Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:191–227
26:191–196Page 375
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢
And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the revelation of the Lord of the worlds.
نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣
The Trustworthy Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down
عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤
Upon your heart, [O Muḥammad] - that you may be of the warners
بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥
In a clear Arabic language.
وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦
And indeed, it is [mentioned] in the scriptures of former peoples.
﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هَذا آخِرُ القِصَصِ السَّبْعِ المَذْكُورَةِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَهْدِيدًا لِلْمُكَذِّبِينَ بِهِ، وإطْرادُ نُزُولِ العَذابِ عَلى تَكْذِيبِ الأُمَمِ بَعْدَ إنْذارِ الرُّسُلِ بِهِ، واقْتِراحِهِمْ لَهُ اسْتِهْزاءً وعَدَمِ مُبالاةٍ بِهِ يَدْفَعُ أنْ يُقالَ إنَّهُ كانَ بِسَبَبِ اتِّصالاتٍ فَلَكِيَّةٍ أوْ كانَ ابْتِلاءً لَهم لا مُؤاخَذَةً عَلى تَكْذِيبِهِمْ.
﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ .
﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ تَقْرِيرٌ لِحَقِيَةِ تِلْكَ القِصَصِ وتَنْبِيهٌ عَلى إعْجازِ القُرْآنِ ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ الإخْبارَ عَنْها مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمْها لا يَكُونُ إلّا وحْيًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والقَلْبُ إنْ أرادَ بِهِ الرُّوحَ فَذاكَ وإنْ أرادَ بِهِ العُضْوَ فَتَخْصِيصُهُ، لِأنَّ المَعانِيَ الرُّوحانِيَّةَ إنَّما تَنْزِلُ أوَّلًا عَلى الرُّوحِ ثُمَّ تَنْتَقِلُ مِنهُ إلى القَلْبِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّعَلُّقِ، ثُمَّ تَتَصَعَّدُ مِنهُ إلى الدِّماغِ فَيَنْتَقِشُ بِها لَوْحُ المُتَخَيَّلَةِ، و ( الرُّوحُ الأمِينُ ) جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ أمِينُ اللَّهِ عَلى وحْيِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ الزّايِ ونَصْبِ ( الرُّوحَ الأمِينَ ) . ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ عَمّا يُؤَدِّي إلى عَذابِ مَن فَعَلَ أوْ تَرَكَ.(p-150)
﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ واضِحِ المَعْنى لِئَلّا يَقُولُوا ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ( نَزَلَ )، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُنْذِرِينَ أيْ لِتَكُونَ مِمَّنْ أنْذَرُوا بِلُغَةِ العَرَبِ وهم هُودٌ وصالِحٌ وإسْماعِيلُ وشُعَيْبٌ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ وإنَّ ذِكْرَهُ أوْ مَعْناهُ لَفي الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ.
26:197–199Page 375
أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٩٧
And has it not been a sign to them that it is recognized by the scholars of the Children of Israel?
وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨
And even if We had revealed it to one among the foreigners1
فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩
And he had recited it to them [perfectly],1 they would [still] not have been believers in it.
﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً﴾ عَلى صِحَّةِ القُرْآنِ أوْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ﴿أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنْ يَعْرِفُوهُ بِنَعْتِهِ المَذْكُورِ في كُتُبِهِمْ وهو تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ دَلِيلًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تَكُنْ ) بِالتّاءِ ( وآيَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها الِاسْمُ والخَبَرُ ( لَهم ) و ( أنْ يَعْلَمَهُ ) بَدَلٌ أوِ الفاعِلُ و ( أنْ يَعْلَمَهُ ) بَدَلٌ ( لَهم ) حالٌ، أوْ أنَّ الِاسْمَ ضَمِيرُ القِصَّةِ و ( آيَةٌ ) خَبَرُ ( أنْ يَعْلَمَهُ ) والجُمْلَةُ خَبَرُ تَكُنْ.
﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ كَما هو زِيادَةٌ في إعْجازِهِ أوْ بِلُغَةِ العَجَمِ.
﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ، أوْ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ واسْتِنْكافِهِمْ مِنَ اتِّباعِ العَجَمِ، و ( الأعْجَمِينَ ) جَمْعُ أعْجَمِي عَلى التَّخْفِيفِ ولِذَلِكَ جُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ.
26:200–203Page 375
كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠
Thus have We inserted it [i.e., disbelief] into the hearts of the criminals.
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١
They will not believe in it until they see the painful punishment.
فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢
And it will come to them suddenly while they perceive [it] not.
فَيَقُولُواْ هَلۡ نَحۡنُ مُنظَرُونَ ٢٠٣
And they will say, "May we be reprieved?"
﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ﴾ أدْخَلْناهُ. ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ والضَّمِيرُ لِلْكُفْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ بِخَلْقِ اللَّهِ، وقِيلَ لِلْقُرْآنِ أيْ أدْخَلْناهُ فِيها فَعَرَفُوا مَعانِيَهُ وإعْجازَهُ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ عِنادًا.
﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ المُلْجِئَ إلى الإيمانِ.
﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ.
﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ تَحَسُّرًا وتَأسُّفًا.
26:204–207Page 375
أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ٢٠٤
So for Our punishment are they impatient?
أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥
Then have you considered if We gave them enjoyment for years
ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦
And then there came to them that which they were promised?
مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧
They would not be availed by the enjoyment with which they were provided.
﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ فَيَقُولُونَ أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، ( فَأْتِنا بِما تَعِدُنا )، وحالُهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ طَلَبُ النَّظْرَةِ.
﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ لَمْ يُغْنِ عَنْهم تَمَتُّعُهُمُ المُتَطاوِلُ في دَفْعِ العَذابِ وتَخْفِيفِهِ.
26:208–209Page 376
وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨
And We did not destroy any city except that it had warners
ذِكۡرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٠٩
As a reminder; and never have We been unjust.
﴿وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ أنْذَرُوا أهْلَها إلْزامًا لِلْحُجَّةِ.
﴿ذِكْرى﴾ تَذْكِرَةً ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى العِلَّةِ أوِ المَصْدَرِ لِأنَّها في مَعْنى الإنْذارِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةُ (p-151)
﴿مُنْذِرُونَ﴾ بِإضْمارِ ذَوُو، أوْ بِجَعْلِهِمْ ذِكْرى لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ، أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. ﴿وَما كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَنُهْلِكُ غَيْرَ الظّالِمِينَ، أوْ قَبْلَ الإنْذارِ.
26:210–213Page 376
وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠
And the devils have not brought it [i.e., the revelation] down.1
وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١
It is not allowable for them, nor would they be able.
إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢
Indeed they, from [its] hearing, are removed.1
فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣
So do not invoke1 with Allāh another deity and [thus] be among the punished.
﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ كَما زَعَمَ المُشْرِكُونَ أنَّهُ مِن قَبِيلِ ما يُلْقِي الشَّياطِينُ عَلى الكَهَنَةِ.
﴿وَما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ وما يَصِحُّ لَهم أنْ يَتَنَزَّلُوا بِهِ. ﴿وَما يَسْتَطِيعُونَ﴾ وما يَقْدِرُونَ.
﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ﴾ لِكَلامِ المَلائِكَةِ. ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ لِأنَّهُ مَشْرُوطٌ بِمُشارَكَةٍ في صَفاءِ الذّاتِ وقَبُولِ فَيَضانِ الحَقِّ والِانْتِقاشِ بِالصُّوَرِ المَلَكُوتِيَّةِ، ونُفُوسُهم خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ شِرِّيرَةٌ بِالذّاتِ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى حَقائِقَ ومُغَيَّباتٍ لا يُمْكِنُ تَلَقِّيها إلّا مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ تَهْيِيجٌ لِازْدِيادِ الإخْلاصِ ولُطْفٌ لِسائِرِ المُكَلَّفِينَ.
26:214–216Page 376
وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤
And warn, [O Muḥammad], your closest kindred.
وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥
And lower your wing [i.e., show kindness] to those who follow you of the believers.
فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦
And if they disobey you, then say, "Indeed, I am disassociated from what you are doing."
﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ الأقْرَبَ مِنهم فالأقْرَبَ فَإنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ أهَمُّ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ صَعِدَ الصَّفا وناداهم فَخْذًا فَخْذًا حَتّى اجْتَمَعُوا إلَيْهِ فَقالَ: «لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ خَيْلًا أكَنَتُّمْ مُصَدِّقِيَّ» قالُوا نَعَمْ قالَ: «فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدىْ عَذابٍ شَدِيدٍ» .
﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ لَيِّنْ جانِبَكَ لَهم مُسْتَعارٌ مِن خَفْضِ الطّائِرِ جَناحَهُ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ، و ( مِن ) لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ أعَمُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ لِدِينٍ أوْ غَيْرِهِ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُشارِفُونَ لِلْإيمانِ أوِ المُصَدِّقُونَ بِاللِّسانِ.
﴿فَإنْ عَصَوْكَ﴾ ولَمْ يَتَّبِعُوكَ. ﴿فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ مِمّا تَعْمَلُونَهُ أوْ مِن أعْمالِكم.
26:217–220Page 376
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧
And rely upon the Exalted in Might, the Merciful,
ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ ٢١٨
Who sees you when you arise1
وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ ٢١٩
And your movement among those who prostrate.1
إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٢٠
Indeed, He is the Hearing, the Knowing.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى قَهْرِ أعْدائِهِ ونَصْرِ أوْلِيائِهِ يَكْفِكَ شَرَّ مَن يَعْصِيكَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ «فَتَوَكَّلْ» عَلى الإبْدالِ مِن جَوابِ الشَّرْطِ.
﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إلى التَّهَجُّدِ.
﴿وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ وتَرَدُّدَكَ في تَصَفُّحِ أحْوالِ المُجْتَهِدِينَ كَما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «لَمّا نُسِخَ قِيامُ فَرْضِ اللَّيْلِ طافَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لِيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ حِرْصًا عَلى كَثْرَةِ طاعاتِهِمْ، فَوَجَدَها كَبُيُوتِ الزَّنابِيرِ لِما سَمِعَ بِها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ» . أوْ تَصَرُّفَكَ فِيما بَيْنَ المُصَلِّينَ بِالقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقُعُودِ إذا أمَمْتَهم، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ بِحالِهِ الَّتِي بِها يَسْتَأْهِلُ وِلايَتَهُ بَعْدَ وصْفِهِ بِأنَّ مِن شَأْنِهِ قَهْرَ أعْدائِهِ ونَصْرَ أوْلِيائِهِ تَحْقِيقًا لِلتَّوَكُّلِ وتَطْمِينًا لِقَلْبِهِ عَلَيْهِ.
﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِما تَقُولُهُ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِما تَنْوِيهِ.
26:221–223Page 376
هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١
Shall I inform you upon whom the devils descend?
تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ ٢٢٢
They descend upon every sinful liar.
يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ ٢٢٣
They pass on what is heard,1 and most of them are liars.
﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِمّا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لا يَصِحُّ أنْ يَتَنَزَّلُوا عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ إنَّما يَكُونُ عَلى شِرِّيرٍ كَذّابٍ كَثِيرِ الإثْمِ، فَإنَّ اتِّصالَ الإنْسانِ بِالغائِباتِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ والتَّوادِّ وحالُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. وثانِيهِما قَوْلُهُ:
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ أيِ الأفّاكُونَ يُلْقُونَ السَّمْعَ إلى الشَّياطِينِ فَيَتَلَقَّوْنَ مِنهم ظُنُونًا وأماراتٍ لِنُقْصانِ عِلْمِهِمْ، فَيَضُمُّونَ إلَيْها عَلى حَسَبِ تَخَيُّلاتِهِمْ أشْياءَ لا يُطابِقُ أكْثَرَها كَما جاءَ في الحَدِيثِ «الكَلِمَةُ يَخْطِفُها الجِنِّيُّ فَيُقِرُّها في أُذُنِ ولَيِّهِ فَيَزِيدُ فِيها أكْثَرَ مِن مِائَةِ كِذْبَةٍ»
( ولا ) كَذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّهُ أخْبَرَ عَنْ مُغَيَّباتٍ كَثِيرَةٍ لا تُحْصى وقَدْ طابَقَ كُلَّها، وقَدْ فَسَّرَ الأكْثَرَ بِالكُلِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ . والأظْهَرُ أنَّ الأكْثَرِيَّةَ بِاعْتِبارِ أقْوالِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ قَلَّ مَن يَصْدُقُ مِنهم فِيما يَحْكِي عَنِ الجِنِّيِّ. وقِيلَ الضَّمائِرُ لِلشَّياطِينِ أيْ يُلْقُونَ السَّمْعَ إلى المَلَأِ الأعْلى قَبْلَ أنْ يُرْجَمُوا فَيَخْتَطِفُونَ مِنهم بَعْضَ المُغَيَّباتِ ويُوحُونَ بِهِ إلى أوْلِيائِهِمْ أوْ يُلْقُونَ مَسْمُوعَهم مِنهم إلى أوْلِيائِهِمْ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ فِيما يُوحُونَ بِهِ إلَيْهِمْ إذْ يُسْمِعُونَهم لا عَلى نَحْوِ ما تَكَلَّمَتْ بِهِ المَلائِكَةُ لِشَرارَتِهِمْ، أوْ لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ أوْ ضَبْطِهِمْ أوْ إفْهامِهِمْ.
26:224–226Page 376
وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ ٢٢٤
And the poets - [only] the deviators follow them.
أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ ٢٢٥
Do you not see that in every valley they roam1
وَأَنَّهُمۡ يَقُولُونَ مَا لَا يَفۡعَلُونَ ٢٢٦
And that they say what they do not do? -
﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ وأتْباعُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وهو اسْتِئْنافٌ أبْطَلَ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شاعِرًا وقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ:
﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ لِأنَّ أكْثَرَ مُقَدِّماتِهِمْ خَيالاتٌ لا حَقِيقَةَ لَها، وأغْلَبُ كَلِماتِهِمْ في النَّسِيبِ بِالحُرُمِ والغَزَلِ والِابْتِهارِ وتَمْزِيقِ الأعْراضِ والقَدْحِ في الأنْسابِ والوَعْدِ الكاذِبِ والِافْتِخارِ الباطِلِ ومَدْحِ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ والإطْراءِ فِيهِ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ:
﴿وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ وكَأنَّهُ لَمّا كانَ إعْجازُ القُرْآنِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى، وقَدْ قَدَحُوا في المَعْنى بِأنَّهُ مِمّا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، وفي اللَّفْظِ بِأنَّهُ مِن جِنْسِ كَلامِ الشُّعَراءِ تَكَلَّمَ في القِسْمَيْنِ وبَيَّنَ مُنافاةَ القُرْآنِ لَهُما ومُضادَّةَ حالِ الرَّسُولِ ﷺ لِحالِ أرْبابِهِما. وقَرَأ نافِعٌ ﴿يَتَّبِعُهُمُ﴾ عَلى التَّخْفِيفِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ وتَسْكِينِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِبَعْضِهِ بَعْضًا.
26:227Page 376
إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ ٢٢٧
Except those [poets] who believe and do righteous deeds and remember Allāh often and defend [the Muslims]1 after they were wronged. And those who have wronged are going to know to what [kind of] return they will be returned.
﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ اسْتِثْناءٌ لِلشُّعَراءِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ ويَكُونُ أكْثَرُ أشْعارِهِمْ في التَّوْحِيدِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى والحَثِّ عَلى طاعَتِهِ، ولَوْ قالُوا هَجْوًا أرادُوا بِهِ الِانْتِصارَ مِمَّنْ هَجاهم ومُكافَحَةَ هُجاةِ المُسْلِمِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ وحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ والكَعْبَيْنِ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ لِحَسّانَ «قُلْ ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ» .
( وعَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهُ «اهْجُهم فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهو أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبْلِ»
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِما في سَيَعْلَمُ مِنَ الوَعِيدِ البَلِيغِ وفي الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنَ الإطْلاقِ والتَّعْمِيمِ، وفي ﴿أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ مِنَ الإيهامِ والتَّهْوِيلِ، وقَدْ تَلاها أبُو بَكْرٍ لَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حِينَ عَهِدَ (p-153)
إلَيْهِ، وقُرِئَ «أيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ» مِنَ الِانْفِلاتِ وهو النَّجاةُ والمَعْنى: أنَّ الظّالِمِينَ يَطْمَعُونَ أنْ يَنْفَلِتُوا عَنْ عَذابِ اللَّهِ وسَيَعْلَمُونَ أنْ لَيْسَ لَهم وجْهٌ مِن وُجُوهِ الِانْفِلاتِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن قَرَأ سُورَةَ الشُّعَراءِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِنُوحٍ وكَذَّبَ بِهِ وهُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ وإبْراهِيمَ وبِعَدَدِ مَن كَذَّبَ بِعِيسى وصَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences