Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:42–85
23:42–44Page 344
ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢
Then We produced after them other generations.
مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٤٣
No nation will precede its time [of termination], nor will they remain [thereafter].
ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٤٤
Then We sent Our messengers in succession. Every time there came to a nation its messenger, they denied him, so We made them follow one another [to destruction], and We made them narrations.1 So away with a people who do not believe.
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ هي قَوْمُ صالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ وغَيْرِهِمْ.
﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ الوَقْتَ الَّذِي حُدَّ لِهَلاكِها و ( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ. ﴿وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ الأجَلَ.
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ مِنَ الوَتْرِ وهو الفَرْدُ، والياءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَتَوْلَجٍ وتَيْقُورٍ والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ لِأنَّ الرُّسُلَ جَماعَةٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُواتِرَةِ وقَعَ حالًا، وأمالَهُ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ. ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ إضافَةُ الرَّسُولِ مَعَ الإرْسالِ إلى المُرْسِلِ ومَعَ المَجِيءِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِأنَّ الإرْسالَ الَّذِي هو مَبْدَأُ الأمْرِ مِنهُ والمَجِيءَ الَّذِي هو مُنْتَهاهُ إلَيْهِمْ.
﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ في الإهْلاكِ. ﴿وَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ لَمْ نُبْقِ مِنهم إلّا حِكاياتٍ يُسْمَرُ بِها، وهو اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ أوْ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهي ما يُتَحَدَّثُ بِهِ تَلَهِّيًا. ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
23:45–46Page 345
ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٤٥
Then We sent Moses and his brother Aaron with Our signs and a clear authority1
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ ٤٦
To Pharaoh and his establishment, but they were arrogant and were a haughty people.
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا﴾ بِالآياتِ التِّسْعِ. ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ مُلْزِمَةٍ لِلْخَصْمِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ العَصا وأفْرادُها لِأنَّها أوَّلُ المُعْجِزاتِ وأُمُّها، تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى: كانْقِلابِها حَيَّةً وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِضَرْبِهِما بِها، وحِراسَتِها ومَصِيرِها شَمْعَةً وشَجَرَةً خَضْراءَ مُثْمِرَةً ورِشاءً ودَلْوًا، وأنْ يُرادَ بِهِ المُعْجِزاتُ وبِالآياتِ الحُجَجُ وأنْ يُرادَ بِهِما المُعْجِزاتُ فَإنَّها آياتٌ لِلنُّبُوَّةِ وحُجَّةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ما يَدَّعِيهِ النَّبِيُّ ﷺ .
﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَلى الإيمانِ والمُتابَعَةِ. ﴿وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ مُتَكَبِّرِينَ.
23:47–49Page 345
فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ٤٧
They said, "Should we believe two men like ourselves while their people are for us in servitude?"
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡلَكِينَ ٤٨
So they denied them and were of those destroyed.
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٤٩
And We certainly gave Moses the Scripture that perhaps they1 would be guided.
﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ ثَنّى البَشَرَ لِأنَّهُ يُطْلَقُ لِلْواحِدِ كَقَوْلِهِ ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ كَما يُطْلَقُ لِلْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ ولَمْ يُثَنِّ المَثَلَ لِأنَّهُ في حُكْمِ المَصْدَرِ، وهَذِهِ القِصَصُ كَما نَرى تَشْهَدُ بِأنَّ قُصارى شُبَهِ المُنْكِرِينَ لِلنُّبُوَّةِ قِياسُ حالِ الأنْبِياءِ عَلى أحْوالِهِمْ لِما بَيْنَهم مِنَ المُماثَلَةِ في الحَقِيقَةِ وفَسادُهُ يَظْهَرُ لِلْمُسْتَبْصِرِ (p-89)
بِأدْنى تَأمُّلٍ، فَإنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ وإنْ تَشارَكَتْ في أصْلِ القُوى والإدْراكِ لَكِنَّها مُتَبايِنَةُ الأقْدامِ فِيهِما، وكَما تَرى في جانِبِ النُّقْصانِ أغْبِياءَ لا يَعُودُ عَلَيْهِمُ الفِكْرُ بِرادَّةٍ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في طَرَفِ الزِّيادَةِ أغْنِياءُ عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّعَلُّمِ في أكْثَرِ الأشْياءِ وأغْلَبِ الأحْوالِ، فَيُدْرِكُونَ ما لا يُدْرِكُ غَيْرُهم ويَعْلَمُونَ ما لا يَنْتَهِي إلَيْهِ عِلْمُهم، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ . ﴿وَقَوْمُهُما﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿لَنا عابِدُونَ﴾ خادِمُونَ مُنْقادُونَ كالعِبادِ.
﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ بِالغَرَقِ في بَحْرِ قُلْزُمَ.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ التَّوْراةَ. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لَعَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ، ولا يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لِأنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ بَعْدَ إغْراقِهِمْ. ﴿يَهْتَدُونَ﴾ إلى المَعارِفِ والأحْكامِ.
23:50Page 345
وَجَعَلۡنَا ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةٗ وَءَاوَيۡنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبۡوَةٖ ذَاتِ قَرَارٖ وَمَعِينٖ ٥٠
And We made the son of Mary and his mother a sign and sheltered them within a high ground having level [areas] and flowing water.
﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ بِوِلادَتِها إيّاهُ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ فالآيَةُ أمْرٌ واحِدٌ مُضافٌ إلَيْهِما، أوْ جَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً بِأنْ تَكَلَّمَ في المَهْدِ وظَهَرَتْ مِنهُ مُعْجِزاتٌ أُخَرُ وأُمُّهُ آيَةٌ بِأنْ ولَدَتْ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ فَحُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها. ﴿وَآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ﴾ أرْضِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَإنَّها مُرْتَفِعَةٌ أوْ دِمَشْقَ أوْ رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ أوْ مِصْرَ فَإنَّ قُراها عَلى الرُّبى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وقُرِئَ «رُباوَةَ» بِالضَّمِّ والكَسْرِ. ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ مُسْتَقَرٍّ مِنَ الأرْضِ مُنْبَسِطَةٍ. وقِيلَ ذاتُ ثِمارٍ وزُرُوعٍ فَإنَّ ساكِنِيها يَسْتَقِرُّونَ فِيها لِأجْلِها. ﴿وَمَعِينٍ﴾ وماءٍ مَعِينٍ ظاهِرٍ جارٍ، فَعِيلٌ مِن مَعَنَ الماءُ إذا جَرى وأصْلُهُ الإبَعادُ في الشَّيْءِ، أوْ مِنَ الماعُونِ وهو المَنفَعَةُ لِأنَّهُ نَفّاعٌ، أوْ مَفْعُولٌ مِن عانَهُ إذا أدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ لِأنَّهُ لِظُهُورِهِ مُدْرَكٌ بِالعُيُونِ وصَفَ ماءَها بِذَلِكَ لِأنَّهُ الجامِعُ لِأسْبابِ التَّنَزُّهِ وطِيبِ المَكانِ.
23:51Page 345
يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١
[Allāh said], "O messengers, eat from the good foods and work righteousness. Indeed I, of what you do, am Knowing.
﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ نِداءٌ وخِطابٌ لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ لا عَلى أنَّهم خُوطِبُوا بِذَلِكَ دَفْعَةً لِأنَّهم أُرْسِلُوا في أزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ كُلًّا مِنهم خُوطِبَ بِهِ في زَمانِهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ عِيسى دُخُولًا أوَّلِيًا ويَكُونُ ابْتِداءَ كَلامٍ ذُكِرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَهْيِئَةَ أسْبابِ التَّنَعُّمِ لَمْ تَكُنْ لَهُ خاصَّةً، وأنَّ إباحَةَ الطَّيِّباتِ لِلْأنْبِياءِ شَرْعٌ قَدِيمٌ واحْتِجاجًا عَلى الرَّهْبانِيَّةِ في رَفْضِ الطَّيِّباتِ، أوْ حِكايَةً لِما ذُكِرَ لِعِيسى وأُمِّهِ عِنْدَ إيوائِهِما إلى الرَّبْوَةِ لِيَقْتَدِيا الرُّسُلَ في تَناوُلِ ما رُزِقا. وقِيلَ النِّداءُ لَهُ ولَفْظُ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ والطَّيِّباتُ ما يُسْتَلَذُّ بِهِ مِنَ المُباحاتِ.
وَقِيلَ الحَلالُ الصّافِي القَوامِ فالحَلالُ ما لا يُعْصى اللَّهُ فِيهِ والصّافِي ما لا يُنْسى اللَّهُ فِيهِ والقَوامُ ما يُمْسِكُ النَّفْسَ ويَحْفَظُ العَقْلَ. ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ فَإنَّهُ المَقْصُودُ مِنكم والنّافِعُ عِنْدَ رَبِّكم. ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فَأُجازِيكم عَلَيْهِ.
23:52Page 345
وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ٥٢
And indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so fear Me."
﴿وَإنَّ هَذِهِ﴾ أيْ ولِأنَّ ( هَذِهِ ) والمُعَلَّلُ بِهِ ﴿فاتَّقُونِ﴾، أوْ واعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالتَّخْفِيفِ والكُوفِيُّونَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. ﴿أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ مِلَّتُكم مِلَّةٌ واحِدَةٌ أيْ مُتَّحِدَةٌ في الِاعْتِقادِ وأُصُولِ الشَّرائِعِ، أوْ جَماعَتُكم جَماعَةٌ واحِدَةٌ مُتَّفِقَةٌ عَلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ في العِبادَةِ ونَصَبَ ﴿أُمَّةً﴾ عَلى الحالِ. ﴿وَأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ في شَقِّ العَصا ومُخالَفَةِ الكَلِمَةِ.
23:53–54Page 345
فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٥٣
But they [i.e., the people] divided their religion among them into portions [i.e., sects] - each faction, in what it has,1 rejoicing.
فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ ٥٤
So leave them in their confusion for a time.
.(p-90)
﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ فَتَقَطَّعُوا أمْرَ دِينِهِمْ وجَعَلُوهُ أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، أوْ فَتَفَرَّقُوا وتَحَزَّبُوا و ( أمْرَهم ) مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أوِ التَّمْيِيزِ، والضَّمِيرُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأُمَّةُ مِن أرْبابِها أوَّلُها. ﴿زُبُرًا﴾ قِطَعًا جَمْعُ زَبُورٍ الَّذِي بِمَعْنى الفِرْقَةِ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِفَتْحِ الباءِ فَإنَّهُ جَمْعُ زُبْرَةٍ وهو حالٌ مِن أمْرِهِمْ أوْ مِنَ الواوِ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَقَطَّعُوا فَإنَّهُ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى جَعَلَ. وقِيلَ كُتُبًا مِن زَبَرْتُ الكِتابَ فَيَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا، أوْ حالًا مِن أمْرَهم عَلى تَقْدِيرِ مِثْلَ كُتُبٍ، وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الباءِ كَرُسُلٍ في «رَسَلَ» . ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ مِنَ المُتَحَزِّبِينَ. ﴿بِما لَدَيْهِمْ﴾ مِنَ الدِّينِ. ﴿فَرِحُونَ﴾ مُعْجَبُونَ مُعْتَقِدُونَ أنَّهم عَلى الحَقِّ.
﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ في جَهالَتِهِمْ شَبَّهَها بِالماءِ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ لِأنَّهم مَغْمُورُونَ فِيها أوْ لاعِبُونَ بِها، وقُرِئَ في «غَمَراتِهِمْ» . ﴿حَتّى حِينٍ﴾ إلى أنْ يُقْتَلُوا أوْ يَمُوتُوا.
23:55–56Page 345
أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ ٥٥
Do they think that what We extend to them of wealth and children
نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ ٥٦
Is [because] We hasten for them good things? Rather, they do not perceive.1
﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾ أنَّ ما نُعْطِيهِمْ ونَجْعَلُهُ لَهم مَدَدًا، ﴿مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ بَيانٌ لِما ولَيْسَ خَبَرًا لَهُ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُعاتَبٍ عَلَيْهِ وإنَّما المُعاتَبُ عَلَيْهِ اعْتِقادُهم أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهم خَبَرُهُ.
﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ والمَعْنى: أيَحْسَبُونَ أنَّ الَّذِي نَمُدُّهم بِهِ نُسارِعُ بِهِ لَهم فِيما فِيهِ خَيْرُهم وإكْرامُهم بَلْ لا يَشْعُرُونَ بَلْ هم كالبَهائِمِ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ لِيَتَأمَّلُوا فِيهِ فَيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ الإمْدادَ اسْتِدْراجٌ لا مُسارَعَةً في الخَيْرِ، وقُرِئَ «يَمُدُّهم» عَلى الغَيْبَةِ وكَذَلِكَ «يُسارِعُ» و «يُسْرِعُ» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِيهِما ضَمِيرُ المُمِدِّ بِهِ و «يُسارَعُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
23:57–61Page 345
إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٥٧
Indeed, they who are apprehensive from fear of their Lord
وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ٥٨
And they who believe in the signs of their Lord
وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ ٥٩
And they who do not associate anything with their Lord
وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ٦٠
And they who give what they give while their hearts are fearful1 because they will be returning to their Lord -
أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ٦١
It is those who hasten to good deeds, and they outstrip [others] therein.
﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ مِن خَوْفِ عَذابِهِ. ﴿مُشْفِقُونَ﴾ حَذِرُونَ.
﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ المَنصُوبَةِ والمُنَزَّلَةِ. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بِتَصْدِيقِ مَدْلُولِها.
﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ شِرْكًا جَلِيًّا ولا خَفِيًّا.
﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ يُعْطُونَ ما أُعْطُوهُ مِنَ الصَّدَقاتِ، وقُرِئَ «يَأْتُونَ ما أتَوْا» أيْ يَفْعَلُونَ ما فَعَلُوا مِنَ الطّاعاتِ. ﴿وَقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ خائِفَةٌ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهم وأنْ لا يَقَعَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ فَيُؤاخَذُ بِهِ. ﴿أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ لِأنَّ مَرْجِعَهم إلَيْهِ، أوْ مِن أنَّ مَرْجِعَهم إلَيْهِ وهو يَعْلَمُ ما يَخْفى عَلَيْهِمْ.
﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبادِرُونَها، أوْ يُسارِعُونَ في نَيْلِ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ المَوْعُودَةِ عَلى صالِحِ الأعْمالِ بِالمُبادَرَةِ إلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ فَيَكُونُ إثْباتًا لَهم ما نُفِيَ عَنْ أضْدادِهِمْ. ﴿وَهم لَها سابِقُونَ﴾ لِأجْلِها فاعِلُونَ السَّبْقَ أوْ سابِقُونَ النّاسَ إلى الطّاعَةِ أوِ الثَّوابِ أوِ الجَنَّةِ، أوْ سابِقُونَها أيْ يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ .
23:62–63Page 346
وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٢
And We charge no soul except [with that within] its capacity, and with Us is a record which speaks with truth; and they will not be wronged.
بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ ٦٣
But their hearts are covered with confusion over this, and they have [evil] deeds besides that [i.e., disbelief] which they are doing,
﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ قَدْرَ طاقَتِها يُرِيدُ بِهِ التَّحْرِيضَ عَلى ما وصَفَ بِهِ الصّالِحِينَ وتَسْهِيلَهُ عَلى (p-91)
النُّفُوسِ. ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ﴾ يُرِيدُ بِهِ اللَّوْحَ أوْ صَحِيفَةَ الأعْمالِ. ﴿يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ بِالصِّدْقِ لا يُوجَدُ فِيهِ ما يُخالِفُ الواقِعَ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِزِيادَةِ عِقابٍ أوْ نُقْصانِ ثَوابٍ.
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ قُلُوبُ الكَفَرَةِ. ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ في غَفْلَةٍ غامِرَةٍ لَها. ﴿مِن هَذا﴾ مِنَ الَّذِي وُصِفَ بِهِ هَؤُلاءِ أوْ مِن كِتابِ الحَفَظَةِ. ﴿وَلَهم أعْمالٌ﴾ خَبِيثَةٌ ﴿مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ مُتَجاوِزَةٌ لِما وُصِفُوا بِهِ أوْ مُتَخَطِّيَةٌ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ. ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ مُعْتادُونَ فِعْلَها.
23:64–65Page 346
حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ ٦٤
Until when We seize their affluent ones with punishment,1 at once they are crying [to Allāh] for help.
لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥
Do not cry out today. Indeed, by Us you will not be helped.
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ مُتَنَعَّمِيهِمْ. ﴿بِالعَذابِ﴾ يَعْنِي القَتْلَ يَوْمَ بَدْرٍ أوِ الجُوعَ حِينَ دَعا عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» . فَقُحِطُوا حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والكِلابَ والعِظامَ المُحْرَقَةَ. ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ فاجَؤُوا الصُّراخَ بِالِاسْتِغاثَةِ، وهو جَوابُ الشَّرْطِ والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ بَعْدَ حَتّى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابَ.
﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ فَإنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالقَوْلِ أيْ قِيلَ لَهم لا تَجْأرُوا اليَوْمَ. ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ لا تَجْأرُوا فَإنَّهُ لا يَنْفَعُكم إذْ لا تُمْنَعُونَ مِنّا، أوْ لا يَلْحَقُكم نَصْرٌ ومَعُونَةٌ مِن جِهَتِنا.
23:66–67Page 346
قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦
My verses had already been recited to you, but you were turning back on your heels
مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧
In arrogance regarding it,1 conversing by night, speaking evil.
﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ تُعْرِضُونَ مُدْبِرِينَ عَنْ سَماعِها وتَصْدِيقِها والعَمَلِ بِها، والنُّكُوصُ الرُّجُوعُ قَهْقَرى.
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِلْبَيْتِ وشُهْرَةُ اسْتِكْبارِهِمْ وافْتِخارِهِمْ بِأنَّهم قِوامُهُ أغْنَتْ عَنْ سَبْقِ ذِكْرِهِ، أوْ لِآياتِي فَإنَّها بِمَعْنى كِتابِي والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( مُسْتَكْبِرِينَ ) لِأنَّهُ بِمَعْنى مُكَذِّبِينَ، أوْ لِأنَّ اسْتِكْبارَهم عَلى المُسْلِمِينَ حَدَثَ بِسَبَبِ اسْتِماعِهِ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿سامِرًا﴾ أيْ تَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ والطَّعْنِ فِيهِ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى لَفْظِ الفاعِلِ كالعاقِبَةِ، وقُرِئَ «سُمُرًا» جَمْعُ سامِرٍ ﴿تَهْجُرُونَ﴾ مِنَ الهَجَرِ بِالفَتْحِ إمّا بِمَعْنى القَطِيعَةِ أوِ الهَذَيانِ، أيْ تُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ أوْ تَهْذُونَ في شَأْنِهِ أوِ الهُجْرُ بِالضَّمِّ أيِ الفُحْشِ، ويُؤَيِّدُ الثّانِي قِراءَةُ نافِعٍ ﴿تَهْجُرُونَ﴾ مِن أهْجَرَ وقُرِئَ «تُهَجِّرُونَ» عَلى المُبالَغَةِ.
23:68–70Page 346
أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨
Then have they not reflected over the word [i.e., the Qur’ān], or has there come to them that which had not come to their forefathers?
أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩
Or did they not know their Messenger, so they are toward him disacknowledging?
أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠
Or do they say, "In him is madness"? Rather, he brought them the truth, but most of them, to the truth, are averse.
﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ أيِ القُرْآنَ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ بِإعْجازِ لَفْظِهِ ووُضُوحِ مَدْلُولِهِ. ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ مِنَ الرَّسُولِ والكِتابِ، أوْ مِنَ الأمْنِ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَخافُوا كَما خافَ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ كَإسْماعِيلَ وأعْقابِهِ فَآمَنُوا بِهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وأطاعُوهُ.
﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ بِالأمانَةِ والصِّدْقِ وحُسْنِ الخُلُقِ وكَمالِ العِلْمِ مَعَ عَدَمِ التَّعَلُّمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو صِفَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ دَعْواهُ لِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ إذْ لا وجْهَ لَهُ غَيْرُها، فَإنَّ إنْكارَ الشَّيْءِ قَطْعًا أوْ ظَنًّا إنَّما يَتَّجِهُ إذا ظَهَرَ امْتِناعُهُ بِحَسَبِ النَّوْعِ أوِ الشَّخْصِ أوْ بُحِثَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أقْصى ما يُمْكِنُ فَلَمْ يُوجَدْ.
﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ فَلا يُبالُونَ بِقَوْلِهِ وكانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ ﷺ أرْجَحُهم عَقْلًا وأدَقُّهم نَظَرًا. ﴿بَلْ جاءَهم (p-92)بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ لِأنَّهُ يُخالِفُ شَهَواتِهِمْ وأهْواءَهم فَلِذَلِكَ أنْكَرُوهُ، وإنَّما قَيَّدَ الحُكْمَ بِالأكْثَرِ لِأنَّهُ كانَ مِنهم مَن تَرَكَ الإيمانَ اسْتِنْكافًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ أوْ لِقِلَّةِ فِطْنَتِهِ وعَدَمِ فِكْرَتِهِ لا كَراهَةً لِلْحَقِّ.
23:71Page 346
وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ ٧١
But if the Truth [i.e., Allāh] had followed their inclinations, the heavens and the earth and whoever is in them would have been ruined. Rather, We have brought them their message,1 but they, from their message, are turning away.
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾ بِأنْ كانَ في الواقِعِ آلِهَةٌ شَتّى. ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ كَما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ . وقِيلَ لَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم وانْقَلَبَ باطِلًا لَذَهَبَ ما قامَ بِهِ العالَمُ فَلَمْ يَبْقَ، أوْ لَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أهْواءَهم وانْقَلَبَ شِرْكًا لَجاءَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ وأهْلَكَ العالَمَ مِن فَرْطِ غَضَبِهِ، أوْ لَوِ اتَّبَعَ اللَّهُ أهْواءَهم بِأنْ أنْزَلَ ما يَشْتَهُونَهُ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي لَخَرَجَ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ ولَمْ يَقْدِرْ أنْ يُمْسِكَ السَّمَواتِ والأرْضَ وهو عَلى أصْلِ المُعْتَزِلَةِ. ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ بِالكِتابِ الَّذِي هو ذِكْرُهم أيْ وعْظُهم أوْ صِيتُهم، أوِ الذِّكْرُ الَّذِي تَمَنَّوْهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ «بِذِكْراهم» . ﴿فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ.
23:72–73Page 346
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢
Or do you, [O Muḥammad], ask them for payment? But the reward of your Lord is best, and He is the best of providers.
وَإِنَّكَ لَتَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٣
And indeed, you invite them to a straight path.
﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾ قِيلَ إنَّهُ قَسِيمُ قَوْلِهِ ﴿أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ . ﴿خَرْجًا﴾ أجْرًا عَلى أداءِ الرِّسالَةِ. ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ رِزْقُهُ في الدُّنْيا أوْ ثَوابُهُ في العُقْبى. ﴿خَيْرٌ﴾ لِسِعَتِهِ ودَوامِهِ فَفِيهِ مَندُوحَةٌ لَكَ عَنْ عَطائِهِمْ والخَرْجُ بِإزاءِ الدَّخْلِ يُقالُ لِكُلِّ ما تُخْرِجُهُ إلى غَيْرِكَ، والخَراجُ غالِبٌ في الضَّرِيبَةِ عَلى الأرْضِ فَفِيهِ إشْعارٌ بِالكَثْرَةِ واللُّزُومِ فَيَكُونُ أبْلَغَ ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِهِ عَنْ عَطاءِ اللَّهِ إيّاهُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «خَرْجًا فَخَرْجُ» وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «خَراجًا فَخَراجُ» لِلْمُزاوَجَةِ.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِخَيْرِيَّةِ خَراجِهِ تَعالى.
﴿وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَشْهَدُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ عَلى اسْتِقامَتِهِ لا عِوَجَ فِيهِ يُوجِبُ اتِّهامَهم لَهُ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ وأزاحَ العِلَّةَ في هَذِهِ الآياتِ بِأنْ حَصَرَ أقْسامَ ما يُؤَدِّي إلى الإنْكارِ والِاتِّهامِ وبَيَّنَ انْتِفاءَها ما عَدا كَراهَةَ الحَقِّ وقِلَّةَ الفِطْنَةِ.
23:74–75Page 346
وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ٧٤
But indeed, those who do not believe in the Hereafter are deviating from the path.
۞ وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥
And even if We gave them mercy and removed what was upon them of affliction, they would persist in their transgression, wandering blindly.
﴿وَإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ﴾ عَنِ الصِّراطِ السَّوِيِّ. ﴿لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ عَنْهُ فَإنَّ خَوْفَ الآخِرَةِ أقْوى البَواعِثِ عَلى طَلَبِ الحَقِّ وسُلُوكِ طَرِيقِهِ.
﴿وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ يَعْنِي القَحْطَ. ﴿لَلَجُّوا﴾ لَثَبَتُوا واللَّجاجُ التَّمادِي في الشَّيْءِ.
﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ إفْراطِهِمْ في الكُفْرِ والِاسْتِكْبارِ عَنِ الحَقِّ وعَداوَةِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ عَنِ الهُدى، رُوِيَ «أنَّهم قُحِطُوا حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ قالَ: بَلى فَقالَ: قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ فَنَزَلَتْ» .
23:76–77Page 347
وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦
And We had gripped them with suffering [as a warning], but they did not yield to their Lord, nor did they humbly supplicate, [and will continue thus]
حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٧
Until when We have opened before them a door of severe punishment, immediately they will be therein in despair.
﴿وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ يَعْنِي القَتْلَ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ بَلْ أقامُوا عَلى عُتُوِّهِمْ (p-93)
واسْتِكْبارِهِمْ، واسْتَكانَ اسْتَفْعَلَ مِنَ الكَوْنِ لِأنَّ المُفْتَقِرَ انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ أوِ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُهُ. ﴿وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ولَيْسَ مِن عادَتِهِمُ التَّضَرُّعُ وهو اسْتِشْهادٌ عَلى ما قَبْلَهُ.
﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ يَعْنِي الجُوعَ فَإنَّهُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ. ﴿إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ مُتَحَيِّرُونَ آيِسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ حَتّى جاءَكَ أعْتاهم يَسْتَعْطِفُكَ.
23:78–80Page 347
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٧٨
And it is He who produced for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.
وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٩
And it is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered.
وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٨٠
And it is He who gives life and causes death, and His is the alternation of the night and the day. Then will you not reason?
﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ لِتُحِسُّوا بِها ما نُصِبَ مِنَ الآياتِ. ﴿والأفْئِدَةَ﴾ لِتَتَفَكَّرُوا فِيها وتَسْتَدِلُّوا بِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ تَشْكُرُونَها شُكْرًا قَلِيلًا لِأنَّ العُمْدَةَ في شُكْرِها اسْتِعْمالُها فِيما خُلِقَتْ لِأجْلِهِ، والإذْعانُ لِمانِحِها مِن غَيْرِ إشْراكٍ وما صِلَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.
﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ خَلَقَكم وبَثَّكم فِيها بِالتَّناسُلِ. ﴿وَإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تُجْمَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ تَفَرُّقِكم.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ ويَخْتَصُّ بِهِ تَعاقُبُهُما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَيَكُونُ رَدًّا لِنِسْبَتِهِ إلى الشَّمْسِ حَقِيقَةً أوْ لِأمْرِهِ وقَضائِهِ تَعاقُبُهُما، أوِ انْتِقاصُ أحَدِهِما وازْدِيادُ الآخَرِ. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ أنَّ الكُلَّ مِنّا وأنَّ قُدْرَتَنا تَعُمُّ المُمَكِناتِ كُلَّها وأنَّ البَعْثَ مِن جُمْلَتِها، وقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّ الخِطابَ السّابِقَ لِتَغْلِيبِ المُؤْمِنِينَ.
23:81–83Page 347
بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٨١
Rather,1 they say like what the former peoples said.
قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٨٢
They said, "When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨٣
We have been promised this, we and our forefathers, before; this is not but legends of the former peoples."
﴿بَلْ قالُوا﴾ أيِ كُفّارُ مَكَّةَ. ﴿مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ آباؤُهم ومَن دانَ بِدِينِهِمْ.
﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ اسْتِبْعادًا ولَمْ يَتَأمَّلُوا أنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ أيْضًا تُرابًا فَخُلِقُوا.
﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ إلّا أكاذِيبُهُمُ الَّتِي كَتَبُوها، جَمْعُ أُسْطُورَةٍ لِأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيما يُتَلَهّى بِهِ كالأعاجِيبِ والأضاحِيكِ. وقِيلَ جَمْعُ أسْطارٍ جَمْعُ سَطْرٍ.
23:84–85Page 347
قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٤
Say, [O Muḥammad], "To whom belongs the earth and whoever is in it, if you should know?"
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥
They will say, "To Allāh." Say, "Then will you not remember?"
﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ أوْ مِنَ العالَمِينَ بِذَلِكَ، فَيَكُونُ اسْتِهانَةً بِهِمْ وتَقْرِيرًا لِفَرْطِ جَهالَتِهِمْ حَتّى جَهِلُوا مِثْلَ هَذا الجَلِيِّ الواضِحِ إلْزامًا بِما لا يُمْكِنُ لِمَن لَهُ مَسْكَةٌ مِنَ العِلْمِ إنْكارُهُ، ولِذَلِكَ أخْبَرَ عَنْ جَوابِهِمْ قَبْلَ أنْ يُجِيبُوا فَقالَ.
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لِأنَّ العَقْلَ الصَّرِيحَ قَدِ اضْطَرَّهم بِأدْنى نَظَرٍ إلى الإقْرارِ بِأنَّهُ خالِقُها. ﴿قُلْ﴾ أيْ بَعْدَ ما قالُوهُ. ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ فَتَعْلَمُونَ أنَّ مَن فَطَرَ الأرْضَ ومِن فِيها ابْتِداءً قادِرٌ عَلى إيجادِها ثانِيًا، فَإنَّ بَدْءَ الخَلْقِ لَيْسَ أهْوَنَ مِن إعادَتِهِ. وقُرِئَ «تَتَذَكَّرُونَ» عَلى الأصْلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences