْمُورُونَ بِالتَّذَلُّلِ لِأحَدٍ والتَّوَسُّلِ بِهِ، عُلِمَ أنَّ الأصاغِرَ أيْضًا مَأْمُورُونَ بِهِ. والضَّمِيرُ في ﴿فَسَجَدُوا﴾ راجِعٌ إلى القَبِيلَيْنِ كَأنَّهُ قالَ: فَسَجَدَ المَأْمُورُونَ بِالسُّجُودِ إلّا إبْلِيسَ، وأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ مَن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ وإنْ كانَ الغالِبُ فِيهِمُ العِصْمَةَ، كَما أنَّ مِنَ الإنْسِ مَعْصُومِينَ والغالِبُ فِيهِمْ عَدَمُ العِصْمَةِ، ولَعَلَّ ضَرْبًا مِنَ المَلائِكَةِ لا يُخالِفُ الشَّياطِينَ بِالذّاتِ، وإنَّما يُخالِفُهم بِالعَوارِضِ والصِّفاتِ كالبَرَرَةِ والفَسَقَةِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ يَشْمَلُهُما.
وَكانَ إبْلِيسُ مِن هَذا الصِّنْفِ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَلِذَلِكَ صَحَّ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ عَنْ حالِهِ والهُبُوطُ مِن مَحَلِّهِ، كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ لا يُقالُ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ والمَلائِكَةُ خُلِقَتْ مِن نُورٍ والجِنُّ مِن نارٍ؟ لِما رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِنَ النُّورِ، وخُلِقَ الجِنُّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ»
لِأنَّهُ كالتَّمْثِيلِ لِما ذَكَرْنا، فَإنَّ المُرادَ بِالنُّورِ الجَوْهَرُ المُضِيءُ والنّارُ كَذَلِكَ، غَيْرَ أنَّ ضَوْءَها مُكَدَّرٌ مَغْمُورٌ بِالدُّخانِ مَحْذُورٌ عَنْهُ بِسَبَبِ ما (p-72)يَصْحَبُهُ مِن فَرْطِ الحَرارَةِ والإحْراقِ، فَإذا صارَتْ مُهَذَّبَةً مُصَفّاةً كانَتْ مَحْضَ نُورٍ، ومَتى نَكَصَتْ عادَتِ الحالَةُ الأُولى جَذِعَةً ولا تَزالُ تَتَزايَدُ حَتّى يَنْطَفِئَ نُورُها ويَبْقى الدُّخانُ الصِّرْفُ، وهَذا أشْبَهُ بِالصَّوابِ وأوْفَقُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ النُّصُوصِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وَمِن فَوائِدِ الآيَةِ اسْتِقْباحُ الِاسْتِكْبارِ وأنَّهُ قَدْ يُفْضِي بِصاحِبِهِ إلى الكُفْرِ، والحَثُّ عَلى الِائْتِمارِ لِأمْرِهِ وتَرْكِ الخَوْضَ في سِرِّهِ، وأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، وأنَّ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِ أنَّهُ يُتَوَفّى عَلى الكُفْرِ هو الكافِرُ عَلى الحَقِيقَةِ، إذِ العِبْرَةُ بِالخَواتِمِ وإنْ كانَ بِحُكْمِ الحالِ مُؤْمِنًا وهو المُوافاةُ المَنسُوبَةُ إلى شَيْخِنا أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
2:35Page 6
وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٥
And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."
﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ السُّكْنى مِنَ السُّكُونِ لِأنَّها اسْتِقْرارٌ ولُبْثٌ، و ﴿أنْتَ﴾ تَأْكِيدٌ أكَّدَ بِهِ المُسْتَكِنَّ لِيَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يُخاطِبْهُما أوَّلًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالحُكْمِ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ تَبَعٌ لَهُ. والجَنَّةُ دارُ الثَّوابِ، لِأنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ ولا مَعْهُودَ غَيْرِها. ومَن زَعَمَ أنَّها لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ قالَ إنَّهُ بُسْتانٌ كانَ بِأرْضِ فِلَسْطِينَ، أوْ بَيْنَ فارِسَ وكَرْمانَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى امْتِحانًا لِآدَمَ، وحَمَلَ الإهْباطَ عَلى الِانْتِقالِ مِنهُ إلى أرْضِ الهِنْدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ وكُلًّا مِنها رَغَدًا واسِعًا رافِهًا، صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾ أيَّ مَكانٍ مِنَ الجَنَّةِ شِئْتُما، وسَّعَ الأمْرَ عَلَيْهِما إزاحَةً لِلْعِلَّةِ، والعُذْرُ في التَّناوُلِ مِنَ الشَّجَرَةِ المَنهِيِّ عَنْها مِن بَيْنِ أشْجارِها الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ.
﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فِيهِ مُبالَغاتٌ، تَعْلِيقُ النَّهْيِ بِالقُرْبِ الَّذِي هو مِن مُقَدِّماتِ التَّناوُلِ مُبالَغَةً في تَحْرِيمِهِ، ووُجُوبَ الِاجْتِنابِ عَنْهُ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ القُرْبَ مِنَ الشَّيْءِ يُورِثُ داعِيَةً، ومَيْلًا يَأْخُذُ بِمَجامِعِ القَلْبِ ويُلْهِيهِ عَمّا هو مُقْتَضى العَقْلِ والشَّرْعِ، كَما رُوِيَ «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي ويُصِمُّ»
فَيَنْبَغِي أنْ لا يَحُوما حَوْلَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِما مَخافَةَ أنْ يَقَعا فِيهِ، وجَعَلَهُ سَبَبًا لِأنْ يَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ المَعاصِي، أوْ بِنَقْصِ حَظِّهِما بِالإتْيانِ بِما يُخِلُّ بِالكَرامَةِ والنَّعِيمِ، فَإنَّ الفاءَ تُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ سَواءٌ جُعِلَتْ لِلْعَطْفِ عَلى النَّهْيِ أوِ الجَوابِ لَهُ. والشَّجَرَةُ هي الحِنْطَةُ، أوِ الكَرْمَةُ، أوِ التِّينَةُ، أوْ شَجَرَةٌ مَن أكَلَ مِنها أحْدَثَ، والأوْلى أنْ لا تُعَيَّنَ مِن غَيْرِ قاطِعٍ كَما لَمْ تُعَيَّنْ في الآيَةِ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ ما هو المَقْصُودُ عَلَيْهِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ، و « تَقْرَبا» بِكَسْرِ التّاءِ و « هَذِي» بِالياءِ.
2:36Page 6
فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦
But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."
﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ أصْدَرَ زَلَّتَهُما عَنِ الشَّجَرَةِ وحَمَلَهُما عَلى الزَّلَّةِ بِسَبَبِها، ونَظِيرُ « عَنْ» هَذِهِ في قَوْلِهِ تَعالى وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي. أوْ أزَلَّهُما عَنِ الجَنَّةِ بِمَعْنى أذْهَبَهُما، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ « فَأزالَهُما» وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى، غَيْرَ أنَّ أزَلَّ يَقْتَضِي عَثْرَةً مَعَ الزَّوالِ، وإزْلالَهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ ومُقاسَمَتُهُ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ . واخْتُلِفَ في أنَّهُ تَمَثَّلَ لَهُما فَقاوَلَهُما بِذَلِكَ، أوْ ألْقاهُ إلَيْهِما عَلى طَرِيقِ الوَسْوَسَةِ، وأنَّهُ كَيْفَ تَوَصَّلَ إلى إزْلالِهِما بَعْدَ ما قِيلَ لَهُ: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ . (فَقِيلَ: إنَّهُ مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى جِهَةِ التَّكْرِمَةِ كَما كانَ يَدْخُلُ مَعَ المَلائِكَةِ، ولَمْ يُمْنَعْ أنْ يَدْخُلَ لِلْوَسْوَسَةِ ابْتِلاءً لِآدَمَ وحَوّاءَ.
وَقِيلَ: قامَ عِنْدَ البابِ فَناداهُما. وقِيلَ: تَمَثَّلَ بِصُورَةِ دابَّةٍ فَدَخَلَ ولَمْ تَعْرِفْهُ الخَزَنَةُ. وقِيلَ: دَخَلَ في فَمِ الحَيَّةِ (p-73)حَتّى دَخَلَتْ بِهِ. وقِيلَ: أرْسَلَ بَعْضَ أتْباعِهِ فَأزَلَّهُما، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ أيْ مِنَ الكَرامَةِ والنَّعِيمِ.
﴿وَقُلْنا اهْبِطُوا﴾ خِطابٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحَوّاءَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ . وجَمَعَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُما أصْلا الجِنْسِ فَكَأنَّهُما الإنْسُ كُلُّهم. أوْ هُما وإبْلِيسُ أُخْرِجَ مِنها ثانِيًا بَعْدَ ما كانَ يَدْخُلُها لِلْوَسْوَسَةِ، أوْ دَخَلَها مُسارَقَةً أوْ مِنَ السَّماءِ.
﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ حالٌ اسْتُغْنِيَ فِيها عَنِ الواوِ بِالضَّمِيرِ، والمَعْنى مُتَعادِينَ يَبْغِي بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِتَضْلِيلِهِ.
﴿وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ، أوِ اسْتِقْرارٌ.
﴿وَمَتاعٌ﴾ تَمَتُّعٌ. ﴿إلى حِينٍ﴾ يُرِيدُ بِهِ وقْتَ المَوْتِ أوِ القِيامَةَ.
2:37Page 6
فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧
Then Adam received from his Lord [some] words,1 and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.
﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ اسْتَقْبَلَها بِالأخْذِ والقَبُولِ والعَمَلِ بِها حِينَ عَلِمَها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِنَصْبِ آدَمَ ورَفْعِ الكَلِماتِ عَلى أنَّها اسْتَقْبَلَتْهُ وبَلَغَتْهُ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ الآيَةَ، وقِيلَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وتَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: يا رَبِّ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ، قالَ: بَلى، قالَ: يا رَبِّ ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ الرُّوحَ مِن رُوحِكَ، قالَ: بَلى، قالَ: يا رَبِّ ألَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ، قالَ: بَلى، قالَ: ألَمْ تُسْكُنِّي جَنَّتَكَ، قالَ: بَلى، قالَ: يا رَبِّ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ، أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ؟ قالَ: نَعَمْ. وأصْلُ الكَلِمَةِ: الكَلِمُ، وهو التَّأْثِيرُ المُدْرَكُ بِإحْدى الحاسَّتَيْنِ السَّمْعِ والبَصَرِ كالكَلامِ والجِراحَةِ والحَرَكَةِ.
﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ رَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وقَبُولِ التَّوْبَةِ، وإنَّما رَتَّبَهُ بِالفاءِ عَلى تَلَقِّي الكَلِماتِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّوْبَةِ: وهو الِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ والنَّدَمِ عَلَيْهِ والعَزْمِ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ. واكْتُفِيَ بِذِكْرِ آدَمَ لِأنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَبَعًا لَهُ في الحُكْمِ ولِذَلِكَ طُوِيَ ذِكْرُ النِّساءِ في أكْثَرِ القُرْآنِ والسُّنَنِ.
﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ﴾ الرَّجّاعُ عَلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ، أوِ الَّذِي يُكْثِرُ إعانَتَهم عَلى التَّوْبَةِ، وأصْلُ التَّوْبَةِ: الرُّجُوعُ، فَإذا وُصِفَ بِها العَبْدُ كانَ رُجُوعًا عَنِ المَعْصِيَةِ، وإذا وُصِفَ بِها البارِي تَعالى أُرِيدَ بِها الرُّجُوعُ عَنِ العُقُوبَةِ إلى المَغْفِرَةِ.
﴿الرَّحِيمُ﴾ المُبالِغُ في الرَّحْمَةِ، وفي الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ وعْدٌ لِلتّائِبِ بِالإحْسانِ مَعَ العَفْوِ.
2:38Page 7
قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨
We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا﴾ كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ فَإنَّ الأوَّلَ دَلَّ عَلى أنَّ هُبُوطَهم إلى دارِ بَلِيَّةٍ يَتَعادُونَ فِيها ولا يَخْلُدُونَ، والثّانِي أشْعَرَ بِأنَّهم أُهْبِطُوا لِلتَّكْلِيفِ، فَمَنِ اهْتَدى الهُدى نَجا ومَن ضَلَّهُ هَلَكَ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَخافَةَ الإهْباطِ المُقْتَرِنِ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ وحْدَها كافِيَةٌ لِلْحازِمِ أنْ تَعُوقَهُ عَنْ مُخالَفَةِ حُكْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَكَيْفَ بِالمُقْتَرِنِ بِهِما، ولَكِنَّهُ نَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كَفى بِهِ نَكالًا لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ. وقِيلَ الأوَّلُ مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، والثّانِي مِنها إلى الأرْضِ وهو كَما تَرى. و ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ في اللَّفْظِ تَأْكِيدٌ في المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: اهْبِطُوا أنْتُمْ أجْمَعُونَ، ولِذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي اجْتِماعُهم عَلى الهُبُوطِ في زَمانٍ واحِدٍ كَقَوْلِكَ: جاءُوا جَمِيعًا ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ (p-74)الشَّرْطُ الثّانِي مَعَ جَوابِهِ جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ، وما مَزِيدَةٌ أُكِّدَتْ بِهِ إنَّ ولِذَلِكَ حَسُنَ تَأْكِيدُ الفِعْلِ بِالنُّونِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ، والمَعْنى: إنْ يَأْتِينَكم مِنِّي هُدًى بِإنْزالٍ أوْ إرْسالٍ، فَمَن تَبِعَهُ مِنكم نَجا وفازَ، وإنَّما جِيءَ بِحَرْفِ الشَّكِّ، وإتْيانُ الهُدى كائِنٌ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ مُحْتَمَلٌ في نَفْسِهِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا، وكَرَّرَ لَفْظَ الهُدى ولَمْ يُضْمِرْ لِأنَّهُ أرادَ بِالثّانِي أعَمَّ مِنَ الأوَّلِ، وهو ما أتى بِهِ الرُّسُلُ واقْتَضاهُ العَقْلُ، أيْ: فَمَن تَبِعَ ما أتاهُ مُراعِيًا فِيهِ ما يَشْهَدُ بِهِ العَقْلُ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَكْرُوهٌ، ولا هم يَفُوتُ عَنْهم مَحْبُوبٌ فَيَحْزَنُوا عَلَيْهِ، فالخَوْفُ عَلى المُتَوَقَّعِ والحُزْنُ عَلى الواقِعِ نَفى عَنْهُمُ العِقابَ وأثْبَتَ لَهُمُ الثَّوابَ عَلى آكَدِ وجْهٍ وأبْلَغِهِ. وقُرِئَ « هُدًى» عَلى لُغَةٍ هُذَيْلٍ و « لا خَوْفَ» بِالفَتْحِ.
2:39Page 7
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٩
And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فَمَن تَبِعَ﴾ إلى آخِرِهِ قَسِيمٌ لَهُ كَأنَّهُ قالَ: ومَن لَمْ يَتْبَعْ بَلْ كَفَرُوا بِاللَّهِ، وكَذَّبُوا بِآياتِهِ، أوْ كَفَرُوا بِالآياتِ جَنانًا، وكَذَّبُوا بِها لِسانًا فَيَكُونُ الفِعْلانِ مُتَوَجِّهَيْنِ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ. والآيَةُ في الأصْلِ العَلامَةُ الظّاهِرَةُ، ويُقالُ لِلْمَصْنُوعاتِ مِن حَيْثُ إنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ مِن كَلِماتِ القُرْآنِ المُتَمَيِّزَةِ عَنْ غَيْرِها بِفَصْلٍ، واشْتِقاقُها مِن آيٍ لِأنَّها تُبَيِّنُ آيًّا مِن أيٍّ أوْ مِن أوى إلَيْهِ، وأصْلُها أيَّةُ أوْ أوْيَةُ كَتَمْرَةٍ، فَأُبْدِلَتْ عَيْنُها ألِفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ. أوْ أيِيَةُ. أوْ أوَيَةُ كَرَمَكَةٍ فَأُعِلَّتْ. أوْ آئِيَةٌ كَقائِلَةٍ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا. والمُرادُ ﴿بِآياتِنا﴾ الآياتُ المُنَزَّلَةُ، أوْ ما يَعُمُّها والمَعْقُولَةُ. وقَدْ تَمَسَّكَتِ الحَشْوِيَّةُ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَلى عَدَمِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ آدَمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ نَبِيًّا، وارْتَكَبَ المَنهِيَّ عَنْهُ والمُرْتَكِبُ لَهُ عاصٍ.
والثّانِي: أنَّهُ جُعِلَ بِارْتِكابِهِ مِنَ الظّالِمِينَ والظّالِمُ مَلْعُونٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ .
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أسْنَدَ إلَيْهِ العِصْيانَ، فَقالَ ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ .
والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَقَّنَهُ التَّوْبَةَ، وهي الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ والنَّدَمُ عَلَيْهِ.
والخامِسُ: اعْتِرافُهُ بِأنَّهُ خاسِرٌ لَوْلا مَغْفِرَةُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ والخاسِرُ مَن يَكُونُ ذا كَبِيرَةٍ.
والسّادِسُ: أنَّهُ لَوْ لَمْ يُذْنِبْ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ ما جَرى. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا حِينَئِذٍ، والمُدَّعِي مُطالَبٌ بِالبَيانِ.
والثّانِي: أنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ، وإنَّما سُمِّيَ ظالِمًا وخاسِرًا لِأنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ وخَسِرَ حَظَّهُ بِتَرْكِ الأوْلى لَهُ. وأمّا إسْنادُ الغَيِّ والعِصْيانِ إلَيْهِ، فَسَيَأْتِي الجَوابُ عَنْهُ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وإنَّما أُمِرَ بِالتَّوْبَةِ تَلافِيًا لِما فاتَ عَنْهُ، وجَرى عَلَيْهِ ما جَرى مُعاتَبَةً لَهُ عَلى تَرْكِ الأوْلى، ووَفاءً بِما قالَهُ لِلْمَلائِكَةِ قَبْلَ خَلْقِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ فَعَلَهُ ناسِيًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ولَكِنَّهُ عُوتِبَ بِتَرْكِ التَّحَفُّظِ عَنْ أسْبابِ النِّسْيانِ، ولَعَلَّهُ وإنْ حُطَّ عَنِ الأُمَّةِ لَمْ يَحُطَّ عَنِ الأنْبِياءِ لِعِظَمِ قَدْرِهِمْ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأنْبِياءُ، ثُمَّ الأوْلِياءُ، ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» . أوْ أدّى فِعْلَهُ إلى ما جَرى عَلَيْهِ عَلى طَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ المُقَدَّرَةِ دُونَ المُؤاخَذَةِ عَلى تَناوُلِهِ، كَتَناوُلِ السُّمِّ عَلى الجاهِلِ بِشَأْنِهِ. لا يُقالُ إنَّهُ باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما﴾، و ﴿وَقاسَمَهُما﴾ الآيَتَيْنِ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِما ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تَناوُلَهُ حِينَ ما قالَ لَهُ إبْلِيسُ، فَلَعَلَّ مَقالَهُ أوْرَثَ فِيهِ مَيْلًا طَبِيعِيًّا، ثُمَّ إنَّهُ كَفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ مُراعاةً لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى إلى أنْ نَسِيَ ذَلِكَ، وزالَ المانِعُ فَحَمَلَهُ الطَّبْعُ عَلَيْهِ.
(p-75)والرّابِعُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أقْدَمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ اجْتِهادٍ أخْطَأ فِيهِ، فَإنَّهُ ظَنَّ أنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ أوِ الإشارَةِ إلى عَيْنِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَتَتَناوَلُ مِن غَيْرِها مِن نَوْعِها وكانَ المُرادُ بِها الإشارَةَ إلى النَّوْعِ، كَما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أخَذَ حَرِيرًا وذَهَبًا بِيَدِهِ وقالَ: « هَذانِ حَرامٌ عَلى ذُكُورِ أُمَّتِي حُلٌّ لِإناثِها» . وإنَّما جَرى عَلَيْهِ ما جَرى تَعْظِيمًا لِشَأْنِ الخَطِيئَةِ لِيَجْتَنِبَها أوْلادُهُ. وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ وأنَّها في جِهَةٍ عالِيَةٍ، وأنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ، وأنَّ مُتَّبِعَ الهُدى مَأْمُونُ العاقِبَةِ، وأنَّ عَذابَ النّارِ دائِمٌ، وأنَّ الكافِرَ فِيهِ مُخَلَّدٌ، وأنَّ غَيْرَهُ لا يُخَلَّدُ فِيهِ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وعَقَّبَها تَعْدادَ النِّعَمِ العامَّةِ تَقْرِيرًا لَها وتَأْكِيدًا، فَإنَّها مِن حَيْثُ إنَّها حَوادِثُ مَحْكَمَةٌ تَدُلُّ عَلى مُحَدِّثٍ حَكِيمٍ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ومِن حَيْثُ إنَّ الإخْبارَ بِها عَلى ما هو مُثَبَّتٌ في الكُتُبِ السّابِقَةِ مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمْها، ولَمْ يُمارِسْ شَيْئًا مِنها إخْبارٌ بِالغَيْبِ مُعْجِزٌ يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ المُخْبَرِ عَنْها، ومِن حَيْثُ اشْتِمالُها عَلى خَلْقِ الإنْسانِ وأُصُولِهِ وما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، تَدُلُّ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ كَما كانَ قادِرًا عَلى الإبْداءِ، خاطَبَ أهْلَ العِلْمِ والكِتابِ مِنهُمْ، وأمَرَهم أنْ يَذْكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، ويُوفُوا بِعَهْدِهِ في اتِّباعِ الحَقِّ واقْتِفاءِ الحُجَجِ لِيَكُونُوا أوَّلَ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقالَ:
2:40Page 7
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٤٠
O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ أوْلادَ يَعْقُوبَ، والِابْنُ مِنَ البِناءِ لِأنَّهُ مَبْنِيُّ أبِيهِ، ولِذَلِكَ يُنْسَبُ المَصْنُوعُ إلى صانِعِهِ فَيُقالُ: أبُو الحَرْبِ، وبِنْتُ الفِكْرِ. وإسْرائِيلُ لَقَبُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْناهُ بِالعِبْرِيَّةِ: صَفْوَةُ اللَّهِ، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ وقُرِئَ « إسْرائِلَ» بِحَذْفِ الياءِ و « إسْرالَ» بِحَذْفِهِما و « إسْرايِيلَ» بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً.
﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِالتَّفَكُّرِ فِيها والقِيامِ بِشُكْرِها، وتَقْيِيدِ النِّعْمَةِ بِهِمْ لِأنَّ الإنْسانَ غَيُورٌ حَسُودٌ بِالطَّبْعِ، فَإذا نَظَرَ إلى ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى غَيْرِهِ حَمَلَهُ الغَيْرَةُ والحَسَدُ عَلى الكُفْرانِ والسُّخْطِ، وإنْ نَظَرَ إلى ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ حَمَلَهُ حُبُّ النِّعْمَةِ عَلى الرِّضى والشُّكْرِ. وقِيلَ أرادَ بِها ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى آبائِهِمْ مِنَ الإنْجاءِ مِن فِرْعَوْنَ والغَرَقِ، ومِنَ العَفْوِ عَنِ اتِّخاذِ العِجْلِ، وعَلَيْهِمْ مِن إدْراكِ زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقُرِئَ (اذَّكِرُوا) والأصْلُ اذْتَكِرُوا. ونِعْمَتِي بِإسْكانِ الياءِ وقْفًا وإسْقاطِها دَرَجًا هو مَذْهَبُ مَن لا يُحَرِّكُ الياءَ المَكْسُورَ ما قَبْلَها.
﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بِحُسْنِ الإثابَةِ، والعَهْدُ يُضافُ إلى المُعاهِدِ والمُعاهَدِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ والثّانِيَ إلى المَفْعُولِ، فَإنَّهُ تَعالى عَهِدَ إلَيْهِمْ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ بِنَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، ووَعَدَ لَهم بِالثَّوابِ عَلى حَسَناتِهِمْ، ولِلْوَفاءِ بِهِما عَرْضٌ عَرِيضٌ فَأوَّلُ مَراتِبِ الوَفاءِ مِنّا هو الإتْيانُ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ، ومِنَ اللَّهِ تَعالى حَقْنُ الدَّمِ والمالِ، وآخِرُها مِنّا الِاسْتِغْراقُ في بَحْرِ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ يَغْفُلُ عَنْ نَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، ومِنَ اللَّهِ تَعالى الفَوْزُ بِاللِّقاءِ الدّائِمِ. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْفُوا بِعَهْدِي في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أُوفِ بِعَهْدِكم في رَفْعِ الآصارِ والإغْلالِ. وعَنْ غَيْرِهِ أوْفُوا بِأداءِ الفَرائِضِ وتَرْكِ الكَبائِرِ أُوفِ بِالمَغْفِرَةِ والثَّوابِ. أوْ أوْفُوا بِالِاسْتِقامَةِ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، أُوفِ بِالكَرامَةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ فَبِالنَّظَرِ إلى الوَسائِطِ. وقِيلَ كِلاهُما مُضافٌ إلى المَفْعُولِ والمَعْنى: أوْفُوا بِما عاهَدْتُمُونِي مِنَ الإيمانِ والتِزامِ الطّاعَةِ، أُوفِ بِما عاهَدْتُكم مِن حُسْنِ الإثابَةِ. وتَفْصِيلُ العَهْدَيْنِ في سُورَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ . وقُرِئَ « أُوَفِّ» بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ فِيما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ وخُصُوصًا في نَقْضِ العَهْدِ، وهو آكَدُ في إفادَةِ التَّخْصِيصِ مِن إيّاكَ (p-76)نَعْبُدُ لِما فِيهِ مَعَ التَّقْدِيمِ مِن تَكْرِيرِ المَفْعُولِ والفاءِ الجَزائِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى تَضَمُّنِ الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ راهِبِينَ شَيْئًا فارْهَبُونِ. والرَّهْبَةُ: خَوْفٌ مَعَ تَحَرُّزٍ. والآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الشُّكْرِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ، وأنَّ المُؤْمِنَ يَنْبَغِي أنْ لا يَخافَ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences