Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:43–63
4:43Page 85
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ٤٣
O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying1 or in a state of janābah,2 except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women [i.e., had sexual intercourse] and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allāh is ever Pardoning3 and Forgiving.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ أيْ لا تَقُومُوا إلَيْها وأنْتُمْ سُكارى مِن نَحْوِ نَوْمٍ أوْ خَمْرٍ حَتّى تَنْتَهُوا وتَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ في صَلاتِكم.
رُوِيَ « (أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صَنَعَ مَأْدُبَةً ودَعا نَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ. حِينَ كانَتِ الخَمْرِ مُباحَةً. فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى ثَمِلُوا، وجاءَ وقْتُ صَلاةِ المَغْرِبِ فَتَقَدَّمَ أحَدُهم لِيُصَلِّيَ بِهِمْ فَقَرَأ: أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. فَنَزَلَتْ.»
وَقِيلَ أرادَ بِالصَّلاةِ مَواضِعَها وهي المَساجِدُ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ نَهْيَ السَّكْرانِ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ، وإنَّما المُرادُ النَّهْيُ عَنِ الإفْراطِ في الشُّرْبِ، والسُّكْرِ مِنَ السُّكْرِ وهو السَّدُّ. وقُرِئَ «سَكارى» بِالفَتْحِ وسَكْرى عَلى أنَّهُ جَمْعٌ كَهَلْكى. أوْ مُفْرَدٌ بِمَعْنى وأنْتُمْ قَوْمٌ سَكْرى، أوْ جَماعَةٌ سُكْرى وسُكْرى كَحُبْلى عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلْجَماعَةِ. ﴿وَلا جُنُبًا﴾ عَطْفٌ عَلى (p-76)قَوْلِهِ وأنْتُمْ سُكارى إذِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والجُنُبُ الَّذِي أصابَتْهُ الجَنابَةُ، يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والجَمْعُ، لِأنَّهُ يُجْرى مَجْرى المَصْدَرِ. ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ولا جُنُبًا، اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ جُنُبًا في عامَّةِ الأحْوالِ إلّا في السَّفَرِ وذَلِكَ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ وتَيَمَّمَ، ويَشْهَدُ لَهُ تَعْقِيبُهُ بِذِكْرِ التَّيَمُّمِ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ جُنُبًا أيْ جُنُبًا غَيْرَ عابِرِي سَبِيلٍ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ. ومَن فَسَّرَ الصَّلاةَ بِمَواضِعِها فَسَّرَ عابِرِي سَبِيلٍ بِالمُجْتازِينَ فِيها، وجَوَّزَ لِلْجُنُبِ عُبُورَ المَسْجِدِ. وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا يَجُوزُ لَهُ المُرُورُ في المَسْجِدِ إلّا إذا كانَ فِيهِ الماءُ أوِ الطَّرِيقُ. ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ غايَةَ النَّهْيِ عَنِ القُرْبانِ حالَ الجَنابَةِ، وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُصَلِّيَ يَنْبَغِي أنْ يَتَحَرَّزَ عَمّا يُلْهِيهِ ويَشْغَلُ قَلْبَهُ، ويُزَكِّي نَفْسَهُ عَمّا يَجِبُ تَطْهِيرُها عَنْهُ. ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ مَرَضًا يَخافُ مَعَهُ مِنِ اسْتِعْمالِ الماءِ، فَإنَّ الواجِدَ كالفاقِدِ. أوْ مَرَضًا يَمْنَعُهُ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ. ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ لا تَجِدُونَهُ فِيهِ. ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ فَأحْدَثَ بِخُرُوجِ الخارِجِ مِن أحَدِ السَّبِيلَيْنِ، وأصْلُ الغائِطِ المَكانُ المُطَمْئِنُ مِنَ الأرْضِ. ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ أوْ ماسَسْتُمْ بَشَرَتَهُنَّ بِبَشَرَتِكُمْ، وبِهِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ عَلى أنَّ اللَّمْسَ يَنْقُضُ الوُضُوءَ. وقِيلَ: أوْ جامَعْتُمُوهُنَّ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي المائِدَةِ «لَمَسْتُمْ»، واسْتِعْمالُهُ كِنايَةً عَنِ الجِماعِ أقَلُّ مِنَ المُلامَسَةِ. ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ فَلَمْ تَتَمَكَّنُوا مِنِ اسْتِعْمالِهِ، إذِ المَمْنُوعُ عَنْهُ كالمَفْقُودِ. ووَجْهُ هَذا التَّقْسِيمِ أنَّ المُتَرَخِّصَ بِالتَّيَمُّمِ إمّا مُحْدِثٌ أوْ جُنُبٌ، والحالَةُ المُقْتَضِيَةُ لَهُ في غالِبِ الأمْرِ مَرَضٌ أوْ سَفَرٌ. والجُنُبُ لِما سَبَقَ ذِكْرُهُ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ حالِهِ والمُحْدِثُ لِما لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُ ذُكِرَ مِن أسْبابِهِ ما يَحْدُثُ بِالذّاتِ وما يَحْدُثُ بِالعَرَضِ، واسْتُغْنِيَ عَنْ تَفْصِيلِ أحْوالِهِ بِتَفْصِيلِ حالِ الجُنُبِ وبَيانِ العُذْرِ مُجْمَلًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ مُحْدِثِينَ جِئْتُمْ مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ أيْ فَتَعَمَّدُوا شَيْئًا مِن وجْهِ الأرْضِ طاهِرًا. ولِذَلِكَ قالَتِ الحَنَفِيَّةُ: لَوْ ضَرَبَ المُتَيَمِّمُ يَدَهُ عَلى حَجَرٍ صَلْدٍ ومَسَحَ بِهِ أجْزَأهُ. وقالَ أصْحابُنا لا بُدَّ مِن أنْ يَعْلُقَ بِاليَدِ شَيْءٌ مِنَ التُّرابِ لِقَوْلِهِ تَعالى في المائِدَةِ ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ أيْ بَعْضِهِ، وجَعْلُ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ تَعَسُّفٌ إذْ لا يُفْهَمُ مِن نَحْوِ ذَلِكَ إلّا التَّبْعِيضُ، واليَدُ اسْمٌ لِلْعُضْوِ إلى المَنكِبِ، وما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَيَمَّمَ ومَسَحَ يَدَيْهِ إلى مِرْفَقَيْهِ»، والقِياسُ عَلى الوُضُوءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ ها هُنا وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ فَلِذَلِكَ يَسَّرَ الأمْرَ عَلَيْكم ورَخَّصَ لَكم.
4:44–45Page 85
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ٤٤
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?
وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا ٤٥
And Allāh is most knowing of your enemies; and sufficient is Allāh as an ally, and sufficient is Allāh as a helper.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا﴾ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ أيْ ألَمْ تَنْظُرْ إلَيْهِمْ، أوِ القَلْبُ. وعُدِّيَ بِإلى لِتَضْمَنَ مَعْنى الِانْتِهاءِ. ﴿نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ حَظًّا يَسِيرًا مِن عِلْمِ التَّوْراةِ لِأنَّ المُرادَ أحْبارُ اليَهُودِ. ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ يَخْتارُونَها عَلى الهُدى، أوْ يَسْتَبْدِلُونَها بِهِ بَعْدَ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُ، أوْ حُصُولِهِ لَهم بِإنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وقِيلَ: يَأْخُذُونَ الرُّشى ويُحَرِّفُونَ التَّوْراةَ. ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ. ﴿السَّبِيلَ﴾ سَبِيلَ الحَقِّ.
﴿واللَّهُ أعْلَمُ﴾ مِنكم. ﴿بِأعْدائِكُمْ﴾ وقَدْ أخْبَرَكم بِعَداوَةِ هَؤُلاءِ وما يُرِيدُونَ بِكم فاحْذَرُوهم. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ يَلِي أمْرَكم. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يُعِينُكم فَثِقُوا عَلَيْهِ واكْتَفُوا بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. والباءُ تُزادُ في فاعِلِ كَفى لِتَوْكِيدِ الِاتِّصالِ الإسْنادِيِّ بِالِاتِّصالِ الإضافِيِّ.
4:46Page 86
مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ٤٦
Among the Jews are those who distort words from their [proper] places [i.e., usages] and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Rāʿinā,"1 twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allāh has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.2
(p-77)﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ﴾ بَيانٌ لِلَّذِينِ أُوتُوا نَصِيبًا فَإنَّهُ يَحْتَمِلُهم وغَيْرَهُمْ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أوْ بَيانٌ لِأعْدائِكم أوْ صِلَةٌ لِنَصِيرًا. أيْ يَنْصُرُكم مِنَ الَّذِينَ هادُوا ويَحْفَظُكم مِنهُمْ، أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ صِفَتُهُ يُحَرِّفُونَ.
﴿الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ أيْ مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ أيْ يُمِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ فِيها بِإزالَتِهِ عَنْها وإثْباتِ غَيْرِهِ فِيها. أوْ يُؤَوِّلُونَهُ عَلى ما يَشْتَهُونَ فَيُمِيلُونَهُ عَمّا أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ. وقُرِئَ «الكِلْمَ» بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعُ كَلِمَةٍ تَخْفِيفُ كَلِمَةٍ. ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا﴾ قَوْلَكَ. ﴿وَعَصَيْنا﴾ أمْرَكَ. ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أيْ مَدْعُوًّا عَلَيْكَ بِلا سَمِعْتَ لِصَمَمٍ أوْ مَوْتٍ، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُجابٍ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًا تَرْضاهُ، أوِ اسْمَعْ كَلامًا غَيْرَ مُسْمَعٍ إيّاكَ لِأنَّ أُذُنَكَ تَنْبُو عَنْهُ فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا مِن قَوْلِهِمْ أسْمَعَهُ فُلانٌ إذا سَبَّهُ، وإنَّما قالُوهُ نِفاقًا. ﴿وَراعِنا﴾ انْظُرْنا نُكَلِّمُكَ أوْ نَفْهَمُ كَلامَكَ.
﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ فَتْلًا بِها وصَرْفًا لِلْكَلامِ إلى ما يُشْبِهُ السَّبَّ، حَيْثُ وضَعُوا راعِنا المُشابِهَ لِما يَتَسابُّونَ بِهِ مَوْضِعَ انْظُرْنا وغَيْرَ مُسْمَعِ مَوْضِعَ لا أُسْمِعْتَ مَكْرُوهًا، أوْ فَتْلًا بِها وضَمًّا لِما يُظْهِرُونَ مِنَ الدُّعاءِ والتَّوْقِيرِ إلى ما يُضْمِرُونَ مِنَ السَّبِّ والتَّحْقِيرِ نِفاقًا. ﴿وَطَعْنًا في الدِّينِ﴾ اسْتِهْزاءً بِهِ وسُخْرِيَةً. ﴿وَلَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا﴾ ولَوْ ثَبَتَ قَوْلُهم هَذا مَكانُ ما قالُوهُ. ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ﴾ لَكانَ قَوْلُهم ذَلِكَ خَيْرًا لَهم وأعْدَلَ، وإنَّما يَجِبُ حَذْفُ الفِعْلِ بَعْدَ لَوْ في مِثْلِ ذَلِكَ لِدَلالَةِ أنَّ عَلَيْهِ ووُقُوعِهِ مَوْقِعَهُ. ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ ولَكِنْ خَذَلَهُمُ اللَّهُ وأبْعَدَهم عَنِ الهُدى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ أيْ إلّا إيمانًا قَلِيلًا لا يَعْبَأُ بِهِ وهو الإيمانُ بِبَعْضِ الآياتِ والرُّسُلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمُ كَقَوْلِهِ: قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ أوْ إلّا قَلِيلًا مِنهم آمَنُوا أوْ سَيُؤْمِنُونَ.
4:47Page 86
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا ٤٧
O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Prophet Muḥammad (ﷺ)], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers.1 And ever is the matter [i.e., decree] of Allāh accomplished.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ مِن قَبْلِ أنْ نَمْحُوَ تَخْطِيطَ صُوَرِها ونَجْعَلَها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها، يَعْنِي الأقْفاءَ، أوْ نُنَكِّسُها إلى ورائِها في الدُّنْيا، أوْ في الآخِرَةِ. وأصْلُ الطَّمْسِ إزالَةُ الأعْلامِ المائِلَةِ وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى الطَّلْسِ في إزالَةِ الصُّورَةِ ولِمُطْلَقِ القَلْبِ والتَّغْيِيرِ، ولِذَلِكَ قِيلَ مَعْناهُ مِن قَبْلِ أنْ نُغَيِّرَ وُجُوهًا فَنَسْلُبَ وجاهَتَها وإقْبالَها ونَكْسُوَها الصَّغارَ والإدْبارَ، أوْ نَرُدُّها إلى حَيْثُ جاءَتْ مِنهُ، وهي أذْرِعاتُ الشّامِ يَعْنِي إجْلاءَ بَنِي النَّضِيرِ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّ المُرادَ بِالوُجُوهِ الرُّؤَساءُ، أوْ مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا بِأنْ نُعْمِيَ الأبْصارَ عَنِ الِاعْتِبارِ ونَصِمَّ الأسْماعَ عَنِ الإصْغاءِ إلى الحَقِّ بِالطَّبْعِ ونَرُدُّها عَنِ الهِدايَةِ إلى الضَّلالَةِ. ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ أوْ نُخْزِيَهم بِالمَسْخِ كَما أخْزَيْنا بِهِ أصْحابَ السَّبْتِ، أوْ نَمْسَخَهم مَسْخًا مِثْلَ مَسْخِهِمْ، أوْ نَلْعَنَهم عَلى لِسانِكَ كَما لَعَنّاهم عَلى لِسانِ داوُدَ. والضَّمِيرُ لِأصْحابِ الوُجُوهِ أوْ لِلَّذِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، أوْ لِلْوُجُوهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الوُجَهاءُ، وعَطْفُهُ عَلى الطَّمْسِ بِالمَعْنى الأوَّلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ لَيْسَ مَسْخَ الصُّورَةِ في الدُّنْيا ومَن حَمَلَ الوَعِيدَ عَلى تَغْيِيرِ الصُّورَةِ في الدُّنْيا قالَ إنَّهُ بَعْدُ مُتَرَقِّبٌ أوْ كانَ وُقُوعُهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ إيمانِهِمْ وقَدْ آمَنَ مِنهم طائِفَةٌ. ﴿وَكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ بِإيقاعِ شَيْءٍ أوْ وعِيدِهِ، أوْ ما حَكَمَ بِهِ وقَضاهُ. ﴿مَفْعُولا﴾ نافِذًا وكائِنًا فَيَقَعُ لا مَحالَةَ ما أُوعِدْتُمْ بِهِ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا.(p-78)
4:48Page 86
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨
Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly fabricated a tremendous sin.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ لِأنَّهُ بَتَّ الحُكْمَ عَلى خُلُودِ عَذابِهِ وأنَّ ذَنْبَهُ لا يَنْمَحِي عَنْهُ أثَرُهُ فَلا يَسْتَعِدُّ لِلْعَفْوِ بِخِلافِ غَيْرِهِ. ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ ما دُونَ الشِّرْكِ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا. ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ تَفَضُّلًا عَلَيْهِ وإحْسانًا. والمُعْتَزِلَةُ عَلَّقُوهُ بِالفِعْلَيْنِ عَلى مَعْنى إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَن يَشاءُ. وهو مَن لَمْ يَتُبْ ويَغْفِرُ ما دُونَهُ لِمَن يَشاءُ وهو مَن تابَ. وفِيهِ تَقْيِيدٌ بِلا دَلِيلٍ إذْ لَيْسَ عُمُومُ آياتِ الوَعِيدِ بِالمُحافَظَةِ أوْلى مِنهُ ونَقْضٌ لِمَذْهَبِهِمْ فَإنَّ تَعْلِيقَ الأمْرِ بِالمَشِيئَةِ يُنافِي وُجُوبَ التَّعْذِيبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ والصَّفْحِ بَعْدَها، فالآيَةُ كَما هي حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فَهي حُجَّةٌ عَلى الخَوارِجِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ شِرْكٌ وأنَّ صاحِبَهُ خالِدٌ في النّارِ. ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ ارْتَكَبَ ما يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ الآثامُ، وهو إشارَةٌ إلى المَعْنى الفارِقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ الذُّنُوبِ، والِافْتِراءُ كَما يُطْلَقُ عَلى القَوْلِ يُطْلَقُ عَلى الفِعْلِ وكَذَلِكَ الِاخْتِلاقُ.
4:49–50Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩
Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allāh purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].
ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠
Look how they invent about Allāh untruth, and sufficient is that as a manifest sin.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ قالُوا نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ وقِيلَ: «ناسٌ مِنَ اليَهُودِ جاءُوا بِأطْفالِهِمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: هَلْ عَلى هَؤُلاءِ ذَنْبٌ قالَ لا قالُوا: واللَّهِ ما نَحْنُ إلّا كَهَيْئَتِهِمْ ما عَمِلْنا بِالنَّهارِ كُفِّرَ عَنّا بِاللَّيْلِ، وما عَمِلْنا بِاللَّيْلِ كُفِّرَ عَنّا بِالنَّهارِ. وفي مَعْناهم مَن زَكّى نَفْسَهُ وأثْنى عَلَيْها.»
﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَزْكِيَتَهُ تَعالى هي المُعْتَدُّ بِها دُونَ تَزْكِيَةِ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ العالِمُ بِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن حَسَنٍ وقَبِيحٍ، وقَدْ ذَمَّهم وزَكّى المُرْتَضِينَ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. وأصْلُ التَّزْكِيَةِ نَفْيُ ما يُسْتَقْبَحُ فِعْلًا أوْ قَوْلًا. ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ بِالذَّمِّ أوِ العِقابِ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم بِغَيْرِ حَقٍّ. ﴿فَتِيلا﴾ أدْنى ظُلْمٍ وأصْغَرُهُ، وهو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ النَّواةِ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في الحَقارَةِ.
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في زَعْمِهِمْ أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأزْكِياءُ عِنْدَهُ. ﴿وَكَفى بِهِ﴾ بِزَعْمِهِمْ هَذا أوْ بِالِافْتِراءِ. ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ لا يَخْفى كَوْنُهُ مَأْثَمًا مِن بَيْنِ آثامِهِمْ.
4:51Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in jibt [superstition] and ṭāghūt [false objects of worship] and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ نَزَلَتْ في يَهُودٍ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ أرْضى عِنْدَ اللَّهِ مِمّا يَدْعُوهم إلَيْهِ مُحَمَّدٌ. وقِيلَ في حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ في جَمْعٍ مِنَ اليَهُودِ خَرَجُوا إلى مَكَّةَ يُحالِفُونَ قُرَيْشًا عَلى مُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ وأنْتُمْ أقْرَبُ إلى مُحَمَّدٍ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى نَطْمَئِنَّ إلَيْكم فَفَعَلُوا. والجِبْتُ في الأصْلِ اسْمُ صَنَمٍ فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ أصْلُهُ الجِبْسُ وهو الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ فَقُلِبَتْ سِينُهُ تاءً. والطّاغُوتُ يُطْلَقُ لِكُلِّ باطِلٍ مِن مَعْبُودٍ أوْ غَيْرِهِ. ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِأجْلِهِمْ وفِيهِمْ. ﴿هَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ.
﴿أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ أقْوَمُ دِينًا وأرْشَدُ طَرِيقًا.
4:52–53Page 87
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢
Those are the ones whom Allāh has cursed; and he whom Allāh curses - never will you find for him a helper.
أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣
Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَمْنَعُ العَذابَ مِنهُ بِشَفاعَةٍ أوْ غَيْرِها.
﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ إنْكارُ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ وجَحْدٌ لِما زَعَمَتِ اليَهُودُ مِن أنَّ المُلْكَ سَيَصِيرُ إلَيْهِمْ. ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ أيْ لَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ أحَدًا ما يُوازِي نَقِيرًا، وهو النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ. وهَذا هو الإغْراقُ في بَيانِ شُحِّهِمْ فَإنَّهم إنْ بَخِلُوا بِالنَّقِيرِ وهم مُلُوكٌ فَما ظَنُّكَ بِهِمْ إذا كانُوا فُقَراءَ أذِلّاءَ مُتَفاقِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْكارَ أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ المُلْكِ عَلى الكِنايَةِ، وأنَّهم لا يُؤْتُونَ النّاسَ شَيْئًا وإذا وقَعَ بَعْدَ الواوِ والفاءِ لا لِتَشْرِيكِ مُفْرَدٍ جازَ فِيهِ الإلْغاءُ والإعْمالُ، ولِذَلِكَ قُرِئَ فَإذًا لا يُؤْتُوا النّاسَ عَلى النَّصْبِ.
4:54–55Page 87
أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا ٥٤
Or do they envy people for what Allāh has given them of His bounty? But We had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom1 and conferred upon them a great kingdom.
فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن صَدَّ عَنۡهُۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ٥٥
And some among them believed in it,1 and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.
﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ بَلْ أيَحْسُدُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ، أوِ العَرَبَ، أوِ النّاسَ جَمِيعًا لِأنَّ مَن حَسَدَ عَلى النُّبُوَّةِ فَكَأنَّما حَسَدَ النّاسَ كُلَّهم كَمالَهم. ورُشْدُهم وبَّخَهم وأنْكَرَ عَلَيْهِمُ الحَسَدَ كَما ذَمَّهم عَلى البُخْلِ وهُما شَرُّ الرَّذائِلِ وكَأنَّ بَيْنَهُما تَلازُمًا وتَجاذُبًا. ﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ والكِتابَ والنُّصْرَةَ والإعْزازَ وجَعَلَ النَّبِيَّ المَوْعُودَ مِنهم. ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ﴾ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ وأبْناءُ عَمِّهِ. ﴿الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ النُّبُوَّةَ. ﴿وَآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِثْلَ ما آتاهم.
﴿فَمِنهُمْ﴾ مِنَ اليَهُودِ. ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ أوْ بِما ذَكَرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ. ﴿وَمِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ وقِيلَ مَعْناهُ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَوْهِينُ أمْرِهِ فَكَذَلِكَ لا يُوهِنُ كُفْرُ هَؤُلاءِ أمْرَكَ. ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ نارًا مَسْعُورَةً يُعَذَّبُونَ بِها أيْ إنْ لَمْ يُعَجَّلُوا بِالعُقُوبَةِ فَقَدْ كَفاهم ما أُعِدَّ لَهم مِن سَعِيرِ جَهَنَّمَ.
4:56–57Page 87
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا ٥٦
Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a fire. Every time their skins are roasted through, We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allāh is ever Exalted in Might and Wise.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَنُدۡخِلُهُمۡ ظِلّٗا ظَلِيلًا ٥٧
But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ كالبَيانِ والتَّقْرِيرِ لِذَلِكَ. ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ بِأنْ يُعادَ ذَلِكَ الجِلْدُ بِعَيْنِهِ عَلى صُورَةٍ أُخْرى كَقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الخاتَمَ قِرْطًا، أوْ بِأنْ يُزالَ عَنْهُ أثَرُ الإحْراقِ لِيَعُودَ إحْساسُهُ لِلْعَذابِ كَما قالَ: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ لِيَدُومَ لَهم ذَوْقُهُ. وقِيلَ يَخْلُقُ لَهم مَكانَهُ جِلْدٌ آخَرُ والعَذابُ في الحَقِيقَةِ لِلنَّفْسِ العاصِيَةِ المُدْرِكَةِ لا لِآلَةِ إدْراكِها فَلا مَحْذُورَ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا﴾ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ. ﴿حَكِيمًا﴾ يُعاقِبُ عَلى وفْقِ حِكْمَتِهِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ قَدَّمَ ذِكْرَ الكُفّارِ ووَعِيدِهِمْ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ ووَعْدِهِمْ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِالعَرَضِ. ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ فَيْنانًا لا جَوْبَ فِيهِ ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وهو إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ التّامَّةِ الدّائِمَةِ. والظَّلِيلُ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الظِّلِّ لِتَأْكِيدِهِ كَقَوْلِهِمْ: شَمْسٌ شامِسٌ ولَيْلٌ ألْيَلُ ويَوْمٌ أيْوَمُ.
4:58Page 87
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ٥٨
Indeed, Allāh commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allāh instructs you. Indeed, Allāh is ever Hearing and Seeing.
﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ خِطابٌ يَعُمُّ المُكَلَّفِينَ والأماناتِ وإنْ نَزَلَتْ يَوْمَ الفَتْحِ في (p-80)عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ لَمّا أغْلَقَ بابَ الكَعْبَةِ، وأبى أنْ يَدْفَعَ المِفْتاحَ لِيَدْخُلَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ وقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أمْنَعْهُ فَلَوى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ يَدَهُ وأخَذَهُ مِنهُ وفَتَحَ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ فَلَمّا خَرَجَ سَألَهُ العَبّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يُعْطِيَهُ المِفْتاحَ ويَجْمَعَ لَهُ السِّقايَةَ والسَّدانَةَ. فَنَزَلَتْ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ، فَأمَرَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يَرُدَّهُ ويَعْتَذِرَ إلَيْهِ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِ ونَزَلَ الوَحْيُ بِأنَّ السَّدانَةَ في أوْلادِهِ أبَدًا ﴿وَإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ أيْ وأنْ تَحْكُمُوا بِالإنْصافِ والسَّوِيَّةِ إذا قَضَيْتُمْ بَيْنَ مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ أمْرُكُمْ، أوْ يَرْضى بِحُكْمِكم ولِأنَّ الحُكْمَ وظِيفَةُ الوُلاةِ قِيلَ الخِطابُ لَهم. ﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ أيْ نِعْمَ شَيْئًا يَعِظُكم بِهِ، أوْ نِعْمَ الشَّيْءُ الَّذِي يَعِظُكم بِهِ فَما مَنصُوبَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِ يَعِظُكم بِهِ. أوْ مَرْفُوعَةٌ مَوْصُولَةٌ بِهِ. والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ وهو المَأْمُورُ بِهِ مِن أداءِ الأماناتِ والعَدْلِ في الحُكُوماتِ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ بِأقْوالِكم وأحْكامِكم وما تَفْعَلُونَ في الأماناتِ.
4:59Page 87
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩
O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allāh and the Messenger, if you should believe in Allāh and the Last Day. That is the best [way] and best in result.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ يُرِيدُ بِهِمْ أُمَراءَ المُسْلِمِينَ في عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ وبَعْدَهُ، ويَنْدَرِجُ فِيهِمُ الخُلَفاءُ والقُضاةُ وأُمَراءُ السَّرِيَّةِ. أمَرَ النّاسَ بِطاعَتِهِمْ بَعْدَ ما أمَرَهم بِالعَدْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ وُجُوبَ طاعَتِهِمْ ما دامُوا عَلى الحَقِّ. وقِيلَ: عُلَماءُ الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ﴾ أنْتُمْ وأُولُو الأمْرِ مِنكم. ﴿فِي شَيْءٍ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وهو يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ إذْ لَيْسَ لِلْمُقَلِّدِ أنْ يُنازِعَ المُجْتَهِدَ في حُكْمِهِ بِخِلافِ المَرْؤُوسِ إلّا أنْ يُقالَ الخِطابُ لِأُولِي الأمْرِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. ﴿فَرُدُّوهُ﴾ فَراجِعُوا فِيهِ. ﴿إلى اللَّهِ﴾ إلى كِتابِهِ. ﴿والرَّسُولِ﴾ بِالسُّؤالِ عَنْهُ في زَمانِهِ، والمُراجَعَةِ إلى سُنَّتِهِ بَعْدَهُ. واسْتَدَلَّ بِهِ مُنْكِرٌ والقِياسُ وقالُوا: إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ رَدَّ المُخْتَلِفِ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ دُونَ القِياسِ. وأُجِيبَ بِأنَّ رَدَّ المُخْتَلِفِ إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِالتَّمْثِيلِ والبِناءِ عَلَيْهِ وهو القِياسُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ الأمْرَ بِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأحْكامَ ثَلاثَةٌ مُثْبَتٌ بِالكِتابِ ومُثْبَتٌ بِالسُّنَّةِ ومُثْبَتٌ بِالرَّدِّ إلَيْهِما عَلى وجْهِ القِياسِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ ذَلِكَ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الرَّدُّ. ﴿خَيْرٌ﴾ لَكم. ﴿وَأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ عاقِبَةً أوْ أحْسَنُ تَأْوِيلًا مِن تَأْوِيلِكم بِلا رَدٍّ.
4:60Page 88
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠
Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to ṭāghūt,1 while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. « (أنَّ مُنافِقًا خاصَمَ يَهُودِيًّا فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى النَّبِيِّ ﷺ، ودَعاهُ المُنافِقُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ثُمَّ إنَّهُما احْتَكَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحَكَمَ لِلْيَهُودِيِّ فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِقَضائِهِ وقالَ: نَتَحاكَمُ إلى عُمَرَ فَقالَ اليَهُودِيُّ لِعُمَرَ: قَضى لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ وخاصَمَ إلَيْكَ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِلْمُنافِقِ: أكَذَلِكَ. فَقالَ نَعَمْ. فَقالَ: مَكانَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ فَأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ بِهِ عُنُقَ المُنافِقِ حَتّى بَرُدَ وقالَ: هَكَذا أقْضِي لِمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَنَزَلَتْ.»
وَقالَ جِبْرِيلُ إنَّ عُمَرَ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَسُمِّيَ الفارُوقَ، والطّاغُوتُ عَلى هَذا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وفي مَعْناهُ مَن يَحْكُمُ بِالباطِلِ ويُؤَثِّرُ لِأجْلِهِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِفَرْطِ طُغْيانِهِ أوْ لِتَشَبُّهِهِ بِالشَّيْطانِ، أوْ لِأنَّ التَّحاكُمَ إلَيْهِ تَحاكُمٌ إلى الشَّيْطانِ مِن حَيْثُ إنَّهُ الحامِلُ عَلَيْهِ كَما قالَ. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ وقُرِئَ أنْ «يَكْفُرُوا بِها» عَلى أنَّ الطّاغُوتَ جَمْعٌ كَقَوْلِهِ تَعالى أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم.(p-81)
4:61–62Page 88
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١
And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.
فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا ٦٢
So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allāh, "We intended nothing but good conduct and accommodation."
﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ﴾ وقُرِئَ «تَعالُوا» بِضَمِّ اللّامِ عَلى أنَّهُ حَذَفَ لامَ الفِعْلِ اعْتِباطًا ثُمَّ ضَمَّ اللّامَ لِواوِ الضَّمِيرُ. ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ هو مَصْدَرٌ أوِ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو الصَّدُّ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّدِّ أنَّهُ غَيْرُ مَحْسُوسٍ والسَّدُّ مَحْسُوسٌ ويَصُدُّونَ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿فَكَيْفَ﴾ يَكُونُ حالُهم. ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ كَقَتْلِ عُمَرَ المُنافِقَ أوِ النِّقْمَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ التَّحاكُمِ إلى غَيْرِكَ وعَدَمِ الرِّضى بِحُكْمِكَ. ﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾ حِينَ يُصابُونَ لِلِاعْتِذارِ، عُطِفَ عَلى أصابَتْهم. وقِيلَ عَلى يَصُدُّونَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ حالٌ. ﴿إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ما أرَدْنا بِذَلِكَ إلّا الفَصْلَ بِالوَجْهِ الأحْسَنِ والتَّوْفِيقَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ، ولَمْ نُرِدْ مُخالَفَتَكَ. وقِيلَ جاءَ أصْحابُ القَتِيلِ طالِبِينَ بِدَمِهِ وقالُوا ما أرَدْنا بِالتَّحاكُمِ إلى عُمَرَ إلّا أنْ يُحْسِنَ إلى صاحِبِنا ويُوَفِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ.
4:63Page 88
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغٗا ٦٣
Those are the ones of whom Allāh knows what is in their hearts, so turn away from them1 but admonish them and speak to them a far-reaching [i.e., effective] word.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِّفاقِ فَلا يُغْنِي عَنْهُمُ الكِتْمانُ والحَلِفُ الكاذِبُ مِنَ العِقابِ.
﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ عَنْ عِقابِهِمْ لِمَصْلَحَةٍ في اسْتِبْقائِهِمْ أوْ عَنْ قَبُولِ مَعْذِرَتِهِمْ. ﴿وَعِظْهُمْ﴾ بِلِسانِكَ وكُفَّهم عَمّا هم عَلَيْهِ. ﴿وَقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ في مَعْنى أنْفُسِهِمْ أوْ خالِيًا بِهِمْ فَإنَّ النُّصْحَ في السِّرِّ أنْجَعُ. ﴿قَوْلا بَلِيغًا﴾ يَبْلُغُ مِنهم ويُؤَثِّرُ فِيهِمْ، أمَرَهُ بِالتَّجافِي عَنْ ذُنُوبِهِمْ والنُّصْحِ لَهم والمُبالَغَةِ فِيهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وذَلِكَ مُقْتَضى شَفَقَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِبَلِيغًا عَلى مَعْنى بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ مُؤَثِّرًا فِيها ضَعِيفٌ لِأنَّ مَعْمُولَ الصِّفَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُوفِ، والقَوْلُ البَلِيغُ في الأصْلِ هو الَّذِي يُطابِقُ مَدْلُولَهُ المَقْصُودَ بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences