Al-BaydawiFatir · 35:32–45

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Fatir 35:32–45

35:32Page 438

ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٣٢

Then We caused to inherit the Book those We have chosen of Our servants;1 and among them is he who wrongs himself [i.e., sins], and among them is he who is moderate, and among them is he who is foremost in good deeds by permission of Allāh. That [inheritance] is what is the great bounty.

﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ حَكَمْنا بِتَوْرِيثِهِ مِنكَ أوْ نُورِثُهُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ، أوْ أوْرَثْناهُ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والعَطْفُ عَلى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾، ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّوْرِيثِ. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ يَعْنِي عُلَماءَ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم، أوِ الأُمَّةَ بِأسْرِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ اصْطَفاهم عَلى سائِرِ الأُمَمِ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بِالتَّقْصِيرِ في العَمَلِ بِهِ. ﴿وَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ يَعْمَلُ بِهِ في غالِبِ الأوْقاتِ. ﴿وَمِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ بِضَمِّ التَّعْلِيمِ والإرْشادِ إلى العَمَلِ، وقِيلَ الظّالِمُ الجاهِلُ والمُقْتَصِدُ المُتَعَلِّمُ والسّابِقُ العالِمُ. وقِيلَ الظّالِمُ المُجْرِمُ والمُقْتَصِدُ الَّذِي خَلَطَ الصّالِحَ بِالسَّيِّئِ والسّابِقُ الَّذِي تَرَجَّحَتْ حَسَناتُهُ بِحَيْثُ صارَتْ سَيِّئاتُهُ مُكَفَّرَةً، وهو مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أمّا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ، وأمّا الَّذِينَ اقْتَصَدُوا فَأُولَئِكَ يُحاسَبُونَ حِسابًا يَسِيرًا، وأمّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأُولَئِكَ يُحْبَسُونَ في طُولِ المَحْشَرِ ثُمَّ يَتَلَقّاهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» .

وَقِيلَ الظّالِمُ الكافِرُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْعِبادِ، وتَقْدِيمُهُ لِكَثْرَةِ الظّالِمِينَ ولِأنَّ الظُّلْمَ بِمَعْنى الجَهْلِ والرُّكُونُ إلى الهَوى مُقْتَضى الجِبِلَّةِ والِاقْتِصادُ والسَّبْقُ عارَضانِ. ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْرِيثِ أوِ الِاصْطِفاءِ أوِ السَّبْقِ.

35:33–35Page 438

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٣٣

[For them are] gardens of perpetual residence which they will enter. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearls, and their garments therein will be silk.

وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٞ شَكُورٌ ٣٤

And they will say, "Praise to Allāh, who has removed from us [all] sorrow. Indeed, our Lord is Forgiving and Appreciative -

ٱلَّذِيٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلۡمُقَامَةِ مِن فَضۡلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٞ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٞ ٣٥

He who has settled us in the home of duration [i.e., Paradise] out of His bounty. There touches us not in it any fatigue, and there touches us not in it weariness [of mind]."

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والضَّمِيرُ لِلثَّلاثَةِ أوْ لِـ ( الَّذِينَ ) أوْ لِلْـ ( مُقْتَصِدٌ ) والـ ( سابِقٌ )، فَإنَّ المُرادَ بِهِما الجِنْسُ وقُرِئَ «جَنَّةُ عَدْنٍ» و «جَنّاتِ عَدْنٍ» مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( يُدْخَلُونَها ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقُرِئَ ( يُحَلَّوْنَ ) مِن حَلِيَتِ المَرْأةُ فَهي حالِيَةٌ. ﴿مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ ( مِن ) الأُولى لِلتَّبْعِيضِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْيِينِ. ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ عُطِفَ عَلى ( ذَهَبٍ ) أيْ ( مِن ذَهَبٍ ) مُرَصَّعٍ بِاللُّؤْلُؤِ، أوْ ( مِن ذَهَبٍ ) في صَفاءِ اللُّؤْلُؤِ ونَصَبَهُ نافِعٌ وعاصِمٌ رَحِمَهُما اللَّهُ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿مِن أساوِرَ﴾ . ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ .

﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ هَمَّهم مِن خَوْفِ العاقِبَةِ، أوْ هَمَّهم مِن أجْلِ المَعاشِ وآفاتِهِ (p-260)

أوْ مِن وسْوَسَةِ إبْلِيسَ وغَيْرِها، وقُرِئَ ( الحُزْنَ ) . ( وإنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ ) لِلْمُذْنِبِينَ. ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْمُطِيعِينَ.

﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾ دارَ الإقامَةِ. ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ مِن إنْعامِهِ وتَفَضُّلِهِ إذْ لا واجِبَ عَلَيْهِ. ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ تَعَبٌ. ﴿وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ كَلالٌ، إذْ لا تَكْلِيفَ فِيها ولا كَدَّ، أتْبَعَ نَفْيَ النَّصَبِ نَفْيَ ما يَتْبَعُهُ مُبالَغَةً.

35:36–37Page 438

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقۡضَىٰ عَلَيۡهِمۡ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي كُلَّ كَفُورٖ ٣٦

And for those who disbelieve will be the fire of Hell. [Death] is not decreed for them1 so they may die, nor will its torment be lightened for them. Thus do We recompense every ungrateful one.

وَهُمۡ يَصۡطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ أَوَلَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ٣٧

And they will cry out therein, "Our Lord, remove us;1 we will do righteousness - other than what we were doing!" But did We not grant you life enough for whoever would remember therein to remember, and the warner had come to you? So taste [the punishment], for there is not for the wrongdoers any helper.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ﴾ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِمَوْتٍ ثانٍ. ﴿فَيَمُوتُوا﴾ فَيَسْتَرِيحُوا، ونَصْبُهُ بِإضْمارٍ أنْ، وقُرِئَ «فَيَمُوتُونَ» عَطْفًا عَلى يُقْضى كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ . ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ بَلْ كُلَّما خَبَتْ زِيدَ إسْعارِها. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ. ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ مُبالِغٍ في الكُفْرِ أوِ الكُفْرانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «يُجْزى» عَلى بِناءِ المَفْعُولِ وإسْنادِهِ إلى ( كُلُّ )، وقُرِئَ «يُجازِي» .

﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ يَسْتَغِيثُونَ يَفْتَعِلُونَ مِنَ الصُّراخِ وهو الصِّياحُ اسْتُعْمِلَ في الِاسْتِغاثَةِ لِجَهْرِ المُسْتَغِيثِ صَوْتَهُ. ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ وتَقْيِيدُ العَمَلِ الصّالِحِ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ لِلتَّحَسُّرِ عَلى ما عَمِلُوهُ مِن غَيْرِ الصّالِحِ والِاعْتِرافِ بِهِ، والإشْعارُ بِأنَّ اسْتِخْراجَهم لِتَلافِيهِ وأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهُ صالِحٌ والآنَ تَحَقَّقَ لَهم خِلافُهُ. ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ جَوابٌ مِنَ اللَّهِ وتَوْبِيخٌ لَهم و ( ما يَتَذَكَّرُ ) فِيهِ مُتَناوِلٌ كُلَّ عُمُرٍ يُمَكَّنُ المُكَلَّفَ فِيهِ مِنَ التَّفَكُّرِ والتَّذَكُّرِ، وقِيلَ ما بَيْنَ العِشْرِينَ إلى السِّتِّينَ.

وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «العُمُرُ الَّذِي أعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إلى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً» . والعَطْفُ عَلى مَعْنى ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ فَإنَّهُ لِلتَّقْرِيرِ كَأنَّهُ قالَ: عَمَّرْناكم وجاءَكُمُ النَّذِيرُ وهو النَّبِيُّ ﷺ أوِ الكِتابُ، وقِيلَ العَقْلُ أوِ الشَّيْبُ أوْ مَوْتُ الأقارِبِ. ﴿فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ يَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم.

35:38–39Page 438

إِنَّ ٱللَّهَ عَٰلِمُ غَيۡبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٣٨

Indeed, Allāh is Knower of the unseen [aspects] of the heavens and earth. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ إِلَّا مَقۡتٗاۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ إِلَّا خَسَارٗا ٣٩

It is He who has made you successors upon the earth. And whoever disbelieves - upon him will be [the consequence of] his disbelief. And the disbelief of the disbelievers does not increase them in the sight of their Lord except in hatred; and the disbelief of the disbelievers does not increase them except in loss.

﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ أحْوالُهم. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ مُضْمَراتِ الصُّدُورِ وهي أخْفى ما يَكُونُ كانَ أعْلَمَ بِغَيْرِها.

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ مُلْقى إلَيْكم مَقالِيدُ التَّصَرُّفِ فِيها، وقِيلَ خَلَفًا بَعْدَ خَلَفٍ جَمْعُ خَلِيفَةٍ والخُلَفاءُ جَمْعُ خَلِيفٍ. ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ جَزاءُ كُفْرِهِ. ﴿وَلا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلا خَسارًا﴾ بَيانٌ لَهُ، والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اقْتِضاءَ الكُفْرِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ قُبْحِهِ ووُجُوبِ التَّجَنُّبِ عَنْهُ، والمُرادُ بِالمَقْتِ وهو أشَدُّ البُغْضِ مَقْتُ اللَّهِ وبِالخَسارِ خَسارُ الآخِرَةِ.

35:40Page 439

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا فَهُمۡ عَلَىٰ بَيِّنَتٖ مِّنۡهُۚ بَلۡ إِن يَعِدُ ٱلظَّٰلِمُونَ بَعۡضُهُم بَعۡضًا إِلَّا غُرُورًا ٤٠

Say, "Have you considered1 your 'partners' whom you invoke besides Allāh? Show me what they have created from the earth, or have they partnership [with Him] in the heavens? Or have We given them a book so they are [standing] on evidence therefrom? [No], rather, the wrongdoers do not promise each other except delusion."2

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي آلِهَتَهم والإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ (p-261)

أوْ لِأنْفُسِهِمْ فِيما يَمْلِكُونَهُ. ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ بَدَلٌ مِن ( أرَأيْتُمْ ) بَدَلَ الِاشْتِمالِ لِأنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي كَأنَّهُ قالَ: أخْبِرُونِي عَنْ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ أرُونِي أيَّ جُزْءٍ مِنَ الأرْضِ اسْتَبَدُّوا بِخَلْقِهِ. ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ أمْ لَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ في خَلْقِ السَّمَواتِ فاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ شَرِكَةً في الأُلُوهِيَّةِ ذاتِيَّةً. ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾ يَنْطِقُ عَلى أنّا اتَّخَذْناهم شُرَكاءَ. ﴿فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ عَلى حُجَّةٍ مِن ذَلِكَ الكِتابِ بِأنَّ لَهم شَرِكَةً جَعْلِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم لِلْمُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ والكِسائِيُّ ( عَلى بَيِّناتٍ ) فَيَكُونُ إيماءً إلى أنَّ الشِّرْكَ خَطِيرٌ لا بُدَّ فِيهِ مَن تَعاضَدِ الدَّلائِلِ. ﴿بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا﴾ لَمّا نَفى أنْواعَ الحُجَجِ في ذَلِكَ أضْرَبَ عَنْهُ بِذِكْرِ ما حَمَلَهم عَلَيْهِ وهو تَغْرِيرُ الأسْلافِ الأخْلافَ، أوِ الرُّؤَساءِ الأتْباعَ بِأنَّهم شُفَعاءُ عِنْدَ اللَّهِ يَشْفَعُونَ لَهم بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.

35:41Page 439

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُمۡسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ أَن تَزُولَاۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنۡ أَمۡسَكَهُمَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤١

Indeed, Allāh holds the heavens and the earth, lest they cease. And if they should cease, no one could hold them [in place] after Him. Indeed, He is Forbearing1 and Forgiving.

﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ كَراهَةَ أنْ تَزُولا فَإنَّ المُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ لا بُدَّ لَهُ مِن حافِظٍ، أوْ يَمْنَعُهُما أنْ تَزُولا لِأنَّ الإمْساكَ مَنعٌ. ﴿وَلَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ﴾ ما أمْسَكَهُما. ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ اللَّهِ أوْ مِن بَعْدِ الزَّوالِ، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ و ( مِن ) الأُولى زائِدَةٌ والثّانِيَةُ لِلِابْتِداءِ. ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ حَيْثُ أمْسَكَهُما وكانَتا جَدِيرَتَيْنِ بِأنْ تُهَدّا هَدًّا كَما قالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾ .

35:42–43Page 439

وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ لَّيَكُونُنَّ أَهۡدَىٰ مِنۡ إِحۡدَى ٱلۡأُمَمِۖ فَلَمَّا جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا ٤٢

And they swore by Allāh their strongest oaths that if a warner came to them, they would be more guided than [any] one of the [previous] nations. But when a warner came to them, it did not increase them except in aversion

ٱسۡتِكۡبَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَكۡرَ ٱلسَّيِّيِٕۚ وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِۦۚ فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلۡأَوَّلِينَۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗاۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحۡوِيلًا ٤٣

[Due to] arrogance in the land and plotting of evil; but the evil plot does not encompass except its own people. Then do they await except the way [i.e., fate] of the former peoples? But you will never find in the way [i.e., established method] of Allāh any change, and you will never find in the way of Allāh1 any alteration.2

﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ﴾ . وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا بَلَغَهم أنَّ أهْلَ الكِتابِ كَذَّبُوا رُسُلَهم قالُوا: لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى لَوْ أتانا رَسُولٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ، أيْ مِن واحِدَةٍ مِنَ الأُمَمِ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ، أوْ مِنَ الأُمَّةِ الَّتِي يُقالُ فِيها هي إحْدى الأُمَمِ تَفْضِيلًا لَها عَلى غَيْرِها في الهُدى والِاسْتِقامَةِ. ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿ما زادَهُمْ﴾ أيِ النَّذِيرُ أوْ مَجِيئُهُ عَلى التَّسَبُّبِ. ﴿إلا نُفُورًا﴾ تَباعُدًا عَنِ الحَقِّ.

﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ﴾ بَدَلٌ مِن ( نُفُورًا ) أوْ مَفْعُولٌ لَهُ. ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أصْلُهُ وإنْ مَكَرُوا المَكْرَ السَّيِّئَ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ اسْتِغْناءً بِوَصْفِهِ، ثُمَّ بُدِلَ أنْ مَعَ الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ، ثُمَّ أُضِيفَ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ في الوَصْلِ. ﴿وَلا يَحِيقُ﴾ ولا يُحِيطُ. ﴿المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ﴾ وهو الماكِرُ وقَدْ حاقَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقُرِئَ «وَلا يُحِيقُ المَكْرَ» أيْ ولا يُحِيقُ اللَّهُ. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ يَنْتَظِرُونَ. ﴿إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ﴾ سُنَّةَ اللَّهِ فِيهِمْ بِتَعْذِيبِ مُكَذِّبِيهِمْ. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ إذْ لا يُبَدِّلُها بِجَعْلِهِ غَيْرَ التَّعْذِيبِ تَعْذِيبًا ولا يُحَوِّلُها بِأنْ يَنْقُلَهُ مِنَ المُكَذِّبِينَ إلى غَيْرِهِمْ، وقَوْلُهُ:

35:44–45Page 439

أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَكَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعۡجِزَهُۥ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمٗا قَدِيرٗا ٤٤

Have they not traveled through the land and observed how was the end of those before them? And they were greater than them in power. But Allāh is not to be caused failure [i.e., prevented] by anything in the heavens or on the earth. Indeed, He is ever Knowing and Competent.

وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهۡرِهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرَۢا ٤٥

And if Allāh were to impose blame on the people for what they have earned, He would not leave upon it [i.e., the earth] any creature. But He defers them for a specified term. And when their time comes, then indeed Allāh has ever been, of His servants, Seeing.

﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ اسْتِشْهادُ عِلْمٍ بِما يُشاهِدُونَهُ في مَسايِرِهِمْ إلى الشّامِ واليَمَنِ والعِراقِ مِن آثارِ الماضِينَ. ﴿وَكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ﴾ لِيَسْبِقَهُ ويَفُوتَهُ. ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ إنَّهُ كانَ عَلِيمًا﴾ بِالأشْياءِ كُلِّها. ﴿قَدِيرًا﴾ عَلَيْها.

﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا﴾ مِنَ المَعاصِي. ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها﴾ ظَهْرِ الأرْضِ ﴿مِن دابَّةٍ﴾ مِن نَسَمَةٍ تَدُبُّ عَلَيْها بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ، وقِيلَ المُرادُ بِالدّابَّةِ الإنْسُ وحْدَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن قَرَأ سُورَةَ المَلائِكَةِ دَعَتْهُ ثَمانِيَةُ أبْوابِ الجَنَّةِ: أنِ ادْخُلْ مِن أيِّ بابٍ شِئْتَ» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском