Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:64–84
4:64Page 88
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤
And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allāh. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muḥammad], and asked forgiveness of Allāh and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allāh Accepting of Repentance and Merciful.
﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ بِسَبَبِ إذْنِهِ في طاعَتِهِ وأمْرِهِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ بِأنْ يُطِيعُوهُ، وكَأنَّهُ احْتَجَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِ وإنْ أظْهَرَ الإسْلامَ كانَ كافِرًا مُسْتَوْجِبَ القَتْلِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ إرْسالَ الرَّسُولِ لِما لَمْ يَكُنْ إلّا لِيُطاعَ كانَ مَن لَمْ يُطِعْهُ ولَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِ لَمْ يَقْبَلْ رِسالَتَهُ ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ كافِرًا مُسْتَوْجِبَ القَتْلِ. ﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالنِّفاقِ أوِ التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ. ﴿جاءُوكَ﴾ تائِبِينَ مِن ذَلِكَ وهو خَبَرُ أنَّ وإذْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ. ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ واعْتَذَرُوا إلَيْكَ حَتّى انْتَصَبْتَ لَهم شَفِيعًا، وإنَّما عَدَلَ الخِطابُ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مِن حَقِّ الرَّسُولِ أنْ يَقْبَلَ اعْتِذارَ التّائِبِ وإنْ عَظُمَ جُرْمُهُ ويَشْفَعَ لَهُ، ومِن مَنصِبِهِ أنْ يَشْفَعَ في كَبائِرِ الذُّنُوبِ. ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ لَعَلِمُوهُ قابِلًا لِتَوْبَتِهِمْ مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ، وإنْ فُسِّرَ وجَدَ بِصادَفَ كانَ تَوّابًا حالًا ورَحِيمًا بَدَلًا مِنهُ أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ.
4:65Page 88
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥
But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muḥammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.
(p-82)﴿فَلا ورَبِّكَ﴾ أيْ فَوَرَبِّكَ، ولا مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ القَسَمِ لا لِتُظاهِرَ لا في قَوْلِهِ: لا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّها تُزادُ أيْضًا في الإثْباتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فِيما اخْتَلَفَ بَيْنَهم واخْتَلَطَ ومِنهُ الشَّجَرُ لِتَداخُلِ أغْصانِهِ. ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ ضِيقًا مِمّا حَكَمْتَ بِهِ، أوْ مِن حُكْمِكَ أوْ شَكًّا مِن أجْلِهِ، فَإنَّ الشّاكَّ في ضِيقٍ مِن أمْرِهِ. ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ويَنْقادُوا لَكَ انْقِيادًا بِظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ.
4:66Page 89
وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦
And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].
﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ تَعَرَّضُوا بِها لِلْقَتْلِ في الجِهادِ، أوِ اقْتُلُوها كَما قَتَلَ بَنُو إسْرائِيلَ وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ كَتَبْنا في مَعْنى أمَرْنا. ﴿أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ خُرُوجُهم حِينَ اسْتُتِيبُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ أنِ اقْتُلُوا بِكَسْرِ النُّونِ عَلى أصْلِ التَّحْرِيكِ، أوِ اخْرُجُوُا بِضَمِّ الواوِ لِلِاتِّباعِ والتَّشْبِيهِ بِواوِ الجَمْعِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ بِكَسْرِهِما عَلى الأصْلِ والباقُونَ بِضَمِّهِما إجْراءً لَهُما مَجْرى الهَمْزَةِ المُتَّصِلَةِ بِالفِعْلِ. ﴿ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ إلّا أُناسٌ قَلِيلٌ وهُمُ المُخْلِصُونَ. لَمّا بَيَّنَ أنَّ إيمانَهم لا يَتِمُّ إلّا بِأنْ يُسَلِّمُوا حَقَّ التَّسْلِيمِ، نَبَّهَ عَلى قُصُورِ أكْثَرِهِمْ ووَهَنِ إسْلامِهِمْ، والضَّمِيرُ لِلْمَكْتُوبِ ودَلَّ عَلَيْهِ كَتَبْنا، أوْ لِأحَدِ مَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ أوْ عَلى إلّا فِعْلًا قَلِيلًا. ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِن مُتابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ مُطاوَعَتُهُ طَوْعًا ورَغْبَةً. ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في عاجِلِهِمْ وآجِلِهِمْ. ﴿وَأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ في دِينِهِمْ لِأنَّهُ أشَدُّ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ ونَفْيِ الشَّكِّ أوْ تَثْبِيتًا لِثَوابِ أعْمالِهِمْ ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. والآيَةُ أيْضًا مِمّا نَزَلَتْ في شَأْنِ المُنافِقِ واليَهُودِيِّ. وقِيلَ إنَّها والَّتِي قَبْلَها نَزَلَتا في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ خاصَمَ زُبَيْرًا في شِراجٍ مِنَ الجَرَّةِ كانا يَسْقِيانِ بِها النَّخْلَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ، فَقالَ حاطِبٌ: لِأنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ إلى الجُدَرِ واسْتَوْفِ حَقَّكَ، ثُمَّ أرْسِلْهُ إلى جارِكَ» .
4:67–68Page 89
وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧
And then We would have given them from Us a great reward.
وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٦٨
And We would have guided them to a straight path.
﴿وَإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ وما يَكُونُ لَهم بَعْدَ التَّثْبِيتِ فَقالَ وإذًا لَوْ تَثَبَّتُوا لَآتَيْناهم لِأنَّ إذًا جَوابٌ وجَزاءٌ.
﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يَصِلُونَ بِسُلُوكِهِ جَنابَ القُدْسِ ويَفْتَحُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الغَيْبِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ» .
4:69–70Page 89
وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩
And whoever obeys Allāh and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allāh has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.
ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا ٧٠
That is the bounty from Allāh, and sufficient is Allāh as Knower.
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ مَزِيدُ تَرْغِيبٍ في الطّاعَةِ بِالوَعْدِ عَلَيْها مُرافَقَةَ أكْرَمِ الخَلائِقِ وأعْظَمِهِمْ قَدْرًا. ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ بَيانٌ لِلَّذِينَ أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ قَسَّمَهم أرْبَعَةً بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ في العِلْمِ والعَمَلِ، وحَثَّ كافَّةَ النّاسِ عَلى أنْ لا يَتَأخَّرُوا عَنْهُمْ، وهُمُ: الأنْبِياءُ الفائِزُونَ بِكَمالِ العِلْمِ والعَمَلِ المُتَجاوِزُونَ حَدَّ الكَمالِ إلى دَرَجَةِ التَّكْمِيلِ. ثُمَّ الصِّدِّيقُونَ الَّذِينَ صَعِدَتْ نُفُوسُهم تارَةً بِمَراقِي النَّظَرِ في الحُجَجِ والآياتِ وأُخْرى بِمَعارِجِ التَّصْفِيَةِ والرِّياضاتِ إلى أوْجِ العِرْفانِ، حَتّى اطَّلَعُوا عَلى الأشْياءِ وأخْبَرُوا عَنْها عَلى ما هي عَلَيْها. ثُمَّ الشُّهَداءُ الَّذِينَ أدّى بِهِمُ الحِرْصُ عَلى الطّاعَةِ والجِدِّ (p-83)فِي إظْهارِ الحَقِّ حَتّى بَذَلُوا مُهَجَهم في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ الصّالِحُونَ الَّذِينَ صَرَفُوا أعْمارَهم في طاعَتِهِ وأمْوالَهم في مَرْضاتِهِ. ولَكَ أنْ تَقُولَ المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ هُمُ العارِفُونَ بِاللَّهِ وهَؤُلاءِ إمّا أنْ يَكُونُوا بالِغِينَ دَرَجَةَ العَيانِ أوْ واقِفِينَ في مَقامِ الِاسْتِدْلالِ والبُرْهانِ. والأوَّلُونَ إمّا أنْ يَنالُوا مَعَ العَيانِ القُرْبَ بِحَيْثُ يَكُونُونَ كَمَن يَرى الشَّيْءَ قَرِيبًا وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لا فَيَكُونُونَ كَمَن يَرى الشَّيْءَ بَعِيدًا وهُمُ الصِّدِّيقُونَ، والآخَرُونَ إمّا أنْ يَكُونَ عِرْفانُهم بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ وهُمُ العُلَماءُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ الَّذِينَ هم شُهَداءُ اللَّهِ في أرْضِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِأماراتٍ وإقْناعاتٍ تَطْمَئِنُّ إلَيْها نُفُوسُهم وهُمُ الصّالِحُونَ. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ في مَعْنى التَّعَجُّبِ، ورَفِيقًا نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ ولَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ يُقالُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كالصَّدِيقِ، أوْ لِأنَّهُ أُرِيدَ وحَسُنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم رَفِيقًا.
رُوِيَ «أنَّ ثَوْبانَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أتاهُ يَوْمًا وقَدْ تَغَيَّرَ وجْهُهُ ونَحُلَ جِسْمُهُ، فَسَألَهُ عَنْ حالِهِ فَقالَ: ما بِي مِن وجَعٍ غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ واسْتَوْحَشْتُ وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَخِفْتُ أنْ لا أراكَ هُناكَ لِأنِّي عَرَفْتُ أنَّكَ تَرْتَفِعُ مَعَ النَّبِيِّينَ وإنْ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلٍ دُونَ مَنزِلِكَ، وإنْ لَمْ أدْخُلْ فَذاكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًا فَنَزَلَتْ.»
﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ إشارَةً إلى ما لِلْمُطِيعِينَ مِنَ الأجْرِ ومَزِيدِ الهِدايَةِ ومُرافَقَةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، أوْ إلى فَضْلِ هَؤُلاءِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ومَزِيَّتِهِمْ. ﴿الفَضْلُ﴾ صِفَتُهُ. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرُهُ أوِ الفَضْلُ خَبَرُهُ ومِنَ اللَّهِ حالٌ والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بِجَزاءِ مَن أطاعَهُ، أوْ بِمَقادِيرِ الفَضْلِ واسْتِحْقاقِ أهْلِهِ.
4:71–72Page 89
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا ٧١
O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.
وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا ٧٢
And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allāh has favored me in that I was not present with them."
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ تَيَقَّظُوا واسْتَعِدُّوا لِلْأعْداءِ، والحَذَرُ والحَذْرُ كالأثَرِ والأثْرِ. وقِيلَ ما يُحَذَّرُ بِهِ كالحُزَمِ والسِّلاحِ. ﴿فانْفِرُوا﴾ فاخْرُجُوا إلى الجِهادِ. ﴿ثُباتٍ﴾ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً، جَمْعُ ثُبَةٍ مِن ثَبَيْتُ عَلى فُلانٍ تَثْبِيَةً إذا ذَكَرْتَ مُتَفَرِّقَ مَحاسِنِهِ ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى ثَبِينٍ جَبْرًا لِما حُذِفَ مِن عَجُزِهِ. ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مُجْتَمِعِينَ كَوْكَبَةً واحِدَةً، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في الحَرْبِ لَكِنْ يَقْتَضِي إطْلاقُ لَفْظِها وُجُوبَ المُبادَرَةِ إلى الخَيْراتِ كُلِّها كَيْفَما أمْكَنَ قَبْلَ الفَواتِ.
﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ الخِطابُ لِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُؤْمِنِينَ مِنهم والمُنافِقِينَ والمُبْطِئُونَ مُنافِقُوهم تَثاقَلُوا وتَخَلَّفُوا عَنِ الجِهادِ، مَن بَطَّأ بِمَعْنى أبْطَأ وهو لازِمٌ أوْ ثَبَّطُوا غَيْرَهم كَما ثَبَّطَ ابْنُ أُبَيٍّ ناسًا يَوْمَ أُحُدٍ، مَن بَطَّأ مَنقُولًا مِن بَطُؤَ كَثَقَّلَ مِن ثَقُلَ واللّامُ الأُولى لِلِابْتِداءِ دَخَلَتِ اسْمَ إنَّ لِلْفَصْلِ بِالخَبَرِ، والثّانِيَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ والقَسَمُ بِجَوابِهِ صِلَةُ مِن والرّاجِعُ إلَيْهِ ما اسْتَكَنَّ في لَيُبَطِّئَنَّ والتَّقْدِيرُ: وإنْ مِنكم لَمَن أقْسَمَ بِاللَّهِ لَيُبَطِّئَنَّ. ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ كَقَتْلٍ وهَزِيمَةٍ. ﴿قالَ﴾ أيِ المُبْطِئُ. ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ حاضِرًا فَيُصِيبُنِي ما أصابَهم.
4:73Page 89
وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٧٣
But if bounty comes to you from Allāh, he will surely say, as if [i.e., showing that] there had never been between you and him any affection, "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."1
﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ كَفَتْحٍ وغَنِيمَةٍ. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ أكَّدَهُ تَنْبِيهًا عَلى فَرْطِ تَحَسُّرِهِ، وقُرِئَ بِضَمِّ اللّامِ إعادَةً لِلضَّمِيرِ إلى مَعْنى مِنَ. ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ وهو. ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ضَعْفِ عَقِيدَتِهِمْ، وأنَّ قَوْلَهم هَذا قَوْلُ مَن لا مُواصَلَةَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ، وإنَّما يُرِيدُ أنْ يَكُونَ مَعَكم لِمُجَرَّدِ المالِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَيَقُولَنَّ أوْ داخِلٌ في المَقُولِ أيْ يَقُولُ المُبْطِئُ لِمَن يُبْطِئُهُ مِنَ المُنافِقِينَ، وضَعْفُهُ المُسْلِمِينَ تَضْرِيبًا وحَسَدًا، كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَوَدَّةٌ (p-84)حَيْثُ لَمْ يَسْتَعِنْ بِكم فَتَفُوزُوا بِما فازَ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم. وقِيلَ: إنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالجُمْلَةِ الأوْلى وهو ضَعِيفٌ، إذْ لا يُفْصَلُ أبْعاضُ الجُمْلَةِ بِما لا يَتَعَلَّقُ بِها لَفْظًا ومَعْنًى وكَأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وهو مَحْذُوفٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ تَكُنْ بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ لَفْظِ المَوَدَّةِ، والمُنادى في يا لَيْتَنِي مَحْذُوفٌ أيْ: يا قَوْمُ وقِيلَ يا أُطْلِقَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاتِّساعِ فَأفُوزَ نُصِبَ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ فَأنا أفُوزُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوِ العَطْفِ عَلى كُنْتُ.
4:74Page 89
۞ فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤
So let those fight in the cause of Allāh who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allāh and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.
﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَبِيعُونَها بِها، والمَعْنى إنْ بَطَّأ هَؤُلاءِ عَنِ القِتالِ فَلْيُقاتِلِ المُخْلِصُونَ الباذِلُونَ أنْفُسَهم في طَلَبِ الآخِرَةِ، أوِ الَّذِينَ يَشْتَرُونَها ويَخْتارُونَها عَلى الآخِرَةِ وهُمُ المُبْطِئُونَ، والمَعْنى حَثَّهم عَلى تَرْكِ ما حُكِيَ عَنْهم. ﴿وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وعَدَ لَهُ الأجْرَ العَظِيمَ غَلَبَ أوْ غُلِبَ، تَرْغِيبًا في القِتالِ وتَكْذِيبًا لِقَوْلِهِمْ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا وإنَّما قالَ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُجاهِدَ يَنْبَغِي أنْ يَثْبُتَ في المَعْرَكَةِ حَتّى يُعِزَّ نَفْسَهُ بِالشَّهادَةِ أوِ الدِّينِ، بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ وأنْ لا يَكُونَ قَصْدُهُ بِالذّاتِ إلى القَتْلِ، بَلْ إلى إعْلاءِ الحَقِّ وإعْزازِ الدِّينِ.
4:75Page 90
وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥
And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allāh and [for] the oppressed among men, women and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper"?
﴿وَما لَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. ﴿لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيها ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الفِعْلِ.
﴿والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى أيْ وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وهو تَخْلِيصُهم مِنَ الأسْرِ وصَوْنُهم عَنِ العَدُوِّ، أوْ عَلى سَبِيلٍ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ وفي خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الِاخْتِصاصِ فَإنَّ سَبِيلَ اللَّهِ تَعالى يَعُمُّ أبْوابَ الخَيْرِ، وتَخْلِيصُ ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي الكُفّارِ أعْظَمُها وأخَصُّها. ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ وهُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ بَقُوا بِمَكَّةَ لِصَدِّ المُشْرِكِينَ، أوْ ضَعْفِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ مُسْتَذِلِّينَ مُمْتَحَنِينَ، وإنَّما ذُكِرَ الوَلَدانِ مُبالَغَةً في الحَثِّ وتَنْبِيهًا عَلى تَناهِي ظُلْمِ المُشْرِكِينَ بِحَيْثُ بَلَغَ أذاهُمُ الصِّبْيانَ، وأنَّ دَعْوَتَهم أُجِيبَتْ بِسَبَبِ مُشارَكَتِهِمْ في الدُّعاءِ حَتّى يُشارِكُوا في اسْتِنْزالِ الرَّحْمَةِ واسْتِدْفاعِ البَلِيَّةِ.
وَقِيلَ المُرادُ بِهِ العَبِيدُ والإماءُ وهو جَمْعُ ولِيدٍ. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ فاسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهم بِأنْ يَسَّرَ لِبَعْضِهِمُ الخُرُوجَ إلى المَدِينَةِ وجَعَلَ لِمَن بَقِيَ مِنهم خَيْرَ ولِيٍّ وناصِرٍ بِفَتْحِ مَكَّةَ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ، فَتَوَلّاهم ونَصَرَهم ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَتّابَ بْنَ أُسِيدٍ فَحَماهم ونَصَرَهم حَتّى صارُوا أعَزَّ أهْلِها، والقَرْيَةُ مَكَّةُ والظّالِمُ صِفَتُها، وتَذْكِيرُهُ لِتَذْكِيرِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ إذا جَرى عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ كانَ كالفِعْلِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ عَلى حَسَبِ ما عَمِلَ فِيهِ.
4:76Page 90
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦
Those who believe fight in the cause of Allāh, and those who disbelieve fight in the cause of ṭāghūt.1 So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِيما يَصِلُونَ بِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ فِيما يَبْلُغُ بِهِمْ إلى الشَّيْطانِ. ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ لِما ذَكَرَ مَقْصِدَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ أوْلِياءَهُ أنْ يُقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ ثُمَّ شَجَّعَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ أيْ إنَّ كَيْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالإضافَةِ إلى (p-85)كَيْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْكافِرِينَ، ضَعِيفٌ لا يُؤْبَهُ بِهِ فَلا تَخافُوا أوْلِياءَهُ، فَإنَّ اعْتِمادَهم عَلى أضْعَفِ شَيْءٍ وأوْهَنِهِ.
4:77Page 90
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧
Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting]1 and establish prayer and give zakāh"? But then when battle was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allāh or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, "The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allāh. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ أيْ عَنِ القِتالِ. ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ واشْتَغِلُوا بِما أُمِرْتُمْ بِهِ. ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ يَخْشَوْنَ الكُفّارَ أنْ يَقْتُلُوهم كَما يَخْشَوْنَ اللَّهَ أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ بِأْسَهُ، وإذا لِلْمُفاجَأةِ جَوابٌ لِما وفَرِيقٌ مُبْتَدَأٌ مِنهم صِفَتُهُ ويَخْشَوْنَ خَبَرُهُ وكَخَشْيَةِ اللَّهِ مِن إضافَةِ المُصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وقَعَ مَوْقِعَ المَصْدَرِ أوِ الحالِ مِن فاعِلِ يَخْشَوْنَ عَلى مَعْنى، يَخْشَوْنَ النّاسَ مِثْلَ أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ مِنهُ. ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ إنْ جَعَلْتَهُ حالًا وإنْ جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا فَلا، لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا نَصَبَ ما بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى أيْ: وكَخَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كَخَشْيَةٍ أشَدِّ خَشْيَةً مِنهُ، عَلى الفَرْضِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ تَجْعَلَ الخَشْيَةَ ذاتَ خَشْيَةٍ كَقَوْلِهِمْ: جِدُّ جِدِّهِ عَلى مَعْنى يَخْشَوْنَ النّاسَ خَشْيَةً مِثْلَ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ خَشْيَةً أشَدَّ خَشْيَةٍ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ. ﴿وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ اسْتِزادَةٌ في مُدَّةِ الكَفِّ عَنِ القِتالِ حَذَرًا عَنِ المَوْتِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم ما تَفَوَّهُوا بِهِ ولَكِنْ قالُوا في أنْفُسِهِمْ فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم. ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ سَرِيعُ التَّقَضِّي ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ أيْ ولا تُنْقَصُونَ أدْنى شَيْءٍ مِن ثَوابِكم فَلا تَرْغَبُوا عَنْهُ، أوْ مِن آجالِكُمُ المُقَدَّرَةِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ولا يُظْلَمُونَ لِتَقَدُّمِ الغَيْبَةِ.
4:78Page 90
أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا ٧٨
Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allāh"; and if evil befalls them, they say,1 "This is from you." Say, "All [things] are from Allāh." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?
﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى حَذْفِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ: مَن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها أوْ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، وأيْنَما مُتَّصِلٌ بِ لا تُظْلَمُونَ. ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ في قُصُورٍ أوْ حُصُونٍ مُرْتَفِعَةٍ، والبُرُوجُ في الأصْلِ بُيُوتٌ عَلى أطْرافِ القُصُورِ، مِن تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ إذا ظَهَرَتْ. وقُرِئَ مَشِيدَةٍ بِكَسْرِ الياءِ وصْفًا لَها بِوَصْفِ فاعِلِها كَقَوْلِهِمْ: قَصِيدَةٌ شاعِرَةٌ، ومَشِيدَةٌ مِن شادَ القَصْرَ إذا رَفَعَهُ. ﴿وَإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ كَما تَقَعُ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ يَقَعانِ عَلى النِّعْمَةِ والبَلِيَّةِ، وهُما المُرادُ في الآيَةِ أيْ: وإنْ تُصِبْهم نِعْمَةٌ كَخِصْبٍ نَسَبُوها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإنْ تُصِبْهم بَلِيَّةٌ كَقَحْطٍ أضافُوها إلَيْكَ وقالُوا إنْ هي إلّا بِشُؤْمِكَ كَما قالَتِ اليَهُودُ: مُنْذُ دَخَلَ مُحَمَّدٌ المَدِينَةَ نَقَصَتْ ثِمارُها وغَلَتْ أسْعارُها. ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ يَبْسُطُ ويَقْبِضُ حَسَبَ إرادَتِهِ. ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ يُوعَظُونَ بِهِ، وهو القُرْآنُ فَإنَّهم لَوْ فَهِمُوهُ وتَدَبَّرُوا مَعانِيَهُ لَعَلِمُوا أنَّ الكُلَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ حَدِيثًا ما كَبَهائِمٍ لا أفْهامَ لَها أوْ حادِثًا مِن صُرُوفِ الزَّمانِ فَيَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ القابِضَ والباسِطَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
4:79Page 90
مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٧٩
What comes to you of good is from Allāh, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself.1 And We have sent you, [O Muḥammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allāh as Witness.2
(p-86)﴿ما أصابَكَ﴾ يا إنْسانُ. ﴿مِن حَسَنَةٍ﴾ مِن نِعْمَةٍ. ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ أيْ تَفَضُّلًا مِنهُ، فَإنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ الإنْسانُ مِنَ الطّاعَةِ لا يُكافِئُ نِعْمَةَ الوُجُودِ، فَكَيْفَ يَقْتَضِي غَيْرُهُ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. قِيلَ ولا أنْتَ قالَ: ولا أنا» .
﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ مِن بَلِيَّةٍ. ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ لِأنَّها السَّبَبُ فِيها لِاسْتِجْلابِها بِالمَعاصِي، وهو لا يُنافِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَإنَّ الكُلَّ مِنهُ إيجادًا وإيصالًا غَيْرَ أنَّ الحَسَنَةَ إحْسانٌ وامْتِنانٌ والسَّيِّئَةُ مُجازاةٌ وانْتِقامٌ كَما قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «ما مِن مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ وصَبٌ ولا نَصَبٌ حَتّى الشَّوْكَةُ يُشاكُها وحَتّى انْقِطاعُ شِسْعِ نَعْلِهِ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . والآيَتانِ كَما تَرى لا حُجَّةَ فِيهِما لَنا ولِلْمُعْتَزِلَةِ. ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ حالٌ قُصِدَ بِها التَّأْكِيدُ إنْ عُلِّقَ الجارُّ بِالفِعْلِ والتَّعْمِيمُ إنْ عُلِّقَ بِها أيْ رَسُولًا لِلنّاسِ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ: ولا خارِجًا مِن فِيِّ زُورُ كَلامِ. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ عَلى رِسالَتِكَ بِنَصْبِ المُعْجِزاتِ.
4:80–81Page 91
مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠
He who obeys the Messenger has obeyed Allāh; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.
وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١
And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allāh records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحَقِيقَةِ مُبَلِّغٌ، والآمِرُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
رُوِيَ (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ ومَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ» . فَقالَ المُنافِقُونَ لَقَدْ قارَفَ الشِّرْكَ وهو يَنْهى عَنْهُ، ما يُرِيدُ إلّا أنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى رَبًّا فَنَزَلَتْ.
﴿وَمَن تَوَلّى﴾ عَنْ طاعَتِهِ. ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم وتُحاسِبُهم عَلَيْها، إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ وهو حالٌ مِنَ الكافِ.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ إذا أمَرْتَهم بِأمْرٍ. ﴿طاعَةٌ﴾ أيْ أمْرُنا أوْ مِنّا طاعَةٌ، وأصْلُها النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ ورَفْعُها لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. ﴿فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ خَرَجُوا. ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أيْ زَوَّرْتَ خِلافَ ما قُلْتَ لَها، أوْ ما قالَتْ لَكَ مِنَ القَبُولِ وضَمانِ الطّاعَةِ، والتَّبْيِيتُ إمّا مِنَ البَيْتُوتَةِ لِأنَّ الأُمُورَ تُدَبَّرُ بِاللَّيْلِ، أوْ مِن بَيْتِ الشَّعَرِ، أوِ البَيْتِ المَبْنِيِّ لِأنَّهُ يُسَوِّي ويُدَبَّرُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ بَيَّتَ طائِفَةٌ بِالإدْغامِ لِقُرْبِهِما في المَخْرَجِ. ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ يُثْبِتُهُ في صَحائِفِهِمْ لِلْمُجازاةِ، أوْ في جُمْلَةِ ما يُوحى إلَيْكَ لِتَطَّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ. ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قَلِّلِ المُبالاةَ بِهِمْ أوْ تَجافَ عَنْهم. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في الأُمُورِ كُلِّها سِيَّما في شَأْنِهِمْ. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ يَكْفِيكَ مُضِرَّتَهم ويَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم.
4:82Page 91
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢
Then do they not reflect upon the Qur’ān?1 If it had been from [any] other than Allāh, they would have found within it much contradiction.
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ يَتَأمَّلُونَ في مَعانِيهِ ويَتَبَصَّرُونَ ما فِيهِ، وأصْلُ التَّدَبُّرِ النَّظَرُ في أدْبارِ الشَّيْءِ. ﴿وَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ أيْ ولَوْ كانَ مِن كَلامِ البَشَرِ كَما تَزْعُمُ الكُفّارُ. ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ مِن تَناقُضِ المَعْنى وتَفاوُتِ النُّظُمِ، وكانَ بَعْضُهُ فَصِيحًا وبَعْضُهُ رَكِيكًا، وبَعْضُهُ يَصْعُبُ مُعارَضَتُهُ وبَعْضُهُ يَسْهُلُ، ومُطابَقَةُ بَعْضِ أخْبارِهِ المُسْتَقْبَلَةِ لِلْواقِعِ دُونَ بَعْضٍ، ومُوافَقَةُ العَقْلِ لِبَعْضِ أحْكامِهِ دُونَ بَعْضٍ، عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِقْراءُ لِنُقْصانِ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ. ولَعَلَّ ذِكْرَهُ ها هُنا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اخْتِلافَ ما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ لَيْسَ لِتَناقُضٍ في الحُكْمِ بَلْ لِاخْتِلافِ الأحْوالِ في الحُكْمِ والمَصالِحِ.
4:83Page 91
وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣
And when there comes to them something [i.e., information] about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.
(p-87)﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ مِمّا يُوجِبُ الأمْنَ أوِ الخَوْفَ. ﴿أذاعُوا بِهِ﴾ أفْشَوْهُ كَما كانَ يَفْعَلُهُ قَوْمٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ إذا بَلَغَهم خَبَرٌ عَنْ سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ أخْبَرَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِما أُوحِي إلَيْهِ مِن وعْدٍ بِالظَّفَرِ، أوْ تَخْوِيفٍ مِنَ الكَفَرَةِ أذاعُوا بِهِ لِعَدَمِ حَزْمِهِمْ فَكانَتْ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً. والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ لِتَضْمَنَ الإذاعَةُ مَعْنى التَّحَدُّثِ. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أيْ ولَوْ رَدُّوا ذَلِكَ الخَبَرَ. ﴿إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ إلى رَأْيِهِ ورَأْيِ كِبارِ أصْحابِهِ البُصَراءِ بِالأُمُورِ، أوِ الأُمَراءِ. ﴿لَعَلِمَهُ﴾ لَعَلِمَ ما أُخْبِرُوا بِهِ عَلى أيِّ وجْهٍ يُذْكَرُ. ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ يَسْتَخْرِجُونَ تَدابِيرَهُ بِتَجارِبِهِمْ وأنْظارِهِمْ. وقِيلَ كانُوا يَسْمَعُونَ أراجِيفَ المُنافِقِينَ فَيُذِيعُونَها فَتَعُودُ وبالًا عَلى المُسْلِمِينَ، ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم حَتّى يَسْمَعُوهُ مِنهم وتَعْرِفُوا أنَّهُ هَلْ يُذاعُ لِعِلْمِ ذَلِكَ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ مِن جِهَتِهِمْ، وأصْلُ الِاسْتِنْباطِ إخْراجُ النَّبَطِ: وهو الماءُ، يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما يُحْفَرُ. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ بِإرْسالِ الرَّسُولِ وإنْزالِ الكِتابِ. ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ والكُفْرَ والضَّلالَ. ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ إلّا قَلِيلًا مِنكم تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعَقْلٍ راجِحٍ اهْتَدى بِهِ إلى الحَقِّ والصَّوابِ، وعَصَمَهُ عَنْ مُتابَعَةِ الشَّيْطانِ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ. أوْ إلّا اتِّباعًا قَلِيلًا عَلى النُّدُورِ.
4:84Page 91
فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا ٨٤
So fight, [O Muḥammad], in the cause of Allāh; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allāh will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allāh is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.1
﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أنْ تُثَبَّطُوا وتَرَكُوكَ وحْدَكَ. ﴿لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ إلّا فِعْلَ نَفْسِكَ لا يَضُرُّكَ مُخالَفَتُهم وتَقاعُدُهُمْ، فَتَقَدَّمْ إلى الجِهادِ وإنْ لَمْ يُساعِدْكَ أحَدٌ فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكَ لا الجُنُودَ.
رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعا النّاسَ في بَدْرٍ الصُّغْرى إلى الخُرُوجِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهم فَنَزَلَتْ. فَخَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما مَعَهُ إلّا سَبْعُونَ لَمْ يَلْوِ عَلى أحَدٍ» .
وَقُرِئَ «لا تُكَلَّفْ» بِالجَزْمِ، و «لا نُكَلِّفُ» بِالنُّونِ عَلى بِناءِ الفاعِلِ أيْ لا نُكَلِّفُكَ إلّا فِعْلَ نَفْسِكَ، لا أنّا لا نُكَلِّفُ أحَدًا إلّا نَفْسَكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى القِتالِ إذْ ما عَلَيْكَ في شَأْنِهِمْ إلّا التَّحْرِيضُ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا، وقَدْ فَعَلَ بِأنْ ألْقى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ حَتّى رَجَعُوا. ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا﴾ مِن قُرَيْشٍ. ﴿وَأشَدُّ تَنْكِيلا﴾ تَعْذِيبًا مِنهُمْ، وهو تَقْرِيعٌ وتَهْدِيدٌ لِمَن لَمْ يَتْبَعْهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences