Al-BaydawiAl‑Baqarah · 2:74–92

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:74–92

2:74Page 11

ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٧٤

Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allāh. And Allāh is not unaware of what you do.

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ القَساوَةُ عِبارَةٌ عَنِ الغِلَظِ مَعَ الصَّلابَةِ، كَما في الحَجَرِ. وقَساوَةُ القَلْبِ مَثَلٌ في نَبْوِهِ عَنِ الِاعْتِبارِ، وثَمَّ لِاسْتِبْعادِ القَسْوَةِ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي إحْياءَ القَتِيلِ، أوْ جَمِيعَ ما عَدَّدَ مِنَ الآياتِ فَإنَّها مِمّا تُوجِبُ لِينَ القَلْبِ. ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾ في قَسْوَتِها ﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ مِنها، والمَعْنى أنَّها في القَساوَةِ مِثْلُ الحِجارَةِ أوْ أزْيَدُ عَلَيْها، أوْ أنَّها مِثْلُها، أوْ مِثْلُ ما هو أشَدُّ مِنها قَسْوَةً كالحَدِيدِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الحِجارَةِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ أقْسى لِما في أشَدِّ مِنَ المُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى اشْتِدادِ القَسْوَتَيْنِ واشْتِمالِ المُفَضَّلِ عَلى زِيادَةٍ و (أوْ) لِلتَّخْيِيرِ، أوْ لِلتَّرْدِيدِ بِمَعْنى: أنَّ مَن عَرَفَ حالَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ أوْ بِما هو أقْسى مِنها.

﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّفْضِيلِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجارَةَ تَتَأثَّرُ وتَنْفَعِلُ فَإنَّ مِنها ما يَتَشَقَّقُ فَيَنْبُعُ مِنهُ الماءُ، وتَنْفَجِرُ مِنهُ الأنْهارُ، ومِنها ما يَتَرَدّى مِن أعْلى الجَبَلِ انْقِيادًا لِما أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهِ. وقُلُوبُ هَؤُلاءِ لا تَتَأثَّرُ ولا تَنْفَعِلُ عَنْ أمْرِهِ تَعالى. والتَّفَجُّرُ التَّفَتُّحُ بِسِعَةٍ وكَثْرَةٍ، والخَشْيَةُ مَجازٌ عَنِ الِانْقِيادِ، وقُرِئَ (إنْ) عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وتَلْزَمُها اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ إنِ النّافِيَةِ، ويَهْبِطُ بِالضَّمِّ.

﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ عَلى ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ ضَمًّا إلى ما بَعْدَهُ، والباقُونَ بِالتّاءِ.(p-89)

2:75Page 11

۞ أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥

Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allāh and then distort it [i.e., the Torah] after they had understood it while they were knowing?

﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ﴿أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أنْ يُصَدِّقُوكُمْ، أوْ يُؤْمِنُوا لِأجْلِ دَعْوَتِكم. يَعْنِي اليَهُودَ. ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ طائِفَةٌ مِن أسْلافِهِمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ يَعْنِي التَّوْراةَ. ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ كَنَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وآيَةِ الرَّجْمِ. أوْ تَأْوِيلَهُ فَيُفَسِّرُونَهُ بِما يَشْتَهُونَ. وقِيلَ هَؤُلاءِ مِنَ السَّبْعِينَ المُخْتارِينَ سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ تَعالى حِينَ كَلَّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالطُّورِ، ثُمَّ قالُوا سَمْعَنا اللَّهَ تَعالى يَقُولُ في آخِرِهِ: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَفْعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ فافْعَلُوا وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَفْعَلُوا. ﴿مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ أيْ فَهِمُوهُ بِعُقُولِهِمْ ولَمْ يَبْقَ لَهم فِيهِ رِيبَةٌ. ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم مُفْتَرُونَ مُبْطِلُونَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ أحْبارَ هَؤُلاءِ ومُقَدَّمِيهِمْ كانُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، فَما ظَنُّكَ بِسَفَلَتِهِمْ وجُهّالِهِمْ، وأنَّهم إنْ كَفَرُوا وحَرَّفُوا فَلَهم سابِقَةٌ في ذَلِكَ.

2:76–77Page 11

وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٧٦

And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allāh has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?

أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٧

But do they not know that Allāh knows what they conceal and what they declare?

﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي مُنافِقِيهِمْ. ﴿قالُوا آمَنّا﴾ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ، وإنَّ رَسُولَكم هو المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ ﴿وَإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا﴾ أيِ الَّذِينَ لَمْ يُنافِقُوا مِنهم عاتِبِينِ عَلى مَن نافَقَ. ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِما بَيَّنَ لَكم في التَّوْراةِ مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوِ الَّذِينَ نافَقُوا لِأعْقابِهِمْ إظْهارًا لِلتَّصَلُّبِ في اليَهُودِيَّةِ، ومَنعًا لَهم عَنْ إبْداءِ ما وجَدُوا في كِتابِهِمْ، فَيُنافِقُونَ الفَرِيقَيْنِ. فالِاسْتِفْهامُ عَلى الأوَّلِ تَقْرِيعٌ وعَلى الثّانِي إنْكارٌ ونَهْيٌ ﴿لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ لِيَحْتَجُّوا عَلَيْكم بِما أنْزَلَ رَبُّكم في كِتابِهِ، جَعَلُوا مُحاجَّتَهم بِكِتابِ اللَّهِ وحُكْمِهِ مُحاجَّةً عِنْدَهُ كَما يُقالُ عِنْدَ اللَّهِ كَذا، ويُرادُ بِهِ أنَّهُ جاءَ في كِتابِهِ وحُكْمِهِ، وقِيلَ عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكُمْ، أوْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ رَبِّكم. وقِيلَ عِنْدَ رَبِّكم في القِيامَةِ وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الإخْفاءُ لا يَدْفَعُهُ. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إمّا مِن تَمامِ كَلامِ اللّائِمِينَ وتَقْدِيرِهِ: أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّهم يُحاجُّونَكم بِهِ فَيُحِجُّونَكُمْ، أوْ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾، والمَعْنى: أفَلا تَعْقِلُونَ حالَهم وأنْ لا مَطْمَعَ لَكم في إيمانِهِمْ.

﴿أوَلا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، أوِ اللّائِمِينَ، أوْ كِلَيْهِما، أوْ إيّاهم والمُحَرِّفِينَ. ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ ومِن جُمْلَتِهِما إسْرارُهُمُ الكُفْرَ وإعْلانُهُمُ الإيمانَ، وإخْفاءُ ما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وإظْهارُ غَيْرِهِ، وتَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ ومَعانِيهِ.

2:78–79Page 12

وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٧٨

And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except [indulgement in] wishful thinking, but they are only assuming.

فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ ٧٩

So woe1 to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allāh," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.

﴿وَمِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ جَهَلَةٌ لا يَعْرِفُونَ الكِتابَةَ فَيُطالِعُوا التَّوْراةَ ويَتَحَقَّقُوا ما فِيها. أوِ التَّوْراةَ ﴿إلا أمانِيَّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. والأمانِيُّ: جُمَعُ أمْنِيَّةٍ وهي في الأصْلِ ما يُقَدِّرُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِن مُنى إذا قَدَرَ، ولِذَلِكَ تُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ وعَلى ما يُتَمَنّى وما يُقْرَأُ والمَعْنى لَكِنْ يَعْتَقِدُونَ أكاذِيبَ أخَذُوها تَقْلِيدًا مِنَ المُحَرِّفِينَ أوْ مَواعِيدَ فارِغَةً. سَمِعُوها مِنهم مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا، وأنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً. وقِيلَ إلّا ما يَقْرَءُونَ قِراءَةً عارِيَةً عَنْ مَعْرِفَةِ المَعْنى وتَدَبُّرِهِ مِن قَوْلِهِ:

؎ تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ... تَمَنِّيَ داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رِسْلِ

(p-90)وَهُوَ لا يُناسِبُ وصْفَهم بِأنَّهم أُمِّيُّونَ. ﴿وَإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ ما هم إلّا قَوْمٌ يَظُنُّونَ لا عِلْمَ لَهُمْ، وقَدْ يُطْلَقُ الظَّنُّ بِإزاءِ العِلْمِ عَلى كُلِّ رَأْيٍ واعْتِقادٍ مِن غَيْرِ قاطِعٍ، وإنْ جَزَمَ بِهِ صاحِبُهُ: كاعْتِقادِ المُقَلِّدِ والزّائِغِ عَنِ الحَقِّ لِشُبْهَةٍ.

﴿فَوَيْلٌ﴾ أيْ تَحَسَّرَ وهَلَكَ. ومَن قالَ إنَّهُ وادٍ أوْ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ فَمَعْناهُ: أنَّ فِيها مَوْضِعًا يَتَبَوَّأُ فِيهِ مَن جُعِلَ لَهُ الوَيْلُ، ولَعَلَّهُ سَمّاهُ بِذَلِكَ مَجازًا. وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ وإنَّما ساغَ الِابْتِداءُ بِهِ نَكِرَةً لِأنَّهُ دُعاءٌ. ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي المُحَرِّفِينَ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ ما كَتَبُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ. ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُهُ بِيَمِينِي ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ كَيْ يَحْصُلُوا بِهِ عَرْضًا مِن أعْراضِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ وإنْ جُعْلٌ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما اسْتَوْجَبُوهُ مِنَ العِقابِ الدّائِمِ. ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي المُحَرِّفَ. ﴿وَوَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ يُرِيدُ بِهِ الرُّشى.

2:80Page 12

وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٠

And they say, "Never will the Fire touch us, except for [a few] numbered days." Say, "Have you taken a covenant with Allāh? For Allāh will never break His covenant. Or do you say about Allāh that which you do not know?"

﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ المَسُّ اتِّصالُ الشَّيْءِ بِالبَشَرَةِ بِحَيْثُ تَتَأثَّرُ الحاسَّةُ بِهِ، واللَّمْسُ كالطَّلَبِ لَهُ ولِذَلِكَ يُقالُ ألْمِسُهُ فَلا أجِدُهُ. ﴿إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ مَحْصُورَةً قَلِيلَةً، رُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالُوا نُعَذَّبُ بِعَدَدِ أيّامِ عِبادَةِ العِجْلِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وبَعْضَهم قالُوا مُدَّةُ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ وإنَّما نُعَذَّبُ مَكانَ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْمًا ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ خَبَرًا أوْ وعْدٌ بِما تَزْعُمُونَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ بِإظْهارِ الذّالِ. والباقُونَ بِإدْغامِهِ ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ أيْ: إنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخُلْفَ في خَبَرِهِ مُحالٌ.

﴿أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أمْ مُعادِلَةٌ لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى: أيُّ الأمْرَيْنِ كائِنٌ، عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ لِلْعِلْمِ بِوُقُوعِ أحَدِهِما، أوْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى: بَلْ أتَقُولُونَ، عَلى التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ.

2:81–82Page 12

بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨١

Yes, [on the contrary], whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨٢

But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

﴿بَلى﴾ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن مَساسِ النّارِ لَهم زَمانًا مَدِيدًا ودَهْرًا طَوِيلًا عَلى وجْهٍ أعَمَّ، لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ، وتَخْتَصُّ بِجَوابِ النَّفْيِ ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ قَبِيحَةً، والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الخَطِيئَةِ أنَّها قَدْ تُقالُ فِيما يُقْصَدُ بِالذّاتِ، والخَطِيئَةُ تَغْلِبُ فِيما يُقْصَدُ بِالعَرْضِ لِأنَّهُ مِنَ الخَطَأِ، والكَسْبُ: اسْتِجْلابُ النَّفْعِ. وتَعْلِيقُهُ بِالسَّيِّئَةِ عَلى طَرِيقِ قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .

﴿وَأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أيِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ، وشَمَلَتْ جُمْلَةَ أحْوالِهِ حَتّى صارَ كالمُحاطِ بِها لا يَخْلُو عَنْها شَيْءٌ مِن جَوانِبِهِ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ في شَأْنِ الكافِرِ لِأنَّ غَيْرَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوى تَصْدِيقِ قَلْبِهِ وإقْرارِ لِسانِهِ فَلَمْ تُحِطِ الخَطِيئَةُ بِهِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَها السَّلَفُ بِالكُفْرِ. وتَحْقِيقُ ذَلِكَ: أنَّ مَن أذْنَبَ ذَنْبًا ولَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ اسْتَجَرَّهُ إلى مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ والِانْهِماكِ فِيهِ وارْتِكابِ ما هو أكْبَرُ مِنهُ، حَتّى تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الذُّنُوبُ وتَأْخُذَ بِمَجامِعِ قَلْبِهِ فَيَصِيرَ بِطَبْعِهِ مائِلًا إلى المَعاصِي، مُسْتَحْسِنًا إيّاها مُعْتَقِدًا أنْ لا لَذَّةَ سِواها، مُبْغِضًا لِمَن يَمْنَعُهُ عَنْها مُكَذِّبًا لِمَن يَنْصَحُهُ فِيها، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ . وقَرَأ نافِعٌ خَطِيئاتِهِ.

وَقُرِئَ « خَطِيَّتُهُ» و « خَطِيّاتُهُ» عَلى القَلْبِ والإدْغامِ فِيهِما. فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ مُلازِمُوها في الآخِرَةِ كَما أنَّهم مُلازِمُونَ أسْبابَها في الدُّنْيا ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ، أوْ لابِثُونَ لُبْثًا طَوِيلًا. والآيَةُ كَما تَرى لا حُجَّةَ فِيها عَلى خُلُودِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ وكَذا الَّتِي قَبْلَها.

(p-91)﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ جَرَتْ عادَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنْ يَشْفَعَ وعْدَهُ بِوَعِيدِهِ، لَتُرْجى رَحْمَتُهُ ويُخْشى عَذابُهُ، وعَطْفُ العَمَلِ عَلى الإيمانِ يَدُلُّ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ مُسَمّاهُ.

2:83Page 12

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ ٨٣

And [recall] when We took the covenant from the Children of Israel, [enjoining upon them], "Do not worship except Allāh; and to parents do good and to relatives, orphans, and the needy. And speak to people good [words] and establish prayer and give zakāh." Then you turned away, except a few of you, and you were refusing.

﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ . وهو أبْلَغُ مِن صَرِيحِ النَّهْيِ لِما فِيهِ مِن إيهامِ أنَّ المَنهِيَّ سارَعَ إلى الِانْتِهاءِ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ: « لا تَعْبُدُوا» . وعَطَفَ (قُولُوا) عَلَيْهِ فَيَكُونُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ أنْ لا يَعْبُدُوا فَلَمّا حُذِفَ أنْ رُفِعَ كَقَوْلِهِ:

؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِيُّ أحْضُرَ الوَغى... وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي

وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ: « ألّا تَعْبُدُوا»، فَيَكُونُ بَدَلًا عَنِ المِيثاقِ، أوْ مَعْمُولًا لَهُ بِحَذْفِ الجارِّ. وقِيلَ إنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: وحَلَّفْناهم لا يَعْبُدُونَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ حِكايَةً لِما خُوطِبُوا بِهِ، والباقُونَ بِالياءِ لِأنَّهم غُيَّبٌ ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ تَعَلَّقَ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وتُحْسِنُونَ أوْ أحْسِنُوا ﴿وَذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ﴾ عَطْفٌ عَلى الوالِدَيْنِ. واليَتامى جَمْعُ يَتِيمٍ كَنَدِيمِ ونَدامى وهو قَلِيلٌ. ومِسْكِينٌ مِفْعِيلٌ مِنَ السُّكُونِ، كَأنَّ الفَقْرَ أسْكَنَهُ ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ أيْ قَوْلًا حَسَنًا، وسَمّاهُ ﴿حُسْنًا﴾ لِلْمُبالَغَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ حَسَنًا بِفُتْحَتَيْنِ. وقُرِئَ « حُسُنًا» بِضَمَّتَيْنِ وهو لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وحُسْنى عَلى المَصْدَرِ كَبُشْرى والمُرادُ بِهِ ما فِيهِ تَخَلُّقٌ وإرْشادٌ ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يُرِيدُ بِهِما ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ في مِلَّتِهِمْ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ولَعَلَّ الخِطابَ مَعَ المَوْجُودَيْنِ مِنهم في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن قَبْلَهم عَلى التَّغْلِيبِ، أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ المِيثاقِ ورَفَضْتُمُوهُ ﴿إلا قَلِيلا مِنكُمْ﴾ يُرِيدُ بِهِ مَن أقامَ اليَهُودِيَّةَ عَلى وجْهِها قَبْلَ النَّسْخِ، ومَن أسْلَمَ مِنهم ﴿وَأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإعْراضُ عَنِ الوَفاءِ والطّاعَةِ. وأصْلُ الإعْراضِ الذَّهابُ عَنِ المُواجَهَةِ إلى جِهَةِ العَرْضِ.

2:84Page 13

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٨٤

And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed your [i.e., each other's] blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.

﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ والمُرادُ بِهِ أنْ لا يَتَعَرَّضَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالقَتْلِ والإجْلاءِ عَنِ الوَطَنِ. وإنَّما جَعَلَ قَتْلَ الرَّجُلِ غَيْرَهُ قَتْلَ نَفْسِهِ، لِاتِّصالِهِ بِهِ نَسَبًا. أوْ دِينًا، أوْ لِأنَّهُ يُوجِبُهُ قَصاصًا. وقِيلَ مَعْناهُ لا تَرْتَكِبُوا ما يُبِيحُ سَفْكَ دِمائِكم وإخْراجَكم مِن دِيارِكُمْ، أوْ لا تَفْعَلُوا ما يُرْدِيكم ويَصْرِفُكم عَنِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ فَإنَّهُ القَتْلُ في الحَقِيقَةِ، ولا تَقْتَرِفُوا ما تُمْنَعُونَ بِهِ عَنِ الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُكُمْ، فَإنَّهُ الجَلاءُ الحَقِيقِيُّ ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾ بِالمِيثاقِ واعْتَرَفْتُمْ بِلُزُومِهِ ﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ تَوْكِيدٌ كَقَوْلِكَ: أقَرَّ فُلانٌ شاهِدًا عَلى نَفْسِهِ. وقِيلَ وأنْتُمْ أيُّها المَوْجُودُونَ تَشْهَدُونَ عَلى إقْرارِ أسْلافِكُمْ، فَيَكُونُ إسْنادُ الإقْرارِ إلَيْهِمْ مَجازًا.

2:85Page 13

ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥

Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allāh is not unaware of what you do.

(p-92)﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ اسْتِبْعادٌ لِما ارْتَكَبُوهُ بَعْدَ المِيثاقِ والإقْرارِ بِهِ والشَّهادَةِ عَلَيْهِ. وأنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وهَؤُلاءِ خَبَرُهُ عَلى مَعْنى أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ النّاقِصُونَ، كَقَوْلِكَ: أنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي فَعَلَ كَذا، نَزَّلَ تَغَيُّرَ الصِّفَةِ مَنزِلَةَ تَغَيُّرِ الذّاتِ، وعَدَهم بِاعْتِبارِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ حُضُورًا وبِاعْتِبارِ ما سَيَحْكِي عَنْهم غَيْبًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ إمّا حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، أوْ بَيانٌ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ. وقِيلَ: هَؤُلاءِ تَأْكِيدٌ، والخَبَرُ هو الجُمْلَةُ. وقِيلَ بِمَعْنى الَّذِينَ والجُمْلَةُ صِلَتُهُ والمَجْمُوعُ هو الخَبَرُ، وقُرِئَ « تُقَتِّلُونَ» عَلى التَّكْثِيرِ. ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ تَخْرُجُونَ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أوْ كِلَيْهِما. والتَّظاهُرُ التَّعاوُنُ مِنَ الظَّهْرِ. وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِإظْهارِها، وتُظْهِرُونَ بِمَعْنى تَتَظَهَّرُونَ ﴿وَإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ رُوِيَ أنَّ قُرَيْظَةَ كانُوا حُلَفاءَ الأوْسِ، والنَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، فَإذا اقْتَتَلا عاوَنَ كُلُّ فَرِيقٍ حُلَفاءَهُ في القَتْلِ وتَخْرِيبِ الدِّيارِ وإجْلاءِ أهْلِها، وإذا أُسِرَ أحَدٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ. وقِيلَ مَعْناهُ إنْ يَأْتُوكم أُسارى في أيْدِي الشَّياطِينِ تَتَصَدَّوْا لِإنْقاذِهِمْ بِالإرْشادِ والوَعْظِ مَعَ تَضْيِيعِكم أنْفُسَكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ « أسْرى» وهو جَمْعُ أسِيرٍ كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وأُسارى جَمْعُهُ كَسَكْرى وسُكارى. وقِيلَ هو أيْضًا جَمْعُ أسِيرٍ، وكَأنَّهُ شُبِّهَ بِالكَسْلانِ وجَمْعِ جَمْعِهِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ « تَفْدُوهم» ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، أوْ مُبْهَمٌ ويُفَسِّرُهُ إخْراجُهُمْ، أوْ راجِعٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ تُخْرِجُونَ مِنَ المَصْدَرِ. وإخْراجُهم بَدَلٌ أوْ بَيانٌ ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ﴾ يَعْنِي الفِداءَ.

﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي حُرْمَةَ المُقاتَلَةِ والإجْلاءِ. ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ كَقَتْلِ قُرَيْظَةَ وسَبْيِهِمْ. وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى غَيْرِهِمْ. وأصْلُ الخِزْيِ ذُلٌّ يُسْتَحَيا مِنهُ، ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في كُلٍّ مِنهُما. ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾ لِأنَّ عِصْيانَهم أشَدُّ. ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْوَعِيدِ، أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالمِرْصادِ لا يَغْفُلُ عَنْ أفْعالِهِمْ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ، « تُرَدُّونَ» عَلى الخِطابِ لِقَوْلِهِ ﴿مِنكُمْ﴾ . وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وخَلَفٌ ويَعْقُوبُ « يَعْمَلُونَ» عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِمَن.

2:86Page 13

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٨٦

Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ آثَرُوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ. ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ بِنَقْضِ الجِزْيَةِ في الدُّنْيا، والتَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ. ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ بِدَفْعِهِما عَنْهم.

2:87Page 13

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ٨٧

And We did certainly give Moses the Scripture [i.e., the Torah] and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel]. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ ﴿وَقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ أيْ أرْسَلْنا عَلى أثَرِهِ الرُّسُلَ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ . يُقالُ قَفّاهُ إذا تَبِعَهُ، وقَفّاهُ بِهِ إذا أتْبَعَهُ إيّاهُ مِنَ القَفا، نَحْوَ ذَنْبِهِ مِنَ الذَّنْبِ ﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ المُعْجِزاتِ الواضِحاتِ كَإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكَمَهِ والأبْرَصِ، والإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ. أوِ الإنْجِيلَ، وعِيسى بِالعِبْرِيَّةِ أبْشُوعُ. ومَرْيَمُ بِمَعْنى الخادِمِ، وهو بِالعَرَبِيَّةِ مِنَ النِّساءِ كالزِّيرِ مِنَ الرِّجالِ، قالَ رُؤْبَةُ:

؎ قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصُلْهُ مَرْيَمَهْ.

وَوَزْنُهُ مَفْعَلٌ إذْ لَمْ يَثْبُتُ فَعِيلٌ ﴿وَأيَّدْناهُ﴾ وقَوَّيْناهُ، (p-93)وَقُرِئَ « آيَدْناهُ» بِالمَدِّ ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾ بِالرُّوحِ المُقَدَّسَةِ كَقَوْلِكَ: حاتِمُ الجُودِ، ورَجُلُ صِدْقٍ، وأرادَ بِهِ جِبْرِيلَ.

وَقِيلَ: رُوحُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووَصَفَها بِهِ لِطَهارَتِهِ عَنْ مَسِّ الشَّيْطانِ، أوْ لِكَرامَتِهِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولِذَلِكَ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ لَمْ تَضُمَّهُ الأصْلابُ والأرْحامُ الطَّوامِثُ، أوِ الإنْجِيلُ، أوِ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي كانَ يُحْيِي بِهِ المَوْتى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « القُدْسِ» بِالإسْكانِ في جَمِيعِ القُرْآنِ ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾ بِما لا تُحِبُّهُ. يُقالُ هَوِيَ بِالكَسْرِ هَوًى إذا أحَبَّ وهَوى بِالفَتْحِ هُوِيًّا بِالضَّمِّ إذا سَقَطَ. ووُسِّطَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَ الفاءِ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ تَوْبِيخًا لَهم عَلى تَعْقِيبِهِمْ ذاكَ بِهَذا وتَعْجِيبًا مِن شَأْنِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ واتِّباعِ الرُّسُلِ. ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ كَمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلتَّفْصِيلِ ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ كَزَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، وإنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ المُضارِعِ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لَها في النُّفُوسِ، فَإنَّ الأمْرَ فَظِيعٌ. أوْ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّكم بَعْدُ فِيهِ فَإنَّكم تَحُومُونَ حَوْلَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لَوْلا أنِّي أعْصِمُهُ مِنكُمْ، ولِذَلِكَ سَحَرْتُمُوهُ وسَمَمْتُمْ لَهُ الشّاةَ.

2:88Page 13

وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨

And they said, "Our hearts are wrapped."1 But, [in fact], Allāh has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.

﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ مُغَشّاةٌ بِأغْطِيَةٍ خَلْقِيَّةٍ لا يَصِلُ إلَيْها ما جِئْتَ بِهِ ولا تَفْقَهُهُ، مُسْتَعارٌ مِنَ الأغْلَفِ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ وقِيلَ أصْلُهُ غُلُفٌ جَمْعُ غِلافٍ فَخُفِّفَ، والمَعْنى أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ لا تَسْمَعُ عِلْمًا إلّا وعَتْهُ، ولا تَعِي ما تَقُولُ. أوْ نَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما فِيها عَنْ غَيْرِهِ. ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ رَدٌّ لِما قالُوهُ، والمَعْنى أنَّها خُلِقَتْ عَلى الفِطْرَةِ والتَّمَكُّنِ مِن قَبُولِ الحَقِّ، ولَكِنَّ اللَّهَ خَذَلَهم بِكُفْرِهِمْ فَأبْطَلَ اسْتِعْدادَهُمْ، أوْ أنَّها لَمْ تَأْبَ قَبُولَ ما تَقَوَّلَهُ لِخَلَلٍ فِيهِ، بَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَذَلَهم بِكُفْرِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾، أوْ هم كَفَرَةٌ مَلْعُونُونَ، فَمِن أيْنَ لَهم دَعْوى العِلْمِ والِاسْتِغْناءِ عَنْكَ؟ ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، وما مَزِيدَهٌ لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْلِيلِ، وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الكِتابِ. وقِيلَ: أرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمَ.

2:89Page 14

وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٩

And when there came to them a Book [i.e., the Qur’ān] from Allāh confirming that which was with them - although before they used to pray for victory against those who disbelieved - but [then] when there came to them that which they recognized, they disbelieved in it; so the curse of Allāh will be upon the disbelievers.

﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ يُعْنى القُرْآنَ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ مِن كِتابِهِمْ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن كِتابٍ لِتَخَصُّصِهِ بِالوَصْفِ، وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ لَمّا الثّانِيَةِ. ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ يَسْتَنْصِرُونَ عَلى المُشْرِكِينَ ويَقُولُونَ: اللَّهُمَّ انْصُرْنا بِنَبِيِّ آخِرِ الزَّمانِ المَنعُوتِ، في التَّوْراةِ. أوْ يَفْتَحُونَ عَلَيْهِمْ ويُعَرِّفُونَهم أنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنهُمْ، وقَدْ قَرُبَ زَمانُهُ، والسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ والإشْعارِ أنَّ الفاعِلَ يَسْألُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ مِنَ الحَقِّ. ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ حَسَدًا وخَوْفًا عَلى الرِّياسَةِ. ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ عَلَيْهِمْ، وأتى بِالمُظْهَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لُعِنُوا لِكُفْرِهِمْ، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ ويَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ.

2:90Page 14

بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩٠

How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allāh has revealed through [their] outrage that Allāh would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.

﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ ما نَكِرَةٌ بِمَعْنى شَيْءٍ مُمَيِّزَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ المُسْتَكِنُ، واشْتَرَوْا صِفَتُهُ ومَعْناهُ باعُوا، أوِ اشْتَرَوْا بِحَسَبِ ظَنِّهِمْ، فَإنَّهم ظَنُّوا أنَّهم خَلَّصُوا أنْفُسَهم مِنَ العُقابِ بِما فَعَلُوا. ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ ﴿بَغْيًا﴾ طَلَبًا لِما لَيْسَ لَهم وحَسَدًا، وهو عِلَّةُ ﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ دُونَ ﴿اشْتَرَوْا﴾ (p-94)لِلْفَصْلِ. ﴿أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ لِأنْ يُنَزِّلَ، أيْ حَسَدُوهُ عَلى أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي الوَحْيَ. ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ عَلى مَنِ اخْتارَهُ لِلرِّسالَةِ ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ لِلْكُفْرِ والحَسَدِ عَلى مَن هو أفْضَلُ الخَلْقِ. وقِيلَ: لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ يُرادُ بِهِ إذْلالُهُمْ، بِخِلافِ عَذابِ العاصِي فَإنَّهُ طُهْرَةٌ لِذُنُوبِهِ.

2:91Page 14

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩١

And when it is said to them, "Believe in what Allāh has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allāh before, if you are [indeed] believers?"

﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ يَعُمُّ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ بِأسْرِها. ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أيْ بِالتَّوْراةِ ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قالُوا، ووَراءَ في الأصْلِ جُعِلَ ظَرْفًا، ويُضافُ إلى الفاعِلِ فَيُرادُ بِهِ ما يَتَوارى بِهِ وهو خَلْفَهُ، وإلى المَفْعُولِ فَيُرادُ بِهِ ما يُوارِيهِ وهو قُدّامَهُ، ولِذَلِكَ عُدَّ مِنَ الأضْدادِ. ﴿وَهُوَ الحَقُّ﴾ الضَّمِيرُ لِما وراءَهُ، والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ تَتَضَمَّنُ رَدَّ مَقالِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا كَفَرُوا بِما يُوافِقُ التَّوْراةَ فَقَدْ كَفَرُوا بِها ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ اعْتِراضٌ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ مَعَ ادِّعاءِ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ والتَّوْراةُ لا تُسَوِّغُهُ، وإنَّما أسْنَدَهُ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ فِعْلُ آبائِهِمْ، وأنَّهم راضُونَ بِهِ عازِمُونَ عَلَيْهِ.

وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ « أنْبِئاءَ اللَّهِ» مَهْمُوزًا في جَمِيعِ القُرْآنِ.

2:92Page 14

۞ وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٩٢

And Moses had certainly brought you clear proofs. Then you took the calf [in worship] after that, while you were wrongdoers.

﴿وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ يَعْنِي الآياتِ التِّسْعَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ أيْ إلَهًا ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ مَجِيءِ مُوسى، أوْ ذَهابِهِ إلى الطَّوْرِ ﴿وَأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ حالٌ، بِمَعْنى اتَّخَذْتُمُ العَجَلَ ظالِمِينَ بِعِبادَتِهِ، أوْ بِالإخْلالِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، أوِ اعْتِراضٌ بِمَعْنى وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُّلْمُ. ومَساقُ الآيَةِ أيْضًا لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ طَرِيقَتَهم مَعَ الرَّسُولِ طَرِيقَةُ أسْلافِهِمْ مَعَ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، لا لِتَكْرِيرِ القِصَّةِ وكَذا ما بَعْدَها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском