Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:39–78
36:39–40Page 442
وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ ٣٩
And the moon - We have determined for it phases, until it returns [appearing] like the old date stalk.
لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٤٠
It is not allowable [i.e., possible] for the sun to reach the moon, nor does the night overtake the day, but each, in an orbit, is swimming.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ﴾ قَدَّرْنا مَسِيرَهُ. ﴿مَنازِلَ﴾ أوْ سَيَّرَهُ في مَنازِلَ وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ: الشَّرْطانِ، البُطَيْنُ، الثُّرَيّا، الدُّبْرانِ، الهَقْعَةُ، الهَنْعَةُ، الذِّراعُ، النَّثْرَةُ، الطَّرَفُ، الجَبْهَةُ، الزُّبْرَةُ، الصِّرْفَةُ، العُواءُ، السِّماكُ، الغَفْرُ، الزِّبانا، الإكْلِيلُ، القَلْبُ، الشَّوْلَةُ، النَّعائِمُ، البَلْدَةُ، سَعْدُ الذّابِحُ، سَعْدُ بُلَعَ، سَعْدُ السُّعُودِ، سَعْدُ الأخْبِيَةِ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُقَدَّمُ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرُ، الرِّشا، وهو بَطْنُ الحُوتِ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها لا يَتَخَطّاهُ ولا يَتَقاصَرُ عَنْهُ، فَإذا كانَ في آخِرِ مَنازِلِهِ وهو الَّذِي يَكُونُ فِيهِ قُبَيْلَ الِاجْتِماعِ دَقَّ واسْتَقْوَسَ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ ( والقَمَرَ ) بِنَصْبِ الرّاءِ. ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ﴾ كالشِّمْراخِ المُعْوَجِّ، فُعْلُونُ مِنَ الِانْعِراجِ وهو الِاعْوِجاجُ، وقُرِئَ «كالعَرْجُونِ» وهُما لُغَتانِ كالبُزْيُونِ والبَزْيُونِ. ﴿القَدِيمِ﴾ العَتِيقِ وقِيلَ ما مَرَّ عَلَيْهِ حَوْلٌ فَصاعِدًا.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها﴾ يَصِحُّ لَها ويَتَسَهَّلُ. ﴿أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ في سُرْعَةِ سَيْرِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِتَكَوُّنِ (p-269)
النَّباتِ وتَعَيُّشِ الحَيَوانِ، أوْ في آثارِهِ ومَنافِعِهِ أوْ مَكانِهِ بِالنُّزُولِ إلى مَحَلِّهِ، أوْ سُلْطانِهِ فَتَطْمِسُ نُورَهُ، وإيلاءُ حَرْفِ النَّفْيِ الشَّمْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها مُسَخَّرَةٌ لا يَتَيَسَّرُ لَها إلّا ما أُرِيدَ بِها. ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، وقِيلَ المُرادُ بِهِما آيَتاهُما وهُما النَّيِّرانِ، وبِالسَّبْقِ سَبْقُ القَمَرِ إلى سُلْطانِ الشَّمْسِ فَيَكُونُ عَكْسًا لِلْأوَّلِ وتَبْدِيلُ الإدْراكِ بِالسَّبْقِ لِأنَّهُ المُلائِمُ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ. ﴿وَكُلٌّ﴾ وكُلُّهم والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والضَّمِيرُ لِلشُّمُوسِ والأقْمارِ فَإنَّ اخْتِلافَ الأحْوالِ يُوجِبُ تَعَدُّدًا ما في الذّاتِ، أوْ لِلْكَواكِبِ فَإنَّ ذِكْرَهُما مُشْعِرٌ بِهِما. ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يَسِيرُونَ فِيهِ بِانْبِساطٍ.
36:41–42Page 443
وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ٤١
And a sign for them is that We carried their forefathers1 in a laden ship.
وَخَلَقۡنَا لَهُم مِّن مِّثۡلِهِۦ مَا يَرۡكَبُونَ ٤٢
And We created for them from the likes of it that which they ride.
﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أوْلادَهُمُ الَّذِينَ يَبْعَثُونَهم إلى تِجاراتِهِمْ، أوْ صِبْيانَهم ونِساءَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَصْحِبُونَهم، فَإنَّ الذُّرِّيَّةَ تَقَعُ عَلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ مَزارِعُها. وتَخْصِيصُهم لِأنَّ اسْتِقْرارَهم في السُّفُنِ أشَقُّ وتَماسُكَهم فِيها أعْجَبُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( ذُرِّيّاتِهِمْ ) . ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ المَمْلُوءِ، وقِيلَ المُرادُ فُلْكُ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَمْلُ اللَّهِ ذُرِّيّاتِهِمْ فِيها أنَّهُ حَمَلَ فِيها آباءَهُمُ الأقْدَمِينَ وفي أصْلابِهِمْ هم وذُرِّيّاتُهم، وتَخْصِيصُ الذُّرِّيَّةِ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الِامْتِنانِ وأدْخَلُ في التَّعَجُّبِ مَعَ الإيجازِ.
﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ﴾ مِن مِثْلِ الفُلْكِ. ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾ مِنَ الإبِلِ فَإنَّها سَفائِنُ البَرِّ أوْ مِنَ السُّفُنِ والزَّوارِقِ.
36:43–44Page 443
وَإِن نَّشَأۡ نُغۡرِقۡهُمۡ فَلَا صَرِيخَ لَهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنقَذُونَ ٤٣
And if We should will, We could drown them; then no one responding to a cry would there be for them, nor would they be saved
إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٤٤
Except as a mercy from Us and provision for a time.
﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ فَلا مُغِيثَ لَهم يَحْرُسُهم عَنِ الغَرَقِ، أوْ فَلا إغاثَةَ كَقَوْلِهِمْ أتاهُمُ الصَّرِيخُ. ﴿وَلا هم يُنْقَذُونَ﴾ يَنْجُونَ مِنَ المَوْتِ بِهِ.
﴿إلا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا﴾ إلّا لِرَحْمَةٍ ولِتَمْتِيعٍ بِالحَياةِ. ﴿إلى حِينٍ﴾ زَمانٍ قُدِّرَ لِآجالِهِمْ.
36:45–46Page 443
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٥
But when it is said to them, "Beware of what is before you and what is behind you;1 perhaps you will receive mercy..."2
وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤٦
And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they are from it turning away.
﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكُمْ﴾ الوَقائِعَ الَّتِي خَلَتْ أوِ العَذابَ المُعَدَّ في الآخِرَةِ، أوْ نَوازِلَ السَّماءِ ونَوائِبَ الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أوْ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ أوْ عَكْسِهِ، أوْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الذُّنُوبِ وما تَأخَّرَ. ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ لِتَكُونُوا راجِينَ رَحْمَةَ اللَّهِ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ كَأنَّهُ قالَ وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا العَذابَ أعْرَضُوا لِأنَّهُمُ اعْتادُوهُ وتَمَرَّنُوا عَلَيْهِ.
36:47Page 443
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٧
And when it is said to them, "Spend from that which Allāh has provided for you," those who disbelieve say to those who believe, "Should we feed one whom, if Allāh had willed, He would have fed? You are not but in clear error."
﴿وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ عَلى مَحاوِيجِكم. ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالصّانِعِ يَعْنِي مُعَطِّلَةً كانُوا بِمَكَّةَ. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ مِن إقْرارِهِمْ بِهِ وتَعْلِيقِهِمُ الأُمُورَ بِمَشِيئَتِهِ. ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ عَلى زَعْمِكم، وقِيلَ قالَهُ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ حِينَ اسْتَطْعَمَهم فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ إيهامًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا أنْ يُطْعِمَهم ولَمْ يُطْعِمْهم فَنَحْنُ أحَقُّ بِذَلِكَ، وهَذا مِن فَرْطِ جَهالَتِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ يُطْعِمُ بِأسْبابٍ مِنها حَثُّ الأغْنِياءِ عَلى إطْعامِ الفُقَراءِ وتَوْفِيقُهم لَهُ. ﴿إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ حَيْثُ أمَرْتُمُونا ما يُخالِفُ مَشِيئَةَ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ (p-270)
يَكُونَ جَوابًا مِنَ اللَّهِ لَهم أوْ حِكايَةً لِجَوابِ المُؤْمِنِينَ لَهم.
36:48–50Page 443
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ ٤٩
They do not await except one blast1 which will seize them while they are disputing.
فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ تَوۡصِيَةٗ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ يَرۡجِعُونَ ٥٠
And they will not be able [to give] any instruction, nor to their people can they return.
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يَعْنُونَ وعْدَ البَعْثِ.
﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ ما يَنْتَظِرُونَ. ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي النَّفْخَةُ الأُولى. ﴿تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ يَتَخاصَمُونَ في مَتاجِرِهِمْ ومُعامَلاتِهِمْ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أمْرُها كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وأصْلُهُ يَخْتَصِمُونَ فَسُكِّنَتِ التّاءُ وأُدْغِمَتْ ثُمَّ كُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ الياءِ لِلْإتْباعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وهِشامٌ بِفَتْحِ الخاءِ عَلى إلْقاءِ حَرَكَةِ التّاءِ إلَيْهِ، وأبُو عَمْرٍو وقالُونُ بِهِ مَعَ الِاخْتِلاسِ وعَنْ نافِعٍ الفَتْحُ فِيهِ والإسْكانُ والتَّشْدِيدُ وكَأنَّهُ جَوَّزَ الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ إذا كانَ الثّانِي مُدْغَمًا، وقَرَأ حَمْزَةُ ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ مِن خَصَمَهُ إذا جادَلَهُ.
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ. ﴿وَلا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ فَيَرَوْا حالَهم بَلْ يَمُوتُونَ حَيْثُ تَبْغَتُهم.
36:51–52Page 443
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ ٥١
And the Horn will be blown;1 and at once from the graves to their Lord they will hasten.
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٢
They will say, "O woe to us! Who has raised us up from our sleeping place?" [The reply will be], "This is what the Most Merciful had promised, and the messengers told the truth."
﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ أيْ مَرَّةً ثانِيَةً وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ «المُؤْمِنِينَ» . ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ مِنَ القُبُورِ جَمْعُ جَدَثٍ وقُرِئَ بِالفاءِ. ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يُسْرِعُونَ وقُرِئَ بِالضَّمِّ.
﴿قالُوا يا ويْلَنا﴾ وقُرِئَ «يا ويْلَتَنا» ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ وقُرِئَ «مَن أهَبَّنا» مِن هَبَّ مِن نَوْمِهِ إذا انْتَبَهَ ومَن هَبَّنا بِمَعْنى أهَبَّنا، وفِيهِ تَرْشِيحٌ ورَمْزٌ وإشْعارٌ بِأنَّهم لِاخْتِلاطِ عُقُولِهِمْ يَظُنُّونَ أنَّهم كانُوا نِيامًا، و ( مَن بَعَثَنا ) و «مَن هَبَّنا» عَلى مِنِ الجارَّةِ والمَصْدَرِ، وسَكَتَ حَفْصٌ وحْدَهُ عَلَيْها سَكْتَةً لَطِيفَةً والوَقْفُ عَلَيْها في سائِرِ القِراءاتِ حَسَنٌ. ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ و ( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ مَحْذُوفَةُ الرّاجِعِ، أوْ ( هَذا ) صِفَةٌ لِـ ( مَرْقَدِنا ) و ( ما وعَدَ ) خَبَرُ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ، أوْ ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ حَقٌّ وهو مِن كَلامِهِمْ، وقِيلَ جَوابٌ لِلْمَلائِكَةِ أوِ المُؤْمِنِينَ عَنْ سُؤالِهِمْ، مَعْدُولٌ عَنْ سُنَنِهِ تَذْكِيرًا لِكُفْرِهِمْ وتَقْرِيعًا لَهم عَلَيْهِ وتَنْبِيهًا بِأنَّ الَّذِي يُهِمُّهم هو السُّؤالُ عَنِ البَعْثِ دُونَ الباعِثِ كَأنَّهم قالُوا: بَعَثَكُمُ الرَّحْمَنُ الَّذِي وعَدَكُمُ البَعْثَ وأرْسَلَ إلَيْكُمُ الرُّسُلَ فَصَدَقُوكم ولَيْسَ الأمْرُ كَما تَظُنُّونَ، فَإنَّهُ لَيْسَ يُبْعَثُ النّائِمُ فَيُهِمُّكُمُ السُّؤالُ عَنِ الباعِثِ وإنَّما هو البَعْثُ الأكْبَرُ ذُو الأهْوالِ.
36:53–54Page 443
إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٥٣
It will not be but one blast, and at once they are all brought present before Us.
فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٤
So today [i.e., the Day of Judgement] no soul will be wronged at all, and you will not be recompensed except for what you used to do.
﴿إنْ كانَتْ﴾ ما كانَتِ الفِعْلَةُ. ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى كانَ التّامَّةِ.
﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ الصَّيْحَةِ وفي كُلِّ ذَلِكَ تَهْوِينُ أمْرِ البَعْثِ والحَشْرِ واسْتِغْناؤُهُما عَنِ الأسْبابِ الَّتِي يَنُوطانِ بِها فِيما يُشاهِدُونَهُ.
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حِكايَةً لِما يُقالُ لَهم حِينَئِذٍ تَصْوِيرًا لِلْمَوْعُودِ (p-271)
وَتَمْكِينًا لَهُ في النُّفُوسِ وكَذا قَوْلُهُ:
36:55–56Page 444
إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ ٥٥
Indeed the companions of Paradise, that Day, will be amused in [joyful] occupation -
هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ٥٦
They and their spouses - in shade, reclining on adorned couches.
﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ مُتَلَذِّذُونَ في النِّعْمَةِ مِنَ الفُكاهَةِ، وفي تَنْكِيرِ ( شُغُلٍ ) وإبْهامِهِ تَعْظِيمٌ لِما هم فِيهِ مِنَ البَهْجَةِ والتَّلَذُّذِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ أعْلى ما يُحِيطُ بِهِ الأفْهامُ ويُعْرِبُ عَنْ كُنْهِهِ الكَلامُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو في ( شُغْلٍ ) بِالسُّكُونِ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ «فَكِهُونَ» لِلْمُبالَغَةِ وهُما خِبْرانِ لِـ ( إنَّ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( في شُغُلٍ ) صِلَةً لِـ ( فاكِهُونَ )، وقُرِئَ «فُكُهُونَ» بِالضَّمِّ وهو لُغَةٌ كَنُطُسٍ ونَطِسٍ «وَفاكِهِينَ» «وَفَكِهِينَ» عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ، و ( شَغَلٍ ) بِفَتْحَتَيْنِ وفَتْحَةٍ وسُكُونٍ والكُلُّ لُغاتٌ.
﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ كَشِعابٍ أوْ ظُلَّةٍ كَقِبابٍ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ في «ظُلَلٍ» .
﴿عَلى الأرائِكِ﴾ عَلى السُّرُرِ المُزَيَّنَةِ. ( مُتَّكِئُونَ ) و ( هم ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( في ظِلالٍ )، و ( عَلى الأرائِكِ ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ والجارّانِ صِلَتانِ لَهُ، أوْ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في شُغُلٍ أوْ في فاكِهُونَ، وعَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ خَبَرٌ آخَرُ لَأنَّ و ( أزْواجُهم ) عُطِفَ عَلى ( هم ) لِلْمُشارَكَةِ في الأحْكامِ الثَّلاثَةِ، و ( في ظِلالٍ ) حالٌ مِنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
36:57–58Page 444
لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧
For them therein is fruit, and for them is whatever they request [or wish]
سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ ٥٨
[And] "Peace," a word from a Merciful Lord.
﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ ما يَدَّعُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ يَفْتَعِلُونَ مِنَ الدُّعاءِ كاشْتَوى واجْتَمَلَ إذا شَوى وجَمَّلَ لِنَفْسِهِ، أوْ ما يَتَداعُونَهُ كَقَوْلِكَ ارْتَمُوهُ بِمَعْنى تَرامَوْهُ، أوْ يَتَمَنَّوْنَ مِن قَوْلِهِمُ ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ بِمَعْنى تَمَنَّهُ عَلَيَّ، أوْ ما يَدَّعُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الجَنَّةِ ودَرَجاتِها و ( ما ) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ مُرْتَفِعَةٌ بِالِابْتِداءِ، و ( لَهم ) خَبَرُها وقَوْلُهُ:
( سَلامٌ ) بَدَلٌ مِنها أوْ صِفَةٌ أُخْرى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَها أوْ خَبَرُها مَحْذُوفٌ أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ ولَهم سَلامٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ أوِ الحالِ أيْ لَهم مُرادُهم خالِصًا. ﴿قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أيْ يَقُولُ اللَّهُ أوْ يُقالُ لَهم قَوْلًا كائِنًا مِن جِهَتِهِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ تَعْظِيمًا لَهم وذَلِكَ مَطْلُوبُهم ومُتَمَنّاهم، ويُحْتَمَلُ نَصْبُهُ عَلى الِاخْتِصاصِ.
36:59–61Page 444
وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٩
[Then He will say], "But stand apart today, you criminals.1
۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠
Did I not enjoin upon you, O children of Adam, that you not worship Satan - [for] indeed, he is to you a clear enemy -
وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١
And that you worship [only] Me? This is a straight path.
﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ وانْفَرِدُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ وذَلِكَ حِينَ يُسارُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ . وقِيلَ اعْتَزِلُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ أوْ تَفَرَّقُوا في النّارِ فَإنَّ لِكُلِّ كافِرٍ بَيْتًا يَنْفَرِدُ بِهِ لا يَرى ولا يُرى.
﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ لَهم تَقْرِيعًا وإلْزامًا لِلْحُجَّةِ، وعَهْدُهُ إلَيْهِمْ ما نُصِبَ لَهم مِنَ الحُجَجِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ الآمِرَةِ بِعِبادَتِهِ الزّاجِرَةِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ وجَعَلَها عِبادَةَ الشَّيْطانِ، لِأنَّهُ الآمِرُ بِها والمُزَيِّنُ لَها، وقُرِئَ «إعْهَدْ» بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ و «أحْهَدْ» و «أحَدْ» عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ.
﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْمَنعِ عَنْ عِبادَتِهِ بِالطّاعَةِ فِيما يَحْمِلُهم عَلَيْهِ.
﴿وَأنِ اعْبُدُونِي﴾ عُطِفَ عَلى ( أنْ لا تَعْبُدُوا ) . ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى ما عُهِدَ إلَيْهِمْ أوْ إلى عِبادَتِهِ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المُقْتَضِي لِلْعَهْدِ بِشِقَّيْهِ أوْ بِالشِّقِّ الآخَرِ، والتَّنْكِيرُ لِلْمُبالَغَةِ والتَّعْظِيمِ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ (p-272)
فَإنَّ التَّوْحِيدَ سُلُوكُ بَعْضِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ.
36:62–64Page 444
وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ ٦٢
And he had already led astray from among you much of creation, so did you not use reason?
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٦٣
This is the Hellfire which you were promised.
ٱصۡلَوۡهَا ٱلۡيَوۡمَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٦٤
[Enter to] burn therein today for what you used to deny."1
﴿وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ مُعاداةِ الشَّيْطانِ مَعَ ظُهُورِ عَداوَتِهِ ووُضُوحِ إضْلالِهِ لِمَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ ورَأْيٍ، والجِبِلُّ الخَلْقُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِضَمَّتَيْنِ وابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِما مَعَ تَخْفِيفِ اللّامِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِضَمَّةٍ وسُكُونٍ مَعَ التَّخْفِيفِ والكُلُّ لُغاتٌ، وقُرِئَ «جِبِلًّا» جَمْعُ جِبِلَّةٍ كَخِلْقَةٍ وخَلْقٍ و «جِيلًا» واحِدُ الأجْيالِ.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ .
﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ذُوقُوا حَرَّها اليَوْمَ بِكُفْرِكم في الدُّنْيا.
36:65–66Page 444
ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥
That Day, We will seal over their mouths, and their hands will speak to Us, and their feet will testify about what they used to earn.
وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ ٦٦
And if We willed, We could have obliterated their eyes, and they would race to [find] the path, and how could they see?1
﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ نَمْنَعُها عَنِ الكَلامِ. ﴿وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بِظُهُورِ آثارِ المَعاصِي عَلَيْها ودَلالَتِها عَلى أفْعالِها، أوْ إنْطاقِ اللَّهِ إيّاها وفي الحَدِيثِ «إنَّهم يَجْحَدُونَ ويُخاصِمُونَ فَيُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم» .
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ لَمَسَحْنا أعْيُنَهم حَتّى تَصِيرَ مَمْسُوحَةً. ﴿فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ فاسْتَبَقُوا إلى الطَّرِيقِ الَّذِي اعْتادُوا سُلُوكَهُ، وانْتِصابُهُ بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ بِتَضْمِينِ الِاسْتِباقِ مَعْنى الِابْتِدارِ، أوْ جَعْلُ المَسْبُوقِ إلَيْهِ مَسْبُوقًا عَلى الِاتِّساعِ أوْ بِالظَّرْفِ. ﴿فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ الطَّرِيقَ وجِهَةَ السُّلُوكِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ.
36:67–68Page 444
وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ ٦٧
And if We willed, We could have deformed them, [paralyzing them] in their places so they would not be able to proceed, nor could they return.1
وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ٦٨
And he to whom We grant long life We reverse in creation;1 so will they not understand?
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾ بِتَغْيِيرِ صُوَرِهِمْ وإبْطالِ قُواهم. ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ مَكانِهِمْ بِحَيْثُ يُجَمَّدُونَ فِيهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ «مَكاناتِهِمْ» . ﴿فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا﴾ ذَهابًا. ﴿وَلا يَرْجِعُونَ﴾ ولا رُجُوعًا فَوُضِعَ الفِعْلُ مَوْضِعَهُ لِلْفَواصِلِ، وقِيلَ ( لا يَرْجِعُونَ ) عَنْ تَكْذِيبِهِمْ، وقُرِئَ «مِضِيًّا» بِإتْباعِ المِيمِ الضّادَ المَكْسُورَةَ لِقَلْبِ الواوِ ياءً كالعِتِيِّ والعُتِيِّ و «مَضِيًّا» كَصَبِيِّ، والمَعْنى أنَّهم بِكُفْرِهِمْ ونَقْضِهِمْ ما عُهِدَ إلَيْهِمْ أحِقّاءُ بِأنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ لِشُمُولِ الرَّحْمَةِ لَهم واقْتِضاءِ الحِكْمَةِ إمْهالَهم.
﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ﴾ ومَن نُطِلْ عُمُرَهُ. ﴿نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ نَقْلِبْهُ فِيهِ فَلا يَزالُ يَتَزايَدُ ضَعْفُهُ وانْتِقاضُ بِنْيَتِهِ وقُواهُ عَكْسَ ما كانَ عَلَيْهِ بَدْءَ أمْرِهِ، وابْنُ كَثِيرٍ عَلى هَذِهِ يُشْبِعُ ضَمَّةَ الهاءِ عَلى أصْلِهِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ( نُنَكِّسْهُ ) مِنَ التَّنْكِيسِ وهو أبْلَغُ والنَّكْسِ أشْهَرُ. ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى الطَّمْسِ والمَسْخِ فَإنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِما وزِيادَةٌ غَيْرَ أنَّهُ عَلى تَدَرُّجٍ، وقَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ابْنِ عامِرٍ وابْنُ ذَكْوانَ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ لِجَرْيِ الخِطابِ قَبْلَهُ.
36:69–70Page 444
وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ ٦٩
And We did not give him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] knowledge of poetry, nor is it befitting for him. It is not but a message and a clear Qur’ān
لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا وَيَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٠
To warn whoever is alive1 and justify the word [i.e., decree] against the disbelievers.
﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ إنَّ مُحَمَّدًا شاعِرٌ أيْ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ، فَإنَّهُ لا يُماثِلُهُ لَفْظًا ولا مَعْنًى لِأنَّهُ غَيْرُ مُقَفّى ولا مَوْزُونٍ، ولَيْسَ مَعْناهُ ما يَتَوَخّاهُ الشُّعَراءُ مِنَ التَّخَيُّلاتِ المُرَغِّبَةِ والمُنَفِّرَةِ ونَحْوِها.
﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ وما يَصِحُّ لَهُ الشِّعْرُ ولا يَتَأتّى لَهُ إنْ أرادَ قَرْضَهُ عَلى ما خَبَرْتُمْ طَبْعَهُ نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» وقَوْلُهُ:
هَلْ أنَتَ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ
اتِّفاقِيٌّ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وقَصْدٍ مِنهُ إلى ذَلِكَ، وقَدْ يَقَعُ مِثْلُهُ كَثِيرًا في تَضاعِيفِ المَنثُوراتِ عَلى أنَّ الخَلِيلَ ما عَدَّ المَشْطُورَ مِنَ الرَّجِزِ شِعْرًا، هَذا وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ حَرَّكَ الباءَيْنِ وكَسَرَ التّاءَ الأُولى بِلا إشْباعٍ وسَكَّنَ الثّانِيَةَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْـ ( قُرْآنٌ ) أيْ وما يَصِحُّ لِلْقُرْآنِ أنْ يَكُونَ شِعْرًا. ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ﴾ عِظَةٌ وإرْشادٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ وكِتابٌ سَماوِيٌّ يُتْلى في المَعابِدِ، ظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ لِما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ ﷺ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ بِالتّاءِ. ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ عاقِلًا فَهْمًا فَإنَّ الغافِلَ كالمَيِّتِ، أوْ مُؤْمِنًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ بِالإيمانِ، وتَخْصِيصُ الإنْذارِ بِهِ لِأنَّهُ المُنْتَفَعُ بِهِ. ﴿وَيَحِقَّ القَوْلُ﴾ وتَجِبُ كَلِمَةُ العَذابِ. ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، وجَعَلَهم في مُقابَلَةِ مَن كانَ حَيًّا إشْعارًا بِأنَّهم لِكُفْرِهِمْ وسُقُوطِ حُجَّتِهِمْ وعَدَمِ تَأمُّلِهِمْ أمْواتٌ في الحَقِيقَةِ.
36:71–73Page 445
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ ٧١
Do they not see that We have created for them from what Our hands1 have made, grazing livestock, and [then] they are their owners?
وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ ٧٢
And We have tamed them for them, so some of them they ride, and some of them they eat.
وَلَهُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٧٣
And for them therein are [other] benefits and drinks, so will they not be grateful?
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ مِمّا تَوَلَّيْنا إحْداثَهُ ولَمْ يَقْدِرْ عَلى إحْداثِهِ غَيْرُنا، وذِكْرُ الأيْدِيِ وإسْنادُ العَمَلِ إلَيْها اسْتِعارَةٌ تُفِيدُ مُبالَغَةً في الِاخْتِصاصِ، والتَّفَرُّدَ بِالإحْداثِ. ﴿أنْعامًا﴾ خَصَّها بِالذِّكْرِ لِما فِيها مِن بَدائِعِ الفِطْرَةِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ. ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ مُتَمَلِّكُونَ لَها بِتَمْلِيكِنا إيّاها، أوْ مُتَمَكِّنُونَ مِن ضَبْطِها والتَّصَرُّفِ فِيها بِتَسْخِيرِنا إيّاها لَهم قالَ:
؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا. . . أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ وصَيَّرْناها مُنْقادَةً لَهم. ﴿فَمِنها رَكُوبُهُمْ﴾ مَرْكُوبُهم، وقُرِئَ «رَكُوبَتُهم»، وهي بِمَعْناهُ كالحَلُوبِ والحَلُوبَةِ، وقِيلَ جَمْعُهُ ورُكُوبُهم أيْ ذُو رُكُوبِهِمْ أوْ فَمِن مَنافِعِها رَكُوبُهم. ﴿وَمِنها يَأْكُلُونَ﴾ أيْ ما يَأْكُلُونَ لَحْمَهُ.
﴿وَلَهم فِيها مَنافِعُ﴾ مِنَ الجُلُودِ والأصْوافِ والأوْبارِ. ﴿وَمَشارِبُ﴾ مِنَ اللَّبَنِ جَمْعُ مَشْرَبٍ بِمَعْنى المَوْضِعِ، أوِ المَصْدَرُ وأمالَ الشِّينَ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِرِوايَةِ هِشامٍ. ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ نِعَمَ اللَّهِ في ذَلِكَ إذْ لَوْلا خَلْقُهُ لَها وتَذْلِيلُهُ إيّاها كَيْفَ أمْكَنَ التَّوَسُّلُ إلى تَحْصِيلِ هَذِهِ المَنافِعِ المُهِمَّةِ.
36:74–76Page 445
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يُنصَرُونَ ٧٤
But they have taken besides Allāh [false] deities that perhaps they would be helped.
لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ ٧٥
They are not able to help them, and they [themselves] are for them soldiers in attendance.1
فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٦
So let not their speech grieve you. Indeed, We know what they conceal and what they declare.
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ أشْرَكُوها بِهِ في العِبادَةِ بَعْدَ ما رَأوْا مِنهُ تِلْكَ القُدْرَةَ الباهِرَةَ والنِّعَمَ المُتَظاهِرَةَ، وعَلِمُوا أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِها. ﴿لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَنْصُرُوهم فِيما حَزَبَهم مِنَ الأُمُورِ والأمْرُ بِالعَكْسِ لِأنَّهم (p-274)
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهُمْ﴾ لِآلِهَتِهِمْ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ مُعَدُّونَ لِحِفْظِهِمْ والذَّبِّ عَنْهم، أوْ ( مُحْضِرُونَ ) أثَرَهم في النّارِ.
﴿فَلا يَحْزُنْكَ﴾ فَلا يَهُمُّكَ، وقُرِئَ بِضَمِّ الياءِ مِن أحْزَنَ. ﴿قَوْلُهُمْ﴾ في اللَّهِ بِالإلْحادِ والشِّرْكِ، أوْ فِيكَ بِالتَّكْذِيبِ والتَّهْجِينِ. ﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ فَنُجازِيهِمْ عَلَيْهِ وكَفى ذَلِكَ أنْ تَتَسَلّى بِهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى الِاسْتِئْنافِ ولِذَلِكَ لَوْ قُرِئَ ( أنّا ) بِالفَتْحِ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ جازَ.
36:77–78Page 445
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٧٧
Does man not consider that We created him from a [mere] sperm-drop - then at once1 he is a clear adversary?
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨
And he presents for Us an example1 and forgets his [own] creation. He says, "Who will give life to bones while they are disintegrated?"
﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ تَسْلِيَةٌ ثانِيَةٌ بِتَهْوِينِ ما يَقُولُونَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى إنْكارِهِمُ الحَشْرَ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ بَلِيغٌ لِإنْكارِهِ حَيْثُ عَجِبَ مِنهُ وجَعَلَهُ إفْراطًا في الخُصُومَةِ بَيِّنًا ومُنافاةً لِجُحُودِ القُدْرَةِ عَلى ما هو أهْوَنُ مِمّا عَمِلَهُ في بَدْءِ خَلْقِهِ، ومُقابَلَةُ النِّعْمَةِ الَّتِي لا مَزِيدَ عَلَيْها وهي خَلْقُهُ مِن أخَسِّ شَيْءٍ وأمْهَنِهِ شَرِيفًا مُكَرَّمًا بِالعُقُوقِ والتَّكْذِيبِ.
رُوِيَ «أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِعَظْمٍ بالٍ يُفَتِّتُهُ بِيَدِهِ وقالَ:
أتَرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَ ما رَمَّ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: نَعَمْ ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُكَ النّارَ فَنَزَلَتْ» .
وَقِيلَ مَعْنى ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ فَإذا هو بَعْدَ ما كانَ ماءً مَهِينًا مُمَيِّزٌ مِنطِيقٌ قادِرٌ عَلى الخِصامِ مُعْرِبٌ عَمّا في نَفْسِهِ.
﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾ أمْرًا عَجِيبًا وهو نَفْيُ القُدْرَةِ عَلى إحْياءِ المَوْتى، أوْ تَشْبِيهِهِ بِخَلْقِهِ بِوَصْفِهِ بِالعَجْزِ عَمّا عَجَزُوا عَنْهُ. ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ خَلْقَنا إيّاهُ. ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ مُنْكِرًا إيّاهُ مُسْتَبْعِدًا لَهُ، والرَّمِيمُ ما بَلِيَ مِنَ العِظامِ، ولَعَلَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن رَمَّ الشَّيْءُ صارَ اسْمًا بِالغَلَبَةِ ولِذَلِكَ لَمْ يُؤَنَّثْ، أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن رَمَمْتُهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَظْمَ ذُو حَياةٍ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ المَوْتُ كَسائِرِ الأعْضاءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences