Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:185–200
3:185Page 74
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ١٨٥
Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْمُصَدِّقِ والمُكَذِّبِ. وقُرِئَ «ذائِقَةً المَوْتَ» بِالنَّصْبِ مَعَ التَّنْوِينِ وعَدَمِهِ كَقَوْلِهِ: «وَلا ذاكِرٌ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا» ﴿وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ تُعْطَوْنَ جَزاءَ أعْمالِكم خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا تامًّا وافِيًا. ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَوْمَ قِيامِكم مِنَ القُبُورِ، ولَفْظُ التَّوْفِيَةِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَبْلَها بَعْضُ الأُجُورِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ».»
﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ﴾ بَعُدَ (p-53)
عَنْها، والزَّحْزَحَةُ في الأصْلِ تَكْرِيرُ الزَّحِّ وهو الجَذْبُ بِعَجَلَةٍ. ﴿وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ بِالنَّجاةِ ونَيْلِ المُرادِ، والفَوْزُ الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ويَأْتِي إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ».»
﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ لَذّاتُها وزَخارِفُها. ﴿إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ شَبَّهَها بِالمَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويُغَرُّ حَتّى يَشْتَرِيَهُ، وهَذا لِمَن آثَرَها عَلى الآخِرَةِ. فَأمّا مَن طَلَبَ بِها الآخِرَةَ فَهي لَهُ مَتاعُ بَلاغٍ والغُرُورُ مَصْدَرٌ أوْ جَمْعُ غارٍ.
3:186Page 74
۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦
You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allāh much abuse. But if you are patient and fear Allāh - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.
﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ أيْ واللَّهِ لَتُخْتَبَرُنَّ. ﴿فِي أمْوالِكُمْ﴾ بِتَكْلِيفِ الإنْفاقِ وما يُصِيبُها مِنَ الآفاتِ. ﴿وَأنْفُسِكُمْ﴾ بِالجِهادِ والقَتْلِ والأسْرِ والجِراحِ، وما يُرَدُّ عَلَيْها مِنَ المَخاوِفِ والأمْراضِ والمَتاعِبِ. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ مِن هِجاءِ الرَّسُولِ ﷺ، والطَّعْنِ في الدِّينِ وإغْراءِ الكَفَرَةِ عَلى المُسْلِمِينَ. أخْبَرَهم بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِها لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى الصَّبْرِ والِاحْتِمالِ، ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِها حَتّى لا يُرْهِقَهم نُزُولُها. ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى ذَلِكَ. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ. ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي الصَّبْرَ والتَّقْوى.
﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ العَزْمُ عَلَيْها، أوْ مِمّا عَزَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أيْ أمَرَ بِهِ وبالَغَ فِيهِ.
والعَزْمُ في الأصْلِ ثَباتُ الرَّأْيِ عَلى الشَّيْءِ نَحْوَ إمْضائِهِ.
3:187Page 75
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧
And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.
﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ أيِ اذْكُرْ وقْتَ أخْذِهِ. ﴿مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يُرِيدُ بِهِ العُلَماءَ. ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ حِكايَةً لِمُخاطَبَتِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ بِالياءِ لِأنَّهم غُيَّبٌ، واللّامُ جَوابُ القَسَمِ الَّذِي نابَ عَنْهُ قَوْلُهُ: أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ والضَّمِيرُ لِلْكِتابِ. ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ أيِ المِيثاقَ. ﴿وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ فَلَمْ يُراعُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ. والنَّبْذُ وراءَ الظَّهْرِ مَثَلٌ في تَرْكِ الِاعْتِدادِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ، ونَقِيضُهُ جَعْلُهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ وإلْقاؤُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. ﴿واشْتَرَوْا بِهِ﴾ وأخَذُوا بَدَلَهُ. ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا وأعْراضِها.
﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ يَخْتارُونَ لِأنْفُسِهِمْ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن كَتَمَ عِلْمَهُ عَنْ أهْلِهِ أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ» .
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (ما أخَذَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الجَهْلِ أنْ يَتَعَلَّمُوا حَتّى أخَذَ عَلى أهْلِ العِلْمِ أنْ يُعَلِّمُوا.
3:188Page 75
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨
And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.
﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، ومَن ضَمَّ الباءَ جَعَلَ الخِطابَ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ والثّانِي بِمَفازَةٍ، وقَوْلُهُ فَلا تَحْسَبَنَّهم تَأْكِيدٌ والمَعْنى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّدْلِيسِ وكِتْمانِ الحَقِّ ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا مِنَ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ وإظْهارِ الحَقِّ والإخْبارِ بِالصِّدْقِ، بِمَفازَةٍ بِمَنجاةٍ مِنَ العَذابِ أيْ فائِزِينَ بِالنَّجاةِ مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالياءِ وفَتْحِ الباءِ في الأوَّلِ وضَمِّها في الثّانِي عَلى أنَّ الَّذِينَ فاعِلٌ ومَفْعُولا يَحْسَبَنَّ مَحْذُوفانِ يَدُلُّ عَلَيْهِما مَفْعُولا مُؤَكِّدِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا فَلا يَحْسَبَنَّ أنْفُسَهم بِمَفازَةٍ، أوِ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ وقَوْلُهُ فَلا تَحْسَبَنَّهم تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وفاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ الأوَّلِ. ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِكُفْرِهِمْ وتَدْلِيسِهِمْ.
رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « (سَألَ اليَهُودَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا في (p-54)التَّوْراةِ فَأخْبَرُوهُ بِخِلافِ ما كانَ فِيها وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ صَدَقُوهُ وفَرِحُوا بِما فَعَلُوا فَنَزَلَتْ.»
وَقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ ثُمَّ اعْتَذَرُوا بِأنَّهم رَأوُا المَصْلَحَةَ في التَّخَلُّفِ واسْتَحْمَدُوا بِهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ فَإنَّهم يَفْرَحُونَ بِمُنافَقَتِهِمْ ويَسْتَحْمِدُونَ إلى المُسْلِمِينَ بِالإيمانِ الَّذِي لَمْ يَفْعَلُوهُ عَلى الحَقِيقَةِ.
3:189–190Page 75
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠
Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو يَمْلِكُ أمْرَهم. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى عِقابِهِمْ.
وَقِيلَ هو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾ لِدَلائِلَ واضِحَةٍ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ لِذَوِي العُقُولِ المَجْلُوَّةِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الحِسِّ والوَهْمِ كَما سَبَقَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ مَناطَ الِاسْتِدْلالِ هو التَّغَيُّرُ، وهَذِهِ مُعْتَرِضَةٌ لِجُمْلَةِ أنْواعِهِ فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ في ذاتِ الشَّيْءِ كَتَغَيُّرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، أوْ جُزْئِهِ كَتَغَيُّرِ العَناصِرِ بِتَبَدُّلِ صُوَرِها أوِ الخارِجِ عَنْهُ كَتَغَيُّرِ الأفْلاكِ بِتَبَدُّلِ أوْضاعِها.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «وَيْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها».»
3:191Page 75
ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١
Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ أيْ يَذْكُرُونَهُ دائِمًا عَلى الحالاتِ كُلِّها قائِمِينَ وقاعِدِينَ ومُضْطَجِعِينَ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ».»
وَقِيلَ مَعْناهُ يُصَلُّونَ عَلى الهَيْئاتِ الثَّلاثِ حَسَبَ طاقَتِهِمْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «صَلِّ قائِمًا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ تُومِئُ إيماءً».»
فَهُوَ حُجَّةٌ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أنَّ المَرِيضَ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا عَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا بِمَقادِيمِ بَدَنِهِ. ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ اسْتِدْلالًا واعْتِبارًا، وهو أفْضَلُ العِباداتِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لا عِبادَةَ كالتَّفَكُّرِ»،» لِأنَّهُ المَخْصُوصُ بِالقَلْبِ والمَقْصُودُ مِنَ الخَلْقِ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «بَيْنَما رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ عَلى فِراشِهِ إذْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلى السَّماءِ والنُّجُومِ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّ لَكَ رَبًّا وخالِقًا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَنَظَرَ اللَّهُ إلَيْهِ فَغَفَرَ لَهُ».»
وَهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى شَرَفِ عِلْمِ الأُصُولِ وفَضْلِ أهْلِهِ. ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ ذَلِكَ، وهَذا إشارَةٌ إلى المُتَفَكِّرِ فِيهِ، أيِ الخَلْقِ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ المَخْلُوقُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ إلَيْهِما لِأنَّهُما في مَعْنى المَخْلُوقِ، والمَعْنى ما خَلَقْتُهُ عَبَثًا ضائِعًا مِن غَيْرِ حِكْمَةٍ بَلْ خَلَقْتُهُ لِحِكَمٍ عَظِيمَةٍ مِن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِوُجُودِ الإنْسانِ وسَبَبًا لِمَعاشِهِ ودَلِيلًا يَدُلُّهُ عَلى مَعْرِفَتِكَ ويَحُثُّهُ عَلى طاعَتِكَ لِيَنالَ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ والسَّعادَةَ السَّرْمَدِيَّةَ في جِوارِكَ. ﴿سُبْحانَكَ﴾ تَنْزِيهًا لَكَ مِنَ العَبَثِ وخَلْقِ الباطِلِ وهو اعْتِراضٌ. ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ لِلْإخْلالِ بِالنَّظَرِ فِيهِ، والقِيامِ بِما يَقْتَضِيهِ. وفائِدَةُ الفاءِ هي الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عِلْمَهم بِما لِأجْلِهِ خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ حَمَلَهم عَلى الِاسْتِعاذَةِ.
3:192Page 75
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢
Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.
﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ غايَةَ الإخْزاءِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: مَن أدْرَكَ مَرْعى الضَّمانِ فَقَدْ أدْرَكَ، والمُرادُ بِهِ تَهْوِيلُ المُسْتَعاذِ مِنهُ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِمْ وطَلَبِهِمُ الوِقايَةَ مِنهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أفْظَعُ. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أرادَ بِهِمُ المُدْخَلِينَ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى (p-55)
أنَّ ظُلْمَهم سَبَبٌ لِإدْخالِهِمُ النّارَ وانْقِطاعِ النُّصْرَةِ عَنْهم في الخَلاصِ مِنها، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ النُّصْرَةِ نَفْيُ الشَّفاعَةِ لِأنَّ النَّصْرَ دَفْعٌ بِقَهْرٍ.
3:193Page 75
رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣
Our Lord, indeed we have heard a caller [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die among the righteous.
﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ أوْقَعَ الفِعْلَ عَلى المَسْمَعِ وحَذَفَ المَسْمُوعَ لِدَلالَةِ وصْفِهِ عَلَيْهِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في إيقاعِهِ عَلى نَفْسِ المَسْمُوعِ وفي تَنْكِيرِ المُنادِي وإطْلاقِهِ ثُمَّ تَقْيِيدِهِ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، والمُرادُ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ القُرْآنُ، والنِّداءُ والدُّعاءُ ونَحْوُهُما يُعَدّى بِإلى واللّامِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الِانْتِهاءِ والِاخْتِصاصِ. ﴿أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ أيْ بِأنْ آمِنُوا فامْتَثَلْنا. ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ كَبائِرَنا فَإنَّها ذاتُ تَبِعَةٍ. ﴿وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ صَغائِرَنا فَإنَّها مُسْتَقْبَحَةٌ، ولَكِنْ مُكَفِّرَةٌ عَنْ مُجْتَنِبِ الكَبائِرِ. ﴿وَتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ مَخْصُوصِينَ بِصُحْبَتِهِمْ مَعْدُودِينَ في زُمْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم مُحِبُّونَ لِقاءَ اللَّهِ، ومَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ. والأبْرارُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ كَأرْبابٍ وأصْحابٍ.
3:194Page 75
رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤
Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."
﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ أيْ ما وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ مِنَ الثَّوابِ. لِما أظْهَرَ امْتِثالَهُ لِما أُمِرَ بِهِ سَألَ ما وُعِدَ عَلَيْهِ لا خَوْفًا مِن إخْلافِ الوَعْدِ بَلْ مَخافَةُ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَوْعُودِينَ لِسُوءِ عاقِبَةٍ، أوْ قُصُورٍ في الِامْتِثالِ أوْ تَعَبُّدًا واسْتِكانَةً. ويَجُوزُ أنْ يُعَلَّقَ عَلى بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ما وعَدْتَنا مُنَزَّلًا عَلى رُسُلِكَ، أوْ مَحْمُولًا عَلَيْهِمْ. وقِيلَ مَعْناهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. ﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بِأنْ تَعْصِمَنا عَمّا يَقْتَضِيهِ. ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ بِإثابَةِ المُؤْمِنِ وإجابَةِ الدّاعِي وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المِيعادُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ.
وَتَكْرِيرُ رَبَّنا لِلْمُبالَغَةِ في الِابْتِهالِ والدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ المَطالِبِ وعُلُوِّ شَأْنِها.
وَفِي الآثارِ « (مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ خَمْسَ مَرّاتٍ رَبَّنا أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ).»
3:195Page 76
فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥
And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allāh, and Allāh has with Him the best reward."
﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ إلى طُلْبَتِهِمْ، وهو أخَصُّ مَن أجابَ ويُعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ. ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ بِأنِّي لا أُضَيِّعُ. وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ. ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ عامِلٍ. ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ لِأنَّ الذَّكَرَ مِنَ الأُنْثى والأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ، أوْ لِأنَّهُما مِن أصْلٍ واحِدٍ، أوْ لِفَرْطِ الِاتِّصالِ والِاتِّحادِ، أوْ لِلِاجْتِماعِ والِاتِّفاقِ في الدِّينِ. وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيَّنَ بِها شَرِكَةَ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ فِيما وعَدَ لِلْعُمّالِ.
رُوِيَ « (أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أسْمَعُ اللَّهَ يَذْكُرُ الرِّجالَ في الهِجْرَةِ ولا يَذْكُرُ النِّساءَ فَنَزَلَتْ.» ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ إلَخْ، تَفْصِيلٌ لِأعْمالِ العُمّالِ وما أُعِدَّ لَهم مِنَ الثَّوابِ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ، والمَعْنى فالَّذِينَ هاجَرُوا الشِّرْكَ أوِ الأوْطانَ والعَشائِرَ لِلدِّينِ. ﴿وَأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ ومِن أجْلِهِ ﴿وَقاتَلُوا﴾ الكُفّارَ. ﴿وَقُتِلُوا﴾ في الجِهادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالعَكْسِ لِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ تَرْتِيبًا والثّانِي أفْضَلُ. أوْ لِأنَّ المُرادَ لِما قُتِلَ مِنهم قَوْمٌ قاتَلَ الباقُونَ ولَمْ يَضْعُفُوا. وشَدَّدَ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ قُتِّلُوا لِلتَّكْثِيرِ. ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ لَأمْحُوَنَّها. ﴿وَلأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ أُثِيبُهم بِذَلِكَ إثابَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ تَفَضُّلًا مِنهُ، فَهو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ. ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ عَلى (p-56)
الطّاعاتِ قادِرٌ عَلَيْهِ.
3:196–197Page 76
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦
Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧
[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.
﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ، أوْ تَثْبِيتُهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ، والنَّهْيُ في المَعْنى لِلْمُخاطَبِ وإنَّما جُعِلَ لِلتَّقَلُّبِ تَنْزِيلًا لِلسَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ لِلْمُبالَغَةِ، والمَعْنى لا تَنْظُرُ إلى ما الكَفَرَةُ عَلَيْهِ مِنَ السَّعَةِ والحَظِّ، ولا تَغْتَرَّ بِظاهِرِ ما تَرى مِن تَبَسُّطِهِمْ في مَكاسِبِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ ومَزارِعِهِمْ.
رُوِيَ « (أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَرَوْنَ المُشْرِكِينَ في رَخاءٍ ولِينِ عَيْشٍ فَيَقُولُونَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجُهْدِ فَنَزَلَتْ.»
﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ذَلِكَ التَّقَلُّبُ مَتاعٌ قَلِيلٌ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ في جَنْبِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلَ ما يَجْعَلُ أحَدُكم أُصْبُعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ».» ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ.
3:198Page 76
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨
But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allāh. And that which is with Allāh is best for the righteous.
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزُلُ والنَّزَلُ: ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ وصِلَةٍ، قالَ أبُو الشِّعْرِ الضَّبِّيُّ:
؎ وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نَزَلا
وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن جَنّاتٍ والعامِلُ فِيها الظَّرْفُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، والتَّقْدِيرُ: أُنْزِلُوها نُزُلًا وما عِنْدَ اللَّهِ لِكَثْرَتِهِ ودَوامِهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ لِقِلَّتِهِ وسُرْعَةِ زَوالِهِ.
3:199Page 76
وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩٩
And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allāh and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allāh. They do not exchange the verses of Allāh for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allāh is swift in account.
﴿وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. وقِيلَ في أرْبَعِينَ مِن نَجْرانَ واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كانُوا نَصارى فَأسْلَمُوا. وقِيلَ في أصْحَمَةَ النَّجاشِيِّ لَمّا نَعاهُ جِبْرِيلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ فَصَلّى عَلَيْهِ فَقالَ المُنافِقُونَ انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ. وإنَّما دَخَلَتِ اللّامُ عَلى الِاسْمِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إنَّ بِالظَّرْفِ. ﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ مِنَ القُرْآنِ. ﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ مِنَ الكِتابَيْنِ. ﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يُؤْمِنُ وجَمَعَهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى لا ﴿يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ كَما يَفْعَلُهُ المُحَرِّفُونَ مِن أحْبارِهِمْ. ﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ما خُصَّ بِهِمْ مِنَ الأجْرِ ووَعْدِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لِعِلْمِهِ بِالأعْمالِ وما يَسْتَوْجِبُهُ مِنَ الجَزاءِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّأمُّلِ والِاحْتِياطِ، والمُرادُ أنَّ الأجْرَ المَوْعُودَ سَرِيعُ الوُصُولِ فَإنَّ سُرْعَةَ الحِسابِ تَسْتَدْعِي سُرْعَةَ الجَزاءِ.
3:200Page 76
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠
O you who have believed, persevere1 and endure2 and remain stationed3 and fear Allāh that you may be successful.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ وما يُصِيبُكم مِنَ الشَّدائِدِ. ﴿وَصابِرُوا﴾ وغالِبُوا أعْداءَ اللَّهِ بِالصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ وأعْدى عَدُوِّكم في الصَّبْرِ عَلى مُخالَفَةِ الهَوى، وتَخْصِيصُهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ (p-57)
مُطْلَقًا لِشِدَّتِهِ. ﴿وَرابِطُوا﴾ أبْدانَكم وخُيُولَكم في الثُّغُورِ مُتَرَصِّدِينَ لِلْغَزْوِ، وأنْفُسَكم عَلى الطّاعَةِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مِنَ الرِّباطِ انْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ»،» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن رابَطَ يَوْمًا ولَيْلَةً في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ كَعَدْلِ صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ وقِيامِهِ، لا يُفْطِرُ ولا يَنْفَتِلُ عَنْ صَلاتِهِ إلّا لِحاجَةٍ».» ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ فاتَّقُوهُ بِالتَّبَرِّي عَمّا سِواهُ لِكَيْ تُفْلِحُوا غايَةَ الفَلاحِ، أوْ واتَّقُوا القَبائِحَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ بِنَيْلِ المَقاماتِ الثَّلاثَةِ المُرَتَّبَةِ الَّتِي هي الصَّبْرُ عَلى مَضَضِ الطّاعاتِ ومُصابَرَةُ النَّفْسِ في رَفْضِ العاداتِ ومُرابَطَةُ السِّرِّ عَلى جَنابِ الحَقِّ لِتَرْصُدَ الوارِداتِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالشَّرِيعَةِ، والطَّرِيقَةِ، والحَقِيقَةِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنها أمانًا عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ» .
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن قَرَأ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها آلُ عِمْرانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ حَتّى تُحْجَبَ الشَّمْسُ».»
. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences