Al-BaydawiAl‑Baqarah · 2:59–73

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:59–73

2:59Page 9

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٥٩

But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment [i.e., plague] from the sky because they were defiantly disobeying.

﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ بَدَّلُوا بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ بِطَلَبِ ما يَشْتَهُونَ مِن أعْراضِ الدُّنْيا.

﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كَرَّرَهُ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ أمْرِهِمْ وإشْعارًا بِأنَّ الإنْزالَ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ بِوَضْعِ غَيْرِ المَأْمُورِ بِهِ مَوْضِعَهُ، أوْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنْ تَرَكُوا ما يُوجِبُ نَجاتَها إلى ما يُوجِبُ هَلاكَها.

(p-83)﴿رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ عَذابًا مُقَدَّرًا مِنَ السَّماءِ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، والرِّجْزُ في الأصْلِ: ما يُعافُ عَنْهُ، وكَذَلِكَ الرِّجْسُ. وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو لُغَةٌ فِيهِ والمُرادُ بِهِ الطّاعُونُ.

رُوِيَ أنَّهُ ماتَ في ساعَةٍ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا.

2:60Page 9

۞ وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٦٠

And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people [i.e., tribe] knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allāh, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

﴿وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ لَمّا عَطِشُوا في التِّيهِ.

﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ حَجَرًا طُورِيًّا. مُكَعَّبًا حَمَلَهُ مَعَهُ، وكانَتْ تَنْبُعُ مِن كُلِّ وجْهٍ ثَلاثُ أعْيُنٍ، تَسِيلُ كُلُّ عَيْنٍ في جَدْوَلٍ إلى سِبْطٍ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وسَعَةُ المُعَسْكَرِ اثْنا عَشَرَ مِيلًا، أوْ حَجَرًا أهْبَطَهُ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ، ووَقَعَ إلى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأعْطاهُ لِمُوسى مَعَ العَصا، أوِ الحَجَرَ الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِهِ لَمّا وضَعَهُ عَلَيْهِ لِيَغْتَسِلَ وبَرَّأهُ اللَّهُ بِهِ عَمّا رَمَوْهُ بِهِ مِنَ الأُدْرَةِ، فَأشارَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَمْلِهِ، أوْ لِلْجِنْسِ وهَذا أظْهَرُ في الحُجَّةِ. قِيلَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِأنْ يَضْرِبَ حَجَرًا بِعَيْنِهِ، ولَكِنْ لَمّا قالُوا: كَيْفَ بِنا لَوْ أفْضَيْنا إلى أرْضٍ لا حِجارَةَ بِها؟ حَمَلَ حَجَرًا في مِخْلاتِهِ، وكانَ يَضْرِبُهُ بِعَصاهُ إذا نَزَلَ فَيَنْفَجِرُ، ويَضْرِبُهُ بِها إذا ارْتَحَلَ فَيَيْبَسُ، فَقالُوا: إنْ فَقَدَ مُوسى عَصاهُ مُتْنا عَطَشًا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ لا تَقْرَعِ الحَجَرَ وكَلِّمْهُ يُطِعْكَ لَعَلَّهم يَعْتَبِرُونَ. وقِيلَ كانَ الحَجَرُ مِن رُخامٍ وكانَ ذِراعًا في ذِراعٍ، والعَصا عَشَرَةَ أذْرُعٍ عَلى طُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن آسِ الجَنَّةِ ولَها شُعْبَتانِ تَتَّقِدانِ في الظُّلْمَةِ.

﴿فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَإنْ ضَرَبْتَ فَقَدِ انْفَجَرَتْ، أوْ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ . وقُرِئَ « عَشَرَةَ» بِكَسْرِ الشِّينِ وفَتْحِها وهُما لُغَتانِ فِيهِ.

﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ كُلُّ سِبْطٍ. ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ عَيْنَهُمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ مِنها. ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ:

﴿مِن رِزْقِ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى وماءِ العُيُونِ. وقِيلَ الماءُ وحْدَهُ لِأنَّهُ يُشْرَبُ ويُؤْكَلُ مِمّا يَنْبُتُ بِهِ.﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لا تَعْتَدُوا حالَ إفْسادِكُمْ، وإنَّما قَيَّدَهُ لِأنَّهُ وإنْ غَلَبَ في الفَسادِ قَدْ يَكُونُ مِنهُ ما لَيْسَ بِفَسادٍ، كَمُقابِلَةِ الظّالِمِ المُعْتَدِي بِفِعْلِهِ، ومِنهُ ما يَتَضَمَّنُ صَلاحًا راجِحًا كَقَتْلِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ الغُلامَ وخَرْقِهِ السَّفِينَةَ، ويَقْرُبُ مِنهُ العَيْثُ غَيْرَ أنَّهُ يَغْلِبُ فِيما يُدْرَكُ حَسًّا، ومَن أنْكَرَ أمْثالَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ فَلِغايَةِ جَهْلِهِ بِاللَّهِ وقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ في عَجائِبِ صُنْعِهِ، فَإنَّهُ لَمّا أمْكَنَ أنْ يَكُونَ مِنَ الأحْجارِ ما يَحْلِقُ الشَّعَرَ ويَنْفِرُ عَنِ الخَلِّ ويَجْذِبُ الحَدِيدَ، لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ حَجَرًا يُسَخِّرُهُ لِجَذْبِ الماءِ مِن تَحْتِ الأرْضِ، أوْ لِجَذْبِ الهَواءِ مِنَ الجَوانِبِ ويُصَيِّرُهُ ماءً بِقُوَّةِ التَّبْرِيدِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

2:61Page 9

وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٦١

And [recall] when you said, "O Moses, we can never endure one [kind of] food. So call upon your Lord to bring forth for us from the earth its green herbs and its cucumbers and its garlic and its lentils and its onions." [Moses] said, "Would you exchange what is better for what is less? Go into [any] settlement and indeed, you will have what you have asked." And they were covered with humiliation and poverty and returned with anger from Allāh [upon them]. That was because they [repeatedly] disbelieved in the signs of Allāh and killed the prophets without right. That was because they disobeyed and were [habitually] transgressing.

﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ يُرِيدُونَ بِهِ ما رُزِقُوا في التِّيهِ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى.

وَبِوَحْدَتِهِ أنَّهُ لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَبَدَّلُ، كَقَوْلِهِمْ طَعامُ مائِدَةٍ الأمِيرُ واحِدٌ يُرِيدُونَ أنَّهُ لا تَتَغَيَّرُ ألْوانُهُ وبِذَلِكَ أجْمَعُوا أوْ ضَرْبٌ واحِدٌ، لِأنَّهُما طَعامُ أهْلِ التَّلَذُّذِ وهم كانُوا فَلاحَةً فَنَزَعُوا إلى عَكَرِهِمْ واشْتَهَوْا ما ألِفُوهُ. ﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ (p-84)سَلْهُ لَنا بِدُعائِكَ إيّاهُ ﴿يُخْرِجْ لَنا﴾ يُظْهِرْ ويُوجِدْ، وجَزْمُهُ بِأنَّهُ جَوابُ فادْعُ فَإنَّ دَعْوَتَهُ سَبَبُ الإجابَةِ.

﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، وإقامَةِ القابِلِ مَقامَ الفاعِلِ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ. ﴿مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها﴾ تَفْسِيرٌ وبَيانٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، وقِيلَ بَدَلٌ بِإعادَةِ الجارِّ. والبَقْلُ ما أنْبَتَتْهُ الأرْضُ مِنَ الخُضَرِ والمُرادُ بِهِ أطايِبُهُ الَّتِي تُؤْكَلُ، والفُومُ الحِنْطَةُ ويُقالُ لِلْخُبْزِ ومِنهُ فَوِّمُوا لَنا، وقِيلَ الثُّومُ وقُرِئَ « قُثّائِها» بِالضَّمِّ، وهو لُغَةٌ فِيهِ. (قالَ) أيِ اللَّهُ، أوْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى﴾ أقْرَبُ مَنزِلَةً وأدْوَنُ قَدْرًا. وأصْلُ الدُّنُوِّ القُرْبُ في المَكانِ فاسْتُعِيرَ لِلْخِسَّةِ كَما اسْتُعِيرَ البُعْدُ لِلشَّرَفِ والرِّفْعَةِ، فَقِيلَ بَعِيدُ المَحَلِّ بَعِيدُ الهِمَّةِ، وقُرِئَ « أدْنَأُ» مِنَ الدَّناءَةِ. بِالَّذِي هو خَيْرٌ يُرِيدُ بِهِ المَنَّ والسَّلْوى فَإنَّهُ خَيْرٌ في اللَّذَّةِ والنَّفْعِ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى السَّعْيِ. ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ انْحَدِرُوا إلَيْهِ مِنَ التِّيهِ، يُقالُ هَبَطَ الوادِيَ إذا نَزَلَ بِهِ، وهَبَطَ مِنهُ إذا خَرَجَ مِنهُ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ والمِصْرُ البَلَدُ العَظِيمُ وأصْلُهُ الحَدُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وقِيلَ أرادَ بِهِ العَلَمَ، وإنَّما صَرَفَهُ لِسُكُونِ وسَطِهِ أوْ عَلى تَأْوِيلِ البَلَدِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ غَيْرُ مُنَوَّنٍ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وقِيلَ أصْلُهُ مِصْرائِيمُ فَعُرِّبَ. ﴿فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ أُحِيطَتْ بِهِمْ إحاطَةَ القُبَّةِ بِمَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، أوْ أُلْصِقَتْ بِهِمْ، مِن ضَرْبِ الطِّينِ عَلى الحائِطِ، مُجازاةً لَهم عَلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ. واليَهُودُ في غالِبِ الأمْرِ أذِلّاءُ مَساكِينُ، إمّا عَلى الحَقِيقَةِ أوْ عَلى التَّكَلُّفِ مَخافَةَ أنْ تُضاعَفَ جِزْيَتُهم. ﴿وَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ رَجَعُوا بِهِ، أوْ صارُوا أحِقّاءَ بِغَضَبِهِ، مِن باءَ فَلانٌ بِفُلانٍ إذا كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُقْتَلَ بِهِ، وأصْلُ البَوْءِ المُساواةُ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والبَوْءِ بِالغَضَبِ. ﴿بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالمُعْجِزاتِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عُدَّ عَلَيْهِمْ مِن فَلْقِ البَحْرِ، وإظْلالِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ. أوْ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ: كالإنْجِيلِ، والفُرْقانِ، وآيَةِ الرَّجْمِ والَّتِي فِيها نُعِتَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ التَّوْراةِ، وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ فَإنَّهم قَتَلُوا شَعْياءَ وزَكَرِيّا ويَحْيى وغَيْرَهم بِغَيْرِ الحَقِّ عِنْدَهُمْ، إذْ لَمْ يَرَوْا مِنهم ما يَعْتَقِدُونَ بِهِ جَوازَ قَتْلِهِمْ، وإنَّما حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ اتِّباعُ الهَوى وحُبُّ الدُّنْيا كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أيْ: جَرَّهُمُ العِصْيانُ والتَّمادِي والِاعْتِداءُ فِيهِ إلى الكُفْرِ بِالآياتِ، وقَتْلِ النَّبِيِّينَ. فَإنَّ صِغارَ الذُّنُوبِ سَبَبٌ يُؤَدِّي إلى ارْتِكابِ كِبارِها، كَما أنَّ صِغارَ الطّاعاتِ أسْبابٌ مُؤَدِّيَةٌ إلى تَحَرِّي كِبارِها. وقِيلَ كَرَّرَ الإشارَةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما لَحِقَهم كَما هو بِسَبَبِ الكُفْرِ والقَتْلِ فَهو بِسَبَبِ ارْتِكابِهِمُ المَعاصِيَ واعْتِدائِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ الإشارَةُ إلى الكُفْرِ والقَتْلِ، والباءُ بِمَعْنى مَعَ وإنَّما جُوِّزَتِ الإشارَةُ بِالمُفْرَدِ إلى شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا عَلى تَأْوِيلِ ما ذُكِرَ أوْ تَقَدَّمَ لِلِاخْتِصارِ، ونَظِيرُهُ في الضَّمِيرِ قَوْلُ رُؤْبَةَ يَصِفُ بَقَرَةً:

؎ فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ... كَأنَّهُ في الجِلِدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ

والَّذِي حَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ تَثْنِيَةَ المُضْمَراتِ والمُبْهَماتِ وجَمْعَها وتَأْنِيثَها لَيْسَتْ عَلى الحَقِيقَةِ، ولِذَلِكَ جاءَ الَّذِي بِمَعْنى الجَمْعِ.

2:62Page 10

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muḥammad (ﷺ)] - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve1.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِألْسِنَتِهِمْ، يُرِيدُ بِهِ المُتَدَيِّنِينَ بِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ المُخْلِصِينَ مِنهم والمُنافِقِينَ، وقِيلَ المُنافِقِينَ لِانْخِراطِهِمْ في سَلَكِ الكَفَرَةِ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ تَهَوَّدُوا، يُقالُ هادَ وتَهَوَّدَ إذا دَخَلَ في اليَهُودِيَّةِ، ويَهُودٌ: إمّا عَرَبِيٌّ مَن هادَ إذا تابَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لَمّا تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ، وإمّا مُعَرَّبُ يَهُوذا وكَأنَّهم سُمُّوا باسِمِ أكْبَرِ أوْلادِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والنَّصارى جَمْعُ نَصْرانٍ كَنَدامى ونَدْمانَ، والياءُ في نَصْرانِيٍّ لِلْمُبالَغَةِ كَما في أحَمِرَيٍّ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم نَصَرُوا المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ لِأنَّهم كانُوا مَعَهُ في قَرْيَةٍ يُقالُ لَها نَصْرانُ أوْ ناصِرَةُ فَسُمُّوا بِاسْمِها، أوْ مِنِ اسْمِها. ﴿والصّابِئِينَ﴾ قَوْمٌ بَيْنَ النَّصارى والمَجُوسِ. وقِيلَ أصْلُ دِينِهِمْ دِينُ نُوحٍ (p-85)عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ هم عَبَدَةَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ عَبَدَةُ الكَواكِبِ، وهو إنْ كانَ عَرَبِيًّا فَمِن صَبَأ إذا خَرَجَ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِالياءِ إمّا لِأنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ وأبْدَلَها ياءً، أوْ لِأنَّهُ مِن صَبَأ إذا مالَ لِأنَّهم مالُوا عَنْ سائِرِ الأدْيانِ إلى دِينِهِمْ أوْ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ.

﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ مَن كانَ مِنهم في دِينِهِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ. مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ. وقِيلَ مَن آمَنَ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ إيمانًا خالِصًا، ودَخَلَ في الإسْلامِ دُخُولًا صادِقًا: فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمُ الَّذِي وعَدَ لَهم عَلى إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ. ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ حِينَ يَخافُ الكُفّارُ مِنَ العِقابِ، ويَحْزَنُ المُقَصِّرُونَ عَلى تَضْيِيعِ العُمْرِ وتَفْوِيتِ الثَّوابِ. و ﴿مَن﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، أوْ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ وخَبَرُها ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَعْنى الشَّرْطِ، وقَدْ مَنَعَ سِيبَوَيْهِ دُخُولَها في خَبَرِ إنَّ مِن حَيْثُ إنَّها لا تَدْخُلُ الشَّرْطِيَّةَ، ورَدَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ .

2:63–64Page 10

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have been among the losers.

﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ بِاتِّباعِ مُوسى والعَمَلِ بِالتَّوْراةِ. ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ حَتّى أعْطَيْتُمُ المِيثاقَ، رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا جاءَهم بِالتَّوْراةِ فَرَأوْا ما فِيها مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ وأبَوْا قَبُولَها، فَأمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَلَعَ الطُّورَ فَظَلَّلَهُ فَوْقَهم حَتّى قَبِلُوا. ﴿خُذُوا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ: ﴿ما آتَيْناكُمْ﴾ مِنَ الكِتابِ بِقُوَّةٍ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ. ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ ادْرُسُوهُ ولا تَنْسَوْهُ، أوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ فَإنَّهُ ذِكْرٌ بِالقَلْبِ، أوِ اعْمَلُوا بِهِ. ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ لِكَيْ تَتَّقُوا المَعاصِيَ، أوْ رَجاءً مِنكم أنْ تَكُونُوا مُتَّقِينَ. ويَجُوزُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالقَوْلِ المَحْذُوفِ، أيْ: قُلْنا خُذُوا واذْكُرُوا إرادَةَ أنْ تَتَّقُوا.

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أعْرَضْتُمْ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ بَعْدَ أخْذِهِ. ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ بِتَوْفِيقِكم لِلتَّوْبَةِ، أوْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ يَدْعُوكم إلى الحَقِّ ويَهْدِيكم إلَيْهِ. ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ المَغْبُونِينَ بِالِانْهِماكِ في المَعاصِي، أوْ بِالخَبْطِ والضَّلالِ في فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ. ولَوْ في الأصْلِ لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَإذا دَخَلَ عَلى (لا) أفادَ إثْباتًا وهو امْتِناعُ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، والِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ واجِبُ الحَذْفِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ وسَدَّ الجَوابُ مَسَدَّهُ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ.

2:65–66Page 10

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ٦٥

And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."

فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٦٦

And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allāh.

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ، والسَّبْتُ مَصْدَرُ قَوْلِكَ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ يَوْمَ السَّبْتِ، وأصْلُهُ القَطْعُ أُمِرُوا بِأنْ يُجَرِّدُوهُ لِلْعِبادَةِ فاعْتَدى فِيهِ ناسٌ مِنهم في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واشْتَغَلُوا بِالصَّيْدِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَسْكُنُونَ قَرْيَةً عَلى ساحِلٍ يُقالُ لَها أيْلَةُ، وإذا كانَ يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَبْقَ حُوتٌ في البَحْرِ إلّا حَضَرَ هُناكَ وأخْرَجَ خُرْطُومَهُ، فَإذا مَضى تَفَرَّقَتْ فَحَفَرُوا حِياضًا وشَرَعُوا إلَيْها الجَداوِلَ وكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها يَوْمَ السَّبْتِ فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ. ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ جامِعِينَ بَيْنَ صُورَةِ القِرَدَةِ والخُسُوءِ: وهو الصَّغارُ والطَّرْدُ، وقالَ مُجاهِدٌ: ما مُسِخَتْ صُوَرُهم ولَكِنْ قُلُوبُهُمْ، فَمُثِّلُوا بِالقِرَدَةِ كَما مُثِّلُوا بِالحِمارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا﴾ لَيْسَ بِأمْرٍ إذْ لا قُدْرَةَ لَهم عَلَيْهِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ سُرْعَةُ التَّكْوِينِ، وأنَّهم صارُوا كَذَلِكَ كَما أرادَ بِهِمْ، وقُرِئَ « قَرِدَةً» بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الرّاءِ، و « خاسِينَ» بِغَيْرِ هَمْزَةٍ. (p-86)﴿فَجَعَلْناها﴾ أيِ المِسْخَةَ، أوِ العُقُوبَةَ. ﴿نَكالا﴾ عِبْرَةً تُنَكِّلُ المُعْتَبِرَ بِها، أيْ تَمْنَعُهُ. ومِنهُ النِّكْلُ لِلْقَيْدِ.

﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ لِما قَبْلَها وما بَعْدَها مِنَ الأُمَمِ إذْ ذُكِرَتْ حالُهم في زُبُرِ الأوَّلِينَ، واشْتُهِرَتْ قِصَّتُهم في الآخِرِينَ، أوْ لِمُعاصِرِيهِمْ ومَن بَعْدَهُمْ، أوْ لِما بِحَضْرَتِها مِنَ القُرى وما تَباعَدَ عَنْها، أوْ لِأهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ وما حَوالَيْها، أوْ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْها مِن ذُنُوبِهِمْ وما تَأخَّرَ مِنها. ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ مِن قَوْمِهِمْ، أوْ لِكُلِّ مُتَّقٍ سَمِعَها.

2:67Page 10

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧

And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allāh commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allāh from being among the ignorant."

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ أوَّلُ هَذِهِ القِصَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ وإنَّما فُكَّتْ عَنْهُ وقُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِاسْتِقْلالِها بِنَوْعٍ آخَرَ مِن مُساوِيهِمْ، وهو الِاسْتِهْزاءُ بِالأمْرِ والِاسْتِقْصاءُ في السُّؤالِ وتَرْكُ المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ. وقِصَّتُهُ: أنَّهُ كانَ فِيهِمْ شَيْخٌ مُوسِرٌ فَقَتَلَ ابْنَهُ بَنُو أخِيهِ طَمَعًا في مِيراثِهِ، وطَرَحُوهُ عَلى بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ جاءُوا يُطالِبُونَ بِدَمِهِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً ويَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها لِيَحْيا فَيُخْبِرُ بِقاتِلِهِ. ﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ أيْ مَكانَ هُزُؤٍ، أوْ أهْلَهُ ومَهْزُوءًا بِنا، أوِ الهَزَأ نَفْسَهُ لِفَرْطِ الِاسْتِهْزاءِ اسْتِبْعادًا لِما قالَهُ واسْتِخْفافًا بِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وإسْماعِيلُ عَنْ نافِعٍ بِالسُّكُونِ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا. ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لِأنَّ الهُزُؤَ في مِثْلِ ذَلِكَ جَهْلٌ وسَفَهٌ، نَفى عَنْ نَفْسِهِ ما رُمِيَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ البُرْهانِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِعاذَةِ اسْتِفْظاعًا لَهُ.

2:68Page 10

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ ٦٨

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allāh] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ أيْ ما حالُها وصِفَتُها، وكانَ حَقُّهم أنْ يَقُولُوا: أيُّ بَقَرَةٍ هِيَ؟ أوْ كَيْفَ هِيَ؟ لِأنَّ ما يُسْألُ بِهِ عَنِ الجِنْسِ غالِبًا، لَكِنَّهم لَمّا رَأوْا ما أُمِرُوا بِهِ عَلى حالٍ لَمْ يُوجَدْ بِها شَيْءٌ مِن جِنْسِهِ، أجْرَوْهُ مَجْرى ما لَمْ يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ ولَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ. ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ لا مُسِنَّةٌ ولا فَتِيَّةٌ، يُقالُ فَرَضَتِ البَقَرَةُ فُرُوضًا مِنَ الفَرْضِ وهو القَطْعُ، كَأنَّها فَرَضَتْ سِنَّها، وتَرْكِيبُ البِكْرِ لِلْأوَّلِيَّةِ ومِنَ البُكْرَةِ والباكُورَةِ.

﴿عَوانٌ﴾ نِصْفٌ. قالَ شِعْرٌ: نَواعِمُ بَيْنَ أبْكارٍ وعُونُ.

﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ بَيْنِ ما ذُكِرَ مِنَ الفارِضِ والبِكْرِ ولِذَلِكَ أُضِيفَ إلَيْهِ بَيْنَ، فَإنَّهُ لا يُضافُ إلّا إلى مُتَعَدِّدٍ، وعَوْدُ هَذِهِ الكِناياتِ وإجْراءُ تِلْكَ الصِّفاتِ عَلى بَقَرَةٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِها مُعَيَّنَةٌ، ويَلْزَمُهُ تَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، ومَن أنْكَرَ ذَلِكَ زَعَمَ أنَّ المُرادَ بِها بَقَرَةٌ مِن شِقِّ البَقَرِ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ ثُمَّ انْقَلَبَتْ مَخْصُوصَةً بِسُؤالِهِمْ، ويَلْزَمُهُ النَّسَخُ قَبْلَ الفِعْلِ، فَإنَّ التَّخْصِيصَ إبْطالُ لِلتَّخْيِيرِ الثّابِتِ بِالنَّصِّ والحَقُّ جَوازُهُما، ويُؤَيِّدُ الرَّأْيَ الثّانِيَ ظاهِرُ اللَّفْظِ والمَرْوِيُّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَوْ ذَبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ أرادُوا لَأجْزَأتْهُمْ، ولَكِنْ شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . وتَقْرِيعُهم بِالتَّمادِي وزَجْرُهم عَلى المُراجَعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُونَهُ، بِمَعْنى تُؤْمَرُونَ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ، أوْ أمْرُكم بِمَعْنى مَأْمُورِكم.

2:69Page 10

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ٦٩

They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.'"

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ الفُقُوعُ نُصُوعُ الصُّفْرَةِ (p-87)وَلِذَلِكَ تُؤَكَّدُ بِهِ، فَيُقالُ: أصْفَرُ فاقِعٌ كَما يُقالُ أسْوَدُ حالِكٌ، وفي إسْنادِهِ إلى اللَّوْنِ وهو صِفَةٌ صَفْراءُ لِمُلابَسَتِهِ بِها فَضْلُ تَأْكِيدٍ كَأنَّهُ قِيلَ صَفْراءُ شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ صُفْرَتِها، وعَنِ الحَسَنِ: سَوْداءُ شَدِيدَةُ السَّوادِ، وبِهِ فَسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ . قالَ الأعْشى:

؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ وتِلْكَ رِكابِي... هُنَّ صُفُرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ

وَلَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالصُّفْرَةِ عَنِ السَّوادِ لِأنَّها مِن مُقَدِّماتِهِ، أوْ لِأنَّ سَوادَ الإبِلِ تَعْلُوهُ صُفْرَةٌ وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ الصُّفْرَةَ بِهَذا المَعْنى لا تُؤَكَّدُ بِالفُقُوعِ ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ أيْ تُعْجِبُهُمْ، والسُّرُورُ أصْلُهُ لَذَّةٌ في القَلْبِ عِنْدَ حُصُولِ نَفْعٍ، أوْ تَوَقُّعِهِ مِنَ السِّرِّ.

2:70Page 11

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ ٧٠

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allāh wills, will be guided."

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلسُّؤالِ الأوَّلِ واسْتِكْشافٌ زائِدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ اعْتِذارٌ عَنْهُ، أيْ إنَّ البَقْرَ المَوْصُوفَ بِالتَّعْوِينِ والصُّفْرَةِ كَثِيرٌ فاشْتُبِهَ عَلَيْنا، وقُرِئَ « إنَّ الباقِرَ» وهو اسْمٌ لِجَماعَةِ البَقَرِ والأباقِرِ والبَواقِرِ، ويَتَشابَهُ وتَتَشابَهُ بِالياءِ والتّاءِ، وتَشابَهَ ويُشابِهُ وتَشّابَهُ بِطَرْحِ التّاءِ وإدْغامِها في الشِّينِ عَلى التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ، وتَشابَهَتْ وتَشّابَهَتْ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، وتَشَبَّهَ بِمَعْنى تَتَشَبَّهُ وتَشَبَّهَ بِالتَّذْكِيرِ ومُتَشابِهٌ ومُتَشابِهَةٌ ومُتَشَبِّهٌ ومُتَشَبِّهَةٌ. ﴿وَإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى المُرادِ ذَبْحُها، أوْ إلى القاتِلِ، وفي الحَدِيثِ «لَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا لَما بُيِّنَتْ لَهم آخَرَ الأبَدِ» . واحْتَجَّ بِهِ أصْحابُنا عَلى أنَّ الحَوادِثَ بِإرادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأنَّ الأمْرَ قَدْ يَنْفَكُّ عَنِ الإرادَةِ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلشَّرْطِ بَعْدَ الأمْرِ مَعْنًى. والمُعْتَزِلَةُ والكَرامِيَّةُ عَلى حُدُوثِ الإرادَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّعْلِيقَ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ.

2:71Page 11

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ ٧١

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.'" They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ أيْ لَمْ تُذَلَّلْ لِكِرابِ الأرْضِ وسَقْيِ الحَرْثِ، و ﴿لا ذَلُولٌ﴾ صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ بِمَعْنى غَيْرِ ذَلُولٍ، ولا الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الأُولى والفِعْلانِ صَفَتا ذَلُولٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولٌ مُثِيرَةٌ وساقِيَةٌ، وقُرِئَ « لا ذَلُولَ» بِالفَتْحِ أيْ حَيْثُ هِيَ، كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا بَخِيلَ ولا جَبانَ، أيْ حَيْثُ هُوَ، وتَسْقِي مَن أسْقى. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ سَلَّمَها اللَّهُ تَعالى مِنَ العُيُوبِ، أوْ أهْلُها مِنَ العَمَلِ، أوْ أخْلَصَ لَوْنَها مِن سَلَمَ لَهُ كَذا إذا خَلَصَ لَهُ ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ لا لَوْنَ فِيها يُخالِفُ لَوْنَ جِلْدِها، وهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ، وشّاهَ وشْيًا وشِيَةً إذا خَلَطَ بِلَوْنِهِ لَوْنًا آخَرَ. قالُوا ﴿الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِحَقِيقَةِ وصْفِ البَقَرَةِ وحَقَّقْتَها لَنا، وقُرِئَ « الآنَ» بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ، و « لانَ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ. ﴿فَذَبَحُوها﴾ فِيهِ اخْتِصارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَحَصَّلُوا البَقَرَةَ المَنعُوتَةَ فَذَبَحُوها. ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لِتَطْوِيلِهِمْ وكَثْرَةِ مُراجَعاتِهِمْ، أوْ لِخَوْفِ الفَضِيحَةِ في ظُهُورِ القاتِلِ، أوْ لِغَلاءِ ثَمَنِها. إذْ رُوِيَ: أنَّ شَيْخًا صالِحًا مِنهم كانَ لَهُ عِجْلَةٌ، فَأتى بِها الغَيْضَةَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي اسْتَوْدَعْتُكَها لِابْنِي حَتّى يَكْبُرَ، فَشَبَّتْ وكانَتْ وحِيدَةً بِتِلْكَ الصِّفاتِ، فَساوَمُوها مِنَ اليَتِيمِ وأمَّهُ حَتّى اشْتَرَوْها بِمَلْءٍ مَسْكِها ذَهَبًا، وكانَتِ البَقَرَةُ إذْ ذاكَ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ. وكادَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ وُضِعَ لِدُنُوِّ الخَبَرِ حُصُولًا، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ النَّفْيُ قِيلَ مَعْناهُ الإثْباتُ مُطْلَقًا. وقِيلَ ماضِيًا، والصَّحِيحُ أنَّهُ كَسائِرِ الأفْعالِ ولا يُنافِي قَوْلُهُ: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ قَوْلَهُ ﴿فَذَبَحُوها﴾ لِاخْتِلافِ وقْتَيْهِما، إذِ المَعْنى أنَّهم ما قارَبُوا أنْ يَفْعَلُوا حَتّى انْتَهَتْ سُؤالِاتُهُمْ، وانْقَطَعَتْ تَعَلُّلاتُهُمْ، فَفَعَلُوا كالمُضْطَرِّ المُلْجَأِ إلى الفِعْلِ.

2:72–73Page 11

وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٧٢

And [recall] when you slew a man and disputed1 over it, but Allāh was to bring out that which you were concealing.

فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٧٣

So We said, "Strike him [i.e., the slain man] with part of it."1 Thus does Allāh bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.

(p-88)﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ خِطابًا لِلْجَمِيعِ لِوُجُودِ القَتْلِ فِيهِمْ ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ اخْتَصَمْتُمْ في شَأْنِها، إذِ المُتَخاصِمانِ يَدْفَعُ بَعْضُهُما بَعْضًا، أوْ تَدافَعْتُمْ بِأنْ طَرَحَ كُلٌّ قَتْلَها عَنْ نَفْسِهِ إلى صاحِبِهِ، وأصْلُهُ تَدارَأْتُمْ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ واجْتُلِبَتْ لَها هَمْزَةُ الوَصْلِ ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مُظْهِرُهُ لا مَحالَةَ، وأُعْمِلَ مُخْرِجٌ لِأنَّهُ حِكايَةُ مُسْتَقْبَلٍ كَما أُعْمِلَ ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ لِأنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.

﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾ عَطْفٌ عَلى ادّارَأْتُمْ وما بَيْنَها اعْتِراضٌ، والضَّمِيرُ لِلنَّفْسِ والتَّذْكِيرِ عَلى تَأْوِيلِ الشَّخْصِ أوِ القَتِيلِ ﴿بِبَعْضِها﴾ أيْ بَعْضٍ كانَ، وقِيلَ: بِأصْغِرَيْها، وقِيلَ بِلِسانِها، وقِيلَ بِفَخْذِها اليُمْنى، وقِيلَ بِالأُذُنِ، وقِيلَ بِالعَجْبِ ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ يَدُلُّ عَلى ما حُذِفَ وهو فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ، والخِطابُ مَعَ مَن حَضَرَ حَياةَ القَتِيلِ، أوْ نُزُولَ الآيَةِ ﴿وَيُرِيكم آياتِهِ﴾ دَلائِلَهُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ. ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ لِكَيْ يُكْمِلَ عَقْلَكم وتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ نَفْسٍ قَدَرَ عَلى إحْياءِ الأنْفُسِ كُلِّها، أوْ تَعْمَلُوا عَلى قَضِيَّتِهِ. ولَعَلَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُحْيِهِ ابْتِداءً وشَرَطَ فِيهِ ما شَرَطَ لِما فِيهِ مِنَ التَّقَرُّبِ وأداءِ الواجِبِ، ونَفْعِ اليَتِيمِ والتَّنْبِيهِ عَلى بَرَكَةِ التَّوَكُّلِ والشَّفَقَةِ عَلى الأوْلادِ، وأنَّ مِن حَقِّ الطّالِبِ أنْ يُقَدِّمَ قُرْبَةً، والمُتَقَرِّبُ أنْ يَتَحَرّى الأحْسَنَ ويُغالِيَ بِثَمَنِهِ، كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّهُ ضَحّى بِنَجِيبَةٍ اشْتَراها بِثَلاثِمِائَةِ دِينارٍ. وأنَّ المُؤْثَرَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، والأسْبابُ أماراتٌ لا إثْرَ لَها، وأنَّ مَن أرادَ أنْ يَعْرِفَ أعْدى عَدُوِّهِ السّاعِي في إماتَتِهِ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ، فَطَرِيقُهُ أنْ يَذْبَحَ بَقَرَةَ نَفْسِهِ الَّتِي هي القُوَّةُ الشَّهَوِيَّةُ حِينَ زالَ عَنْها شَرَهُ الصِّبا، ولَمْ يَلْحَقْها ضَعْفُ الكِبَرِ، وكانَتْ مُعْجَبَةً رائِقَةَ المَنظَرِ غَيْرَ مُذَلَّلَةٍ في طَلَبِ الدُّنْيا، مُسَلَّمَةً عَنْ دَنَسِها لا سِمَةَ بِها مِن مَقابِحِها بِحَيْثُ يَصِلُ أثَرُهُ إلى نَفْسِهِ، فَتَحْيا حَياةً طَيِّبًا، وتُعْرِبُ عَمّا بِهِ يَنْكَشِفُ الحالُ، ويَرْتَفِعُ ما بَيْنَ العَقْلِ والوَهْمِ مِنَ التَّدارُؤِ والنِّزاعِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском