Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:125–147
4:125–126Page 98
وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥
And who is better in religion than one who submits himself to Allāh while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allāh took Abraham as an intimate friend.
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا ١٢٦
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh, of all things, encompassing.
﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ لا يَعْرِفُ لَها رَبًّا سِواهُ. وقِيلَ بَذَلَ وجْهَهُ لَهُ في السُّجُودِ وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُنْتَهى ما تَبْلُغُهُ القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ آتٍ بِالحَسَناتِ تارِكٌ لِلسَّيِّئاتِ. ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ المُوافِقَةَ لِدِينِ الإسْلامِ المُتَّفَقَ عَلى صِحَّتِها ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنْ سائِرِ الأدْيانِ، وهو حالٌ مِنَ المُتَّبِعِ أوْ مِنَ المِلَّةِ أوْ إبْراهِيمَ. ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ اصْطَفاهُ وخَصَّصَهُ بِكَرامَةٍ تُشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ، وإنَّما أعادَ ذِكْرَهُ ولَمْ يُضْمَرْ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْصِيصًا عَلى أنَّهُ المَمْدُوحُ. والخُلَّةُ مِنَ الخِلالِ فَإنَّهُ وُدٌّ تَخَلَّلَ النَّفْسَ وخالَطَها. وقِيلَ مِنَ الخَلَلِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَلِيلَيْنِ يَسُدُّ خَلَلَ الآخَرِ، أوْ (p-100)مِنَ الخَلِّ وهو الطَّرِيقُ في الرَّمْلِ فَإنَّهُما يَتَرافَقانِ في الطَّرِيقَةِ، أوْ مِنَ الخَلَّةِ بِمَعْنى الخَصْلَةِ فَإنَّهُما يَتَوافَقانِ في الخِصالِ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِها لِلتَّرْغِيبِ في اتِّباعِ مِلَّتِهِ ﷺ والإيذانِ بِأنَّهُ نِهايَةٌ في الحُسْنِ وغايَةُ كَمالِ البَشَرِ.
رُوِيَ « (أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ إلى خَلِيلٍ لَهُ بِمِصْرَ في أزْمَةٍ أصابَتِ النّاسَ يَمْتارُ مِنهُ فَقالَ خَلِيلُهُ: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ يُرِيدُ لِنَفْسِهِ لَفَعَلْتُ، ولَكِنْ يُرِيدُ لِلْأضْيافِ وقَدْ أصابَنا ما أصابَ النّاسَ، فاجْتازَ غِلْمانُهُ بِبَطْحاءَ لَيِّنَةٍ فَمَلَؤُوا مِنها الغَرائِرَ حَياءٌ مِنَ النّاسِ فَلَمّا أخْبَرُوا إبْراهِيمَ ساءَهُ الخَبَرُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْناهُ فَنامَ وقامَتْ سارَّةُ إلى غِرارَةٍ مِنها فَأخْرَجَتْ حُوّارى واخْتَبَزَتْ، فاسْتَيْقَظَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فاشْتَمَّ رائِحَةَ الخُبْزِ فَقالَ: مِن أيْنَ لَكم هَذا؟ فَقالَتْ: مِن خَلِيلِكَ المِصْرِيِّ، فَقالَ: بَلْ هو مِن عِنْدِ خَلِيلِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَسَمّاهُ اللَّهُ خَلِيلًا» .
﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا يَخْتارُ مِنهُما مَن يَشاءُ وما يَشاءُ. وقِيلَ هو مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ العُمّالِ مُقَرِّرٌ لِوُجُوبِ طاعَتِهِ عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى مُجازاتِهِمْ عَلى الأعْمالِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ إحاطَةَ عِلْمٍ وقُدْرَةٍ فَكانَ عالِمًا بِأعْمالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلى خَيْرِها وشَرِّها.
4:127Page 98
وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا ١٢٧
And they request from you, [O Muḥammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allāh gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them1 - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allāh is ever Knowing of it.
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ في مِيراثِهِنَّ إذْ سَبَبُ نُزُولِهِ « (أنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أُخْبِرْنا أنَّكَ تُعْطِي الِابْنَةَ النِّصْفَ والأُخْتَ النِّصْفَ، وإنَّما كُنّا نُورِثُ مَن يَشْهَدُ القِتالَ ويَحُوزُ الغَنِيمَةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كَذَلِكَ أُمِرْتُ".»
﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَهُ فِيهِنَّ والإفْتاءُ تَبْيِينُ المُبْهَمِ. ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ عُطِفَ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ ضَمِيرِهِ المُسْتَكِنِّ في يُفْتِيكم وساغَ لِلْفَصْلِ فَيَكُونُ الإفْتاءُ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإلى ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ ونَحْوَهُ، والفِعْلُ الواحِدُ يُنْسَبُ إلى فاعِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِاعْتِبارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ونَظِيرُهُ أغْنانِي زَيْدٌ وعَطاؤُهُ، أوِ اسْتِئْنافٌ مُعْتَرِضٌ لِتَعْظِيمِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ عَلى أنَّ ما يُتْلى عَلَيْكم مُبْتَدَأٌ وفي الكِتابِ خَبَرُهُ. والمُرادُ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى مَعْنى ويُبَيِّنَ لَكم ما يُتْلى عَلَيْكم أوْ يُخْفَضَ عَلى القَسَمِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأُقْسِمُ بِما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ، ولا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى المَجْرُورِ في فِيهِنَّ لِاخْتِلالِهِ لَفْظًا ومَعْنًى ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ صِلَةُ يُتْلى إنْ عُطِفَ المَوْصُولُ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ يُتْلى عَلَيْكم في شَأْنِهِنَّ وإلّا فَبَدَلٌ مِن فِيهِنَّ، أوْ صِلَةٌ أُخْرى لِيُفْتِيكم عَلى مَعْنى اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ بِسَبَبِ يَتامى النِّساءِ كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُكَ اليَوْمَ في زَيْدٍ، وهَذِهِ الإضافَةُ بِمَعْنى مَن لِأنَّها إضافَةُ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ. وقُرِئَ «يَيامى» بِياءَيْنِ عَلى أنَّهُ أيامى فَقُلِبَتْ هَمْزَتُهُ ياءً. ﴿اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ أيْ فُرِضَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ ﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ في أنْ تَنْكِحُوهُنَّ، أوْ عَنْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ. فَإنَّ أوْلِياءَ اليَتامى كانُوا أيْ يَرْغَبُونَ فِيهِنَّ إنْ كُنَّ جَمِيلاتٍ ويَأْكُلُونَ ما لَهُنَّ، وإلّا كانُوا يَعْضُلُونَهُنَّ طَمَعًا في مِيراثِهِنَّ والواوُ تَحْتَمِلُ الحالَ والعَطْفَ، ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَزْوِيجِ اليَتِيمَةِ إذْ لا يَلْزَمُ مِنَ الرَّغْبَةِ في نِكاحِها جَرَيانُ العَقْدِ في صِغَرِها.
﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ عُطِفَ عَلى يَتامى النِّساءِ، والعَرَبُ ما كانُوا يُوَرِّثُونَهم كَما لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ. ﴿وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ أيْضًا عُطِفَ عَلَيْهِ أيْ ويُفْتِيكم أوْ ما يُتْلى في أنْ تَقُومُوا، هَذا إذا جَعَلْتَ في يَتامى صِلَةً لِأحَدِهِما فَإنْ جَعَلْتَهُ بَدَلًا فالوَجْهُ نَصْبُهُما عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ فِيهِنَّ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ وأنْ تَقُومُوا بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: ويَأْمُرُكم أنْ تَقُومُوا، وهو خِطابٌ لِلْأئِمَّةِ في أنْ يَنْظُرُوا لَهم ويَسْتَوْفُوا حُقُوقَهُمْ، أوْ لِلْقِوامِ بِالنَّصَفَةِ في شَأْنِهِمْ. ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ وعْدٌ لِمَن آثَرَ الخَيْرَ في ذَلِكَ.
4:128Page 99
وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٢٨
And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess.1 But if you do good and fear Allāh - then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
﴿وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ تَوَقَّعَتْ مِنهُ لِما ظَهَرَ لَها مِنَ المَخايِلِ، وامْرَأةٌ فاعِلُ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ.
﴿نُشُوزًا﴾ تَجافِيًا عَنْها وتَرَفُّعًا عَنْ صُحْبَتِها كَراهَةً لَها ومَنعًا لِحُقُوقِها. ﴿أوْ إعْراضًا﴾ بِأنْ يُقِلَّ مُجالَسَتَها ومُحادَثَتَها. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ أنْ يَتَصالَحا بِأنْ تَحُطَّ لَهُ بَعْضَ المَهْرِ، أوِ القَسْمِ، أوْ تَهَبَ لَهُ شَيْئًا تَسْتَمِيلُهُ بِهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ أنْ يُصْلِحا مِن أصْلَحَ بَيْنَ المُتَنازِعِينَ، وعَلى هَذا جازَ أنْ يَنْتَصِبَ صُلْحًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وبَيْنَهُما ظَرْفٌ أوْ حالٌ مِنهُ أوْ عَلى المَصْدَرِ كَما في القِراءَةِ الأُولى والمَفْعُولُ بَيْنَهُما أوْ هو مَحْذُوفٌ. وقُرِئَ «يُصْلِحا» مِن أصْلَحَ بِمَعْنى اصْطَلَحَ. ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ مِنَ الفُرْقَةِ أوْ سُوءِ العِشْرَةِ أوْ مِنَ الخُصُومَةِ. ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّفْضِيلُ بَلْ بَيانُ أنَّهُ مِنَ الخُيُورِ كَما أنَّ الخُصُومَةَ مِنَ الشُّرُورِ، وهو اعْتِراضٌ وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ ولِذَلِكَ اغْتَفَرَ عَدَمَ مُجانَسَتِهِما، والأوَّلُ لِلتَّرْغِيبِ في المُصالَحَةِ، والثّانِي لِتَمْهِيدِ العُذْرِ في المُماكَسَةِ. ومَعْنى إحْضارِ الأنْفُسِ الشُّحَّ جَعْلُها حاضِرَةً لَهُ مَطْبُوعَةً عَلَيْهِ، فَلا تَكادُ المَرْأةُ تَسْمَحُ بِالإعْراضِ عَنْها والتَّقْصِيرِ في حَقِّها ولا الرَّجُلُ يَسْمَحُ بِأنْ يُمْسِكَها ويَقُومَ بِحَقِّها عَلى ما يَنْبَغِي إذا كَرِهَها أوْ أحَبَّ غَيْرَها. ﴿وَإنْ تُحْسِنُوا﴾ في العِشْرَةِ. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النُّشُوزَ والإعْراضَ ونَقْصَ الحَقِّ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الإحْسانِ والخُصُومَةِ. ﴿خَبِيرًا﴾ عَلِيمًا بِهِ وبِالغَرَضِ فِيهِ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، أقامَ كَوْنَهُ عالِمًا بِأعْمالِهِمْ مَقامَ إثابَتِهِ إيّاهم عَلَيْها الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ جَوابُ الشَّرْطِ إقامَةً لِلسَّبَبِ مَقامَ المُسَبِّبِ.
4:129–130Page 99
وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٢٩
And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging.1 And if you amend [your affairs] and fear Allāh - then indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا ١٣٠
But if they separate [by divorce], Allāh will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allāh Encompassing and Wise.
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ لِأنَّ العَدْلَ أنْ لا يَقَعَ مَيْلٌ ألْبَتَّةَ وهو مُتَعَذِّرٌ فَلِذَلِكَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَسِّمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ ويَقُولُ: «هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ» .
﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أيْ عَلى تَحَرِّي ذَلِكَ وبالَغْتُمْ فِيهِ. ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ بِتَرْكِ المُسْتَطاعِ والجَوْرِ عَلى المَرْغُوبِ عَنْها، فَإنَّ ما لا يُدْرَكُ كُلُّهُ لا يُتْرَكُ كُلُّهُ. ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ الَّتِي لَيْسَتْ ذاتَ بَعْلٍ ولا مُطَلَّقَةً.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ» .
﴿وَإنْ تُصْلِحُوا﴾ ما كُنْتُمْ تُفْسِدُونَ مِن أُمُورِهِنَّ. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ فِيمَ يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَغْفِرُ لَكم ما مَضى مِن مَيْلِكم.
﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا﴾ وقُرِئَ «وَإنْ يَتَفارَقا» أيْ: وإنْ يُفارِقْ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ. ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلا﴾ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِبَدَلٍ أوْ سَلْوَةٍ. ﴿مِن سَعَتِهِ﴾ غِناهُ وقُدْرَتِهِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ مُقْتَدِرًا مُتْقِنًا في أفْعالِهِ وأحْكامِهِ.
4:131–132Page 99
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدٗا ١٣١
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And We have instructed those who were given the Scripture before you and yourselves to fear Allāh. But if you disbelieve - then to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh Free of need and Praiseworthy.
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ١٣٢
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1
﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ سِعَتِهِ وقُدْرَتِهِ. ﴿وَلَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى، ومِن قَبْلِهِمْ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِ وصَّيْنا أوْ بِـ أُوتُوا ومَساقُ الآيَةِ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالإخْلاصِ. ﴿وَإيّاكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الَّذِينَ. ﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِأنِ اتَّقُوا اللَّهَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً لِأنَّ التَّوْصِيَةَ في مَعْنى القَوْلِ. ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في (p-102)الأرْضِ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: وقُلْنا لَهم ولَكم إنَّ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ مالِكُ المُلْكِ كُلِّهِ لا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرِكم ومَعاصِيكُمْ، كَما لا يَنْتَفِعُ بِشُكْرِكم وتَقْواكُمْ، وإنَّما وصّاكم لِرَحْمَتِهِ لا لِحاجَتِهِ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ عَنِ الخَلْقِ وعِبادَتِهِمْ. ﴿حَمِيدًا﴾ في ذاتِهِ حُمِدَ أوْ لَمْ يُحْمَدْ.
﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ذَكَرَهُ ثالِثًا لِلدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ غَنِيًّا حَمِيدًا، فَإنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَدُلُّ بِحاجَتِها عَلى غِناهُ وبِما أفاضَ عَلَيْها مِنَ الوُجُودِ وأنْواعِ الخَصائِصِ والكَمالاتِ عَلى كَوْنِهِ حَمِيدًا. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ فَإنَّهُ تَوَكَّلَ بِكِفايَتِهِما وما بَيْنَهُما تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ.
4:133–134Page 99
إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِـَٔاخَرِينَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرٗا ١٣٣
If He wills, He can do away with you, O people, and bring others [in your place]. And ever is Allāh competent to do that.
مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ١٣٤
Whoever desires the reward of this world - then with Allāh is the reward of this world and the Hereafter. And ever is Allāh Hearing and Seeing.
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ﴾ يُفْنِكُمْ، ومَفْعُولُ يَشَأْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ. ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ويُوجِدُ قَوْمًا آخَرِينَ مَكانَكم أوْ خَلْقًا آخَرِينَ مَكانَ الإنْسِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ﴾ مِنَ الإعْدامِ والإيجادِ. ﴿قَدِيرًا﴾ بَلِيغَ القُدْرَةِ لا يُعْجِزُهُ مُرادٌ، وهَذا أيْضًا تَقْرِيرٌ لِغِناهُ وقُدْرَتِهِ، وتَهْدِيدٌ لِمَن كَفَرَ بِهِ وخالَفَ أمْرَهُ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِمَن عادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ ومَعْناهُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ لِما رُوِيَ: «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ وقالَ: إنَّهم قَوْمُ هَذا.»
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ كالمُجاهِدِ يُجاهِدُ لِلْغَنِيمَةِ. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ فَما لَهُ يَطْلُبُ أخَسَّهُما فَلْيَطْلُبْهُما كَمَن يَقُولُ: رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، أوْ لِيَطْلُبَ الأشْرَفَ مِنهُما، فَإنَّ مَن جاهَدَ خالِصًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ تُخْطِئْهُ الغَنِيمَةُ ولَهُ في الآخِرَةِ، ما هي في جَنْبِهِ كَلا شَيْءٍ، أوْ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدّارَيْنِ فَيُعْطِي كُلًّا ما يُرِيدُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ الآيَةَ ﴿وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِالأغْراضِ فَيُجازِي كُلًّا بِحَسَبِ قَصْدِهِ.
4:135Page 100
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٣٥
O you who have believed, be persistently standing firm in justice, witnesses for Allāh, even if it be against yourselves or parents and relatives. Whether one is rich or poor, Allāh is more worthy of both.1 So follow not [personal] inclination, lest you not be just. And if you distort [your testimony] or refuse [to give it], then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ مُواظِبِينَ عَلى العَدْلِ مُجْتَهِدِينَ في إقامَتِهِ. ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ بِالحَقِّ تُقِيمُونَ شَهاداتِكم لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ. ﴿وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم بِأنْ تُقِرُّوا عَلَيْها، لِأنَّ الشَّهادَةَ بَيانٌ لِلْحَقِّ سَواءً كانَ عَلَيْهِ أوْ عَلى غَيْرِهِ. ﴿أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ ولَوْ عَلى والِدَيْكم وأقارِبِكم. ﴿إنْ يَكُنْ﴾ أيِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُ ومِنَ المَشْهُودِ لَهُ.
﴿غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا﴾ فَلا تَمْتَنِعُوا عَنْ إقامَةِ الشَّهادَةِ، أوْ لا تَجُورُوا فِيها مَيْلًا أوْ تَرَحُّمًا. ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ بِالغَنِيِّ والفَقِيرِ وبِالنَّظَرِ لَهُما فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الشَّهادَةُ عَلَيْهِما أوْ لَهُما صَلاحًا لَما شَرَعَها، وهو عِلَّةُ الجَوابِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ والضَّمِيرُ في بِهِما راجِعٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، وهو جِنْسا الغَنِيِّ والفَقِيرِ لا إلَيْهِ وإلّا لَوَحَّدَ، ويَشْهَدُ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ «فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ» . ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ لِأنْ تَعْدِلُوا عَنِ الحَقِّ أوْ كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا مِنَ العَدْلِ.
﴿وَإنْ تَلْوُوا﴾ ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ، أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ. قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإسْكانِ اللّامِ وبَعْدَها واوانِ الأُولى مَضْمُومَةٌ، والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وإنْ تَلُوا بِمَعْنى وإنْ وُلِّيتُمْ إقامَةَ الشَّهادَةِ فَأدَّيْتُمُوها. ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ عَنْ أدائِها. ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.
4:136Page 100
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٣٦
O you who have believed, believe1 in Allāh and His Messenger and the Book that He sent down upon His Messenger and the Scripture which He sent down before. And whoever disbelieves in Allāh, His angels, His books, His messengers, and the Last Day has certainly gone far astray.
(p-103)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، أوْ لِلْمُنافِقِينَ، أوْ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ إذْ رُوِيَ: «أنَّ ابْنَ سَلامٍ وأصْحابَهُ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ: إنّا نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ وبِمُوسى والتَّوْراةِ وعُزَيْرٍ ونَكْفُرُ بِما سِواهُ. فَنَزَلَتْ.»
﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ اثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِذَلِكَ وداوِمُوا عَلَيْهِ، أوْ آمِنُوا بِهِ بِقُلُوبِكم كَما آمَنتُمْ بِألْسِنَتِكُمْ، أوْ آمِنُوا إيمانًا عامًّا يَعُمُّ الكُتُبَ والرُّسُلَ، فَإنَّ الإيمانَ بِالبَعْضِ كَلا إيمانٍ والكِتابُ الأوَّلُ القُرْآنُ والثّانِي الجِنْسُ. وقَرَأ نافِعٌ والكُوفِيُّونَ: الَّذِي نَزَلَ والَّذِي أنْزَلَ بِفَتْحِ النُّونِ والهَمْزَةِ والزّايِ، والباقُونَ بِضَمِّ النُّونِ والهَمْزَةِ وكَسْرِ الزّايِ. ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ ومَن يَكْفُرُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ عَنِ المَقْصِدِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَعُودُ إلى طَرِيقِهِ.
4:137Page 100
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا ١٣٧
Indeed, those who have believed then disbelieved, then believed then disbelieved, and then increased in disbelief - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a way.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي اليَهُودَ آمَنُوا بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ. ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بَعْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِمْ. ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، أوْ قَوْمًا تَكَرَّرَ مِنهم الِارْتِدادُ ثُمَّ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ وازْدادُوا تَمادِيًا في الغَيِّ. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ إذْ يَسْتَبْعِدُ مِنهم أنْ يَتُوبُوا عَنِ الكُفْرِ ويَثْبُتُوا عَلى الإيمانِ، فَإنَّ قُلُوبَهم ضُرِبَتْ بِالكُفْرِ وبَصائِرَهم عَمِيَتْ عَنِ الحَقِّ لا أنَّهم لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ لَمْ يُقْبَلْ مِنهم ولَمْ يُغْفَرْ لَهُمْ، وخَبَرُ كانَ في أمْثالِ ذَلِكَ مَحْذُوفٌ تَعَلَّقَ بِهِ اللّامُ مِثْلَ: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مُرِيدًا لِيَغْفِرَ لَهم.
4:138–139Page 100
بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨
Give tidings to the hypocrites that there is for them a painful punishment -
ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا ١٣٩
Those who take disbelievers as allies instead of the believers. Do they seek with them honor [through power]? But indeed, honor belongs to Allāh entirely.1
﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ في المُنافِقِينَ وهم قَدْ آمَنُوا في الظّاهِرِ وكَفَرُوا في السِّرِّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ثُمَّ ازْدادُوا بِالإصْرارِ عَلى النِّفاقِ وإفْسادِ الأمْرِ عَلى المُؤْمِنِينَ، ووَضْعُ بَشِّرِ مَكانَ أنْذِرْ تَهَكُّمٌ بِهِمْ.
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ بِمَعْنى أُرِيدَ الَّذِينَ أوْ هُمُ الَّذِينَ. ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ أيَتَعَزَّزُونَ بِمُوالاتِهِمْ. ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لا يَتَعَزَّزُ إلّا مَن أعَزَّهُ اللَّهُ، وقَدْ كَتَبَ العِزَّةَ لِأوْلِيائِهِ فَقالَ ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا يُؤْبَهُ بِعِزَّةِ غَيْرِهِمْ بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ.
4:140Page 100
وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ١٤٠
And it has already come down to you in the Book [i.e., the Qur’ān] that when you hear the verses of Allāh [recited], they are denied [by them] and ridiculed; so do not sit with them until they enter into another conversation. Indeed, you would then be like them.1 Indeed, Allāh will gather the hypocrites and disbelievers in Hell all together -
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. وقَرَأ عاصِمٌ نَزَّلَ وقَرَأ الباقُونَ نُزِّلَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والقائِمُ مَقامَ فاعِلِهِ. ﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ﴾ وهي المُخَفَّفَةُ والمَعْنى أنَّهُ إذا سَمِعْتُمْ. ﴿يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها﴾ حالانِ مِنَ الآياتِ جِيءَ بِهِما لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ عَنِ المُجالَسَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ الَّذِي هو جَزاءُ الشَّرْطِ بِما إذا كانَ مَن يُجالِسُهُ هازِئًا مُعانِدًا غَيْرَ مَرْجُوٍّ، ويُؤَيِّدُهُ (p-104)
الغايَةُ. وهَذا تِذْكارٌ لِما نَزَلَ عَلَيْهِمْ بِمَكَّةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآيَةَ.
والضَّمِيرُ في مَعَهم لِلْكَفَرَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها. ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ في الإثْمِ لِأنَّكم قادِرُونَ عَلى الإعْراضِ عَنْهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أوِ الكُفْرِ إنْ رَضِيتُمْ بِذَلِكَ، أوْ لِأنَّ الَّذِينَ يُقاعِدُونَ الخائِضِينَ في القُرْآنِ مِنَ الأحْبارِ كانُوا مُنافِقِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ يَعْنِي القاعِدِينَ والمَقْعُودَ مَعَهُمْ، وإذا مُلْغاةٌ لِوُقُوعِها بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ بَعْدَها الفِعْلَ وإفْرادُ مِثْلِهِمْ، لِأنَّهُ كالمَصْدَرِ أوْ لِلِاسْتِغْناءِ بِالإضافَةِ إلى الجَمْعِ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾
4:141Page 101
ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١
Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allāh, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allāh will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allāh give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].1
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ يَنْتَظِرُونَ وُقُوعَ أمْرٍ بِكُمْ، وهو بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ، أوْ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ والكافِرِينَ أوْ ذَمٌّ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ. ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ مُظاهِرِينَ لَكم فَأسْهِمُوا لَنا مِمّا غَنِمْتُمْ. ﴿وَإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ مِنَ الحَرْبِ فَإنَّها سِجالٌ ﴿قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ قالُوا لِلْكَفَرَةِ: ألَمْ نَغْلِبْكم ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكم فَأبْقَيْنا عَلَيْكُمْ، والِاسْتِحْواذُ الِاسْتِيلاءُ وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ اسْتَحاذَ يَسْتَحِيذُ اسْتِحاذَةً فَجاءَتْ عَلى الأصْلِ. ﴿وَنَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِأنْ خَذَلْناهم بِتَخْيِيلِ ما ضَعُفَتْ بِهِ قُلُوبُهم وتَوانِينا في مُظاهَرَتِهِمْ فَأشْرِكُونا فِيما أصَبْتُمْ، وإنَّما سُمِّيَ ظَفَرُ المُسْلِمِينَ فَتْحًا وظَفَرُ الكافِرِينَ نَصِيبًا لِخِسَّةِ حَظِّهِمْ، فَإنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ سَرِيعِ الزَّوالِ. ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ حِينَئِذٍ أوْ في الدُّنْيا والمُرادُ بِالسَّبِيلِ الحُجَّةُ، واحْتَجَّ بِهِ أصْحابُنا عَلى فَسادِ شِراءِ الكافِرِ المُسْلِمَ. والحَنَفِيَّةُ عَلى حُصُولِ البَيْنُونَةِ بِنَفْسِ الِارْتِدادِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ إذا عادَ إلى الإيمانِ قَبْلَ مُضِيِّ العِدَّةِ.
4:142–143Page 101
إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٤٢
Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allāh, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allāh except a little,
مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ١٤٣
Wavering between them, [belonging] neither to these [i.e., the believers] nor to those [i.e., the disbelievers]. And whoever Allāh sends astray - never will you find for him a way.
﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ أوَّلَ سُورَةِ البَقَرَةِ. ﴿وَإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ مُتَثاقِلِينَ كالمُكْرَهِ عَلى الفِعْلِ وقُرِئَ كَسالى بِالفَتْحِ وهُما جَمْعا كَسْلانَ. ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ لِيَخالُوهم مُؤْمِنِينَ المُراءاةُ مُفاعَلَةٌ بِمَعْنى التَّفْعِيلِ كَنِعَمٍ وناعِمٍ أوْ لِلْمُقابَلَةِ فَإنَّ المُرائِيَ يُرِي مَن يُرائِيهِ عَمَلَهُ وهو يُرِيهِ اسْتِحْسانَهُ. ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ إذِ المُرائِي لا يَفْعَلُ إلّا بِحَضْرَةِ مَن يُرائِيهِ، وهو أقَلُّ أحْوالِهِ أوْ لِأنَّ ذِكْرَهم بِاللِّسانِ قَلِيلٌ بِالإضافَةِ إلى الذِّكْرِ بِالقَلْبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الصَّلاةُ. وقِيلَ الذَّكْرُ فِيها فَإنَّهم لا يَذْكُرُونَ فِيها غَيْرَ التَّكْبِيرِ والتَّسْلِيمِ.
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ حالٌ مِن واوِ يُراءُونَ كَقَوْلِهِ: ولا يَذْكُرُونَ، أيْ يُراءُونَهم غَيْرَ ذاكِرِينَ مُذَبْذَبِينَ أوْ واوِ يَذْكُرُونَ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ، والمَعْنى: مُرَدَّدِينَ بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ مِنَ الذَّبْذَبَةِ وهي جَعْلُ الشَّيْءِ مُضْطَرِبًا، وأصْلُهُ الَّذِي بِمَعْنى الطَّرْدِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الذّالِ بِمَعْنى يُذَبْذِبُونَ قُلُوبَهم أوْ دِينَهم أوْ يَتَذَبْذَبُونَ كَقَوْلِهِمْ: صَلْصَلَ بِمَعْنى تَصَلْصَلَ. وقُرِئَ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ بِمَعْنى أخَذُوا تارَةً في دُبَّةٍ وتارَةً في دُبَّةٍ وهي (p-105)الطَّرِيقَةَ. ﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ لا مَنسُوبِينَ إلى المُؤْمِنِينَ ولا إلى الكافِرِينَ، أوْ لا صائِرِينَ إلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ بِالكُلِّيَّةِ. ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ إلى الحَقِّ والصَّوابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾
4:144Page 101
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا ١٤٤
O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allāh against yourselves a clear case?
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّهُ صَنِيعُ المُنافِقِينَ ودَيْدَنُهم فَلا تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ، ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً بَيِّنَةً فَإنَّ مُوالاتَهم دَلِيلٌ عَلى النِّفاقِ أوْ سُلْطانًا يُسَلِّطُ عَلَيْكم عِقابَهُ.
4:145–146Page 101
إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥
Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٤٦
Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allāh, and are sincere in their religion for Allāh, for those will be with the believers. And Allāh is going to give the believers a great reward.
﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وهو الطَّبَقَةُ الَّتِي في قَعْرِ جَهَنَّمَ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّهم أخْبَثُ الكَفَرَةِ إذْ ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ وخِداعًا لِلْمُسْلِمِينَ، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ وإنْ صامَ وصَلّى وزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ: «مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتَمَنَ خانَ».»
وَنَحْوُهُ فَمِن بابِ التَّشْبِيهِ والتَّغْلِيظِ، وإنَّما سُمِّيَتْ طَبَقاتُها السَّبْعُ دَرَكاتٍ لِأنَّها مُتَدارِكَةٌ مُتَتابِعَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِسُكُونِ الرّاءِ وهي لُغَةٌ كالسَّطْرِ والسَّطَرِ والتَّحْرِيكُ أوْجَهُ لِأنَّهُ يَجْمَعُ عَلى أدْراكٍ. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ يُخْرِجُهم مِنهُ.
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ عَنِ النِّفاقِ. ﴿وَأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا مِن أسْرارِهِمْ وأحْوالِهِمْ في حالِ النِّفاقِ.
﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ وثِقُوا بِهِ أوْ تَمَسَّكُوا بِدِينِهِ. ﴿وَأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ لا يُرِيدُونَ بِطاعَتِهِمْ إلّا وجْهَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ ومِن عِدادِهِمْ في الدّارَيْنِ. ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ فَيُساهِمُونَهم فِيهِ.
4:147Page 101
مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا ١٤٧
What would Allāh do with [i.e., gain from] your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allāh Appreciative1 and Knowing.
﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ أيَتَشَفّى بِهِ غَيْظًا أوْ يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا أوْ يَسْتَجْلِبُ بِهِ نَفْعًا وهو الغَنِيُّ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، وإنَّما يُعاقِبُ المُصِرَّ بِكُفْرِهِ لِأنَّ إصْرارَهُ عَلَيْهِ كَسُوءِ مَزاجٍ يُؤَدِّي إلى مَرَضٍ فَإذا أزالَهُ بِالإيمانِ والشُّكْرِ ونَفى نَفْسَهُ عَنْهُ تَخَلَّصَ مِن تَبِعَتِهِ، وإنَّما قَدَّمَ الشُّكْرَ لِأنَّ النّاظِرَ يُدْرِكُ النِّعْمَةَ أوَّلًا فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا، ثُمَّ يُمْعِنُ النَّظَرَ حَتّى يَعْرِفَ المُنْعِمَ فَيُؤْمِنُ بِهِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا﴾ مُثِيبًا يَقْبَلُ اليَسِيرَ ويُعْطِي الجَزِيلَ. ﴿عَلِيمًا﴾ بِحَقِّ شُكْرِكم وإيمانِكم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences