Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:27–55
25:27–29Page 362
وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧
And the Day the wrongdoer will bite on his hands [in regret] he will say, "Oh, I wish I had taken with the Messenger a way.1
يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨
Oh, woe to me! I wish I had not taken that one1 as a friend.
لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩
He led me away from the remembrance1 after it had come to me. And ever is Satan, to man, a deserter."2
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ مِن فَرْطِ الحَسْرَةِ، وعَضُّ اليَدَيْنِ وأكْلُ البَنانِ وحَرْقُ الأسْنانِ ونَحْوُها كِناياتٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ لِأنَّها مِن رَوادِفِهِما، والمُرادُ بِـ ( الظّالِمُ ) الجِنْسُ. وقِيلَ «عُقْبَةُ بْنُ أبِي مَعِيطٍ كانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيِّ ﷺ، فَدَعاهُ إلى ضِيافَتِهِ فَأبى أنْ يَأْكُلَ مِن طَعامِهِ حَتّى يَنْطِقَ بِالشَّهادَتَيْنِ فَفَعَلَ، وكانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ صَدِيقَهُ فَعاتَبَهُ وقالَ صَبَأْتَ فَقالَ: لا، ولَكِنْ آلى أنْ لا يَأْكُلَ مِن طَعامِي وهو في بَيْتِي فاسْتَحَيْتُ مِنهُ (p-123)فَشَهِدْتُ لَهُ، فَقالَ لا أرْضى مِنكَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُ فَتَطَأ قَفاهُ وتَبْزُقَ في وجْهِهِ، فَوَجَدَهُ ساجِدًا في دارِ النَّدْوَةِ فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ، فَأُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ فَأمَرَ عَلِيًّا فَقَتَلَهُ وطَعَنَ أُبَيًّا بِأُحُدٍ في المُبارَزَةِ فَرَجَعَ إلى مَكَّةَ وماتَ» .
﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا إلى النَّجاةِ أوْ طَرِيقًا واحِدًا وهو طَرِيقُ الحَقِّ ولَمْ تَتَشَعَّبْ بِي طُرُقُ الضَّلالَةِ.
﴿يا ويْلَتى﴾ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الأصْلِ. ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ يَعْنِي مَن أضَلَّهُ وفُلانٌ كِنايَةٌ عَنِ الأعْلامِ كَما أنَّ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الأجْناسِ.
﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أوْ كِتابِهِ أوْ مَوْعِظَةِ الرَّسُولِ، أوْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ. ﴿بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ وتَمَكَّنْتُ مِنهُ. ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ﴾ يَعْنِي الخَلِيلَ المُضِلَّ أوْ إبْلِيسَ لِأنَّهُ حَمَلَهُ عَلى مُخالَّتِهِ ومُخالَفَةِ الرَّسُولِ، أوْ كُلَّ مَن تَشَيْطَنَ مِن جِنٍّ وإنْسٍ. ﴿لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ يُوالِيهِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ إلى الهَلاكِ ثُمَّ يَتْرُكُهُ ولا يَنْفَعُهُ، فَعُولٌ مِنَ الخِذْلانِ.
25:30–31Page 362
وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠
And the Messenger has said, "O my Lord, indeed my people have taken this Qur’ān as [a thing] abandoned."1
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١
And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.
﴿وَقالَ الرَّسُولُ﴾ مُحَمَّدٌ يَوْمَئِذٍ أوْ في الدُّنْيا بَثًّا إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي﴾ قُرَيْشًا. ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ بِأنْ تَرَكُوهُ وصَدُّوا عَنْهُ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّقَ مُصْحَفَهُ ولَمْ يَتَعاهَدْهُ ولَمْ يَنْظُرْ فِيهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَقُولُ: يا رَبِّ عَبْدُكَ هَذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَهُ»
أوْ هَجَرُوا ولَغَوْا فِيهِ إذا سَمِعُوهُ أوْ زَعَمُوا أنَّهُ هَجْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، فَيَكُونُ أصْلُهُ مَهْجُورًا فِيهِ فَحُذِفَ الجارُّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الهَجْرِ كالمَجْلُودِ والمَعْقُولِ، وفِيهِ تَخْوِيفٌ لِقَوْمِهِ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا شَكَوْا إلى اللَّهِ تَعالى قَوْمَهم عَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ كَما جَعَلْناهُ لَكَ فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خالِقُ الشَّرِّ، والعَدُوُّ يَحْتَمِلُ الواحِدَ والجَمْعَ. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا﴾ إلى طَرِيقِ قَهْرِهِمْ. ﴿وَنَصِيرًا﴾ لَكَ عَلَيْهِمْ.
25:32Page 362
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢
And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ﴾ أيْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَخَبَرٍ بِمَعْنى أُخْبِرَ لِئَلّا يُناقِضَ قَوْلَهُ: ﴿جُمْلَةً واحِدَةً﴾ دَفْعَةً واحِدَةً كالكُتُبِ الثَّلاثَةِ، وهو اعْتِراضٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ لِأنَّ الإعْجازَ لا يَخْتَلِفُ بِنُزُولِهِ جُمْلَةً أوْ مُفَرَّقًا مَعَ أنَّ لِلتَّفْرِيقِ فَوائِدَ مِنها ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا لِنُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ عَلى حِفْظِهِ وفَهْمِهِ، لِأنَّ حالَهُ يُخالِفُ حالَ مُوسى وداوُدَ وعِيسى حَيْثُ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِّيًّا وكانُوا يَكْتُبُونَ، فَلَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ جُمْلَةً لَعِيلَ بِحِفْظِهِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَسْتَتِبَّ لَهُ فَإنَّ التَّلَقُّفَ لا يَتَأتّى إلّا شَيْئًا فَشَيْئًا، ولِأنَّ نُزُولَهُ بِحَسَبِ الوَقائِعِ يُوجِبُ مَزِيدَ بَصِيرَةٍ وغَوْصًا في المَعْنى، ولِأنَّهُ إذا نَزَلَ مُنَجَّمًا وهو يَتَحَدّى بِكُلِّ نَجْمٍ فَيَعْجِزُونَ عَنْ مُعارَضَتِهِ زادَ ذَلِكَ قُوَّةَ قَلْبِهِ، ولِأنَّهُ إذا نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ حالًا بَعْدَ حالٍ يُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَهُ ومِنها مَعْرِفَةُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ ومِنها انْضِمامُ القَرائِنِ الحالِيَّةِ إلى الدَّلالاتِ اللَّفْظِيَّةِ، فَإنَّهُ يُعِينُ عَلى البَلاغَةِ، وكَذَلِكَ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والإشارَةُ إلى إنْزالِهِ مُفَرَّقًا فَإنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الكَفَرَةِ ولِذَلِكَ وقَفَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ حالًا والإشارَةُ إلى الكُتُبِ السّابِقَةِ، واللّامُ عَلى الوَجْهَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ. ﴿وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ وقَرَأْناهُ عَلَيْكَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ عَلى تُؤَدَةٍ وتَمَهُّلٍ في عِشْرِينَ سَنَةً أوْ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ وأصْلُ التَّرْتِيلِ في الأسْنانِ وهو تَفْلِيجُها.(p-124)
25:33–34Page 363
وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا ٣٣
And they do not come to you with an example [i.e., argument] except that We bring you the truth and the best explanation.
ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٣٤
The ones who are gathered on their faces to Hell - those are the worst in position and farthest astray in [their] way.
﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ سُؤالٍ عَجِيبٍ كَأنَّهُ مَثَلٌ في البُطْلانِ يُرِيدُونَ بِهِ القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ. ﴿إلا جِئْناكَ بِالحَقِّ﴾ الدّامِغِ لَهُ في جَوابِهِ. ﴿وَأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ وبِما هو أحْسَنُ بَيانًا أوْ مَعْنًى مِن سُؤالِهِمْ، أوْ لا يَأْتُونَكَ بِحالٍ عَجِيبَةٍ يَقُولُونَ هَلّا كانَتْ هَذِهِ حالُهُ إلّا أعْطَيْناكَ مِنَ الأحْوالِ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا وما هو أحْسَنُ كَشْفًا لِما بُعِثْتَ لَهُ.
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ مَقْلُوبِينَ أوْ مَسْحُوبِينَ عَلَيْها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ قُلُوبُهم بِالسُّفْلِيّاتِ مُتَوَجِّهَةً وُجُوهُهم إلَيْها. وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ، صِنْفٌ عَلى الدَّوابِّ وصِنْفٌ عَلى الأقْدامِ وصِنْفٌ عَلى الوُجُوهِ» وهو ذَمٌّ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ أوْ مَبْدَأٌ خَبَرُهُ. ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلا﴾ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ هو الرَّسُولُ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ حامِلَهم عَلى هَذِهِ الأسْئِلَةِ تَحْقِيرُ مَكانِهِ وتَضْلِيلُ سَبِيلِهِ ولا يَعْلَمُونَ حالَهم لِيَعْلَمُوا أنَّهم شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا، وقِيلَ إنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ ووُصِفَ السَّبِيلُ بِالضَّلالِ مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْمُبالَغَةِ.
25:35–37Page 363
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥
And We had certainly given Moses the Scripture and appointed with him his brother Aaron as an assistant.
فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦
And We said, "Go both of you to the people who have denied Our signs." Then We destroyed them with [complete] destruction.
وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧
And the people of Noah - when they denied the messengers,1 We drowned them, and We made them for mankind a sign. And We have prepared for the wrongdoers a painful punishment.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ يُوازِرُهُ في الدَّعْوَةِ وإعْلاءِ الكَلِمَةِ ولا يُنافِي ذَلِكَ مُشارَكَتَهُ في النُّبُوَّةِ، لِأنَّ المُتَشارِكِينَ في الأمْرِ مُتَوازِرُونَ عَلَيْهِ.
﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ. ﴿بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ أيْ فَذَهَبا إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُما فَدَمَّرْناهم، فاقْتَصَرَ عَلى حاشِيَتَيِ القِصَّةِ اكْتِفاءً بِما هو المَقْصُودُ مِنها وهو إلْزامُ الحُجَّةِ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ واسْتِحْقاقِ التَّدْمِيرِ بِتَكْذِيبِهِمْ والتَّعْقِيبِ بِاعْتِبارِ الحُكْمِ لا الوُقُوعِ، وقُرِئَ «فَدَمَّرْتُهم» «فَدَمَّراهم» «فَدَمَّرانَّهم» عَلى التَّأْكِيدِ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ كَذَّبُوا نُوحًا ومَن قَبْلَهُ، أوْ نُوحًا وحْدَهُ ولَكِنَّ تَكْذِيبَ واحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ كَتَكْذِيبِ الكُلِّ أوْ بِعْثَةَ الرُّسُلِ مُطْلَقًا كالبَراهِمَةِ. ﴿أغْرَقْناهُمْ﴾ بِالطُّوفانِ. ﴿وَجَعَلْناهُمْ﴾ وجَعَلْنا إغْراقَهم أوْ قِصَّتَهم. ﴿لِلنّاسِ آيَةً﴾ عِبْرَةً. ﴿وَأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ يَحْتَمِلُ التَّعْمِيمَ والتَّخْصِيصَ فَيَكُونُ وضْعًا لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمِرِ تَظْلِيمًا لَهم.
25:38–39Page 363
وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا ٣٨
And [We destroyed] ʿAad and Thamūd and the companions of the well1 and many generations between them.
وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا ٣٩
And for each We presented examples [as warnings], and each We destroyed with [total] destruction.
﴿وَعادًا وثَمُودَ﴾ عُطِفَ عَلى هم في ( جَعَلْناهم ) أوْ عَلى «الظّالِمِينَ» لِأنَّ المَعْنى ووَعَدْنا الظّالِمِينَ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ «وَثَمُودَ» عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلَةِ. ﴿وَأصْحابَ الرَّسِّ﴾ قَوْمٌ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ شُعَيْبًا فَكَذَّبُوهُ، فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ وهي البِئْرُ الغَيْرُ المَطْوِيَّةِ فانْهارَتْ فَخُسِفَ بِهِمْ وبِدِيارِهِمْ. وقِيلَ ﴿الرَّسِّ﴾ قَرْيَةٌ بِفَلْجِ اليَمامَةِ كانَ فِيها بَقايا ثَمُودَ فَبُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَقَتَلُوهُ فَهَلَكُوا. وقِيلَ الأُخْدُودُ وقِيلَ بِئْرٌ بِأنْطاكِيَّةَ قَتَلُوا (p-125)
فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ، وقِيلَ هم أصْحابُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ النَّبِيِّ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِطَيْرٍ عَظِيمٍ كانَ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، وسَمَّوْها عَنْقاءَ لِطُولِ عُنُقِها وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ فَتْخٌ أوْ دَمْخٌ وتَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطَفُهم إذا أعْوَزَها الصَّيْدُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ مُغْرِبًا فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ ثُمَّ أنَّهم قَتَلُوهُ فَأُهْلِكُوا.
وَقِيلَ هم قَوْمٌ كَذَّبُوا نَبِيَّهم ورَسُّوهُ أيْ دَسُّوهُ في بِئْرٍ. ﴿وَقُرُونًا﴾ وأهْلَ أعْصارٍ قِيلَ القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً وقِيلَ سَبْعُونَ وقِيلَ مِائَةٌ وعِشْرُونَ. ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ. ﴿كَثِيرًا﴾ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ.
﴿وَكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ بَيَّنّا لَهُ القِصَصَ العَجِيبَةَ مِن قِصَصِ الأوَّلِينَ إنْذارًا وإعْذارًا فَلَمّا أصَرُّوا أُهْلِكُوا كَما قالَ: ﴿وَكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ فَتَّتْناهُ تَفْتِيتًا ومِنهُ التِّبْرُ لِفُتاتِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ( وكُلًّا ) الأوَّلُ مَنصُوبٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ ( ضَرَبْنا ) كَأنْذَرْنا والثّانِي بِـ ( تَبَّرْنا ) لِأنَّهُ فارِغٌ.
25:40Page 363
وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ٤٠
And they have already come upon the town which was showered with a rain of evil [i.e., stones]. So have they not seen it? But they are not expecting resurrection.1
﴿وَلَقَدْ أتَوْا﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا مَرُّوا مِرارًا في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ. ﴿عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ يَعْنِي سَدُومَ عُظْمى قُرى قَوْمِ لُوطٍ أُمْطِرَتْ عَلَيْها الحِجارَةُ. ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ في مِرارِ مُرُورِهِمْ فَيَتَّعِظُوا بِما يَرَوْنَ فِيها مِن آثارِ عَذابِ اللَّهِ. ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ بَلْ كانُوا كَفَرَةً لا يَتَوَقَّعُونَ نُشُورًا ولا عاقِبَةً فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَتَّعِظُوا فَمَرُّوا بِها كَما مَرَّتْ رِكابُهم، أوْ لا يَأْمُلُونَ نُشُورًا كَما يَأْمُلُهُ المُؤْمِنُونَ طَمَعًا في الثَّوابِ، أوْ لا يَخافُونَهُ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ.
25:41–42Page 363
وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١
And when they see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one whom Allāh has sent as a messenger?
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢
He almost would have misled us from our gods had we not been steadfast in [worship of] them." But they are going to know, when they see the punishment, who is farthest astray in [his] way.
﴿وَإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا﴾ ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَوْضِعَ هَزْءٍ أوْ مَهْزُوءًا بِهِ. ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ مَحْكِيٌّ بَعْدَ قَوْلٍ مُضْمَرٍ والإشارَةُ لِلِاسْتِحْقارِ، وإخْراجُ ﴿بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ يَجْعَلُهُ صِلَةَ وهم عَلى غايَةِ الإنْكارِ تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ ولَوْلاهُ لَقالُوا أهَذا الَّذِي زَعَمَ أنَّهُ بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا.
﴿إنْ﴾ إنَّهُ ﴿كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ لِيَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها بِفَرْطِ اجْتِهادِهِ في الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ وكَثْرَةِ ما يُورِدُها مِمّا يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ بِأنَّها حُجَجٌ ومُعْجِزاتٌ. ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ ثَبَتْنا عَلَيْها واسْتَمْسَكْنا بِعِبادَتِها و ( لَوْلا ) في مِثْلِهِ تُقَيِّدُ الحُكْمَ المُطْلَقَ مِن حَيْثُ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلا﴾ كالجَوابِ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ فَإنَّهُ يُفِيدُ نَفْيَ ما يَلْزَمُهُ ويَكُونُ المُوجِبَ لَهُ، وفِيهِ وعِيدٌ ودَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُهْمِلُهم وإنْ أمْهَلَهم.
25:43–44Page 363
أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣
Have you seen the one who takes as his god his own desire? Then would you be responsible for him?
أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤
Or do you think that most of them hear or reason? They are not except like livestock.1 Rather, they are [even] more astray in [their] way.
﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ بِأنْ أطاعَهُ وبَنى عَلَيْهِ دِينَهُ لا يَسْمَعُ حُجَّةً ولا يُبْصِرُ دَلِيلًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْعِنايَةِ بِهِ. ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا﴾ حَفِيظًا تَمْنَعُهُ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي وحالُهُ هَذا فالِاسْتِفْهامُ الأوَّلُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّعْجِيبِ والثّانِي لِلْإنْكارِ.
﴿أمْ تَحْسَبُ﴾ بَلْ أتَحْسَبُ. ﴿أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ فَتُجْدِي لَهُمُ الآياتِ أوِ الحُجَجَ فَتَهْتَمُّ بِشَأْنِهِمْ وتَطْمَعُ في إيمانِهِمْ، وهو أشَدُّ مَذَمَّةً مِمّا قَبْلَهُ حَتّى حُقَّ بِالإضْرابِ عَنْهُ إلَيْهِ، وتَخْصِيصُ الأكْثَرِ لِأنَّهُ كانَ (p-126)
مِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن عَقَلَ الحَقَّ وكابَرَ اسْتِكْبارًا وخَوْفًا عَلى الرِّئاسَةِ. ﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ﴾ في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِقَرْعِ الآياتِ آذانَهم وعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ فِيما شاهَدُوا مِنَ الدَّلائِلِ والمُعْجِزاتِ. ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا﴾ مِنَ الأنْعامِ لِأنَّها تَنْقادُ لِمَن يَتَعَهَّدُها وتُمَيِّزُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها مِمَّنْ يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ ما يَنْفَعُها وتَتَجَنَّبُ ما يَضُرُّها وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ مِن إساءَةِ الشَّيْطانِ، ولا يَطْلُبُونَ الثَّوابَ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ، ولِأنَّها إنْ لَمْ تَعْتَقِدْ حَقًّا ولَمْ تَكْتَسِبْ خَيْرًا لَمْ تَعْتَقِدْ باطِلًا ولَمْ تَكْتَسِبْ شَرًّا، بِخِلافِ هَؤُلاءِ ولِأنَّ جَهالَتَها لا تَضُرُّ بِأحَدٍ وجَهالَةَ هَؤُلاءِ تُؤَدِّي إلى هَيْجِ الفِتَنِ وصَدِّ النّاسِ عَنِ الحَقِّ، ولِأنَّها غَيْرُ مُتَمَكِّنَةٍ مِن طَلَبِ الكَمالِ فَلا تَقْصِيرَ مِنها ولا ذَمَّ وهَؤُلاءِ مُقَصِّرُونَ ومُسْتَحِقُّونَ أعْظَمَ العِقابِ عَلى تَقْصِيرِهِمْ.
25:45–46Page 364
أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا ٤٥
Have you not considered your Lord - how He extends the shadow, and if He willed, He could have made it stationary? Then We made the sun for it an indication.1
ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا ٤٦
Then We [retract and] hold it with Us for a brief grasp.1
﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ﴾ ألَمْ تَنْظُرْ إلى صُنْعِهِ. ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ كَيْفَ بَسَطَهُ أوْ ألَمْ تَنْظُرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، فَغَيَّرَ النَّظْمَ إشْعارًا بِأنَّهُ المَعْقُولُ مِن هَذا الكَلامِ لِوُضُوحِ بُرْهانِهِ وهو دَلالَةُ حُدُوثِهِ وتَصَرُّفِهِ عَلى الوَجْهِ النّافِعِ بِأسْبابٍ مُمْكِنَةٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الصّانِعِ الحَكِيمِ كالمُشاهَدِ المَرْئِيِّ فَكَيْفَ بِالمَحْسُوسِ مِنهُ، أوْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى أنَّ رَبَّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وهو فِيما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ والشَّمْسِ وهو أطْيَبُ الأحْوالِ، فَإنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ تُنَفِّرُ الطَّبْعَ وتَسُدُّ النَّظَرَ وشُعاعَ الشَّمْسِ: يُسَخِّنُ الجَوَّ ويُبْهِرُ البَصَرَ، ولِذَلِكَ وصَفَ بِهِ الجَنَّةَ فَقالَ وظِلٍّ مَمْدُودٍ) . ﴿وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ ثابِتًا مِنَ السُّكْنى أوْ غَيْرَ مُتَقَلِّصٍ مِنَ السُّكُونِ بِأنْ يَجْعَلَ الشَّمْسَ مُقِيمَةً عَلى وضْعٍ واحِدٍ. ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ فَإنَّهُ لا يَظْهَرُ لِلْحِسِّ حَتّى تَطْلُعَ فَيَقَعُ ضَوْؤُها عَلى بَعْضِ الأجْرامِ، أوْ لا يُوجَدُ ولا يَتَفاوَتُ إلّا بِسَبَبِ حَرَكَتِها.
﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا﴾ أيْ أزَلْناهُ بِإيقاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ لَمّا عَبَّرَ عَنْ أحْداثِهِ بِالمَدِّ بِمَعْنى التَّسْيِيرِ عَبَّرَ عَنْ إزالَتِهِ بِالقَبْضِ إلى نَفْسِهِ الَّذِي هو في مَعْنى الكَفِّ. ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قَلِيلًا قَلِيلًا حَسْبَما تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ لِيَنْتَظِمَ بِذَلِكَ مَصالِحُ الكَوْنِ ويَتَحَصَّلَ بِهِ ما لا يُحْصى مِن مَنافِعِ الخَلْقِ، و ( ثُمَّ ) في المَوْضِعَيْنِ لِتَفاضُلِ الأُمُورِ أوْ لِتَفاضُلِ مَبادِئِ أوْقاتِ ظُهُورِها، وقِيلَ ( مَدَّ الظِّلَّ ) لَمّا بَنى السَّماءَ بِلا نَيِّرٍ، ودَحا الأرْضَ تَحْتَها فَألْقَتْ عَلَيْها ظِلَّها ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ثابِتًا عَلى تِلْكَ الحالَةِ، ثُمَّ خَلَقَ الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، أيْ مُسَلَّطًا عَلَيْهِ مُسْتَتْبَعًا إيّاهُ كَما يَسْتَتْبِعُ الدَّلِيلُ المَدْلُولَ، أوْ دَلِيلُ الطَّرِيقِ مَن يَهْدِيهِ فَإنَّهُ يَتَفاوَتُ بِحَرَكَتِها ويَتَحَوَّلُ بِتَحَوُّلِها، ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ شَيْئًا فَشَيْئًا إلى أنْ تَنْتَهِيَ غايَةُ نُقْصانِهِ، أوْ قَبْضًا سَهْلًا عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ مِنَ الأجْرامِ المُظِلَّةِ والمُظَلِّ عَلَيْها.
25:47Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧
And it is He who has made the night for you as clothing1 and sleep [a means for] rest and has made the day a resurrection.2
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ ظَلامَهُ بِاللِّباسِ في سَتْرِهِ. ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ راحَةً لِلْأبْدانِ بِقِطْعِ المَشاغِلِ، وأصْلُ السَّبْتِ القَطْعُ أوْ مَوْتًا كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ لِأنَّهُ قَطَعَ الحَياةَ ومِنهُ المَسْبُوتُ لِلْمَيِّتِ. ﴿وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ ذا نُشُورٍ أيِ انْتِشارٌ يَنْتَشِرُ فِيهِ النّاسُ لِلْمَعاشِ، أوْ بُعِثَ مِنَ النَّوْمِ بَعْثَ الأمْواتِ فَيَكُونُ إشارَةً إلى أنَّ النَّوْمَ واليَقَظَةَ أُنْمُوذَجٌ لِلْمَوْتِ والنُّشُورِ. وعَنْ لُقْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يا بُنَيَّ كَما تَنامُ فَتُوقَظُ كَذَلِكَ تَمُوتُ فَتُنْشَرُ.
25:48–49Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall], and We send down from the sky pure water
لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩
That We may bring to life thereby a dead land and give it as drink to those We created of numerous livestock and men.
﴿وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى التَّوْحِيدِ إرادَةً لِلْجِنْسِ. ( نُشْرًا ) ناشِراتٍ لِلْحِسابِ جَمْعُ نُشُورٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالسُّكُونِ عَلى التَّخْفِيفِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ وبِفَتْحِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ وعاصِمٌ ( بُشْرًا ) تَخْفِيفُ بَشَّرَ جَمْعُ بَشُورٍ بِمَعْنى مُبَشِّرٍ ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يَعْنِي قُدّامَ المَطَرِ. ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ مُطَهِّرًا لِقَوْلِهِ ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ . وهو اسْمٌ لِما يُتَطَهَّرُ بِهِ كالوَضُوءِ والوَقُودِ لِما يُتَوَضَّأُ بِهِ ويُوقَدُ بِهِ.
قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «التُّرابُ طَهُورُ المُؤْمِنِ»، «طَهُورُ إناءِ أحَدِكم إذا ولَغَ الكَلْبُ فِيهِ أنْ يُغْسَلَ سَبْعًا إحْداهُنَّ بِالتُّرابِ» .
وَقِيلَ بَلِيغًا في الطَّهارَةِ وفَعُولٌ وإنْ غَلَبَ في المَعْنَيَيْنِ لَكِنَّهُ قَدْ جاءَ لِلْمَفْعُولِ كالضَّبُوثِ ولِلْمَصْدَرِ كالقَبُولِ ولِلِاسْمِ كالذُّنُوبِ، وتَوْصِيفُ الماءِ بِهِ إشْعارًا بِالنِّعْمَةِ فِيهِ وتَتْمِيمٌ لِلْمِنَّةِ فِيما بَعْدَهُ فَإنَّ الماءَ الطَّهُورَ أهْنَأُ وأنْفَعُ مِمّا خالَطَهُ ما يُزِيلُ طَهُورِيَّتَهُ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ظَواهِرَهم لَمّا كانَتْ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُطَهِّرُوها فَبَواطِنُهم بِذَلِكَ أوْلى.
﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ بِالنَّباتِ وتَذْكِيرُ ( مَيْتًا ) لِأنَّ البَلْدَةَ في مَعْنى البَلَدِ، ولِأنَّهُ غَيْرُ جارٍ عَلى الفِعْلِ كَسائِرِ أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ فَأُجْرِيَ مَجْرى الجامِدِ. ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ يَعْنِي أهْلَ البَوادِي الَّذِينَ يَعِيشُونَ بِالحَيا ولِذَلِكَ نَكَّرَ الأنْعامَ والأناسِيَّ، وتَخْصِيصُهم لِأنَّ أهْلَ المُدُنِ والقُرى يُقِيمُونَ بِقُرْبِ الأنْهارِ، والمَنافِعُ فِيهِمْ وبِما حَوْلَهم مِنَ الأنْعامِ غَنِيَّةٌ عَنْ سُقْيا السَّماءِ وسائِرُ الحَيَواناتِ تَبْعُدُ في طَلَبِ الماءِ فَلا يَعُوزُها الشُّرْبُ غالِبًا مَعَ أنَّ مَساقَ هَذِهِ الآياتِ كَما هو لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ، فَهو لِتَعْدادِ أنْواعِ النِّعْمَةِ والأنْعامُ قِنْيَةُ الإنْسانِ وعامَّةُ مَنافِعِهِمْ وعِلْيَةُ مَعايِشِهِمْ مَنُوطَةٌ بِها، ولِذَلِكَ قُدِّمَ سَقْيُها عَلى سَقْيِهِمْ كَما قَدَّمَ عَلَيْها إحْياءَ الأرْضِ فَإنَّهُ سَبَبٌ لِحَياتِها وتَعَيُّشِها، وقُرِئَ «نَسْقِيهِ» بِالفَتْحِ وسَقى وأسْقى لُغَتانِ، وقِيلَ أسْقاهُ جَعَلَ لَهُ سُقَيا «وَأناسِيَّ» بِحَذْفِ ياءٍ وهو جَمْعُ إنْسِيٍّ أوْ إنْسانٌ كَظَرابِيٍّ في ظَرِبانٍ عَلى أنَّ أصْلَهُ أناسِينَ فَقُلِبَتِ النُّونُ ياءً.
25:50Page 364
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠
And We have certainly distributed it among them that they might be reminded,1 but most of the people refuse except disbelief.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ صَرَّفْنا هَذا القَوْلَ بَيْنَ النّاسِ في القُرْآنِ وسائِرِ الكُتُبِ، أوِ المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ والأوْقاتِ المُتَغايِرَةِ وعَلى الصِّفاتِ المُتَفاوِتَةِ مِن وابِلٍ وطَلٍّ وغَيْرِهِما، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «ما عامٌ أمْطَرُ مِن عامٍ ولَكِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ ذَلِكَ بَيْنَ عِبادِهِ عَلى ما شاءَ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ» أوْ في الأنْهارِ والمَنافِعِ.
﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْرِفُوا كَمالَ القُدْرَةِ وحَقَّ النِّعْمَةِ في ذَلِكَ ويَقُومُوا بِشُكْرِهِ، أوْ لِيَعْتَبِرُوا بِالصَّرْفِ عَنْهم وإلَيْهِمْ. ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وقِلَّةَ الِاكْتِراثِ لَها، أوْ جُحُودَها بِأنْ يَقُولُوا مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، ومَن لا يَرى الأمْطارَ إلّا مِنَ الأنْواءِ كانَ كافِرًا بِخِلافِ مَن يَرى أنَّها مِن خَلْقِ اللَّهِ، والأنْواءُ وسائِطُ وأماراتٌ بِجَعْلِهِ تَعالى.
25:51–52Page 364
وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١
And if We had willed, We could have sent into every city a warner.1
فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢
So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.
﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ نَبِيًّا يُنْذِرُ أهْلَها فَيُخِفُّ عَلَيْكَ أعْباءَ النُّبُوَّةِ لَكِنْ قَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ إجْلالًا لَكَ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِكَ وتَفْضِيلًا لَكَ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِالثَّباتِ والِاجْتِهادِ في الدَّعْوَةِ وإظْهارِ الحَقِّ.
﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يُرِيدُونَكَ عَلَيْهِ، وهو تَهْيِيجٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿وَجاهِدْهم بِهِ﴾ بِالقُرْآنِ أوْ بِتَرْكِ طاعَتِهِمُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ فَلا تُطِعْ، والمَعْنى أنَّهم يَجْتَهِدُونَ في إبْطالِ حَقِّكَ فَقابِلْهم (p-128)
بِالِاجْتِهادِ في مُخالَفَتِهِمْ وإزاحَةِ باطِلِهِمْ. ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ لِأنَّ مُجاهَدَةَ السُّفَهاءِ بِالحُجَجِ أكْبَرُ مِن مُجاهَدَةِ الأعْداءِ بِالسَّيْفِ، أوْ لِأنَّ مُخالَفَتَهم ومُعاداتَهم فِيما بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مَعَ عُتُوِّهِمْ وظُهُورِهِمْ، أوْ لِأنَّهُ جِهادٌ مَعَ كُلِّ الكَفَرَةِ لِأنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى كافَّةِ القُرى.
25:53Page 364
۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣
And it is He who has released [simultaneously] the two seas [i.e., bodies of water], one fresh and sweet and one salty and bitter, and He placed between them a barrier and prohibiting partition.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّاهُما مُتَجاوِرَيْنِ مُتَلاصِقَيْنِ بِحَيْثُ لا يَتَمازَجانِ مِن مَرَجَ دابَّتَهُ إذا خَلّاها.
﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ قامِعٌ لِلْعَطَشِ مِن فَرْطِ عُذُوبَتِهِ. ﴿وَهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ بَلِيغُ المُلُوحَةِ، وقُرِئَ «مِلْحٌ» عَلى فِعْلٍ ولَعَلَّ أصْلَهُ مالِحٌ فَخُفِّفَ كَبَرْدٍ في بارِدٍ. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ حاجِزًا مِن قُدْرَتِهِ. ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وتَنافُرًا بَلِيغًا كَأنَّ كُلًّا مِنهُما يَقُولُ لِلْآخَرِ ما يَقُولُهُ المُتَعَوِّذِ لِلْمُتَعَوَّذِ عَنْهُ، وقِيلَ حَدًّا مَحْدُودًا وذَلِكَ كَدِجْلَةَ تَدْخُلُ البَحْرَ فَتَشُقُّهُ فَتَجْرِي في خِلالِهِ فَراسِخَ لا يَتَغَيَّرُ طَعْمُها، وقِيلَ المُرادُ بِالبَحْرِ العَذْبِ النَّهْرُ العَظِيمُ مِثْلَ النَّيْلِ وبِالبَحْرِ المِلْحِ البَحْرُ الكَبِيرُ وبِالبَرْزَخِ ما يَحُولُ بَيْنَهُما مِنَ الأرْضِ فَتَكُونُ القُدْرَةُ في الفَصْلِ واخْتِلافِ الصِّفَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى طَبِيعَةِ أجْزاءِ كُلِّ عُنْصُرٍ أنْ تَضامَّتْ وتَلاصَقَتْ وتَشابَهَتْ في الكَيْفِيَّةِ.
25:54–55Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا ٥٤
And it is He who has created from water [i.e., semen] a human being and made him [a relative by] lineage and marriage. And ever is your Lord competent [concerning creation].
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا ٥٥
But they worship rather than Allāh that which does not benefit them or harm them, and the disbeliever is ever, against his Lord, an assistant [to Satan].
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا﴾ يَعْنِي الَّذِي خَمَّرَ بِهِ طِينَةَ آدَمَ، أوْ جَعَلَهُ جُزْءًا مِن مادَّةِ البَشَرِ لِتَجْتَمِعَ وتَسْلَسَ وتَقْبَلَ الأشْكالَ والهَيْئاتِ بِسُهُولَةٍ، أوِ النُّطْفَةَ. ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ أيْ قَسَمِهِ قِسْمَيْنِ ذَوِي نَسَبٍ أيْ ذُكُورًا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ، وذَواتُ صِهْرٍ أيْ إناثًا يُصاهَرُ بِهِنَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ . ﴿وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ حَيْثُ خَلَقَ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ بَشَرًا ذا أعْضاءَ مُخْتَلِفَةٍ وطِباعٍ مُتَباعِدَةٍ وجَعَلَهُ قِسْمَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ، ورُبَّما يَخْلُقُ مِن نُطْفَةٍ واحِدَةٍ تَوْأمَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهُمْ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ أوْ كُلَّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ إذْ ما مِن مَخْلُوقٍ يَسْتَقِلُّ بِالنَّفْعِ والضُّرِّ. ﴿وَكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ يُظاهِرُ الشَّيْطانَ بِالعَداوَةِ والشِّرْكِ والمُرادُ بِـ ( الكافِرُ ) الجِنْسُ أوْ أبُو جَهْلٍ. وقِيلَ هَيِّنًا مُهِينًا لا وقْعَ لَهُ عِنْدَهُ مِن قَوْلِهِمْ ظَهَرْتَ بِهِ إذا نَبَذْتَهُ خَلْفَ ظَهْرِكَ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences