Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:29–54
22:29–30Page 335
ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩
Then let them end their untidiness and fulfill their vows and perform ṭawāf around the ancient House."
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠
That [has been commanded], and whoever honors the sacred ordinances of Allāh - it is best for him in the sight of his Lord. And permitted to you are the grazing livestock, except what is recited to you.1 So avoid the uncleanliness of idols and avoid false statement,
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ ثُمَّ لِيُزِيلُوا وسَخَهم بِقَصِّ الشّارِبِ والأظْفارِ ونَتْفِ الإبِطِ والِاسْتِحْدادِ عِنْدَ الإحْلالِ.
﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ما يُنْذِرُونَ مِنَ البَرِّ في حَجِّهِمْ، وقِيلَ مَواجِبُ الحَجِّ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الفاءِ. ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طَوافَ الرُّكْنِ الَّذِي بِهِ تَمامُ التَّحَلُّلِ فَإنَّهُ قَرِينَةُ قَضاءِ التَّفَثِ، وقِيلَ طَوافُ الوَداعِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِكَسْرِ اللّامِ فِيهِما. ﴿بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ القَدِيمِ لِأنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، أوِ المُعْتَقُ مِن تَسَلُّطِ الجَبابِرَةِ فَكَمْ مِن جَبّارٍ رَسا إلَيْهِ لِيَهْدِمَهُ فَمَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى، وأمّا الحَجّاجُ فَإنَّما قَصَدَ إخْراجَ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِنهُ دُونَ التَّسَلُّطِ عَلَيْهِ.
﴿ذَلِكَ﴾ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ وهو وأمْثالُهُ تُطْلَقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ كَلامَيْنِ. ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ أحْكامَهُ وسائِرَ ما لا يَحِلُّ هَتْكُهُ، أوِ الحَرَمَ وما يَتَعَلَّقُ بِالحَجِّ مِنَ التَّكالِيفِ. وقِيلَ الكَعْبَةُ والمَسْجِدُ الحَرامُ والبَلَدُ الحَرامُ والشَّهْرُ الحَرامُ والمُحَرَّمُ. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ فالتَّعْظِيمُ خَيْرٌ لَهُ. ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ثَوابًا. ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلّا المَتْلُوَّ عَلَيْكم تَحْرِيمُهُ، وهو ما حَرُمَ مِنها لِعارِضٍ: كالمَيْتَةِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلا تُحَرِّمُوا مِنها غَيْرَ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ كَما تُجْتَنَبُ الأنْجاسُ، وهو غايَةُ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ تَعْظِيمِها والتَّنْفِيرِ عَنْ عِبادَتِها.
﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ فَإنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ رَأْسُ الزُّورِ، كَأنَّهُ لَمّا حَثَّ عَلى تَعْظِيمِ الحُرُماتِ أتْبَعُهُ ذَلِكَ رَدًّا لِما كانَتِ الكَفَرَةُ عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ وتَعْظِيمِ الأوْثانِ والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ. وقِيلَ شَهادَةُ الزُّورِ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ «عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ الإشْراكَ بِاللَّهِ تَعالى ثَلاثًا وتَلا هَذِهِ الآيَةَ» .
والزُّورُ مِنَ الزَّوْرِ وهو الِانْحِرافُ كَما أنَّ الإفْكَ مِنَ الإفْكِ وهو الصَّرْفُ، فَإنَّ (p-71)
الكَذِبَ مُنْحَرِفٌ مَصْرُوفٌ عَنِ الواقِعِ.
22:31–32Page 336
حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١
Inclining [only] to Allāh, not associating [anything] with Him. And he who associates with Allāh - it is as though he had fallen from the sky and was snatched by the birds or the wind carried him down into a remote place.
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢
That [is so]. And whoever honors the symbols [i.e., rites] of Allāh - indeed, it is from the piety of hearts.
﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ مُخْلِصِينَ لَهُ. ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ وهُما حالانِ مِنَ الواوِ. ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ لِأنَّهُ سَقَطَ مِن أوْجِ الإيمانِ إلى حَضِيضِ الكُفْرِ. ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ فَإنَّ الأهْواءَ الرَّدِيئَةَ تُوَزِّعُ أفْكارَهُ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ. ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ بَعِيدٍ فَإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ طَوَّحَ بِهِ في الضَّلالَةِ وأوْ لِلتَّخْيِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾، أوْ لِلتَّنْوِيعِ فَإنَّ المُشْرِكِينَ مَن لا خَلاصَ لَهُ أصْلًا، ومِنهم مَن يُمْكِنُ خَلاصُهُ بِالتَّوْبَةِ لَكِنْ عَلى بُعْدٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهاتِ المُرَكَّبَةِ فَيَكُونُ المَعْنى: ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ هَلَكَتْ نَفْسُهُ هَلاكًا يُشْبِهُ أحَدَ الهَلاكَيْنِ.
﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ دِينَ اللَّهِ أوْ فَرائِضَ الحَجِّ ومَواضِعَ نُسُكِهِ، أوِ الهَدايا لِأنَّها مِن مَعالِمَ الحَجِّ وهو أوْفَقُ لِظاهِرِ ما بَعْدَهُ، وتَعْظِيمُها أنْ تَخْتارَها حِسانًا سِمانًا غالِيَةَ الأثْمانِ.
رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ أهْدى مِائَةَ بَدَنَةٍ فِيها جَمَلٌ لِأبِي جَهْلٍ في أنْفِهِ بُرَّةٌ مِن ذَهَبٍ»، وأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أهْدى نَجِيبَةً طُلِبَتْ مِنهُ بِثَلاثِمِائَةِ دِينارٍ.
﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ فَإنَّ تَعْظِيمَها مِنهُ مِن أفْعالِ ذَوِي تَقْوى القُلُوبِ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ المُضافاتُ والعائِدُ إلى مَن وذَكَرَ القُلُوبَ لِأنَّها مَنشَأُ التَّقْوى والفُجُورِ أوِ الآمِرَةُ بِهِما.
22:33Page 336
لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٣٣
For you therein [i.e., the animals marked for sacrifice] are benefits for a specified term;1 then their place of sacrifice is at the ancient House.2
﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ لَكم فِيها مَنافِعُ دَرِّها ونَسْلِها وصُوفِها وظَهْرِها إلى أنْ تُنْحَرَ، ثُمَّ وقْتُ نَحْرِها مُنْتَهِيَةً إلى البَيْتِ أيْ ما يَلِيهِ مِنَ الحَرَمِ، و ﴿ثُمَّ﴾ تَحْتَمِلُ التَّراخِيَ في الوَقْتِ والتَّراخِيَ في الرُّتْبَةِ، أيْ لَكم فِيها مَنافِعُ دُنْيَوِيَّةٌ إلى وقْتِ النَّحْرِ وبَعْدَهُ مَنافِعُ دِينِيَّةٌ أعْظَمُ مِنها، وهو عَلى الأوَّلَيْنِ إمّا مُتَّصِلٌ بِحَدِيثِ ﴿الأنْعامُ﴾ والضَّمِيرُ فِيهِ لَها أوِ المُرادُ عَلى الأوَّلِ لَكم فِيها مَنافِعُ دِينِيَّةٌ تَنْتَفِعُونَ بِها إلى أجَلٍ مُسَمّى هو المَوْتُ، ثُمَّ مَحَلُّها مُنْتَهِيَةً إلى البَيْتِ العَتِيقِ الَّذِي تُرْفَعُ إلَيْهِ الأعْمالُ أوْ يَكُونُ فِيهِ ثَوابُها وهو البَيْتُ المَعْمُورُ أوِ الجَنَّةُ، وعَلى الثّانِي لَكم فِيها مَنافِعُ التِّجاراتِ في الأسْواقِ إلى وقْتِ المُراجَعَةِ ثُمَّ وقْتُ الخُرُوجِ مِنها مُنْتَهِيَةً إلى الكَعْبَةِ بِالإحْلالِ بِطَوافِ الزِّيارَةِ.
22:34–35Page 336
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٣٤
And for every [religious] community We have appointed a rite [of sacrifice]1 that they may mention the name of Allāh over what He has provided for them of [sacrificial] animals. For your god is one God, so to Him submit. And, [O Muḥammad], give good tidings to the humble [before their Lord]
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٥
Who, when Allāh is mentioned, their hearts are fearful, and [to] the patient over what has afflicted them, and the establishers of prayer and those who spend from what We have provided them.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولِكُلِّ أهْلِ دِينٍ. ﴿جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ مُتَعَبَّدًا أوْ قُرْبانًا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالكَسْرِ أيْ مَوْضِعُ نُسُكٍ. ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ دُونَ غَيْرِهِ ويَجْعَلُوا نَسِيكَتَهم لِوَجْهِهِ، عَلَّلَ الجَعْلَ بِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ المَناسِكِ تَذَكُّرُ المَعْبُودِ. ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ عِنْدَ ذَبْحِها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القُرْبانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نُعُمًا. ﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ أخْلِصُوا التَّقَرُّبَ أوِ الذِّكْرَ ولا تَشُوبُوهُ بِالإشْراكِ. ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ المُتَواضِعِينَ أوِ المُخْلِصِينَ فَإنَّ الإخْباتَ صِفَتُهم.
﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ هَيْبَةً مِنهُ لِإشْراقِ أشِعَّةِ جَلالِهِ عَلَيْها. ﴿والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ الكُلَفِ والمَصائِبِ. ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ في أوْقاتِها، وقُرِئَ «والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ» عَلى الأصْلِ.(p-72)
﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ في وُجُوهِ الخَيْرِ.
22:36Page 336
وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٣٦
And the camels and cattle We have appointed for you as among the symbols [i.e., rites] of Allāh; for you therein is good. So mention the name of Allāh upon them when lined up [for sacrifice]; and when they are [lifeless] on their sides, then eat from them and feed the needy [who does not seek aid] and the beggar. Thus have We subjected them to you that you may be grateful.
﴿والبُدْنَ﴾ جَمْعُ بَدَنَةٍ كَخُشُبِ وخَشَبَةٍ، وأصْلُهُ الضَّمُّ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وإنَّما سُمِّيَتْ بِها الإبِلُ لِعَظَمِ بَدَنِها مَأْخُوذَةً مِن بَدَنَ بَدانَةً، ولا يَلْزَمُ مِن مُشارَكَةِ البَقَرَةِ لَها في أجْزائِها عَنْ سَبْعَةٍ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ» تَناوُلُ اسْمِ البَدَنَةِ لَها شَرْعًا، بَلِ الحَدِيثُ يَمْنَعُ ذَلِكَ وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ. ﴿جَعَلْناها لَكُمْ﴾ ومَن رَفَعَهُ جَعَلَهُ مُبْتَدَأً. ﴿مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ مِن أعْلامِ دِينِهِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ تَعالى. ﴿لَكم فِيها خَيْرٌ﴾ مَنافِعُ دِينِيَّةٌ ودُنْيَوِيَّةٌ. ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ بِأنْ تَقُولُوا عِنْدَ ذَبْحِها اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنكَ وإلَيْكَ. ﴿صَوافَّ﴾ قائِماتٍ قَدْ صَفَفْنَ أيْدِيَهُنَّ وأرْجُلَهُنَّ، وقُرِئَ «صَوافِنَ» مِن صَفَنِ الفَرَسِ إذا قامَ عَلى ثَلاثٍ وعَلى طَرَفِ حافِرِ الرّابِعَةِ لِأنَّ البَدَنَةَ تُعْقَلُ إحْدى يَدَيْها فَتَقُومُ عَلى ثَلاثٍ، وقُرِئَ «صَوافِنًا» بِإبْدالِ التَّنْوِينِ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ عِنْدَ الوَقْفِ و «صَوافِيَ» أيْ خَوالِصَ لِوَجْهِ اللَّهِ، و «صَوافِي» بِسُكُونِ الياءِ عَلى لُغَةِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ مُطْلَقًا كَقَوْلِهِمْ: أعْطِ القَوْسَ بارِيها. ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ سَقَطَتْ عَلى الأرْضِ وهو كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ.
﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ﴾ الرّاضِيَ بِما عِنْدَهُ وبِما يُعْطى مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ «القُنُعَ»، أوِ السّائِلَ مِن قَنَعْتُ إلَيْهِ قُنُوعًا إذا خَضَعْتُ لَهُ في السُّؤالِ. ﴿والمُعْتَرَّ﴾ والمُعْتَرِضَ بِالسُّؤالِ، وقُرِئَ «والمُعْتَرِي» يُقالُ عَرَّهُ وعَرّاهُ واعْتَرَّهُ واعْتَراهُ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ما وصَفْنا مِن نَحْرِها قِيامًا. ﴿سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ مَعَ عِظَمِها وقُوَّتِها حَتّى تَأْخُذُوها مُنْقادَةً فَتَعْقِلُوها وتَحْبِسُوها صافَّةً قَوائِمَها ثُمَّ تَطْعَنُونَ في لِبانِها. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ إنْعامَنا عَلَيْكم بِالتَّقَرُّبِ والإخْلاصِ.
22:37Page 336
لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧
Their meat will not reach Allāh, nor will their blood, but what reaches Him is piety from you. Thus have We subjected them to you that you may glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and give good tidings to the doers of good.
﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ﴾ لَنْ يُصِيبَ رِضاهُ ولَنْ يَقَعَ مِنهُ مَوْقِعَ القَبُولِ. ﴿لُحُومُها﴾ المُتَصَدَّقُ بِها. ﴿وَلا دِماؤُها﴾ المُهْراقَةُ بِالنَّحْرِ مِن حَيْثُ إنَّها لُحُومٌ ودِماءٌ. ﴿وَلَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ ولَكِنْ يُصِيبُهُ ما يَصْحَبُهُ مِن تَقْوى قُلُوبِكُمُ الَّتِي تَدْعُوكم إلى تَعْظِيمِ أمْرِهِ تَعالى والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ، وقِيلَ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا ذَبَحُوا القَرابِينَ لَطَّخُوا الكَعْبَةَ بِدِمائِها قُرْبَةً إلى اللَّهِ تَعالى فَهَمَّ بِهِ المُسْلِمُونَ فَنَزَلَتْ. ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ كَرَّرَهُ تَذْكِيرًا لِلنِّعْمَةِ وتَعْلِيلًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ أيْ لِتَعْرِفُوا عَظَمَتَهُ بِاقْتِدارِهِ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَتُوَحِّدُوهُ بِالكِبْرِياءِ. وقِيلَ هو التَّكْبِيرُ عِنْدَ الإحْلالِ أوِ الذَّبْحِ. ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ أرْشَدَكم إلى طَرِيقِ تَسْخِيرِها وكَيْفِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِها، و ( ما ) تَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ والخَبَرِيَّةَ و ( عَلى ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( لِتُكَبِّرُوا ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشُّكْرِ. ﴿وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ المُخْلِصِينَ فِيما يَأْتُونَهُ ويَذْرُوَنَهُ.
22:38Page 336
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨
Indeed, Allāh defends those who have believed. Indeed, Allāh does not like everyone treacherous and ungrateful.
﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ غائِلَةَ المُشْرِكِينَ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ ﴿يُدافِعُ﴾ أيْ يُبالِغُ في الدَّفْعِ مُبالَغَةَ مَن يُغالَبُ فِيهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ﴾ في أمانَةِ اللَّهِ. ﴿كَفُورٍ﴾ لِنِعْمَتِهِ كَمَن يَتَقَرَّبُ إلى الأصْنامِ بِذَبِيحَتِهِ فَلا يَرْتَضِي فِعْلَهم ولا يَنْصُرُهم.
22:39Page 337
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩
Permission [to fight] has been given to those who are being fought,1 because they were wronged. And indeed, Allāh is competent to give them victory.
.(p-73)
﴿أُذِنَ﴾ رُخِّصَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ. ﴿لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ المُشْرِكِينَ والمَأْذُونُ فِيهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِفَتْحِ التّاءِ أيْ لِلَّذِينِ يُقاتِلُهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ظُلِمُوا وهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَهم وكانُوا يَأْتُونَهُ مِن بَيْنِ مَضْرُوبٍ ومَشْجُوجٍ يَتَظَلَّمُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُمُ: «اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِالقِتالِ» حَتّى هاجَرَ فَأنْزَلَتْ. وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ بَعْدَ ما نُهِيَ عَنْهُ في نَيِّفٍ وسَبْعِينَ آيَةً. ﴿وَإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وعْدٌ لَهم بِالنَّصْرِ كَما وعَدَ بِدَفْعِ أذى الكُفّارِ عَنْهم.
22:40Page 337
ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠
[They are] those who have been evicted from their homes without right - only because they say, "Our Lord is Allāh." And were it not that Allāh checks the people, some by means of others, there would have been demolished monasteries, churches, synagogues, and mosques in which the name of Allāh is much mentioned [i.e., praised]. And Allāh will surely support those who support Him [i.e., His cause]. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بِغَيْرِ مُوجِبٍ اسْتَحَقُّوهُ بِهِ. ﴿إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ النّابِغَةِ:
؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم. . . بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
وَقِيلَ مُنْقَطِعٌ. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ بِتَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ مِنهم عَلى الكافِرِينَ. ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ لَخُرِّبَتْ بِاسْتِيلاءِ المُشْرِكِينَ عَلى أهْلِ المِلَلِ، وقَرَأ نافِعٌ ( دِفاعُ ) وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿صَوامِعُ﴾ صَوامِعُ الرَّهْبانِيَّةِ. ﴿وَبِيَعٌ﴾ بَيْعُ النَّصارى. ﴿وَصَلَواتٌ﴾ كَنائِسُ اليَهُودِ، سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها يُصَلّى فِيها، وقِيلَ أصْلُها صِلْوَتا بِالعِبْرانِيَّةِ فَعُرِّبَتْ. ﴿وَمَساجِدُ﴾ مَساجِدُ المُسْلِمِينَ. ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ صِفَةٌ لِلْأرْبَعِ أوْ لِمَساجِدَ خُصَّتْ بِها تَفْضِيلًا. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ مَن يَنْصُرُ دِينَهُ، وقَدْ أنْجَزَ وعْدَهُ بِأنْ سَلَّطَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ عَلى صَنادِيدِ العَرَبِ وأكاسِرَةِ العَجَمِ وقَياصِرَتِهِمْ وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم. ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ عَلى نَصْرِهِمْ. ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يُمانِعُهُ شَيْءٌ.
22:41Page 337
ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١
[And they are] those who, if We give them authority in the land, establish prayer and give zakāh and enjoin what is right and forbid what is wrong. And to Allāh belongs the outcome of [all] matters.
﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ وصْفٌ لِلَّذِينِ أُخْرِجُوا وهو ثَناءٌ قَبْلَ بَلاءٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ أمْرِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ إذْ لَمْ يَسْتَجْمِعْ ذَلِكَ غَيْرُهم مِنَ المُهاجِرِينَ. وقِيلَ بَدَلٌ مِمَّنْ يَنْصُرُهُ. ﴿وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ فَإنَّ مَرْجِعَها إلى حُكْمِهِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما وعَدَهُ.
22:42–44Page 337
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ ٤٢
And if they deny you, [O Muḥammad] - so, before them, did the people of Noah and ʿAad and Thamūd deny [their prophets],
وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ ٤٣
And the people of Abraham and the people of Lot
وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٤
And the inhabitants of Madyan. And Moses was denied, so I prolonged enjoyment for the disbelievers; then I seized them, and how [terrible] was My reproach.
﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ ﴿وَقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ ﴿وَأصْحابُ مَدْيَنَ﴾ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ بِأنَّ قَوْمَهُ إنْ كَذَّبُوهُ فَهو لَيْسَ بِأوْحَدِيٍّ في التَّكْذِيبِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ قَدْ كَذَّبُوا رُسُلَهم قَبْلَ قَوْمِهِ.
﴿وَكُذِّبَ مُوسى﴾ غَيَّرَ فِيهِ النَّظْمَ وبَنى الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ قَوْمَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، ولَمْ يُكَذِّبُوهُ وإنَّما كَذَّبَهُ القِبْطُ ولِأنَّ تَكْذِيبَهُ كانَ أشْنَعَ وآياتِهِ كانَتْ أعْظَمَ وأشْيَعَ. ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ فَأمْهَلْتُهم حَتّى انْصَرَمَتْ آجالُهُمُ المُقَدَّرَةُ. ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِتَغْيِيرِ النِّعْمَةِ مِحْنَةً والحَياةِ هَلاكًا والعِمارَةَ خَرابًا.(p-74)
22:45Page 337
فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ ٤٥
And how many a city did We destroy while it was committing wrong - so it is [now] fallen into ruin1 - and [how many] an abandoned well and [how many] a lofty palace.2
﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ بِإهْلاكِ أهْلِها، وقَرَأ البَصْرِيّانِ بِغَيْرِ لَفْظِ التَّعْظِيمِ. ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أيْ أهْلُها.
﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ ساقِطَةٌ حِيطانُها عَلى سُقُوفِها بِأنْ تَعَطَّلَ بُنْيانُها فَخَرَّتْ سُقُوفُها ثُمَّ تَهَدَّمَتْ حِيطانُها فَسَقَطَتْ فَوْقَ السُّقُوفِ، أوْ خالِيَةٌ مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها وسَلامَتِها فَيَكُونُ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِـ ( خاوِيَةٌ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ أيْ هي خالِيَةٌ وهي عَلى عُرُوشِها أيْ: مُطِلَّةٌ عَلَيْها بِأنْ سَقَطَتْ وبَقِيَتِ الحِيطانُ مائِلَةً مُشْرِفَةً عَلَيْها، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿أهْلَكْناها﴾ لا عَلى ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ فَإنَّها حالٌ والإهْلاكُ لَيْسَ حالَ خَوائِها فَلا مَحَلَّ لَها إنْ نُصِبَتْ كَأيٍّ بِمُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿أهْلَكْناها﴾ وإنْ رَفَعْتَهُ بالِابْتِداءِ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عُطِفَ عَلى ( قَرْيَةٍ ) أيْ وكَمْ بِئْرٍ عامِرَةٍ في البَوادِي تُرِكَتْ لا يُسْتَقى مِنها لِهَلاكِ أهْلِها، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مَن أعْطَلَهُ بِمَعْنى عَطَّلَهُ. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ مَرْفُوعٌ أوْ مُجَصَّصٌ أخْلَيْناهُ عَنْ ساكِنِيهِ، وذَلِكَ يُقَوِّي أنَّ مَعْنى ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ خالِيَةٌ مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها، وقِيلَ المُرادُ بِـ ( بِئْرٍ ) بِئْرٌ في سَفْحِ جَبَلٍ بِحَضْرَمَوْتَ وبِقَصْرٍ قَصْرٌ مُشْرِفٌ عَلى قِلَّتِهِ كانا لِقَوْمِ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ مِن قَوْمِ صالِحٍ فَلَمّا قَتَلُوهُ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى وعَطَّلَهُما.
22:46Page 337
أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦
So have they not traveled through the earth and have hearts by which to reason and ears by which to hear? For indeed, it is not eyes that are blinded, but blinded are the hearts which are within the breasts.
﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ حَثٌّ لَهم عَلى أنْ يُسافِرُوا لِيَرَوْا مُصارِعَ المُهْلَكِينَ فَيَعْتَبِرُوا، وهم وإنْ كانُوا قَدْ سافَرُوا فَلَمْ يُسافِرُوا لِذَلِكَ. ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ ما يَجِبُ أنْ يُعْقَلَ مِنَ التَّوْحِيدِ بِما حَصَلَ لَهم مِنَ الِاسْتِبْصارِ والِاسْتِدْلالِ. ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ ما يَجِبُ أنْ يُسْمَعَ مِنَ الوَحْيِ والتَّذْكِيرِ بِحالِ مَن شاهَدُوا آثارَهم. ﴿فَإنَّها﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوْ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ الأبْصارُ. وفي ( تَعْمى ) راجِعٌ إلَيْهِ والظّاهِرُ أُقِيمَ مَقامَهُ. ﴿لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ عَنِ الِاعْتِبارِ أيْ لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ وإنَّما أيِفَتْ عُقُولُهم بِاتِّباعِ الهَوى والِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ، وذِكْرُ الصُّدُورِ لِلتَّأْكِيدِ ونَفْيِ التَّجَوُّزِ وفَضَّلَ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ العَمى الحَقِيقِيَّ لَيْسَ المُتَعارَفَ الَّذِي يَخُصُّ البَصَرُ. قِيلَ لَمّا نَزَلَ ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ «قالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يا رَسُولَ اللَّهِ أنا في الدُّنْيا أعْمى أفَأكُونُ في الآخِرَةِ أعْمى فَنَزَلَتْ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾» .
22:47–48Page 338
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٤٧
And they urge you to hasten the punishment. But Allāh will never fail in His promise. And indeed, a day with your Lord is like a thousand years of those which you count.
وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَمۡلَيۡتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ٤٨
And for how many a city did I prolong enjoyment while it was committing wrong. Then I seized it, and to Me is the [final] destination.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ المُتَوَعَّدِ بِهِ. ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ لِامْتِناعِ الخُلْفِ في خَبَرِهِ فَيُصِيبُهم ما أوْعَدَهم بِهِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ لَكِنَّهُ صَبُورٌ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ. ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ بَيانٌ لِتَناهِي صَبْرِهِ وتَأنِّيهِ حَتّى اسْتَقْصَرَ المَدَدَ الطِّوالَ، أوْ لِتَمادِي عَذابِهِ وطُولِ أيّامِهِ حَقِيقَةً، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ أيّامَ الشَّدائِدِ مُسْتَطالَةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ.
﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ في الإعْرابِ، ورَجْعُ الضَّمائِرِ والأحْكامِ مُبالَغَةً في التَّعْمِيمِ والتَّهْوِيلِ وإنَّما عَطَفَ الأُولى بِالفاءِ وهَذِهِ بِالواوِ، لِأنَّ الأُولى بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ وهَذِهِ في حُكْمِ ما تَقَدَّمَها مِنَ الجُمْلَتَيْنِ لِبَيانِ أنَّ المُتَوَعَّدَ بِهِ يَحِيقُ بِهِمْ لا مَحالَةَ وأنَّ تَأْخِيرَهُ لِعادَتِهِ تَعالى. ﴿أمْلَيْتُ لَها﴾ كَما أمْهَلْتُكم. ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ مِثْلُكم. ﴿ثُمَّ أخَذْتُها﴾ بِالعَذابِ. ﴿وَإلَيَّ المَصِيرُ﴾ وإلى حُكْمِي مَرْجِعُ الجَمِيعِ.(p-75)
22:49–51Page 338
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٤٩
Say, "O people, I am only to you a clear warner."
فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٥٠
And those who have believed and done righteous deeds - for them is forgiveness and noble provision.
وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٥١
But the ones who strove against Our verses, [seeking] to cause failure1 - those are the companions of Hellfire.
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُوَضِّحُ لَكم ما أُنْذِرُكم بِهِ، والِاقْتِصارُ عَلى الإنْذارِ مَعَ عُمُومِ الخِطابِ وذِكْرُ الفَرِيقَيْنِ لِأنَّ صَدْرَ الكَلامِ ومَساقَهُ لِلْمُشْرِكِينَ، وإنَّما ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ وثَوابَهم زِيادَةً في غَيْظِهِمْ.
﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِما بَدَرَ مِنهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هي الجَنَّةُ والـ ( كَرِيمٌ ) مِن كُلِّ نَوْعِ ما يُجْمَعُ فَضائِلُهُ.
﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ بِالرَّدِّ والإبْطالِ. ﴿مُعاجِزِينَ﴾ مُسابِقِينَ مُشاقِّينَ لِلسّاعِينَ فِيها بِالقَبُولِ والتَّحْقِيقِ، مِن عاجَزَهُ فَأعْجَزَهُ وعَجَّزَهُ إذا سابَقَهُ فَسَبَقَهُ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَسابِقَيْنِ يَطْلُبُ إعْجازَ الآخَرِ عَنِ اللُّحُوقِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ( مُعْجِزِينَ ) عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ النّارِ المُوقَدَةِ، وقِيلَ اسْمُ دَرَكَةٍ.
22:52Page 338
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٢
And We did not send before you any messenger or prophet except that when he spoke [or recited], Satan threw into it [some misunderstanding]. But Allāh abolishes that which Satan throws in; then Allāh makes precise His verses.1 And Allāh is Knowing and Wise.
﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ الرَّسُولُ مَن بَعَثَهُ اللَّهُ بِشَرِيعَةٍ مُجَدِّدَةٍ يَدْعُو النّاسَ إلَيْها، والنَّبِيُّ يَعُمُّهُ ومَن بَعَثَهُ لِتَقْرِيرِ شَرْعٍ سابِقٍ كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا بَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولِذَلِكَ شَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ عُلَماءَ أُمَّتِهِ بِهِمْ، فالنَّبِيُّ أعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ عَنِ الأنْبِياءِ فَقالَ: «مِائَةُ ألِفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قِيلَ فَكَمِ الرُّسُلُ مِنهم قالَ: ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا» وقِيلَ الرَّسُولُ مَن جَمَعَ إلى المُعْجِزَةِ كِتابًا مُنَزَّلًا عَلَيْهِ، والنَّبِيُّ غَيْرُ الرَّسُولِ مَن لا كِتابَ لَهُ. وقِيلَ الرَّسُولُ مَن يَأْتِيهِ المَلَكُ بِالوَحْيِ، والنَّبِيُّ يُقالُ لَهُ ولِمَن يُوحى إلَيْهِ في المَنامِ. ﴿إلا إذا تَمَنّى﴾ زَوَّرَ في نَفْسِهِ ما يَهْواهُ. ﴿ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ في تَشَهِّيهِ ما يُوجِبُ اشْتِغالَهُ بِالدُّنْيا كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «وَإنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» .
﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ فَيُبْطِلُهُ ويَذْهَبُ بِهِ بِعِصْمَتِهِ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِ والإرْشادِ إلى ما يُزِيحُهُ. ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ ثُمَّ يُثَبِّتُ آياتِهِ الدّاعِيَةَ إلى الِاسْتِغْراقِ في أمْرِ الآخِرَةِ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِ النّاسِ. ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يَفْعَلُهُ بِهِمْ، قِيلَ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِزَوالِ المَسْكَنَةِ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ تَمَنّى لِحِرْصِهِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ ما يُقَرِّبُهم إلَيْهِ واسْتَمَرَّ بِهِ ذَلِكَ حَتّى كانَ في نادِيهِمْ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ( والنَّجْمِ ) فَأخَذَ يَقْرَؤُها فَلَمّا بَلَغَ ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى وسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ حَتّى سَبَقَ لِسانُهُ سَهْوًا إلى أنْ قالَ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، فَفَرِحَ بِهِ المُشْرِكُونَ حَتّى شايَعُوهُ بِالسُّجُودِ لَمّا سَجَدَ في آخِرِها، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ في المَسْجِدِ مُؤْمِنٌ ولا مُشْرِكٌ إلّا سَجَدَ، ثُمَّ نَبَّهَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ فَعَزّاهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وَهُوَ مَرْدُودٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ وإنْ صَحَّ فابْتِلاءٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ الثّابِتُ عَلى الإيمانِ عَنِ المُتَزَلْزِلِ فِيهِ، وقِيلَ ﴿تَمَنّى﴾ قَرَأ كَقَوْلِهِ:
؎ تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ. . . تَمَنِّيَ داوُدُ الزَّبُورَ عَلى رَسَلِ
وَأُمْنِيَّتُهُ قِراءَتُهُ وإلْقاءُ الشَّيْطانِ فِيها أنَّ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ رافِعًا صَوْتَهُ بِحَيْثُ ظَنَّ السّامِعُونَ أنَّهُ مِن قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ . وقَدْ رُدَّ أيْضًا بِأنَّهُ يُخِلُّ بِالوُثُوقِ عَلى القُرْآنِ ولا يَنْدَفِعُ بِقَوْلِهِ ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ لِأنَّهُ أيْضًا يَحْتَمِلُهُ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ السَّهْوِ عَلى الأنْبِياءِ وتَطَرُّقِ الوَسْوَسَةِ إلَيْهِمْ.
22:53–54Page 338
لِّيَجۡعَلَ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ٥٣
[That is] so He may make what Satan throws in [i.e., asserts] a trial for those within whose hearts is disease1 and those hard of heart. And indeed, the wrongdoers are in extreme dissension.
وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٤
And so those who were given knowledge may know that it is the truth from your Lord and [therefore] believe in it, and their hearts humbly submit to it. And indeed is Allāh the Guide of those who have believed to a straight path.
﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ عِلَّةٌ لِتَمْكِينِ الشَّيْطانِ مِنهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُلْقى أمْرٌ ظاهِرٌ عَرَفَهُ المُحِقُّ والمُبْطِلُ. ﴿فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شَكٌّ ونِفاقٌ. ﴿والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ المُشْرِكِينَ. ﴿وَإنَّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الفَرِيقَيْنِ فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ قَضاءً عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ. ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ أوْ عَنِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ أنَّ القُرْآنَ هو الحَقُّ النّازِلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ تَمْكِينُ الشَّيْطانِ مِنَ الإلْقاءِ هو الحَقُّ الصّادِرُ مِنَ اللَّهِ لِأنَّهُ مِمّا جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ في الإنْسِ مِن لَدُنْ آدَمَ. ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ بِالقُرْآنِ أوْ بِاللَّهِ. ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ بِالِانْقِيادِ والخَشْيَةِ. ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِيما أشْكَلَ. ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو نَظَرٌ صَحِيحٌ يُوصِلُهم إلى ما هو الحَقُّ فِيهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences