Al-BaydawiAli 'Imran · 3:72–95

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:72–95

3:72Page 59

وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٧٢

And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will return [i.e., abandon their religion],

﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ أيْ أظْهِرُوا الإيمانَ بِالقُرْآنِ أوَّلَ النَّهارِ. ﴿واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ واكْفُرُوا بِهِ آخِرَهُ لَعَلَّهم يَشُكُّونَ في دِينِهِمْ ظَنًّا بِأنَّكم رَجَعْتُمْ لِخَلَلٍ ظَهَرَ لَكُمْ، والمُرادُ بِالطّائِفَةِ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ قالا لِأصْحابِهِما لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ: آمِنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ وصَلُّوا إلَيْها أوَّلَ النَّهارِ ثُمَّ وصَلُّوا إلى الصَّخْرَةِ آخِرَهُ لَعَلَّهم يَقُولُونَ هم أعْلَمُ مِنّا وقَدْ رَجَعُوا فَيَرْجِعُونَ. وقِيلَ اثْنا عَشَرَ مِن أحْبارِ خَيْبَرَ تَقاوَلُوا بِأنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ أوَّلَ النَّهارِ ويَقُولُوا آخِرَهُ نَظَرْنا في كِتابِنا وشاوَرْنا عُلَماءَنا فَلَمْ نَجِدْ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّعْتِ الَّذِي ورَدَ في التَّوْراةِ لَعَلَّ أصْحابَهُ يَشُكُّونَ فِيهِ.

3:73–74Page 59

وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤۡتَىٰٓ أَحَدٞ مِّثۡلَ مَآ أُوتِيتُمۡ أَوۡ يُحَآجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٧٣

And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allāh. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand1 of Allāh - He grants it to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Wise."

يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤

He selects for His mercy whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.

﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ولا تُقِرُّوا عَنْ تَصْدِيقِ قَلْبٍ إلّا لِأهْلِ دِينِكُمْ، أوْ لا تُظْهِرُوا إيمانَكم وجْهَ النَّهارِ لِمَن كانَ عَلى دِينِكم فَإنَّ رُجُوعَهم أرْجى وأهَمُّ. ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ هو يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الإيمانِ ويُثْبِتُهُ عَلَيْهِ. ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ دَبَّرْتُمْ ذَلِكَ وقُلْتُمْ لَأنْ يُؤْتى أحَدٌ، والمَعْنى أنَّ الحَسَدَ حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ أوْ بِلا تُؤْمِنُوا أيْ ولا تُظْهِرُوا إيمانَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِأشْياعِكُمْ، ولا تُفْشُوهُ إلى المُسْلِمِينَ لِئَلّا يَزِيدَ ثَباتُهم ولا إلى المُشْرِكِينَ لِئَلّا يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وقَوْلُهُ:

﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ اعْتِراضٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَيْدَهم لا يُجْدِي بِطائِلٍ، أوْ خَبَرُ إنَّ عَلى أنَّ هُدى اللَّهِ بَدَلٌ مِنَ الهُدى. وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ﴿أنْ يُؤْتى﴾ عَلى الِاسْتِفْهامِ لِلتَّقْرِيعِ، تُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ أيْ إلّا أنْ يُؤْتى أحَدٌ دَبَّرْتُمْ. وقُرِئَ «إنْ» عَلى أنَّها نافِيَةٌ فَيَكُونُ مِن كَلامِ الطّائِفَةِ أيْ ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ وقُولُوا لَهم ما يُؤْتى ﴿أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْ يُؤْتى عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ وعَلى الثّالِثِ مَعْناهُ: حَتّى يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم فَيَدْحَضُوا حُجَّتَكم عِنْدَ رَبِّكُمْ، والواوُ ضَمِيرُ أحَدٍ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ إذِ المُرادُ بِهِ غَيْرُ أتْباعِهِمْ. ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾

﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما زَعَمُوهُ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ.

3:75Page 59

۞ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥

And among the People of the Scripture is he who, if you entrust him with a great amount [of wealth], he will return it to you. And among them is he who, if you entrust him with a [single] coin, he will not return it to you unless you are constantly standing over him [demanding it]. That is because they say, "There is no blame upon us concerning the unlearned."1 And they speak untruth about Allāh while they know [it].

﴿وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ اسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا فَأدّاهُ إلَيْهِ، ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ كَفِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ اسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ آخَرُ دِينارًا (p-24)

فَجَحَدَهُ. وقِيلَ المَأْمُونُونَ عَلى الكَثِيرِ النَّصارى إذِ الغالِبُ فِيهِمُ الأمانَةُ، والخائِنُونَ في القَلِيلِ اليَهُودُ إذِ الغالِبُ عَلَيْهِمُ الخِيانَةُ. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ولا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ بِإسْكانِ الهاءِ وقالُونَ بِاخْتِلاسِ كَسْرَةِ الهاءِ وكَذا رُوِيَ عَنْ حَفْصٍ والباقُونَ بِإشْباعِ الكَسْرَةِ. ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ إلّا مُدَّةَ دَوامِكَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ مُبالِغًا في مُطالَبَتِهِ بِالتَّقاضِي والتَّرافُعِ وإقامَةِ البَيِّنَةِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى تَرْكِ الأداءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ لا يُؤَدِّهِ. ﴿بِأنَّهم قالُوا﴾ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ. ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْنا في شَأْنِ مَن لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَكُونُوا عَلى دِينِنا، عِتابٌ وذَمٌّ. ﴿وَيَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِادِّعائِهِمْ ذَلِكَ ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم كاذِبُونَ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَحَلُّوا ظُلْمَ مَن خالَفَهم وقالُوا: لَمْ يُجْعَلْ لَهم في التَّوْراةِ حُرْمَةٌ. وقِيلَ عامَلَ اليَهُودُ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ فَلَمّا أسْلَمُوا تَقاضُوهم فَقالُوا سَقَطَ حَقُّكم حَيْثُ تَرَكْتُمْ دِينَكم وزَعَمُوا أنَّهُ كَذَلِكَ في كِتابِهِمْ.

وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ عِنْدَ نُزُولِها «كَذِبَ أعْداءُ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمِي إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ».»

3:76Page 59

بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧٦

But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allāh - then indeed, Allāh loves those who fear Him.

﴿بَلى﴾ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ أيْ بَلى عَلَيْهِمْ فِيهِمْ سَبِيلٌ. ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي سَدَّتْ بَلى مَسَدَّها، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِمَن أوْ لِلَّهِ وعُمُومُ المُتَّقِينَ نابَ عَنِ الرّاجِعِ مِنَ الجَزاءِ إلى مَن، وأشْعُرُ بِأنَّ التَّقْوى مَلاكُ الأمْرِ وهو يَعُمُّ الوَفاءَ وغَيْرَهُ مِن أداءِ الواجِباتِ والِاجْتِنابِ عَنِ المَناهِي.

3:77Page 59

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٧

Indeed, those who exchange the covenant of Allāh and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allāh will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ يَسْتَبْدِلُونَ. ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِالرَّسُولِ والوَفاءِ بِالأماناتِ. ﴿وَأيْمانِهِمْ﴾ وبِما حَلَفُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ واللَّهِ لِنُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَنَنْصُرَنَّهُ، ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مَتاعَ الدُّنْيا. ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ بِما يَسُرُّهم أوْ بِشَيْءٍ أصْلًا، وأنَّ المَلائِكَةَ يَسْألُونَهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا يَنْتَفِعُونَ بِكَلِماتِ اللَّهِ وآياتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَإنَّ مَن سَخِطَ عَلى غَيْرِهِ واسْتَهانَ بِهِ أعْرَضَ عَنْهُ وعَنِ التَّكَلُّمِ مَعَهُ والِالتِفاتِ نَحْوَهُ، كَما أنَّ مَنِ اعْتَدَّ بِغَيْرِهِ يُقاوِلُهُ ويُكْثِرُ النَّظَرَ إلَيْهِ. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عَلى ما فَعَلُوهُ. قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أحْبارٍ حَرَّفُوا التَّوْراةَ وبَدَّلُوا نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ وحُكْمَ الأماناتِ وغَيْرَهُما وأخَذُوا عَلى ذَلِكَ رَشْوَةً. وقِيلَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ أقامَ سِلْعَةً في السُّوقِ فَحَلَفَ لَقَدِ اشْتَراها بِما لَمْ يَشْتَرِها بِهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في تَرافُعٍ كانَ بَيْنَ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ويَهُودِيٍّ في بِئْرٍ أوْ أرْضٍ وتَوَجَّهَ الحَلِفُ عَلى اليَهُودِيِّ.

3:78Page 60

وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٨

And indeed, there is among them a party who alter the Scripture with their tongues so you may think it is from the Scripture, but it is not from the Scripture. And they say, "This is from Allāh," but it is not from Allāh. And they speak untruth about Allāh while they know.

﴿وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا﴾ يَعْنِي المُحَرِّفِينَ كَكَعْبٍ ومالِكٍ وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ. ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ يَفْتِلُونَها بِقِراءَتِهِ فَيُمِيلُونَها عَنِ المَنزِلِ إلى المُحَرَّفِ، أوْ يَعْطِفُونَها بِشِبْهِ الكِتابِ. وقُرِئَ «يَلْوُنَ» عَلى قَلْبِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً ثُمَّ تَخْفِيفُها بِحَذْفِها وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى السّاكِنِ قَبْلَها. ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمُحَرَّفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ يَلْوُونَ. وقُرِئَ «لِيَحْسَبُوهُ» بِالياءِ والضَّمِيرُ أيْضًا لِلْمُسْلِمِينَ.

﴿وَيَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وما هو مِنَ الكِتابِ وتَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ وبَيانٌ لِأنَّهم (p-25)يَزْعُمُونَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا لا تَعْرِيضًا، أيْ لَيْسَ هو نازِلًا مِن عِنْدِهِ. وهَذا لا يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ فِعْلُ العَبْدِ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى. ﴿وَيَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ تَأْكِيدٌ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ والتَّعَمُّدِ فِيهِ.

3:79Page 60

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩

It is not for a human [prophet]1 that Allāh should give him the Scripture2 and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allāh," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."

﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تَكْذِيبٌ ورَدٌّ عَلى عَبْدِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

وَقِيلَ « (أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ والسَّيِّدَ النَّجْرانِيَّ قالا: يا مُحَمَّدُ أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ رَبًّا، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ وأنْ نَأْمُرَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَما بِذَلِكَ بَعَثَنِي ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي فَنَزَلَتْ).»

وَقِيلَ: « (قالَ رَجُلٌ يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ أفَلا نَسْجُدُ لَكَ. قالَ: لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ).» ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ ولَكِنْ يَقُولُ كُونُوا رَبّانِيِّينَ، والرَّبّانِيُّ مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ بِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ كاللِّحْيانِي والرُّقْبانِيِّ وهو الكامِلُ في العِلْمِ والعَمَلِ. ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُعَلِّمِينَ الكِتابَ وبِسَبَبِ كَوْنِكم دارِسِينَ لَهُ، فَإنَّ فائِدَةَ التَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ مَعْرِفَةُ الحَقِّ والخَيْرِ لِلِاعْتِقادِ والعَمَلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ تَعْلَمُونَ بِمَعْنى عالِمِينَ. وقُرِئَ «تَدْرُسُونَ» مِنَ التَّدْرِيسِ وتَدْرُسُونَ مِن أدْرُسُ بِمَعْنى دَرَسَ كَأكْرَمَ وكَرَمَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ أيْضًا بِهَذا المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَهُ عَلى النّاسِ.

3:80Page 60

وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠

Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?

﴿وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ نَصَبَهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ عَطْفًا عَلى ثُمَّ يَقُولَ، وتَكُونُ لا مَزِيدَةً لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ في قَوْلِهِ ما كانَ، أيْ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَسْتَنْبِئَهُ اللَّهُ ثُمَّ يَأْمُرُ النّاسَ بِعِبادَةِ نَفْسِهِ ويَأْمُرُ بِاتِّخاذِ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، أوْ غَيْرَ مَزِيدَةٍ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَأْمُرَ بِعِبادَتِهِ ولا يَأْمُرَ بِاتِّخاذِ أكْفائِهِ أرْبابًا، بَلْ يَنْهى عَنْهُ وهو أدْنى مِنَ العِبادَةِ. ورَفَعَهُ الباقُونَ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويَحْتَمِلُ الحالَ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو عَلى أصْلِهِ بِرِوايَةِ الدُّورِيِّ بِاخْتِلاسِ الضَّمِّ. ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ إنْكارٌ، والضَّمِيرُ فِيهِ لِلْبَشَرِ وقِيلَ لِلَّهِ.

﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ وهُمُ المُسْتَأْذِنُونَ لِأنْ يَسْجُدُوا لَهُ.

3:81Page 60

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨١

And [recall, O People of the Scripture], when Allāh took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allāh] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?"1 They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."

﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ قِيلَ إنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، وإذا كانَ هَذا حُكْمَ الأنْبِياءِ كانَ الأُمَمُ بِهِ أوْلى. وقِيلَ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِنَ النَّبِيِّينَ وأُمَمِهِمْ واسْتَغْنى بِذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِ الأُمَمِ. وقِيلَ إضافَةُ المِيثاقِ إلى النَّبِيِّينَ إضافَتُهُ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ الَّذِي وثَّقَهُ الأنْبِياءُ عَلى أُمَمِهِمْ. وقِيلَ المُرادُ أوْلادُ النَّبِيِّينَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ، أوْ سَمّاهم نَبِيِّينَ تَهَكُّمًا لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ لِأنّا أهْلُ الكِتابِ والنَّبِيُّونَ كانُوا مِنّا، واللّامُ في لَما مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ بِمَعْنى الِاسْتِحْلافِ، وما تَحْتَمِلُ الشَّرْطِيَّةَ ولَتُؤْمِنُنَّ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ وتَحْتَمِلُ الخَبَرِيَّةَ. وقَرَأ حَمْزَةُ «لِما» بِالكَسْرِ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ لِأجْلِ إيتائِي إيّاكم بَعْضَ الكِتابِ، ثُمَّ مَجِيءُ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لَهُ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ، أوْ مَوْصُولَةٌ والمَعْنى أخَذَهُ لِلَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ وجاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَهُ. وقُرِئَ «لَمّا» بِمَعْنى حِينَ (p-26)آتَيْتُكُمْ، أوْ لَمِن أجْلِ ما آتَيْتُكم عَلى أنَّ أصْلَهُ لَمِن ما بِالإدْغامِ فَحَذَفَ إحْدى المِيماتِ الثَّلاثِ اسْتِثْقالًا. وقَرَأ نافِعٌ «آتَيْناكُمْ» بِالنُّونِ والألِفِ جَمِيعًا. ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ أيْ عَهْدِي، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يُؤْصَرُ أيْ يُشَدُّ. وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو إمّا لُغَةٌ فِيهِ كَعِبَرٍ وعَبْرٍ أوْ جَمْعُ إصارٍ وهو ما يُشَدُّ بِهِ. ﴿قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا﴾ أيْ فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِالإقْرارِ. وقِيلَ الخِطابُ فِيهِ لِلْمَلائِكَةِ. ﴿وَأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ وأنا أيْضًا عَلى إقْرارِكم وتَشاهُدِكم شاهِدٌ، وهو تَوْكِيدٌ وتَحْذِيرٌ عَظِيمٌ.

3:82–83Page 60

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٨٢

And whoever turned away after that - they were the defiantly disobedient.

أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٨٣

So is it other than the religion of Allāh they desire, while to Him have submitted [all] those within the heavens and earth, willingly or by compulsion, and to Him they will be returned?

﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بَعْدَ المِيثاقِ والتَّوْكِيدِ بِالإقْرارِ والشَّهادَةِ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكَفَرَةِ.

﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ والهَمْزَةُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَهُما لِلْإنْكارِ، أوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أتَتَوَلُّونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ والفِعْلُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ عِنْدَ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ ويَعْقُوبَ، وبِالتّاءِ عِنْدَ الباقِينَ عَلى تَقْدِيرِ وقُلْ لَهُ. ﴿وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ أيْ طائِعِينَ بِالنَّظَرِ واتِّباعِ الحُجَّةِ، وكارِهِينَ بِالسَّيْفِ ومُعايِنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ كَنَتْقِ الجَبَلِ وإدْراكِ الغَرَقِ، والإشْرافِ عَلى المَوْتِ. أوْ مُخْتارِينَ كالمَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ ومُسَخَّرِينَ كالكَفَرَةِ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَمْتَنِعُوا عَمّا قَضى عَلَيْهِمْ ﴿وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِمَن.

3:84Page 61

قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٨٤

Say, "We have believed in Allāh and in what was revealed to us and what was revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, and the Descendants [al-Asbāṭ], and in what was given to Moses and Jesus and to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [submitting] to Him."

﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ ومُتابِعِيهِ بِالإيمانِ، والقُرْآنُ كَما هو مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَوَسُّطِ تَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ وأيْضًا المَنسُوبُ إلى واحِدٍ مِنَ الجَمْعِ قَدْ يُنْسَبُ إلَيْهِمْ، أوْ بِأنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ عَلى طَرِيقَةِ المُلُوكِ إجْلالًا لَهُ، والنُّزُولُ كَما يُعَدّى بِإلى لِأنَّهُ يَنْتَهِي إلى الرُّسُلِ يُعَدّى بِعَلى لِأنَّهُ مِن فَوْقُ، وإنَّما قَدَّمَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المُنْزَلِ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ لِأنَّهُ المُعَرِّفُ لَهُ والعِيارُ عَلَيْهِ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ أوْ مُخْلِصُونَ في عِبادَتِهِ.

3:85Page 61

وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥

And whoever desires other than Islām as religion - never will it be accepted from him, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ أيْ غَيْرَ التَّوْحِيدِ والِانْقِيادِ لِحُكْمِ اللَّهِ. ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الواقِعِينَ في الخُسْرانِ، والمَعْنى أنَّ المُعْرِضَ عَنِ الإسْلامِ والطّالِبَ لِغَيْرِهِ فاقِدٌ لِلنَّفْعِ واقِعٌ في الخُسْرانِ بِإبْطالِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الإسْلامُ إذْ لَوْ كانَ غَيْرَهُ لَمْ يُقْبَلْ. والجَوابُ إنَّهُ يَنْفِي قَبُولَ كُلِّ دِينٍ يُغايِرُهُ لا قَبُولَ كُلِّ ما يُغايِرُهُ، ولَعَلَّ الدِّينَ أيْضًا لِلْأعْمالِ.

3:86Page 61

كَيۡفَ يَهۡدِي ٱللَّهُ قَوۡمٗا كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٦

How shall Allāh guide a people who disbelieved after their belief and had witnessed that the Messenger is true and clear signs had come to them? And Allāh does not guide the wrongdoing people.

﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ اسْتِبْعادٌ لِأنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ فَإنَّ الحائِدَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ ما وضُحَ لَهُ مُنْهَمِكٌ في الضَّلالِ بَعِيدٌ عَنِ الرَّشادِ. وقِيلَ نَفْيٌ وإنْكارٌ لَهُ وذَلِكَ (p-27)يَقْتَضِي أنْ لا تُقْبَلَ تَوْبَةُ المُرْتَدِّ، وشَهِدُوا عُطِفَ عَلى ما في إيمانِهِمْ مِن مَعْنى الفِعْلِ ونَظِيرُهُ فَأصَّدَّقُ وأكُنْ، أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ مَن كَفَرُوا وهو عَلى الوَجْهَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ خارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الإيمانِ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالإخْلالِ بِالنَّظَرِ ووَضَعَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ فَكَيْفَ مَن جاءَهُ الحَقُّ وعَرَفَهُ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهُ.

3:87–88Page 61

أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمۡ أَنَّ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةَ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ٨٧

Those - their recompense will be that upon them is the curse of Allāh and the angels and the people, all together,

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٨

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved,

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِهِمْ، وبِمَفْهُومِهِ عَلى نَفْيِ جَوازِ لَعْنِ غَيْرِهِمْ. ولَعَلَّ الفَرْقَ أنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلى الكُفْرِ مَمْنُوعُونَ عَنِ الهُدى مُؤَيَّسُونَ عَنِ الرَّحْمَةِ رَأْسًا بِخِلافِ غَيْرِهِمْ، والمُرادُ بِالنّاسِ المُؤْمِنُونَ أوِ العُمُومُ فَإنَّ الكافِرَ أيْضًا يَلْعَنُ مُنْكِرَ الحَقِّ والمُرْتَدَّ عَنْهُ ولَكِنْ لا يَعْرِفُ الحَقَّ بِعَيْنِهِ.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ في اللَّعْنَةِ، أوِ العُقُوبَةِ، أوِ النّارِ وإنْ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُما لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما. ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾

3:89Page 61

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٨٩

Except for those who repent after that1 and correct themselves. For indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ الِارْتِدادِ. ﴿وَأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا، ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ لَهُ مَفْعُولٌ بِمَعْنى ودَخَلُوا في الصَّلاحِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ. ﴿رَحِيمٌ﴾ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوِيدٍ حِينَ نَدِمَ عَلى رِدَّتِهِ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنْ سَلُوا هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ أخُوهُ الجُلاسُ بِالآيَةِ فَرَجَعَ إلى المَدِينَةِ فَتابَ.

3:90Page 61

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ٩٠

Indeed, those who disbelieve [i.e., reject the message] after their belief and then increase in disbelief - never will their [claimed] repentance be accepted, and they are the ones astray.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ كاليَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ بَعْدَ الإيمانِ بِمُوسى والتَّوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ، أوْ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ بَعْدَ ما آمَنُوا بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالإصْرارِ والعِنادِ والطَّعْنِ فِيهِ والصَّدِّ عَنِ الإيمانِ ونَقْضِ المِيثاقِ، أوْ كَقَوْمٍ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِقَوْلِهِمْ نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ رَيْبَ المَنُونِ أوْ نَرْجِعُ إلَيْهِ ونُنافِقُهُ بِإظْهارِهِ. ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ، أوْ لا يَتُوبُونَ إلّا إذا أشْرَفُوا عَلى الهَلاكِ فَكُنِّيَ عَنْ عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ بِعَدَمِ قَبُولِها تَغْلِيظًا في شَأْنِهِمْ وإبْرازًا لِحالِهِمْ في صُورَةِ حالِ الآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ، أوْ لِأنَّ تَوْبَتَهم لا تَكُونُ إلّا نِفاقًا لِارْتِدادِهِمْ وزِيادَةِ كُفْرِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ فِيهِ.

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ الثّابِتُونَ عَلى الضَّلالِ.

3:91Page 61

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٩١

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ لِما كانَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ سَبَبًا لِامْتِناعِ قَبُولِ الفِدْيَةِ أدْخَلَ الفاءَ ها هُنا لِلْإشْعارِ بِهِ، ومِلْءُ الشَّيْءِ ما يَمْلَؤُهُ. وذَهَبًا نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مِلْءٍ أوِ الخَبَرِ لِمَحْذُوفٍ. ﴿وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَوْ تَقَرَّبَ بِهِ في الدُّنْيا ولَوِ افْتَدى بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، أوِ المُرادُ ولَوِ افْتَدى (p-28)بِمِثْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ والمِثْلُ يُحْذَفُ ويُرادُ كَثِيرًا لِأنَّ المِثْلَيْنِ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ وإقْناطٌ لِأنَّ مَن لا يُقْبَلُ مِنهُ الفِداءُ رُبَّما يُعْفى عَنْهُ تَكَرُّمًا ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ في دَفْعِ العَذابِ ومِن مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ.

3:92Page 62

لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٩٢

Never will you attain the good [reward]1 until you spend [in the way of Allāh] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allāh is Knowing of it.

﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾ أيْ لَنْ تَبْلُغُوا حَقِيقَةَ البِرِّ الَّذِي هو كَمالُ الخَيْرِ، أوْ لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللَّهِ الَّذِي هو الرَّحْمَةُ والرِّضى والجَنَّةُ. ﴿حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ أيْ مِنَ المالِ، أوْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرُهُ كَبَذْلِ الجاهِ في مُعاوَنَةِ النّاسِ، والبَدَنِ في طاعَةِ اللَّهِ والمُهْجَةِ في سَبِيلِهِ.

رُوِيَ « (أنَّها لَمّا نَزَلَتْ جاءَ أبُو طَلْحَةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بَيْرُحاءُ فَضَعْها حَيْثُ أراكَ اللَّهُ، فَقالَ: بَخٍ بَخٍ ذاكَ مالٌ رابِحٌ أوْ رائِحٌ، وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ).» «وَجاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ كانَ يُحِبُّها فَقالَ: هَذِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَحَمَلَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَقالَ: زَيْدٌ إنَّما أرَدْتُ أنْ أتَصَدَّقَ بِها فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَها مِنكَ.»

أوْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ إنْفاقَ أحَبِّ الأمْوالِ عَلى أقْرَبِ الأقارِبِ أفْضَلُ، وأنَّ الآيَةَ تَعُمُّ الإنْفاقَ الواجِبَ والمُسْتَحَبَّ. وقُرِئَ «بَعْضَ ما تُحِبُّونَ» وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ ويَحْتَمِلُ التَّبْيِينَ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾ أيْ مِن أيِّ شَيْءٍ مَحْبُوبٍ أوْ غَيْرِهِ ومِن لِبَيانِ ما. ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ.

3:93Page 62

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلّٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسۡرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ مِن قَبۡلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوۡرَىٰةُۚ قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٩٣

All food was lawful to the Children of Israel except what Israel [i.e., Jacob] had made unlawful to himself before the Torah was revealed. Say, [O Muḥammad], "So bring the Torah and recite it, if you should be truthful."

﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ أيِ المَطْعُوماتِ والمُرادُ أكْلُها. ﴿كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ حَلالًا لَهُمْ، وهو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ قالَ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ ﴿إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ﴾ يَعْقُوبُ. ﴿عَلى نَفْسِهِ﴾ كَلُحُومِ الإبِلِ وألْبانِها. وقِيلَ كانَ بِهِ عِرْقُ النَّسا فَنَذَرَ إنْ شُفِيَ لَمْ يَأْكُلْ أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ وكانَ ذَلِكَ أحَبَّهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِلتَّداوِي بِإشارَةِ الأطِبّاءِ. واحْتَجَّ بِهِ مَن جَوَّزَ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْتَهِدَ، ولِلْمانِعِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ فِيهِ فَهو كَتَحْرِيمِهِ ابْتِداءً. ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إنْزالِها مُشْتَمِلَةً عَلى تَحْرِيمِ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا، وذَلِكَ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ في دَعْوى البَراءَةِ مِمّا نَعى عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَتَيْنِ، بِأنْ قالُوا لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومِن بَعْدِهِ حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا فَحَرُمَتْ عَلَيْنا كَما حَرُمَتْ عَلى مَن قَبْلَنا، وفي مَنعِ النَّسْخِ والطَّعْنِ في دَعْوى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُوافَقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَحْلِيلِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أمْرٌ بِمُحاجَّتِهِمْ بِكِتابِهِمْ وتَبْكِيَتِهِمْ بِما فِيهِ مِن أنَّهُ قَدْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ما لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا.

رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَهُ لَهم بُهِتُوا ولَمْ يَجْسُرُوا أنْ يُخْرِجُوا التَّوْراةَ.» وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ.

3:94–95Page 62

فَمَنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩٤

And whoever invents about Allāh untruth after that - then those are [truly] the wrongdoers.

قُلۡ صَدَقَ ٱللَّهُۗ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٥

Say, "Allāh has told the truth. So follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of the polytheists."1

﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ ابْتَدَعَهُ عَلى اللَّهِ بِزَعْمِهِ أنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ومَن قَبْلَهم. ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعْدِ ما لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ الَّذِينَ لا يُنْصِفُونَ مِن أنْفُسِهِمْ ويُكابِرُونَ الحَقَّ بَعْدَ ما وضُحَ لَهم.

﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ، أيْ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ صادِقٌ فِيما أنْزَلَ وأنْتُمُ الكاذِبُونَ. ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ (p-29)حَنِيفًا﴾ أيْ مِلَّةَ الإسْلامِ الَّتِي هي في الأصْلِ مِلَّةُ إبْراهِيمَ، أوْ مِثْلُ مِلَّتِهِ حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِنَ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي اضْطَرَّتْكم إلى التَّحْرِيفِ والمُكابَرَةِ لِتَسْوِيَةِ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وألْزَمَتْكم تَحْرِيمَ طَيِّباتٍ أحَلَّها اللَّهُ لِإبْراهِيمَ ومَن تَبِعَهُ. ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اتِّباعَهُ واجِبٌ في التَّوْحِيدِ الصَّرْفِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ والتَّجَنُّبِ عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وتَعْرِيضٌ بِشِرْكِ اليَهُودِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском