Al-BaydawiAli 'Imran · 3:24–43

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:24–43

3:24–25Page 53

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤

That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.

فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٥

So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوَلِّي والإعْراضِ. ﴿بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ بِسَبَبِ تَسْهِيلِهِمْ أمْرَ العِقابِ عَلى أنْفُسِهِمْ لِهَذا الِاعْتِقادِ الزّائِغِ والطَّمَعِ الفارِغِ. ﴿وَغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا قَلائِلَ، أوْ أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ، أوْ أنَّهُ تَعالى وعَدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يُعَذِّبَ أوْلادَهُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ.

﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ اسْتِعْظامٌ لِما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ وتَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ.

رُوِيَ: «أنَّ أوَّلَ رايَةٍ تُرْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن راياتِ الكُفّارِ رايَةُ اليَهُودِ فَيَفْضَحُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِمْ إلى النّارِ.» ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ جَزاءَ ما كَسَبَتْ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِبادَةَ لا تُحْبَطُ وأنَّ المُؤْمِنَ لا يَخْلُدُ في النّارِ، لِأنَّ تَوْفِيَةَ إيمانِهِ وعَمَلِهِ لا تَكُونُ في النّارِ ولا قَبْلَ دُخُولِها، فَإذَنْ هي بَعْدَ الخَلاصِ مِنها ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِكُلِّ نَفْسٍ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ في مَعْنى كُلِّ إنْسانٍ.

3:26Page 53

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٦

Say, "O Allāh, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand1 is [all] good. Indeed, You are over all things competent.

﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ المِيمُ عِوَضٌ عَنْ يا ولِذَلِكَ لا يَجْتَمِعانِ، وهو مِن خَصائِصِ هَذا الِاسْمِ كَدُخُولِ يا عَلَيْهِ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ وقَطْعِ هَمْزَتِهِ وتاءِ القَسَمِ. وقِيلَ: أصْلُهُ يا أللَّهُ أمِّنّا بِخَيْرٍ، فَخُفِّفَ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ ومُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وهَمْزَتِهِ. ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ يَتَصَرَّفُ فِيما يُمْكِنُ التَّصَرُّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فِيما يَمْلِكُونَ، وهو نِداءٌ ثانٍ عِنْدِ سِيبَوَيْهِ فَإنَّ المِيمَ عِنْدَهُ تَمْنَعُ الوَصْفِيَّةَ. ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ تُعْطِي مِنهُ ما تَشاءُ مَن تَشاءُ وتَسْتَرِدُّ، فالمُلْكُ الأوَّلُ عامٌّ والآخَرانِ بَعْضانِ مِنهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمُلْكِ النُّبُوَّةُ ونَزْعُها نَقْلُها مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، أوْ فِيهِما بِالنَّصْرِ والإدْبارِ والتَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ذِكْرُ الخَيْرِ وحْدَهُ لِأنَّهُ المَقْضِيُّ بِالذّاتِ، والشَّرُّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، إذْ لا يُوجَدُ شَرٌّ جُزْئِيٌّ ما لَمْ يَتَضَمَّنْ خَيْرًا كُلِّيًّا، أوْ لِمُراعاةِ الأدَبِ في الخِطابِ، أوْ لِأنَّ الكَلامَ وقَعَ فِيهِ إذْ رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَطَّ الخَنْدَقَ وقَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وأخَذُوا يَحْفِرُونَ، فَظَهَرَ فِيهِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَعْمَلْ فِيها المَعاوِلُ، فَوَجَّهُوا سَلْمانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ، فَجاءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخَذَ المِعْوَلَ مِنهُ فَضَرَبَها ضَرْبَةً صَدَّعَتْها. وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ مِنهُ ما بَيْنَ لابَّتَيْها لَكَأنَّ بِها مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وقالَ: «أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ الحَيْرَةِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ فَقالَ: أضاءَتْ لِي مِنها القُصُورُ الحُمْرُ مِن أرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ ضَرَبَ الثّالِثَةَ فَقالَ: أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ صَنْعاءَ» وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلى كُلِّها فابْشُرُوا» . فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ يُمَنِّيكم ويَعِدُكُمُ الباطِلَ ويُخْبِرُكم أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحَيْرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى، وأنَّها تُفْتَحُ لَكم وأنْتُمْ إنَّما تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ مِنَ الفَرَقِ) فَنَزَلَتْ» . فَنَبَّهَ عَلى أنَّ الشَّرَّ أيْضًا بِيَدِهِ بِقَوْلِ: ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

3:27Page 53

تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢٧

You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account [i.e., limit or measure]."

﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ قُدْرَتِهِ عَلى مُعاقَبَةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والمَوْتِ والحَياةِ وسَعَةِ فَضْلِهِ، دَلالَةً عَلى (p-12)أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى مُعاقَبَةِ الذُّلِّ والعِزِّ وإيتاءِ المُلْكِ ونَزْعِهِ. والوُلُوجُ: الدُّخُولُ في مَضِيقٍ. وإيلاجُ اللَّيْلِ والنَّهارِ: إدْخالُ أحَدِهِما في الآخَرِ بِالتَّعْقِيبِ أوِ الزِّيادَةِ والنَّقْصِ. وإخْراجُ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وبِالعَكْسِ.

إنْشاءُ الحَيَواناتِ مِن مَوادِّها وإماتَتِها، أوْ إنْشاءُ الحَيَوانِ مِنَ النُّطْفَةِ والنُّطْفَةِ مِنهُ. وقِيلَ: إخْراجُ المُؤْمِنِ مِنَ الكافِرِ والكافِرِ مِنَ المُؤْمِنِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ "المَيْتِ" بِالتَّخْفِيفِ.

3:28Page 53

لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨

Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.

﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ نُهُوا عَنْ مُوالاتِهِمْ لِقَرابَةٍ وصَداقَةٍ جاهِلِيَّةٍ ونَحْوِهِما، حَتّى لا يَكُونَ حُبُّهم وبُغْضُهم إلّا في اللَّهِ، أوْ عَنِ الِاسْتِعانَةِ بِهِمْ في الغَزْوِ وسائِرِ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِالمُوالاةِ، وأنَّ في مُوالاتِهِمْ مَندُوحَةً عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ اتِّخاذُهم أوْلِياءَ. فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ، أيْ مِن وِلايَتِهِ في شَيْءٍ يَصِحُّ أنْ يُسَمّى وِلايَةً، فَإنَّ مُوالاتَيِ المُتَعادِيَيْنِ لا يَجْتَمِعانِ قالَ:

؎ تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوَكُ عَنْكَ بِعازِبِ

﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ إلّا أنْ تَخافُوا مِن جِهَتِهِمْ ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ، أوِ اتِّقاءً. والفِعْلُ مُعَدًّى بِمَن لِأنَّهُ في مَعْنى تَحْذَرُوا وتَخافُوا. وقَرَأيَعْقُوبُ «تَقِيَّةً» . مُنِعَ عَنْ مُوالاتِهِمْ ظاهِرًا وباطِنًا في الأوْقاتِ كُلِّها إلّا وقْتَ المَخافَةِ، فَإنَّ إظْهارَ المُوالاةِ حِينَئِذٍ جائِزٌ كَما قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: كُنْ وسَطًا وامْشِ جانِبًا. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ فَلا تَتَعَرَّضُوا لِسُخْطِهِ بِمُخالَفَةِ أحْكامِهِ ومُوالاةِ أعْدائِهِ، وهو تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ مُشْعِرٌ بِتَناهِي النَّهْيِ في القُبْحِ وذِكْرِ النَّفْسِ، لِيَعْلَمَ أنَّ المُحَذَّرَ مِنهُ عِقابٌ يَصْدُرُ مِنهُ تَعالى فَلا يُؤْبَهُ دُونَهُ بِما يَحْذَرُ مِنَ الكَفَرَةِ.

3:29Page 53

قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩

Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.

﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ أيْ أنَّهُ يَعْلَمُ ضَمائِرَكم مِن وِلايَةِ الكُفّارِ وغَيْرِها إنْ تُخْفُوها أوْ تُبْدُوها. ﴿وَيَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَيَعْلَمُ سِرَّكم وعَلَنَكم. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى عُقُوبَتِكم إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ. والآيَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وكَأنَّهُ قالَ ويُحَذِّرُكم نَفْسَهُ لِأنَّها مُتَّصِفَةٌ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ مُحِيطٍ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها، وقُدْرَةٍ ذاتِيَّةٍ تَعُمُّ المَقْدُوراتِ بِأسْرِها، فَلا تَجْسُرُوا عَلى عِصْيانِهِ إذْ ما مِن مَعْصِيَةٍ إلّا وهو مُطَّلِعٌ عَلَيْها قادِرٌ عَلى العِقابِ بِها.

3:30Page 54

يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠

The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ يَوْمٌ مَنصُوبٌ بِتَوَدُّ أيْ تَتَمَنّى كُلُّ نَفْسٍ يَوْمَ تَجِدُ صَحائِفَ أعْمالِها، أوْ جَزاءَ أعْمالِها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ حاضِرَةً لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وهو لَهُ أمَدًا بَعِيدًا، أوْ بِمُضْمَرٍ نَحْوَ اذْكُرْ، وتَوَدُّ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في عَمِلَتْ أوْ خَبَرٌ لِما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ وتَجِدُ مَقْصُورٌ عَلى ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، ولا تَكُونُ ما شَرْطِيَّةً لِارْتِفاعِ تَوَدُّ. وقُرِئَ «وَدَّتْ» وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً ولَكِنَّ الحَمْلَ عَلى الخَبَرِ أوْقَعُ مَعْنًى لِأنَّهُ حِكايَةُ (p-13)

كائِنٍ وأوْفَقُ لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّذْكِيرِ. ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى إنَّما نَهاهم وحَذَّرَهم رَأْفَةً بِهِمْ ومُراعاةً لِصَلاحِهِمْ، أوْ أنَّهُ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ فَتُرْجى رَحْمَتُهُ ويُخْشى عَذابُهُ.

3:31–32Page 54

قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١

Say, [O Muḥammad], "If you should love Allāh, then follow me, [so] Allāh will love you and forgive you your sins. And Allāh is Forgiving and Merciful."

قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢

Say, "Obey Allāh and the Messenger. But if you turn away - then indeed, Allāh does not like the disbelievers."

﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ المَحَبَّةُ مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ لِكَمالٍ أدْرَكَتْهُ فِيهِ، بِحَيْثُ يَحْمِلُها عَلى ما يُقَرِّبُها إلَيْهِ، والعَبْدُ إذا عَلِمَ أنَّ الكَمالَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وأنَّ كُلَّ ما يَراهُ كَمالًا مِن نَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ فَهو مِنَ اللَّهِ وبِاللَّهِ وإلى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ حُبُّهُ إلّا لِلَّهِ وفي اللَّهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي إرادَةَ طاعَتِهِ والرَّغْبَةَ فِيما يُقَرِّبُهُ إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ فُسِّرَتِ المَحَبَّةُ بِإرادَةِ الطّاعَةِ وجُعِلَتْ مُسْتَلْزَمَةً لِاتِّباعِ الرَّسُولِ في عِبادَتِهِ والحِرْصِ عَلى مُطاوَعَتِهِ. ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ أيْ يَرْضَ عَنْكم ويَكْشِفِ الحُجُبَ عَنْ قُلُوبِكم بِالتَّجاوُزِ عَمّا فَرَطَ مِنكم فَيُقَرِّبُكم مِن جَنابِ عِزِّهِ ويُبَوِّئُكم في جِوارِ قُدْسِهِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالمَحَبَّةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُقابَلَةِ.

﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن تَحَبَّبَ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ واتِّباعِ نَبِيِّهِ ﷺ.

رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ لَمّا قالَتِ اليَهُودُ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ لَمّا قالُوا: إنَّما نَعْبُدُ المَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ. وقِيلَ: في أقْوامٍ زَعَمُوا عَلى عَهْدِهِ ﷺ أنَّهم يُحِبُّونَ اللَّهَ فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِنَ العَمَلِ.

﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَحْتَمِلُ المُضِيَّ والمُضارَعَةَ بِمَعْنى فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ لا يَرْضى عَنْهم ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ لا يُحِبُّهم لِقَصْدِ العُمُومِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّوَلِّيَ كُفْرٌ، وإنَّهُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ يَنْفِي مَحَبَّةَ اللَّهِ وأنَّ مَحَبَّتَهُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ.

3:33–34Page 54

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣

Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -

ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤

Descendants, some of them from others. And Allāh is Hearing and Knowing.

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ بِالرِّسالَةِ والخَصائِصِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ، ولِذَلِكَ قَوُوا عَلى ما لَمْ يَقْوَ عَلَيْهِ غَيْرُهم. لِما أوْجَبَ طاعَةَ الرَّسُولِ وبَيَّنَ أنَّها الجالِبَةُ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ عَقِبَ ذَلِكَ بِبَيانِ مَناقِبِهِمْ تَحْرِيضًا عَلَيْها، وبِهِ اسْتُدِلَّ عَلى فَضْلِهِمْ عَلى المَلائِكَةِ، وآلُ إبْراهِيمَ، إسْماعِيلُ وإسْحاقُ وأوْلادُهُما. وقَدْ دَخَلَ فِيهِمُ الرَّسُولُ ﷺ، وآلُ عِمْرانَ مُوسى وهارُونُ ابْنا عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِيَ بْنِ يَعْقُوبَ، أوْ عِيسى وأُمُّهُ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ بْنِ العازارِ بْنِ أبِي يُوذَ بْنِ يُوزَنَ بْنِ زُرْبابِلَ بْنِ سالِيانَ بْنِ يُوحَنّا بْنِ أُوشِيا بْنِ أمُونَ بْنِ مُنْشَكَنَ بْنِ حازِقا بْنِ أخازَ بْنِ يُوثامَ بْنِ عُوزَيا بْنِ يُورامَ بْنِ ساقِطَ بْنِ أيْشا بْنِ راجِعِيمَ بْنِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ بْنِ أيْشِي بْنِ عُوبَدَ بْنِ سَلَمُونَ بْنِ ياعِزَ بْنِ نَحْشُوَنَ بْنِ عَمَيادَ بْنِ رامَ بْنِ حَصْرُومَ بْنِ فارِصَ بْنِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ بَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفُ وثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ.

﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ حالٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الآلَيْنِ أوْ مِنهُما ومِن نُوحٍ أيْ إنَّهم ذُرِّيَّةٌ واحِدَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ. وقِيلَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ في الدِّينِ. والذَّرِّيَّةُ الوَلَدُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعُ فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ أوْ فُعُولَةٌ مِنَ الذَّرْءِ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُها ياءً ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بِأقْوالِ النّاسِ وأعْمالِهِمْ فَيَصْطَفِي مَن كانَ مُسْتَقِيمَ القَوْلِ والعَمَلِ، أوْ سَمِيعٌ بِقَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ عَلِيمٌ بِنِيَّتِها.

3:35Page 54

إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥

[Mention, O Muḥammad], when the wife of ʿImrān said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."

﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ فَيَنْتَصِبُ بِهِ إذْ عَلى التَّنازُعِ. وقِيلَ نَصْبُهُ بِإضْمارِ اذْكُرْ، وهَذِهِ حِنَةُ بِنْتُ فاقُوذَ جَدَّةُ عِيسى، وكانَتْ لِعِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بِنْتٌ اسْمُها مَرْيَمَ أكْبَرَ مِن مُوسى وهارُونَ فَظَنَّ أنَّ المُرادَ زَوْجَتُهُ ويَرُدُّهُ كَفالَةُ زَكَرِيّا فَإنَّهُ كانَ مُعاصِرًا لِابْنِ ماثانِ وتَزَوَّجَ بِنْتَهُ إيشاعَ، وكانَ يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ابْنَيْ خالَةٍ مِنَ الأبِ

رُوِيَ أنَّها كانَتْ عاقِرًا عَجُوزًا، فَبَيْنَما هي في ظِلِّ شَجَرَةٍ إذْ رَأتْ طائِرًا يُطْعِمُ فَرْخَهُ فَحَنَّتْ إلى الوَلَدِ وتَمَنَّتْهُ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ نَذْرًا إنْ رَزَقْتَنِي ولَدًا أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَيَكُونُ مِن خَدَمِهِ، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ وهَلَكَ عِمْرانُ، وكانَ هَذا النَّذْرُ مَشْرُوعًا في عَهْدِهِمْ لِلْغِلْمانِ فَلَعَلَّها بَنَتِ الأمْرَ عَلى التَّقْدِيرِ أوْ طَلَبَتْ ذَكَرًا ﴿مُحَرَّرًا﴾ مُعْتَقًا لِخِدْمَتِهِ لا أُشْغِلُهُ بِشَيْءٍ، أوْ مُخْلِصًا لِلْعِبادَةِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ ما نَذَرْتُهُ. ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ لِقَوْلِي ونِيَّتِي.

3:36Page 54

فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦

But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allāh was most knowing of what she delivered, and the male is not like the female. "And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allāh]."

﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ الضَّمِيرُ لِما في بَطْنِها وتَأْنِيثُهُ لِأنَّهُ كانَ أُنْثى، وجازَ انْتِصابُ أُنْثى حالًا عَنْهُ لِأنَّ تَأْنِيثَها عَلَمٌ مِنهُ فَإنَّ الحالَ وصاحِبَها بِالذّاتِ واحِدٌ. أوْ عَلى تَأْوِيلِ مُؤَنَّثٍ كالنَّفْسِ والحَبْلَةِ.

وَإنَّما قالَتْهُ تَحَسُّرًا وتَحَزُّنًا إلى رَبِّها لِأنَّها كانَتْ تَرْجُو أنْ تَلِدَ ذَكَرًا ولِذَلِكَ نَذَرَتْ تَحْرِيرَهُ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ أيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي وضَعَتْ. هو اسْتِئْنافٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا لِمَوْضُوعِها وتَجْهِيلًا لَها بِشَأْنِها. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ "وَضَعْتُ" عَلى أنَّهُ مِن كَلامِها تَسْلِيَةٌ لِنَفْسِها أيْ ولَعَلَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيهِ سِرًّا، أوِ الأُنْثى كانَتْ خَيْرًا. وقُرِئَ «وَضَعْتِ» عَلى أنَّهُ خِطابُ اللَّهِ تَعالى لَها. ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ﴾ أيْ ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبَتْ كالأُنْثى الَّتِي وُهِبَتْ، واللّامُ فِيهِما لِلْعَهْدِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِها بِمَعْنى ولَيْسَ الذَّكَرُ والأُنْثى سِيّانَ فِيما نَذَرَتْ فَتَكُونُ اللّامُ لِلْجِنْسِ. ﴿وَإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَها مِن مَقالِها وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وإنَّما ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَبِّها تَقَرُّبًا إلَيْهِ وطَلَبًا لِأنْ يَعْصِمَها ويُصْلِحَها حَتّى يَكُونَ فِعْلُها مُطابِقًا لِاسْمِها فَإنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمْ بِمَعْنى: العابِدَةُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاسْمَ والمُسَمّى والتَّسْمِيَةَ أُمُورٌ مُتَغايِرَةٌ. ﴿وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ﴾ أُجِيرُها بِحِفْظِكَ. ﴿وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ المَطْرُودِ، وأصْلُ الرَّجْمِ الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ.

وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ مِن مَسِّهِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها»

. ومَعْناهُ أنَّ الشَّيْطانَ يَطْمَعُ في إغْواءِ كُلِّ مَوْلُودٍ يَتَأثَّرُ مِنهُ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى عَصَمَهُما بِبَرَكَةِ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ.

3:37Page 54

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ٣٧

So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allāh. Indeed, Allāh provides for whom He wills without account."

﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها﴾ فَرَضِيَ بِها في النَّذْرِ مَكانَ الذَّكَرِ. ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أيْ بِوَجْهٍ حَسَنٍ يَقْبَلُ بِهِ النَّذائِرَ، وهو إقامَتُها مَقامَ الذَّكَرِ، أوْ تَسَلُّمُها عَقِيبِ وِلادَتِها قَبْلَ أنْ تَكْبُرَ وتَصْلُحَ لِلسَّدانَةِ.

رُوِيَ أنَّ حِنَّةَ لَمّا ولَدَتْها لَفَّتْها في خِرْقَةٍ وحَمْلَتْها إلى المَسْجِدِ ووَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ وقالَتْ: دُونَكم هَذِهِ النَّذِيرَةَ، فَتَنافَسُوا فِيها لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ وصاحِبِ قُرْبانِهِمْ، فَإنَّ بَنِي ماثانَ كانَتْ رُؤُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ ومُلُوكَهم فَقالَ زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها، عِنْدِي خالَتُها فَأبَوْا إلّا القُرْعَةَ، وكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ فانْطَلَقُوا إلى نَهْرٍ فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهم فَطَفا قَلَمُ زَكَرِيّا ورَسَبَتْ أقْلامُهم فَتَكَفَّلَها زَكَرِيّا.

وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ بِذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، وأنْ يَكُونَ تَقَبَّلْ بِمَعْنى اسْتَقْبِلْ كَتَقَضّى وتَعَجَّلَ أيْ فَأخَذَها في أوَّلِ أمْرِها حِينَ وُلِدَتْ بِقَبُولٍ حَسَنٍ. ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ مَجازٌ عَنْ تَرْبِيَتِها بِما يُصْلِحُها في جَمِيعِ أحْوالِها ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ شَدَّدَ الفاءَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ، وقَصَرُوا زَكَرِيّا (p-15)

غَيْرَ عاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ تَعالى وزَكَرِيّا مَفْعُولٌ أيْ جَعَلَهُ كافِلًا لَها وضامِنًا لِمَصالِحِها، وخَفَّفَ الباقُونَ. ومَدُّوا «زَكَرِيّاءَ» مَرْفُوعًا. ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ أيِ الغُرْفَةَ الَّتِي بُنِيَتْ لَها، أوِ المَسْجِدَ، أوْ أشْرَفَ مَواضِعِهِ ومُقَدَّمَها، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مَحِلُّ مُحارَبَةِ الشَّيْطانِ كَأنَّها وُضِعَتْ في أشْرَفِ مَوْضِعٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. ﴿وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ جَوابُ كُلَّما وناصِبُهُ.

رُوِيَ: أنَّهُ كانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها غَيْرُهُ وإذا خَرَجَ أغْلَقَ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ، وكانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ وبِالعَكْسِ. ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾ مِن أيْنَ لَكِ هَذا الرِّزْقُ الآتِي في غَيْرِ أوانِهِ والأبْوابُ مُغْلَقَةٌ عَلَيْكِ، وهو دَلِيلُ جَوازِ الكَرامَةِ لِلْأوْلِياءِ. جَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةَ زَكَرِيّا يَدْفَعُهُ اشْتِباهُ الأمْرِ عَلَيْهِ. ﴿قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَلا تَسْتَبْعِدُهُ. قِيلَ: تَكَلَّمَتْ صَغِيرَةً كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ تَرْضَعْ ثَدْيًا قَطُّ وكانَ رِزْقُها يُنَزَّلُ عَلَيْها مِنَ الجَنَّةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَتِهِ، أوْ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ تَفَضُّلًا بِهِ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِما وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى.

رُوِيَ « (أنَّ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أهْدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَغِيفَيْنِ وبِضْعَةَ لَحْمٍ فَرَجَعَ بِها إلَيْها وقالَ: هَلُمِّي يا بُنَيَّةُ، فَكَشَفَتْ عَنِ الطَّبَقِ فَإذا هو مَمْلُوءٌ خُبْزًا ولَحْمًا فَقالَ لَها: أنّى لَكِ هَذا! فَقالَتْ: ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَقالَ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ شَبِيهَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ جَمَعَ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ وجَمَعَ أهْلَ بَيْتِهِ عَلَيْهِ حَتّى شَبِعُوا وبَقِيَ الطَّعامُ كَما هو فَأوْسَعَتْ عَلى جِيرانِها.»

3:38–39Page 55

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٣٩

So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allāh gives you good tidings of John, confirming a word1 from Allāh and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."

﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ، أوِ الوَقْتِ إذْ يُسْتَعارُ هُنا وثَمَّ وحَيْثُ لِلزَّمانِ، لِما رَأى كَرامَةَ مَرْيَمَ ومَنزِلَتَها مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كَما وهَبْتَها لِحِنَّةَ العَجُوزِ العاقِرِ. وقِيلَ لَمّا رَأى الفَواكِهَ في غَيْرِ أوانِها انْتَبَهَ عَلى جَوازِ وِلادَةِ العاقِرِ مِنَ الشَّيْخِ، فَسَألَ وقالَ: ﴿هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى الوُجُوهِ المُعْتادَةِ وبِالأسْبابِ المَعْهُودَةِ. ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ مُجِيبُهُ.

﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ كَقَوْلِهِمْ زَيْدٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ. فَإنَّ المُنادِيَ كانَ جِبْرِيلُ وحْدَهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «فَناداهُ» بِالإمالَةِ والتَّذْكِيرِ. ﴿وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ أيْ قائِمًا في الصَّلاةِ، و (يُصَلِّي صِفَةُ قائِمٍ أوْ خَبَرٌ أوْ حالٌ آخَرَ أوْ حالٌ عَنِ الضَّمِيرِ في "قائِمٌ". ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ أيْ بِأنَّ اللَّهَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ لِأنَّ النِّداءَ نَوْعٌ مِنهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يُبَشِّرُكَ)، و (يَحْيى) اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وإنْ جُعِلَ عَرَبِيًّا فَمَنعُ صَرْفِهِ لِلتَّعْرِيفِ ووَزْنِ الفِعْلِ. ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ وُجِدَ بِأمْرِهِ تَعالى دُونَ أبٍ فَشابَهَ البِدْعِيّاتِ الَّتِي هي عالِمُ الأمْرِ، أوْ بِكِتابِ اللَّهِ، سُمِّيَ كَلِمَةً كَما قِيلَ كَلِمَةُ الحُوَيْدِرَةِ لِقَصِيدَتِهِ. ﴿وَسَيِّدًا﴾ يَسُودُ قَوْمَهُ ويَفُوقُهم وكانَ فائِقًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ في أنَّهُ ما هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ قَطُّ. ﴿وَحَصُورًا﴾ مُبالِغًا في حَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ والمَلاهِي.

رُوِيَ أنَّهُ مَرَّ في صِباهُ بِصِبْيانٍ فَدَعَوْهُ إلى اللَّعِبِ فَقالَ ما لِلَّعِبِ خُلِقْتُ.

﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ناشِئًا مِنهم أوْ كائِنًا مِن عِدادِ مَن لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً ولا صَغِيرَةً.

3:40Page 55

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" He [the angel] said, "Such is Allāh; He does what He wills."

﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ اسْتِبْعادًا مِن حَيْثُ العادَةِ، أوِ اسْتِعْظامًا أوْ تَعَجُّبًا أوِ اسْتِفْهامًا عَنْ كَيْفِيَّةِ (p-16)

حُدُوثِهِ. ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أدْرَكَنِي كِبَرُ السِّنِّ وأثَّرَ فِيَّ. وكانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ ولِامْرَأتِهِ ثَمانٍ وتِسْعُونَ سَنَةً.

﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ لا تَلِدُ، مِنَ العُقْرِ وهو القَطْعُ لِأنَّها ذاتُ عُقْرٍ مِنَ الأوْلادِ. ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِنَ العَجائِبِ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو إنْشاءُ الوَلَدِ مِن شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ، أوْ كَما أنْتَ عَلَيْهِ وزَوْجُكَ مِنَ الكِبَرِ والعُقْرِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِن خَلْقِ الوَلَدِ أوْ كَذَلِكَ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيِ اللَّهُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ، ويَفْعَلُ ما يَشاءُ، بَيانٌ لَهُ أوْ كَذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ، واللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، بَيانٌ لَهُ.

3:41Page 55

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١

He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."

﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ عَلامَةً أعْرِفُ بِها الحَبَلَ لِأسْتَقْبِلَهُ بِالبَشاشَةِ والشُّكْرِ وتُزِيحُ مَشَقَّةَ الِانْتِظارِ. ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ لا تَقْدِرُ عَلى تَكْلِيمِ النّاسِ ثَلاثًا، وإنَّما حَبْسُ لِسانِهِ عَنْ مُكالَمَتِهِمْ خاصَّةً لِيُخْلِصَ المُدَّةَ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وشُكْرِهِ، قَضاءً لِحَقِّ النِّعْمَةِ وكَأنَّهُ قالَ آيَتُكَ أنْ يُحْبَسَ لِسانُكَ إلّا عَنِ الشُّكْرِ وأحْسَنُ الجَوابِ ما اشْتُقَّ مِنَ السُّؤالِ. ﴿إلا رَمْزًا﴾ إشارَةٌ بِنَحْوِ يَدٍ أوْ رَأْسٍ، وأصْلُهُ التَّحَرُّكُ ومِنهُ الرّامُوزُ لِلْبَحْرِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ وقِيلَ مُتَّصِلٌ والمُرادُ بِالكَلامِ ما دَلَّ عَلى الضَّمِيرِ. وقُرِئَ «رَمَزًا» بِفَتْحَتَيْنِ كَخَدَمِ جَمْعُ رامِزٍ ورُمُزًا كَرُسُلٍ جَمْعُ رَمُوزٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُ ومِنَ النّاسِ بِمَعْنى مُتَرامِزِينَ كَقَوْلِهِ:

؎ مَتى ما تَلْقَنِي فَرْدَيْنِ تَرْجِفُ ∗∗∗ رَوانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُسْتَطارا

﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ في أيّامِ الحَبْسَةِ، وهو مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مُبَيِّنٌ لِلْغَرَضِ مِنهُ، وتَقْيِيدُ الأمْرِ بِالكَثْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ. ﴿وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ﴾ مِنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ. وقِيلَ مِنَ العَصْرِ أوِ الغُرُوبِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ. ﴿والإبْكارِ﴾ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى الضُّحى. وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ بَكَرٍ كَسَحَرٍ وأسْحارٍ.

3:42–43Page 55

وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٢

And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.

يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."

﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ كَلَّمُوها شَفاهًا كَرامَةً لَها، ومَن أنْكَرَ الكَرامَةَ زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ كانَتْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا أوْ إرْهاصًا لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ الإجْماعَ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَسْتَنْبِئِ امْرَأةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا﴾ وقِيلَ أُلْهِمُوها، والِاصْطِفاءُ الأوَّلُ تَقَبُّلُها مِن أُمِّها ولَمْ يَقْبَلْ قَبْلَها أُنْثى وتَفْرِيغُها لِلْعِبادَةِ وإغْناؤُها بِرِزْقِ الجَنَّةِ عَنِ الكَسْبِ وتَطْهِيرُها عَمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ النِّساءِ. والثّانِي هِدايَتُها وإرْسالُ المَلائِكَةِ إلَيْها، وتَخْصِيصُها بِالكَراماتِ السِّنِّيَّةِ كالوَلَدِ مِن غَيْرِ أبٍ وتَبْرِئَتُها مِمّا قَذَفَتْها بِهِ اليَهُودُ بِإنْطاقِ الطِّفْلِ وجَعْلِها وابْنِها آيَةً لِلْعالَمِينَ.

﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أُمِرَتْ بِالصَّلاةِ في الجَماعَةِ بِذِكْرِ أرْكانِها مُبالَغَةً في المُحافَظَةِ عَلَيْها، وقَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ إمّا لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ في شَرِيعَتِهِمْ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، أوْ لِيَقْتَرِنِ ارْكَعِي بِالرّاكِعِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَن لَيْسَ في صَلاتِهِمْ رُكُوعٌ لَيْسُوا مُصَلِّينَ. وقِيلَ المُرادُ بِالقُنُوتِ إدامَةُ الطّاعَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ وبِالسُّجُودِ الصَّلاةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأدْبارَ السُّجُودِ﴾ وبِالرُّكُوعِ الخُشُوعُ والإخْباتُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском