Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:108–135
20:108–109Page 319
يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا ١٠٨
That Day, they [i.e., everyone] will follow [the call of] the Caller1 [with] no deviation therefrom, and [all] voices will be stilled before the Most Merciful, so you will not hear except a whisper [of footsteps].
يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا ١٠٩
That Day, no intercession will benefit except [that of] one to whom the Most Merciful has given permission and has accepted his word.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ نُسِفَتْ عَلى إضافَةِ اليَوْمِ إلى وقْتِ النَّسْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا ثانِيًا مِن يَوْمِ القِيامَةِ. ﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ داعِيَ اللَّهِ إلى المَحْشَرِ، قِيلَ هو إسْرافِيلُ يَدْعُو النّاسَ قائِمًا عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ أوْبٍ إلى صَوْبِهِ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ لا يَعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ ولا يَعْدِلُ عَنْهُ. ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ خَفَضَتْ لِمَهابَتِهِ. ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ صَوْتًا خَفِيًّا ومِنهُ الهَمِيسُ لِصَوْتِ أخْفافِ الإبِلِ، وقَدْ فُسِّرَ الهَمْسُ بِخَفْقِ أقْدامِهِمْ ونَقْلِها إلى المَحْشَرِ.
﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الشَّفاعَةِ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ أوْ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ إلّا مَن أذِنَ في أنْ يُشْفَعَ لَهُ فَإنَّ الشَّفاعَةَ تَنْفَعُهُ، فَـ ( مَن ) عَلى الأوَّلِ مَرْفُوعٌ عَلى البَدَلِيَّةِ وعَلى الثّانِي مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ و ( أذِنَ ) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإذْنِ ومِنَ الأُذُنِ. ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ أيْ ورَضِيَ لِمَكانِهِ عِنْدَ اللَّهِ قَوْلَهُ في الشَّفاعَةِ أوْ رَضِيَ لِأجْلِهِ قَوْلَ الشّافِعِ في شَأْنِهِ، أوْ قَوْلَهُ لِأجْلِهِ وفي شَأْنِهِ.
20:110–111Page 319
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا ١١٠
He [i.e., Allāh] knows what is [presently] before them and what will be after them,1 but they do not encompass it [i.e., what He knows] in knowledge.
۞ وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ ٱلۡقَيُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا ١١١
And [all] faces will be humbled before the Ever-Living, the Self-Sustaining.1 And he will have failed who carries injustice.2
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ ما تَقَدَّمَهم مِنَ الأحْوالِ. ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ وما بَعْدَهم مِمّا يَسْتَقْبِلُونَهُ. ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ولا يُحِيطُ عِلْمُهم بِمَعْلُوماتِهِ، وقِيلَ بِذاتِهِ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِأحَدِ المَوْصُولَيْنِ أوْ لِمَجْمُوعِهِما، فَإنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا جَمِيعَ ذَلِكَ ولا تَفْصِيلَ ما عَلِمُوا مِنهُ.
﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ ذَلَّتْ وخَضَعَتْ لَهُ خُضُوعَ العُناةِ وهُمُ الأسارى في يَدِ المَلِكِ القَهّارِ، وظاهِرُها يَقْتَضِي العُمُومَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها وُجُوهُ المُجْرِمِينَ فَتَكُونُ اللّامُ بَدَلَ الإضافَةِ ويُؤَيِّدُهُ. ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ وهو يَحْتَمِلُ الحالَ والِاسْتِئْنافَ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ عَنَتْ وُجُوهُهم.
20:112–113Page 319
وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا يَخَافُ ظُلۡمٗا وَلَا هَضۡمٗا ١١٢
But he who does of righteous deeds while he is a believer - he will neither fear injustice nor deprivation.
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ أَوۡ يُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرٗا ١١٣
And thus We have sent it down as an Arabic Qur’ān1 and have diversified therein the warnings that perhaps they will avoid [sin] or it would cause them remembrance.
﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ بَعْضَ الطّاعاتِ. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إذِ الإيمانُ شَرْطٌ في صِحَّةِ الطّاعاتِ وقَبُولِ (p-40)
الخَيْراتِ. ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾ مَنعَ ثَوابٍ مُسْتَحَقٍّ بِالوَعْدِ ﴿وَلا هَضْمًا﴾ ولا كَسْرًا مِنهُ بِنُقْصانٍ أوْ جَزاءَ ظُلْمٍ وهَضْمٌ لِأنَّهُ لَمْ يَظْلِمْ غَيْرَهُ ولَمْ يَهْضِمْ حَقَّهُ، وقُرِئَ «فَلا يَخَفْ» عَلى النَّهْيِ.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ أوْ مِثْلَ إنْزالِ هَذِهِ الآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْوَعِيدِ.
﴿أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ كُلَّهُ عَلى هَذِهِ الوَتِيرَةِ. ﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾ مُكَرِّرِينَ فِيهِ آياتِ الوَعِيدِ. ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ المَعاصِيَ فَتَصِيرُ التَّقْوى لَهم مَلَكَةً. ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ عِظَةً واعْتِبارًا حِينَ يَسْمَعُونَها فَتُثَبِّطُهم عَنْها، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ أسْنَدَ التَّقْوى إلَيْهِمْ والإحْداثَ إلى القُرْآنِ.
20:114Page 320
فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا ١١٤
So high [above all] is Allāh, the Sovereign,1 the Truth.2 And, [O Muḥammad], do not hasten with [recitation of] the Qur’ān before its revelation is completed to you, and say, "My Lord, increase me in knowledge."
﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَنْ مُماثَلَةِ المَخْلُوقِينَ لا يُماثِلُ كَلامُهُ كَلامَهم كَما لا تُماثِلَ ذاتُهُ ذاتَهم.
﴿المَلِكُ﴾ النّافِذُ أمْرُهُ ونَهْيُهُ الحَقِيقُ بِأنْ يُرْجى وعْدُهُ ويُخْشى وعِيدُهُ. ﴿الحَقُّ﴾ في مَلَكُوتِهِ يَسْتَحِقُّهُ لِذاتِهِ، أوِ الثّابِتُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ نَهْيٌّ عَنِ الِاسْتِعْجالِ في تَلَقِّي الوَحْيِ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومُساوَقَتِهِ في القِراءَةِ حَتّى يَتِمَّ وحْيُهُ بَعْدَ ذِكْرِ الإنْزالِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ. وقِيلَ نَهْيٌّ عَنْ تَبْلِيغِ ما كانَ مُجْمَلًا قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ بَيانُهُ. ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أيْ سَلِ اللَّهَ زِيادَةَ العِلْمِ بَدَلَ الِاسْتِعْجالِ فَإنَّ ما أوْحى إلَيْكَ تَنالُهُ لا مَحالَةَ.
20:115Page 320
وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا ١١٥
And We had already taken a promise from Adam before, but he forgot; and We found not in him determination.1
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾ ولَقَدْ أمَرْناهُ يُقالُ تَقَدَّمَ المَلِكُ إلَيْهِ وأوْعَزَ إلَيْهِ وعَزَمَ عَلَيْهِ وعَهِدَ إلَيْهِ إذا أمَرَهُ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ وإنَّما عَطَفَ قِصَّةَ آدَمَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أساسَ بَنِي آدَمَ عَلى العِصْيانِ وعِرْقَهم راسِخٌ في النِّسْيانِ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ هَذا الزَّمانِ. ﴿فَنَسِيَ﴾ العَهْدَ ولَمْ يُعْنَ بِهِ حَتّى غَفَلَ عَنْهُ، أوْ تَرَكَ ما وُصِّيَ بِهِ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنِ الشَّجَرَةِ. ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ تَصْمِيمَ رَأْيٍ وثَباتًا عَلى الأمْرِ إذْ لَوْ كانَ ذا عَزِيمَةٍ وتَصَلُّبٍ لَمْ يُزِلْهُ الشَّيْطانُ ولَمْ يَسْتَطِعْ تَغْرِيرَهُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ في بَدْءِ أمْرِهِ قَبْلَ أنْ يُجَرِّبَ الأُمُورَ ويَذُوقَ شَرْيَها وأرْيَها.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «لَوْ وُزِنَتْ أحْلامُ بَنِي آدَمَ بِحِلْمِ آدَمَ لَرَجَحَ حِلْمُهُ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾» .
وَقِيلَ عَزْمًا عَلى الذَّنْبِ لِأنَّهُ أخْطَأ ولَمْ يَتَعَمَّدْهُ و ﴿نَجِدْ﴾ وإنْ كانَ مِنَ الوُجُودِ الَّذِي بِمَعْنى العِلْمِ فَـ ﴿لَهُ عَزْمًا﴾ مَفْعُولاهُ، وإنْ كانَ مِنَ الوُجُودِ المُناقِضِ لِلْعَدَمِ فَلَهُ حالٌ مِن عَزْمًا أوْ مُتَعَلِّقٌ بِنَجِدْ.
20:116–117Page 320
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ ١١٦
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except Iblees;1 he refused.
فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ ١١٧
So We said, "O Adam, indeed this is an enemy to you and to your wife. Then let him not remove you from Paradise so you would suffer.
﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أيِ اذْكُرْ حالَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِيَتَبَيَّنَ لَكَ أنَّهُ نَسِيَ ولَمْ يَكُنْ مِن أُولِي العَزِيمَةِ والثَّباتِ. ﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾ قَدْ سَبَقَ القَوْلُ فِيهِ. ﴿أبى﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما مَنَعَهُ مِنَ السُّجُودِ وهو الِاسْتِكْبارُ وعَلى هَذا لا يَقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ مِثْلَ السُّجُودِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَسَجَدُوا﴾ لِأنَّ المَعْنى أظْهَرَ الإباءَةَ عَنِ المُطاوَعَةِ.
﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما﴾ فَلا يَكُونَنَّ سَبَبًا لِإخْراجِكُما، والمُرادُ نَهْيُهُما عَنْ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَتَسَبَّبُ الشَّيْطانُ إلى إخْراجِهِما. ﴿مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ أفْرَدَهُ بِإسْنادِ الشَّقاءِ إلَيْهِ بَعْدَ إشْراكِهِما في الخُرُوجِ اكْتِفاءً بِاسْتِلْزامِ شَقائِهِ شَقاءَها مِن حَيْثُ إنَّهُ قَيِّمٌ عَلَيْها ومُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالشَّقاءِ التَّعَبُ في طَلَبِ المَعاشِ وذَلِكَ وظِيفَةُ الرِّجالِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ:
20:118–119Page 320
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعۡرَىٰ ١١٨
Indeed, it is [promised] for you not to be hungry therein or be unclothed.
وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضۡحَىٰ ١١٩
And indeed, you will not be thirsty therein or be hot from the sun."
(p-41)﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ .
﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ فَإنَّهُ بَيانٌ وتَذْكِيرٌ لِما لَهُ في الجَنَّةِ مِن أسْبابِ الكِفايَةِ وأقْطابِ الكَفافِ الَّتِي هي الشِّبَعُ والرِّيُّ والكُسْوَةُ والسَّكَنُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ اكْتِسابِها والسَّعْيِ في تَحْصِيلِ أغْراضِ ما عَسى يَنْقَطِعُ ويَزُولُ مِنها بِذِكْرِ نَقائِضِها، لِيُطْرِقَ سَمْعَهُ بِأصْنافِ الشَّقْوَةِ المُحَذَّرِ عَنْها، والعاطِفُ وإنْ نابَ عَنْ أنَّ لَكِنَّهُ نابَ مِن حَيْثُ إنَّهُ عامِلٌ لا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَرْفُ تَحْقِيقٍ فَلا يَمْتَنِعُ دُخُولُهُ عَلى أنَّ امْتِناعَ دُخُولِ إنَّ عَلَيْهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ ( وإنَّكَ لا تَظْمَأُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والباقُونَ بِفَتْحِها.
20:120–122Page 320
فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ ١٢٠
Then Satan whispered to him; he said, "O Adam, shall I direct you to the tree of eternity and possession that will not deteriorate?"
فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١
And they [i.e., Adam and his wife] ate of it, and their private parts became apparent to them, and they began to fasten over themselves from the leaves of Paradise. And Adam disobeyed his Lord and erred.
ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ ١٢٢
Then his Lord chose him and turned to him in forgiveness and guided [him].
﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ فانْتَهى إلَيْهِ وسْوَسَتُهُ. ﴿قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ الشَّجَرَةِ الَّتِي مَن أكَلَ مِنها خُلِّدَ ولَمْ يَمُتْ أصْلًا. فَأضافَها إلى الخُلْدِ أيِ الخُلُودِ لِأنَّها سَبَبُهُ بِزَعْمِهِ. ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ لا يَزُولُ ولا يَضْعُفُ.
﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ أخَذا يَلْزَقانِ الوَرَقَ عَلى سَوْآتِهِما لِلتَّسَتُّرِ وهو ورَقُ التِّينِ ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ بِأكْلِ الشَّجَرَةِ. ﴿فَغَوى﴾ فَضَلَّ عَنِ المَطْلُوبِ وخابَ حَيْثُ طَلَبَ الخُلْدَ بِأكْلِ الشَّجَرَةِ، أوْ عَنِ المَأْمُورِ بِهِ أوْ عَنِ الرُّشْدِ حَيْثُ اغْتَرَّ بِقَوْلِ العَدُوِّ. وقُرِئَ «فَغَوى» مِن غَوى الفَصِيلُ إذا أُتْخِمَ مِنَ اللَّبَنِ وفي النَّعْيِ عَلَيْهِ بِالعِصْيانِ والغَوايَةِ مَعَ صِغَرِ زَلَّتِهِ تَعْظِيمٌ لِلزَّلَّةِ وزَجْرٌ بَلِيغٌ لِأوْلادِهِ عَنْها.
﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ اصْطَفاهُ وقَرَّبَهُ بِالحَمْلِ عَلى التَّوْبَةِ والتَّوْفِيقِ لَها مِن أجَبى إلى كَذا فاجْتَبَيْتُهُ مِثْلَ جَلَيْتُ عَلى العَرُوسِ فاجْتَلَيْتُها، وأصْلُ مَعْنى الكَلِمَةِ الجَمْعُ. ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ لَمّا تابَ. ﴿وَهَدى﴾ إلى الثَّباتِ عَلى التَّوْبَةِ والتَّشَبُّثِ بِأسْبابِ العِصْمَةِ.
20:123–124Page 320
قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ ١٢٣
[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise] - all, [your descendants] being enemies to one another. And if there should come to you guidance from Me - then whoever follows My guidance will neither go astray [in the world] nor suffer [in the Hereafter].
وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤
And whoever turns away from My remembrance - indeed, he will have a depressed [i.e., difficult] life, and We will gather [i.e., raise] him on the Day of Resurrection blind."
﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ الخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ، أوْ لَهُ ولِإبْلِيسَ ولَمّا كانا أصْلَيِ الذَّرِّيَّةِ خاطَبَهُما مُخاطَبَتَهم فَقالَ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ لِأمْرِ المَعاشِ كَما عَلَيْهِ النّاسُ مِنَ التَّجاذُبِ والتَّحارُبِ، أوْ لِاخْتِلالِ حالِ كُلٍّ مِنَ النَّوْعَيْنِ بِواسِطَةِ الآخَرِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ كِتابٌ ورَسُولٌ. ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ﴾ في الدُّنْيا. ﴿وَلا يَشْقى﴾ في الآخِرَةِ.
﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ عَنِ الهُدى الذّاكِرِ لِي والدّاعِي إلى عِبادَتِي. ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ضَيِّقًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وقُرِئَ «ضَنْكى» كَسَكْرى، وذَلِكَ لِأنَّ مَجامِعَ هِمَّتِهِ ومَطامِحَ نَظَرِهِ تَكُونُ إلى أعْراضِ الدُّنْيا مُتَهالِكًا عَلى ازْدِيادِها خائِفًا عَلى انْتِقاصِها، بِخِلافِ المُؤْمِنِ الطّالِبِ لِلْآخِرَةِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدْ يُضَيِّقُ بِشُؤْمِ الكُفْرِ ويُوَسِّعُ بِبَرَكَةِ الإيمانِ كَما قالَ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ الآياتِ، وقِيلَ هو الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ في النّارِ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ ونَحْشُرُهُ) قُرِئَ بِسُكُونِ الهاءِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿فَإنَّ لَهُ (p-42)مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ لِأنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ. ﴿يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ أعْمى البَصَرِ أوِ القَلْبِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ:
20:125–127Page 320
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا ١٢٥
He will say, "My Lord, why have you raised me blind while I was [once] seeing?"
قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ ١٢٦
[Allāh] will say, "Thus did Our signs come to you, and you forgot [i.e., disregarded] them; and thus will you this Day be forgotten."
وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ ١٢٧
And thus do We recompense he who transgressed and did not believe in the signs of his Lord. And the punishment of the Hereafter is more severe and more enduring.1
﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ وقَدْ أمالَهُما حَمْزَةُ والكِسائِيُّ لِأنَّ الألِفَ مُنْقَلِبَةٌ مِنَ الياءِ، وفَرَّقَ أبُو عَمْرٍو بِأنَّ الأوَّلَ رَأْسُ الآيَةِ ومَحَلُّ الوَقْفِ فَهو جَدِيرٌ بِالتَّغْيِيرِ.
﴿قالَ كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ فَعَلْتَ ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقالَ: ﴿أتَتْكَ آياتُنا﴾ واضِحَةً نَيِّرَةً. ﴿فَنَسِيتَها﴾ فَعَمِيتَ عَنْها وتَرَكْتَها غَيْرَ مَنظُورٍ إلَيْها. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلَ تَرْكِكَ إيّاها. ﴿اليَوْمَ تُنْسى﴾ تُتْرَكُ في العَمى والعَذابِ.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ بِالِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والإعْراضِ عَنِ الآياتِ. ﴿وَلَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ بَلْ كَذَّبَ بِها وخالَفَها. ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ﴾ وهو الحَشْرُ عَلى العَمى، وقِيلَ عَذابُ النّارِ أيْ ولَلنّارُ بَعْدَ ذَلِكَ أشَدُّ وأبْقى مِن ضَنْكِ العَيْشِ أوْ مِنهُ ومِنَ العَمى، ولَعَلَّهُ إذا دَخَلَ النّارَ زالَ عَماهُ لِيَرى مَحَلَّهُ وحالَهُ أوْ مِمّا فَعَلَهُ مِن تَرْكِ الآياتِ والكَفْرِ بِها.
20:128–129Page 321
أَفَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ١٢٨
Then, has it not become clear to them how many generations We destroyed before them as they walk among their dwellings? Indeed in that are signs for those of intelligence.
وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى ١٢٩
And if not for a word1 that preceded from your Lord, it [i.e., punishment] would have been an obligation [due immediately],2 and [if not for] a specified term [decreed].
﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ تَعالى أوِ الرَّسُولِ أوْ ما دَلَّ عَلَيْهِ. ﴿كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ إهْلاكُنا إيّاهم أوِ الجُمْلَةُ بِمَضْمُونِها، والفِعْلُ عَلى الأوَّلَيْنِ مُعَلَّقٌ يَجْرِي مَجْرى أعْلَمُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِالنُّونِ.
﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ ويُشاهِدُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهى﴾ لِذَوِي العُقُولِ النّاهِيَةِ عَنِ التَّغافُلِ والتَّعامِي.
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهي العِدَةُ بِتَأْخِيرِ عَذابِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى الآخِرَةِ. ﴿لَكانَ لِزامًا﴾ لَكانَ مِثْلَ ما نَزَلَ بِعادٍ وثَمُودِ لازِمًا لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، وهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ أوِ اسْمُ آلَةٍ سُمِّيَ بِهِ اللّازِمُ لِفَرْطِ لُزُومِهِ كَقَوْلِهِمْ لِزازُ خَصْمٍ. ﴿وَأجَلٌ مُسَمًّى﴾ عُطِفَ عَلى ﴿كَلِمَةٌ﴾ أيْ ولَوْلا العِدَةُ بِتَأْخِيرِ العَذابِ وأجَلٌ مُسَمًّى لِأعْمارِهِمْ، أوْ لِعَذابِهِمْ وهو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ يَوْمَ بَدْرٍ لَكانَ العَذابُ لِزامًا والفَصْلُ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما بِنَفْيِ لُزُومِ العَذابِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى المُسْتَكِنِ في كانَ أيْ لَكانَ الأخْذُ العاجِلُ وأجَلٌ مُسَمًّى لازِمَيْنِ لَهُ.
20:130Page 321
فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ ١٣٠
So be patient over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting; and during periods of the night [exalt Him] and at the ends of the day, that you may be satisfied.
﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وصَلِّ وأنْتَ حامِدٌ لِرَبِّكَ عَلى هِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ، أوْ نَزِّهْهُ عَنِ الشِّرْكِ وسائِرِ ما يُضِيفُونَ إلَيْهِ مِنَ النَّقائِصِ حامِدًا لَهُ عَلى ما مَيَّزَكَ بِالهُدى مُعْتَرِفًا بِأنَّهُ المَوْلى لِلنِّعَمِ كُلِّها. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ يَعْنِي الفَجْرَ. ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ يَعْنِي الظُّهْرَ والعَصْرَ لِأنَّهُما في آخِرِ النَّهارِ أوِ العَصْرَ وحْدَهُ.
﴿وَمِن آناءِ اللَّيْلِ﴾ ومِن ساعاتِهِ جَمْعُ أنا بِالكَسْرِ والقَصْرِ، أوْ أناءَ بِالفَتْحِ والمَدِّ. ﴿فَسَبِّحْ﴾ يَعْنِي المَغْرِبَ والعِشاءَ وإنَّما قُدِّمَ زَمانُ اللَّيْلِ لِاخْتِصاصِهِ بِمَزِيدِ الفَضْلِ فَإنَّ القَلْبَ فِيهِ أجْمَعُ والنَّفْسَ أمْيَلُ إلى الِاسْتِراحَةِ فَكانَتِ العِبادَةُ فِيهِ أحْمَزَ ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ . ﴿وَأطْرافَ النَّهارِ﴾ تَكْرِيرٌ لِصَلاتَيِ الصُّبْحِ والمَغْرِبِ إرادَةَ الِاخْتِصاصِ، ومَجِيئُهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأمْنِ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ:
ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهُورِ التِّرْسَيْنِ(p-43)
أوْ أمْرٌ بِصَلاةِ الظُّهْرِ فَإنَّهُ نِهايَةُ النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ النَّهارِ وبِدايَةُ النِّصْفِ الآخَرِ وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ النِّصْفَيْنِ أوْ لِأنَّ النَّهارَ جِنْسٌ، أوْ بِالتَّطَوُّعِ في أجْزاءِ النَّهارِ. ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( سَبِّحْ ) أيْ سَبِّحْ في هَذِهِ الأوْقاتِ طَمَعًا أنْ تَنالَ عِنْدَ اللَّهِ ما بِهِ تُرْضِي نَفْسَكَ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ يُرْضِيكَ رَبُّكَ.
20:131Page 321
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ ١٣١
And do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [some] categories of them, [its being but] the splendor of worldly life by which We test them. And the provision of your Lord is better and more enduring.
﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أيْ نَظَرَ عَيْنَيْكَ. ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ اسْتِحْسانًا لَهُ وتَمَنِّيًا أنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُهُ. ﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾ وأصْنافًا مِنَ الكَفَرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في بِهِ والمَفْعُولُ مِنهم أيْ إلى الَّذِي مَتَّعْنا بِهِ، وهو أصْنافُ بَعْضِهِمْ أوْ ناسًا مِنهم. ﴿زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿مَتَّعْنا﴾ أوْ ﴿بِهِ﴾ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى أعْطَيْنا، أوْ بِالبَدَلِ مِن مَحَلِّ ﴿بِهِ﴾ أوْ مِن ﴿أزْواجًا﴾ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ ودُونَهُ، أوْ بِالذَّمِّ وهي الزِّينَةُ والبَهْجَةُ. وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالفَتْحِ وهو لُغَةٌ كالجَهْرَةِ في الجَهْرَةِ، أوْ جَمْعُ زاهِرٍ وصْفٌ لَهم بِأنَّهم زاهَرُو الدُّنْيا لِتَنَعُّمِهِمْ وبَهاءِ زِيِّهِمْ بِخِلافِ ما عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ الزُّهّادُ. ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ لِنَبْلُوَهم ونَخْتَبِرَهم فِيهِ، أوْ لِنُعَذِّبَهم في الآخِرَةِ بِسَبَبِهِ. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ، أوْ ما رَزَقَكَ مِنَ الهُدى والنُّبُوَّةِ. ﴿خَيْرٌ﴾ مِمّا مَنَحَهم في الدُّنْيا. ﴿وَأبْقى﴾ فَإنَّهُ لا يَنْقَطِعُ.
20:132Page 321
وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ ١٣٢
And enjoin prayer upon your family [and people] and be steadfast therein. We ask you not for provision; We provide for you, and the [best] outcome is for [those of] righteousness.
﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَأْمُرَ أهْلَ بَيْتِهِ أوِ التّابِعِينَ لَهُ مِن أُمَّتِهِ بِالصَّلاةِ بَعْدَ ما أُمِرَ بِها لِيَتَعاوَنُوا عَلى الِاسْتِعانَةِ بِها عَلى خَصاصَتِهِمْ ولا يَهْتَمُّوا بِأمْرِ المَعِيشَةِ ولا يَلْتَفِتُوا لَفْتَ أرْبابِ الثَّرْوَةِ. ﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ وداوِمْ عَلَيْها. ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾ أيْ أنْ تَرْزُقُ نَفْسَكَ ولا أهْلَكَ. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ وإيّاهم فَفَرِّغْ بالَكَ لِأمْرِ الآخِرَةِ. ﴿والعاقِبَةُ﴾ المَحْمُودَةُ. ﴿لِلتَّقْوى﴾ لِذَوِي التَّقْوى.
رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا أصابَ أهْلَهُ ضُرٌّ أمَرَهم بِالصَّلاةِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ» .
20:133Page 321
وَقَالُواْ لَوۡلَا يَأۡتِينَا بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّهِۦٓۚ أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ١٣٣
And they say, "Why does he not bring us a sign from his Lord?" Has there not come to them evidence of what was in the former scriptures?1
﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ بِآيَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، أوْ بِآيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ إنْكارًا لِما جاءَ بِهِ مِنَ الآياتِ، أوْ لِلِاعْتِدادِ بِهِ تَعَنُّتًا وعِنادًا فَألْزَمَهم بِإتْيانِهِ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو أُمُّ المُعْجِزاتِ وأعْظَمُها وأبْقاها، لِأنَّ حَقِيقَةَ المُعْجِزَةِ اخْتِصاصُ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ بِنَوْعٍ مِنَ العِلْمِ أوِ العَمَلِ عَلى وجْهٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ، ولا شَكَّ أنَّ العِلْمَ أصْلُ العَمَلِ وأعْلى مِنهُ قَدْرًا وأبْقى أثَرًا فَكَذا ما كانَ مِن هَذا القَبِيلِ، ونَبَّهَهم أيْضًا عَلى وجْهٍ أبْيَنَ مِن وُجُوهِ إعْجازِ المُخْتَصَّةِ بِهَذا البابِ فَقالَ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، فَإنَّ اشْتِمالَها عَلى زُبْدَةِ ما فِيها مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ الكُلِّيَّةِ مَعَ أنَّ الآتِيَ بِها أُمِّيٌّ لَمْ يَرَها ولَمْ يَتَعَلَّمْ مِمَّنْ عَلِمَها إعْجازٌ بَيِّنٌ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ كَما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ بُرْهانٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُعْجِزٌ وتِلْكَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هي مُفْتَقِرَةٌ إلى ما يَشْهَدُ عَلى صِحَّتِها. وقُرِئَ «الصُّحُفِ» بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ﴾ بِالتّاءِ والباقُونَ بِالياءِ.
20:134–135Page 321
وَلَوۡ أَنَّآ أَهۡلَكۡنَٰهُم بِعَذَابٖ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ ١٣٤
And if We had destroyed them with a punishment before him,1 they would have said, "Our Lord, why did You not send to us a messenger so we could have followed Your verses [i.e., teachings] before we were humiliated and disgraced?"
قُلۡ كُلّٞ مُّتَرَبِّصٞ فَتَرَبَّصُواْۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ أَصۡحَٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ١٣٥
Say, "Each [of us] is waiting;1 so wait. For you will know who are the companions of the sound path and who is guided."
﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ البَيِّنَةِ والتَّذْكِيرِ لِأنَّها في مَعْنى (p-44)
البُرْهانِ، أوِ المُرادُ بِها القُرْآنُ. ﴿لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ في الدُّنْيا. ﴿وَنَخْزى﴾ بِدُخُولِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قُرِئَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِما.
﴿قُلْ كُلٌّ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنّا ومِنكم. ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾ مُنْتَظِرٌ لِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُنا وأمْرُكم. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ وقُرِئَ «فَتَمَتَّعُوا» . ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ﴾ المُسْتَقِيمِ، وقُرِئَ «السَّواءِ» أيِ الوَسَطِ الجَيِّدِ و «السُّوأى» و «السَّوْءِ» أيِ الشَّرِّ، و «السُّوَيِّ» هو تَصْغِيرُهُ. ﴿وَمَنِ اهْتَدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ ( ومَن ) في المَوْضِعَيْنِ لِلِاسْتِفْهامِ ومَحَلُّها الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ مَوْصُولَةً بِخِلافِ الأُولى لِعَدَمِ العائِدِ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُعَلَّقِ عَنْها الفِعْلُ عَلى أنَّ العِلْمَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ أوْ عَلى أصْحابِ أوْ عَلى الصِّراطِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ .
وَعَنْهُ ﷺ «مَن قَرَأ طَهَ أُعْطِيَ يَوْمَ القِيامَةِ ثَوابَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ رُضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences