Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:44–71
3:44Page 55
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤
That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. And you were not with them when they cast their pens1 as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ أيْ ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَصِ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْها إلّا بِالوَحْيِ.
﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ أقْداحَهم لِلِاقْتِراعِ. وقِيلَ اقْتَرَعُوا بِأقْلامِهِمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ تَبَرُّكًا، والمُرادُ تَقْرِيرُ كَوْنِهِ وحْيًا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِمُنْكِرِيهِ، فَإنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الوَقائِعِ المُشاهَدَةُ والسَّماعُ، وعَدَمُ السَّماعِ مَعْلُومٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ عِنْدَهم فَبَقِيَ أنْ يَكُونَ الِاتِّهامُ بِاحْتِمالِ العَيانِ ولا يَظُنُّ بِهِ عاقِلٌ. ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ "يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ" أيْ يُلْقُونَها لِيَعْلَمُوا، أوْ يَقُولُوا أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ. ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ تَنافُسًا في كَفالَتِها.
3:45–46Page 55
إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٥
[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh gives you good tidings of a word1 from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allāh].
وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٤٦
He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."
﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ بَدَلٌ مِن إذْ قالَتِ الأُولى وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ مِن إذْ يَخْتَصِمُونَ عَلى أنَّ وُقُوعَ الِاخْتِصامِ والبِشارَةِ في زَمانٍ مُتَّسِعٍ كَقَوْلِكَ لَقِيتُهُ سَنَةَ كَذا. ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المَسِيحُ لَقَبُهُ وهو مِنَ الألْقابِ المُشَرِّفَةِ كالصِّدِّيقِ وأصْلُهُ بِالعِبْرِيَّةِ مَشِيحًا مَعْناهُ: المُبارَكُ، وعِيسى مُعْرَبُ أيْشُوعَ واشْتِقاقُهُما مِنَ المَسْحِ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ أوْ بِما طَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ مَسَحَ الأرْضَ ولَمْ يُقِمْ في مَوْضِعٍ، أوْ مَسَحَهُ جِبْرِيلُ، ومِنَ العِيسِ وهو بَياضٌ يَعْلُوهُ حُمْرَةٌ، تَكَلُّفٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ، وابْنُ مَرْيَمَ لِما كانَ صِفَةً تُمَيِّزُ تَمْيِيزَ الأسْماءِ نُظِّمَتْ في سِلْكِها، ولا يُنافِي تَعَدُّدَ الخَبَرِ وإفْرادَ المُبْتَدَأِ فَإنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُضافٌ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ ويَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ هَذِهِ الثَّلاثَةُ، فَإنَّ الِاسْمَ عَلامَةُ المُسَمّى والمُمَيِّزُ لَهُ مِمَّنْ سِواهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِيسى خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وابْنُ مَرْيَمَ صِفَتُهُ، وإنَّما قِيلَ ابْنُ مَرْيَمَ والخِطابُ لَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ إذِ الأوْلادُ تُنْسَبُ إلى الآباءِ ولا تُنْسَبُ إلى الأُمِّ إلّا إذا فُقِدَ الأبُ. ﴿وَجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن كَلِمَةٍ وهي وإنْ كانَتْ نَكِرَةٌ لَكِنَّها مَوْصُوفَةٌ وتَذْكِيرُهُ لِلْمَعْنى، والوَجاهَةُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مِنَ اللَّهِ، وقِيلَ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ أوْ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ وصُحْبَةِ المَلائِكَةِ.
﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ أيْ يُكَلِّمُهم حالَ كَوْنِهِ طِفْلًا وكَهْلًا، كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ.
والمَهْدُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُمَهِّدُ لِلصَّبِيِّ في مَضْجَعِهِ. وقِيلَ إنَّهُ رُفِعَ شابًّا والمُرادُ وكَهْلًا بَعْدَ نُزُولِهِ، وذَكَرَ أحْوالَهُ المُخْتَلِفَةَ المُتَنافِيَةَ إرْشادًا إلى أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حالٌ ثالِثٌ مِن كَلِمَةٍ أوْ ضَمِيرِها الَّذِي في يُكَلِّمُ.
3:47Page 56
قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧
She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allāh; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.
﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ تَعَجُّبٌ، أوِ اسْتِبْعادٌ عادِيٌّ، أوِ اسْتِفْهامٌ عَنْ أنَّهُ يَكُونُ بِتَزَوُّجٍ أوْ غَيْرِهِ. قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ القائِلُ جِبْرِيلُ، أوِ اللَّهُ تَعالى وجِبْرِيلُ حَكى لَها قَوْلَ اللَّهِ تَعالى. ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ تَعالى كَما يَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَ الأشْياءَ مُدْرَجًا بِأسْبابٍ ومَوادَّ يَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَها دُفْعَةً مِن غَيْرِ ذَلِكَ.
3:48–49Page 56
وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٤٨
And He will teach him writing and wisdom1 and the Torah and the Gospel
وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٤٩
And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allāh. And I cure the blind [from birth] and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allāh. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.
﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ذُكِرَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِها وإزاحَةً لِما هَمَّها مِن خَوْفِ اللَّوْمِ لَمّا عَلِمَتْ أنَّها تَلِدُ مِن غَيْرِ زَوْجٍ، أوْ عَطْفٌ عَلى يُبَشِّرُكَ، أوْ وجِيهًا والكِتابُ الكَتَبَةُ أوْ جِنْسُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ. وخُصَّ الكِتابانِ لِفَضْلِهِما. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ويُعَلِّمُهُ بِالياءِ.
﴿وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ عَلى إرادَةِ القَوْلِ تَقْدِيرُهُ:
وَيَقُولُ أُرْسِلْتُ رَسُولًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ مُضَمَّنًا مَعْنى النُّطْقِ فَكَأنَّهُ قالَ:
وَناطِقًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، وتَخْصِيصِ بَنِي إسْرائِيلَ لِخُصُوصِ بِعْثَتِهِ إلَيْهِمْ أوْ لِلرَّدِّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى غَيْرِهِمْ. ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ نُصِبَ بَدَلٌ مِن أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، أوْ جُرَّ بَدَلٌ مِن آيَةٍ، أوْ رُفِعَ عَلى هي أنِّي أخْلُقُ لَكم والمَعْنى: أُقَدِّرُ لَكم وأُصَوِّرُ شَيْئًا مِثْلَ صُورَةِ الطَّيْرِ، وقَرَأ نافِعٌ إنّى بِالكَسْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ الضَّمِيرُ لِلْكافِ أيْ في ذَلِكَ الشَّيْءِ المُماثِلِ. ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَيَصِيرُ حَيًّا طَيّارًا بِأمْرِ اللَّهِ، نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ إحْياءَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنهُ. وقَرَأ نافِعٌ هُنا وفي المائِدَةِ «طائِرًا» بِالألِفِ والهَمْزَةِ. ﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ﴾ الأكْمَهُ الَّذِي وُلِدَ أعْمى أوِ المَمْسُوحُ العَيْنِ.
رُوِيَ: أنَّ رُبَّما كانَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أُلُوفٌ مِنَ المَرْضى مَن أطاقَ مِنهم أتاهُ ومَن لَمْ يُطِقْ أتاهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما يُداوِي إلّا بِالدُّعاءِ. ﴿وَأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ بِإذْنِ اللَّهِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الأُلُوهِيَّةِ، فَإنَّ الإحْياءَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأفْعالِ البَشَرِيَّةِ. ﴿وَأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ بِالمُغَيَّباتِ مِن أحْوالِكُمُ الَّتِي لا تَشُكُّونَ فِيها. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُوَفَّقِينَ لِلْإيمانِ فَإنَّ غَيْرَهم لا يَنْتَفِعُ بِالمُعْجِزاتِ، أوْ مُصَدِّقِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُعانِدِينَ.
3:50Page 56
وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠
And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allāh and obey me.
﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عُطِفَ عَلى رَسُولًا عَلى الوَجْهَيْنِ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَدْ جِئْتُكم أيْ وجِئْتُكم مُصَدِّقًا. ﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ﴾ مُقَدَّرٌ بِإضْمارِهِ، أوْ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى مُصَدِّقًا كَقَوْلِهِمْ جِئْتُكَ مُعْتَذِرًا ولِأُطَيِّبَ قَلْبَكَ. ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالشُّحُومِ والثُّرُوبِ والسَّمَكِ ولُحُومِ الإبِلِ والعَمَلِ في السَّبْتِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ شَرْعَهُ كانَ ناسِخًا لِشَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْلُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ، كَما لا يَعُودُ نَسْخُ القُرْآنِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ عَلَيْهِ بِتَناقُضٍ وتَكاذُبٍ، فَإنَّ النَّسْخَ في الحَقِيقَةِ بَيانٌ وتَخْصِيصٌ في الأزْمانِ ﴿وَجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾
3:51Page 56
إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٥١
Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path.'"
﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ جِئْتُكم بِآيَةٍ أُخْرى ألْهَمَنِيها رَبُّكم وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ فَإنَّهُ دَعْوَةُ الحَقِّ المُجْمَعُ عَلَيْها فِيما بَيْنَ الرُّسُلِ الفارِقَةُ بَيْنَ النَّبِيِّ والسّاحِرِ، أوْ جِئْتُكم بِآيَةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ اعْتِراضٌ والظّاهِرُ أنَّهُ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ جِئْتُكم بِآيَةٍ بَعْدَ أُخْرى مِمّا ذَكَرْتُ لَكُمْ، والأوَّلُ لِتَمْهِيدِ الحُجَّةِ والثّانِي لِتَقْرِيبِها إلى الحُكْمِ ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ لِما جِئْتُكم بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ والآياتِ الباهِرَةِ فاتَّقُوا اللَّهَ في المُخالَفَةِ وأطِيعُونِ فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ، ثُمَّ شَرَعَ في الدَّعْوَةِ وأشارَ إلَيْها بِالقَوْلِ المُجْمَلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ رَبِّي (p-19)وَرَبُّكُمْ، إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالِاعْتِقادِ الحَقِّ الَّذِي غايَتُهُ التَّوْحِيدُ، وقالَ: فاعْبُدُوهُ إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ فَإنَّهُ بِمُلازَمَةِ الطّاعَةِ الَّتِي هي الإتْيانُ بِالأوامِرِ والِانْتِهاءُ عَنِ المَناهِي، ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ هو الطَّرِيقُ المَشْهُودُ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»
3:52Page 56
۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٥٢
But when Jesus felt [persistence in] disbelief from them, he said, "Who are my supporters for [the cause of] Allāh?" The disciples said, "We are supporters for Allāh. We have believed in Allāh and testify that we are Muslims [submitting to Him].
﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ تَحَقَّقَ كُفْرُهم عِنْدَهُ تَحَقُّقَ ما يُدْرَكُ بِالحَواسِّ. ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ مُلْتَجِئًا إلى اللَّهِ تَعالى أوْ ذاهِبًا أوْ ضامًّا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُ بِ أنْصارِي مُضَمَّنًا مَعْنى الإضافَةِ، أيْ مَنِ الَّذِينَ يُضِيفُونَ أنْفُسَهم إلى اللَّهِ تَعالى في نَصْرِي. وقِيلَ "إلى" هاهُنا بِمَعْنى (مَعَ) أوْ (فِي) أوِ (اللّامِ) .
﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ حَوارِيُّ الرَّجُلِ خاصَّتُهُ مِنَ الحَوَرِ وهو البَياضُ الخالِصُ، ومِنهُ الحَوارِيّاتُ لِلْحَضَرِيّاتِ لِخُلُوصِ ألْوانِهِنَّ. سُمِّيَ بِهِ أصْحابُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِخُلُوصِ نِيَّتِهِمْ ونَقاءِ سَرِيرَتِهِمْ. وقِيلَ كانُوا مُلُوكًا يَلْبَسُونَ البِيضَ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ قَصّارِينَ يُحَوِّرُونَ الثِّيابَ أيْ يُبَيِّضُونَها. ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيْ أنْصارُ دِينِ اللَّهِ. ﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ لِتَشْهَدَ لَنا يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَشْهَدُ الرُّسُلُ لِقَوْمِهِمْ وعَلَيْهِمْ.
3:53–54Page 57
رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٣
Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger [i.e., Jesus], so register us among the witnesses [to truth]."
وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٥٤
And they [i.e., the disbelievers] planned, but Allāh planned. And Allāh is the best of planners.
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِوَحْدانِيَّتِكَ، أوْ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأتْباعِهِمْ، أوْ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهم شُهَداءُ عَلى النّاسِ.
﴿وَمَكَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ مِنَ اليَهُودِ بِأنْ وكَّلُوا عَلَيْهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً. ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ حِينَ رَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وألْقى شُبَهَهُ عَلى مَن قَصَدَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ. والمَكْرُ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الأصْلِ حِيلَةٌ يَجْلِبُ بِها غَيْرُهُ إلى مُضِرَّةٍ لا يُسْنَدُ إلى اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ والِازْدِواجِ. ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أقْواهم مَكْرًا وأقْدَرُهم عَلى إيصالِ الضَّرَرِ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ.
3:55Page 57
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٥٥
[Mention] when Allāh said, "O Jesus, indeed I will take you and raise you to Myself and purify [i.e., free] you from those who disbelieve and make those who follow you [in submission to Allāh alone] superior to those who disbelieve until the Day of Resurrection. Then to Me is your return, and I will judge between you concerning that in which you used to differ.
﴿إذْ قالَ اللَّهُ﴾ ظَرْفٌ لِ"مَكَرَ اللَّهُ" أوْ خَيْرُ الماكِرِينَ، أوْ لِمُضْمَرٍ مِثْلَ وقَعَ ذَلِكَ. ﴿يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أيْ مُسْتَوْفِي أجَلَكَ ومُؤَخِّرُكَ إلى أجَلِكَ المُسَمّى، عاصِمًا إيّاكَ مِن قَتْلِهِمْ، أوْ قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ مِن تَوَفَّيْتُ مالِي، أوْ مُتَوَفِّيكَ نائِمًا إذْ رُوِيَ أنَّهُ رُفِعَ نائِمًا، أوْ مُمِيتُكَ عَنِ الشَّهَواتِ العائِقَةِ عَنِ العُرُوجِ إلى عالَمِ المَلَكُوتِ. وقِيلَ أماتَهُ اللَّهُ سَبْعَ ساعاتٍ ثُمَّ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ وإلَيْهِ ذَهَبَتِ النَّصارى. ﴿وَرافِعُكَ إلَيَّ﴾ إلى مَحَلِّ كَرامَتِي ومَقَرِّ مَلائِكَتِي. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ أوْ قَصْدِهِمْ ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ يُعاوِنُهم بِالحُجَّةِ أوِ السَّيْفِ في غالِبِ الأمْرِ، ومُتَّبِعُوهُ مَن آمَنَ بِنُبُوَّتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ والنَّصارى وإلى الآنِ لَمْ تُسْمَعْ غَلَبَةٌ لِلْيَهُودِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَتَّفِقْ لَهم مُلْكٌ ودَوْلَةٌ. ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ الضَّمِيرُ لِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن تَبِعَهُ ومَن كَفَرَ بِهِ، وغَلَّبَ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ.(p-20)
3:56–57Page 57
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٥٦
And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٧
But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allāh does not like the wrongdoers.
﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ " وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم " تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ وتَفْصِيلٌ لَهُ. وقَرَأ حَفْصٌ فَيُوَفِّيهِمْ بِالياءِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ.
3:58Page 57
ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ ٥٨
This is what We recite to you, [O Muḥammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message [i.e., the Qur’ān].
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن نَبَأِ عِيسى وغَيْرِهِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ. ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ونَتْلُوهُ حالًا عَلى أنَّ العامِلَ مَعْنى الإشارَةِ وأنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ وأنْ يَنْتَصِبَ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ نَتْلُوهُ. ﴿والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ المُشْتَمِلِ عَلى الحُكْمِ، أوِ المُحْكَمِ المَمْنُوعِ عَنْ تَطَرُّقِ الخَلَلِ إلَيْهِ يُرِيدُ بِهِ القُرْآنَ. وقِيلَ: اللَّوْحُ.
3:59–60Page 57
إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٩
Indeed, the example of Jesus to Allāh1 is like that of Adam. He created him from dust; then He said to him, "Be," and he was.
ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٦٠
The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.
﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ إنَّ شَأْنَهُ الغَرِيبَ كَشَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلتَّمْثِيلِ مُبَيِّنَةٌ لِما بِهِ الشَّبَهُ، وهو أنَّهُ خُلِقَ بِلا أبٍ كَما خُلِقَ آدَمُ مِنَ التُّرابِ بِلا أبٍ وأُمٍّ، شَبَّهَ حالَهُ بِما هو أغْرَبُ مِنهُ إفْحامًا لِلْخَصْمِ وقَطْعًا لِمَوادِّ الشُّبْهَةِ والمَعْنى خَلَقَ قالَبَهُ مِنَ التُّرابِ. ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ أنْشَأهُ بَشَرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ أوْ قَدَّرَ تَكْوِينَهُ مِنَ التُّرابِ ثُمَّ كَوَّنَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثُمَّ لِتَراخِي الخَبَرِ لا المُخْبَرِ. ﴿فَيَكُونُ﴾ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ.
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، وقِيلَ الحَقُّ مُبْتَدَأٌ ومِن رَبِّكَ خَبَرُهُ أيِ الحَقُّ المَذْكُورُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ خِطابً لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّهْيِيجِ لِزِيادَةِ الثَّباتِ أوْ لِكُلِّ سامِعٍ.
3:61Page 57
فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦١
Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allāh upon the liars [among us]."
﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ مِنَ النَّصارى. ﴿فِيهِ﴾ في عِيسى. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ مِنَ البَيِّناتِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ. ﴿فَقُلْ تَعالَوْا﴾ هَلُمُّوا بِالرَّأْيِ والعَزْمِ. ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ أيْ يَدْعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم نَفْسَهُ وأعِزَّةَ أهْلِهِ وألْصَقَهم بِقَلْبِهِ إلى المُباهَلَةِ ويَحْمِلُ عَلَيْها، وإنَّما قَدَّمَهم عَلى الأنْفُسِ لِأنَّ الرَّجُلَ يُخاطِرُ بِنَفْسِهِ لَهم ويُحارِبُ دُونَهم. ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أيْ نَتَباهَلْ بِأنْ نَلْعَنَ الكاذِبَ مِنّا. والبَهْلَةُ بِالضَّمِّ والفَتْحِ اللَّعْنَةُ وأصْلُهُ التَّرْكُ مِن قَوْلِهِمْ بَهَلْتُ النّاقَةَ إذا تَرَكْتَها بِلا صِرارٍ. ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ عَطْفٌ فِيهِ بَيانٌ.
رُوِيَ «أنَّهم لَمّا دُعُوا إلى المُباهَلَةِ قالُوا حَتّى نَنْظُرَ فَلَمّا تَخالَوْا قالُوا لِلْعاقِبِ وكانَ ذا رَأْيِهِمْ: ما تَرى؟ فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ نُبُوَّتَهُ، ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ في أمْرِ صاحِبِكم واللَّهِ ما باهَلَ قَوْمٌ نَبِيًّا إلّا هَلَكُوا، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم فَوادِعُوا الرَّجُلَ وانْصَرِفُوا، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَدْ غَدا مُحْتَضِنًا الحُسَيْنَ آخِذًا بِيَدِ الحَسَنِ وفاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَلْفَها وهو يَقُولُ: إذا أنا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا، فَقالَ أُسْقُفُهم يا مَعْشَرَ النَّصارى إنِّي لَأرى وُجُوهًا لَوْ سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِن مَكانِهِ لَأزالَهُ فَلا تُباهِلُوا فَتَهْلِكُوا، فَأذْعَنُوا (p-21)لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَذَلُوا لَهُ الجِزْيَةَ ألْفَيْ حُلَّةٍ حَمْراءَ وثَلاثِينَ دِرْعًا مِن حَدِيدٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَباهَلُوا لَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًا، ولاسْتَأْصَلَ اللَّهُ نَجْرانَ وأهْلَهُ حَتّى الطَّيْرَ عَلى الشَّجَرِ.» وهو دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ وفَضْلِ مَن أتى بِهِمْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ.
3:62–63Page 58
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٢
Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allāh. And indeed, Allāh is the Exalted in Might, the Wise.
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٣
But if they turn away, then indeed - Allāh is Knowing of the corrupters.
﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ ما قُصَّ مِن نَبَأِ عِيسى ومَرْيَمَ. ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ بِجُمْلَتِها خَبَرُ إنَّ، أوْ هو فَصْلٌ يُفِيدُ أنَّ ما ذَكَرَهُ في شَأْنِ عِيسى ومَرْيَمَ حَقٌّ دُونَ ما ذَكَرُوهُ، وما بَعْدَهُ خَبَرٌ واللّامُ دَخَلَتْ فِيهِ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ، وأصْلُها أنْ تَدْخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ﴾ صَرَّحَ فِيهِ بِ مِنِ المَزِيدَةِ لِلِاسْتِغْراقِ تَأْكِيدًا لِلرَّدِّ عَلى النَّصارى في تَثْلِيثِهِمْ ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ لا أحَدَ سِواهُ يُساوِيهِ في القُدْرَةِ التّامَّةِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ لِيُشارِكَهُ في الأُلُوهِيَّةِ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ وعِيدٌ لَهم ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الحُجَجِ والإعْراضَ عَنِ التَّوْحِيدِ، إفْسادٌ لِلدِّينِ والِاعْتِقادِ المُؤَدِّي إلى فَسادِ النَّفْسِ بَلْ وإلى فَسادِ العالَمِ.
3:64Page 58
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٦٤
Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allāh and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allāh."1 But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ يَعُمُّ أهْلَ الكِتابَيْنِ. وقِيلَ يُرِيدُ بِهِ وفْدَ نَجْرانَ، أوْ يَهُودَ المَدِينَةِ. ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ لا يَخْتَلِفُ فِيها الرُّسُلُ والكُتُبُ ويُفَسِّرُها ما بَعْدَها. ﴿ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ﴾ أنْ نُوَحِّدَهُ بِالعِبادَةِ ونُخْلِصَ فِيها. ﴿وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ ولا نَجْعَلَ غَيْرَهُ شَرِيكًا لَهُ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ ولا نَراهُ أهْلًا لِأنْ يُعْبَدَ.
﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ولا نَقُولُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، ولا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ولا نُطِيعُ الأحْبارَ فِيما أحْدَثُوا مِنَ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ لِأنَّ كُلًّا مِنهم بَعْضُنا بَشَرٌ مِثْلُنا.
رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: ما كُنّا نَعْبُدُهم يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «ألَيْسَ يُحِلُّونَ لَكم ويُحَرِّمُونَ فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: هو ذاكَ».»
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ. ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ فاعْتَرِفُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ دُونَكُمْ، أوِ اعْتَرِفُوا بِأنَّكم كافِرُونَ بِما نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ وتَطابَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ.
(تَنْبِيهٌ: انْظُرْ إلى ما راعى في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ المُبالَغَةِ في الإرْشادِ وحُسْنِ التَّدَرُّجِ في الحِجاجِ بَيْنَ: أوَّلًا، أحْوالِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما تَعاوَرَ عَلَيْهِ مِنَ الأطْوارِ المُنافِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ، ثُمَّ ذِكْرُ ما يَحُلُّ عُقْدَتَهم ويُزِيحُ شُبْهَتَهُمْ، فَلَمّا رَأى عِنادَهم ولُجاجَهم دَعاهم إلى المُباهَلَةِ بِنَوْعٍ مِنَ الإعْجازِ، ثُمَّ لَمّا أعْرَضُوا عَنْها وانْقادُوا بَعْضَ الِانْقِيادِ عادَ عَلَيْهِمْ بِالإرْشادِ وسَلَكَ طَرِيقًا أسْهَلَ وألْزَمَ بِأنْ دَعاهم إلى ما وافَقَ عَلَيْهِ عِيسى والإنْجِيلُ وسائِرُ الأنْبِياءِ والكُتُبِ، ثُمَّ لَمّا لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ أيْضًا عَلَيْهِمْ وعَلِمَ أنَّ الآياتِ والنُّذُرَ لا تُغْنِي عَنْهم أعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ وقالَ فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ.
3:65Page 58
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٥
O People of the Scripture, why do you argue about Abraham while the Torah and the Gospel were not revealed until after him? Then will you not reason?
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ تَنازَعَتِ اليَهُودُ (p-22)
والنَّصارى في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وزَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ أنَّهُ مِنهم وتَرافَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ.
والمَعْنى أنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ حَدَّثَتا بِنُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ إبْراهِيمُ قَبْلَ مُوسى بِألْفِ سَنَةٍ وعِيسى بِألْفَيْنِ فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيْهِما. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَدْعُونَ المُحالَ.
3:66Page 58
هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٦٦
Here you are - those who have argued about that of which you have [some] knowledge, but why do you argue about that of which you have no knowledge? And Allāh knows, while you know not.
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ ها حَرْفُ تَنْبِيهٍ نُبِّهُوا بِها عَلى حالِهِمُ الَّتِي غَفَلُوا عَنْها، وأنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وهَؤُلاءِ خَبَرُهُ وحاجَجْتُمْ جُمْلَةٌ أُخْرى مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى. أيْ أنْتُمْ هَؤُلاءِ الحَمْقى وبَيانُ حَماقَتِكم أنَّكم جادَلْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ مِمّا وجَدْتُمُوهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عِنادًا، أوْ تَدَّعُونَ وُرُودَهُ فِيهِ فَلِمَ تُجادِلُونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ ولا ذِكْرَ لَهُ في كِتابِكم مِن دِينِ إبْراهِيمَ. وقِيلَ هَؤُلاءِ بِمَعْنى الَّذِينَ وحاجَجْتُمْ صِلَتُهُ. وقِيلَ ها أنْتُمْ أصْلُهُ أأنْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ لِلتَّعَجُّبِ مِن حَماقَتِهِمْ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ها أنْتُمْ حَيْثُ وقَعَ بِالمَدِّ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ووَرْشٌ أقَلُّ مَدًّا، وقُنْبُلٌ بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الهاءِ والباقُونَ بِالمَدِّ والهَمْزِ، والبَزِّيُّ بِقَصْرِ المَدِّ عَلى أصْلِهِ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما حاجَجْتُمْ فِيهِ.
﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وأنْتُمْ جاهِلُونَ بِهِ.
3:67–68Page 58
مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٦٧
Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allāh]. And he was not of the polytheists.1
إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٨
Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allāh] and this prophet [i.e., Muḥammad (ﷺ)] and those who believe [in his message]. And Allāh is the Ally1 of the believers.
﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضى ما قَرَّرَهُ مِنَ البُرْهانِ. ﴿وَلَكِنْ كانَ حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ. ﴿مُسْلِمًا﴾ مُنْقادًا لِلَّهِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ كانَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ وإلّا لاشْتَرَكَ الإلْزامُ. ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا والمَسِيحَ ورَدٌّ لِادِّعاءِ المُشْرِكِينَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ إنَّ أخَصَّهم بِهِ وأقْرَبَهم مِنهُ، مِنَ الوَلِيِّ وهو القُرْبُ، ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ مِن أُمَّتِهِ. وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا لِمُوافَقَتِهِمْ لَهُ في أكْثَرِ ما شُرِعَ لَهم عَلى الأصالَةِ. وقُرِئَ والنَّبِيَّ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الهاءِ في اتَّبَعُوهُ، وبِالجَرِّ عَطْفًا عَلى إبْراهِيمَ. ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ يَنْصُرُهم ويُجازِيهِمُ الحُسْنى لِإيمانِهِمْ.
3:69Page 58
وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٦٩
A faction of the People of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.
﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ لَمّا دَعَوْا حُذَيْفَةَ وعَمّارًا ومُعاذًا إلى اليَهُودِيَّةِ و"لَوْ" بِمَعْنى أنْ. ﴿وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ وما يَتَخَطّاهُمُ الإضْلالُ ولا يَعُودُ وبالُهُ إلّا عَلَيْهِمْ إذْ يُضاعَفُ بِهِ عَذابُهُمْ، أوْ ما يَضِلُّونَ إلّا أمْثالَهم. ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ وِزْرَهُ واخْتِصاصَ ضَرَرِهِ بِهِمْ.
3:70–71Page 58
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٧٠
O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh1 while you witness [to their truth]?
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٧١
O People of the Scripture, why do you mix [i.e., confuse] the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بِما نَطَقَتْ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ودَلَّتْ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنَّها آياتُ اللَّهِ أوْ بِالقُرْآنِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ نَعْتَهُ في الكِتابَيْنِ أوْ تَعْلَمُونَ بِالمُعْجِزاتِ أنَّهُ حَقٌّ.
(p-23)﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ بِالتَّحْرِيفِ وإبْرازِ الباطِلِ في صُورَتِهِ، أوْ بِالتَّقْصِيرِ في التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما. وقُرِئَ «تُلَبِّسُونَ» بِالتَّشْدِيدِ و «تَلْبَسُونَ» بِفَتْحِ الباءِ أيْ تَلْبَسُونَ الحَقَّ مَعَ الباطِلِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ».»
وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَعْتَهُ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ عالِمِينَ بِما تَكْتُمُونَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences