Al-BaydawiAn‑Nisa · 4:85–101

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:85–101

4:85Page 91

مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥

Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1

﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ راعى بِها حَقَّ مُسْلِمٍ ودَفَعَ بِها عَنْهُ ضَرًّا أوْ جَلَبَ إلَيْهِ نَفْعًا ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، ومِنها الدُّعاءُ لِمُسْلِمٍ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن دَعا لِأخِيهِ المُسْلِمِ بِظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ وقالَ لَهُ المَلَكُ ولَكَ مِثَلُ ذَلِكَ» .

﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾ وهو ثَوابُ الشَّفاعَةِ والتَّسَبُّبِ إلى الخَيْرِ الواقِعِ بِها. ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ يُرِيدُ بِها مُحَرَّمًا. ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ نَصِيبٌ مِن وِزْرِها مُساوٍ لَها في القَدْرِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ مُقْتَدِرًا مِن أقاتَ عَلى الشَّيْءِ إذا قَدِرَ قالَ:

؎ وذِي ضُغْنٍ كَفَفْتُ الضُّغْنَ عَنْهُ ∗∗∗ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتًا

أوْ شَهِيدًا حافِظًا، واشْتِقاقُهُ مِنَ القُوتِ فَإنَّهُ يُقَوِّي البَدَنَ ويَحْفَظُهُ.

4:86Page 91

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.

﴿وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ في السَّلامِ، ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الجَوابِ إمّا بِأحْسَنَ مِنهُ وهو أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَإنْ قالَهُ المُسْلِمُ زادَ وبَرَكاتُهُ وهي النِّهايَةُ وإمّا بِرَدٍّ مِثْلِهِ (p-88)لِما رُوِيَ « (أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: السَّلامُ عَلَيْكَ. فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ. وقالَ آخَرُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. وقالَ آخَرُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. فَقالَ: وعَلَيْكَ. فَقالَ الرَّجُلُ: نَقَصْتَنِي فَأيْنَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى وتَلا الآيَةَ. فَقالَ ﷺ: إنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ لِي فَضْلًا فَرَدَدْتُ عَلَيْكَ مِثْلَهُ.»

وَذَلِكَ لِاسْتِجْماعِهِ أقْسامَ المُطالِبِ السَّلامَةَ عَنِ المَضارِّ وحُصُولَ المَنافِعِ وثَباتَها ومِنهُ قِيلَ: أوْ لِلتَّرْدِيدِ بَيْنَ أنْ يُحَيِّيَ المُسْلِمُ بِبَعْضِ التَّحِيَّةِ وبَيْنَ أنْ يُحَيِّيَ بِتَمامِها، وهَذا الوُجُوبُ عَلى الكِفايَةِ وحَيْثُ السَّلامُ مَشْرُوعٌ فَلا يَرِدُ في الخُطْبَةِ، وقِراءَةُ القُرْآنِ، وفي الحَمّامِ، وعِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ ونَحْوَها. والتَّحِيَّةُ في الأصْلِ مَصْدَرُ حَيّاكَ اللَّهُ عَلى الإخْبارِ مِنَ الحَياةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِلْحُكْمِ والدُّعاءِ بِذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ دُعاءٍ فَغَلَبَ في السَّلامِ. وقِيلَ المُرادُ بِالتَّحِيَّةِ العَطِيَّةُ وواجِبُ الثَّوابِ أوِ الرَّدِّ عَلى المُتَّهِبِ، وهو قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ يُحاسِبُكم عَلى التَّحِيَّةِ وغَيْرِها.

4:87Page 92

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧

Allāh - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allāh in statement.

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوِ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيِ اللَّهُ، واللَّهُ لَيَحْشُرَنَّكم مِن قُبُورِكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ مُفْضِينَ إلَيْهِ أوْ في يَوْمِ القِيامَةِ، ولا إلَهَ إلّا هُوَ، اعْتِراضٌ. والقِيامُ والقِيامَةُ كالطِّلابِ والطِّلابَةِ وهي قِيامُ النّاسِ مِنَ القُبُورِ أوْ لِلْحِسابِ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في اليَوْمِ أوْ في الجَمْعِ فَهو حالٌ مِنَ اليَوْمِ، أوْ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أكْثَرَ صِدْقًا مِنهُ، فَإنَّهُ لا يَتَطَرَّقُ الكَذِبُ إلى خَبَرِهِ بِوَجْهٍ لِأنَّهُ نَقْصٌ وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ.

4:88Page 92

۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ٨٨

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites,1 while Allāh has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned.2 Do you wish to guide those whom Allāh has sent astray? And he whom Allāh sends astray - never will you find for him a way [of guidance].3

﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ﴾ فَما لَكم تَفَرَّقْتُمْ في أمْرِ المُنافِقِينَ. ﴿فِئَتَيْنِ﴾ أيْ فِرْقَتَيْنِ ولَمْ تَتَّفِقُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ ناسًا مِنهُمُ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الخُرُوجِ إلى البَدْوِ لِاجْتِواءِ المَدِينَةِ، فَلَمّا خَرَجُوا لَمْ يَزالُوا رَحْلَيْنِ مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً حَتّى لَحِقُوا بِالمُشْرِكِينَ، فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ في إسْلامِهِمْ. وقِيلَ نَزَلَتْ في المُتَخَلِّفِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، أوْ في قَوْمٍ هاجَرُوا ثُمَّ رَجَعُوا مُعْتَلِّينَ بِاجْتِواءِ المَدِينَةِ والِاشْتِياقِ إلى الوَطَنِ، أوْ قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ وقَعَدُوا عَنِ الهِجْرَةِ. وفِئَتَيْنِ حالٌ عامِلُها لَكم كَقَوْلِكَ: ما لَكَ قائِمًا. وفي المُنافِقِينَ حالٌ مِن فِئَتَيْنِ أيْ مُتَفَرِّقَتَيْنِ فِيهِمْ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ فَما لَكم تَفْتَرِقُونَ فِيهِمْ، ومَعْنى الِافْتِراقِ مُسْتَفادٌ مِن فِئَتَيْنِ. ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ رَدَّهم إلى حُكْمِ الكَفَرَةِ، أوْ نَكَسَهم بِأنْ صَيَّرَهم لِلنّارِ. وأصْلُ الرَّكْسِ رَدُّ الشَّيْءِ مَقْلُوبًا. ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ أنْ تَجْعَلُوهُ مِنَ المُهْتَدِينَ. ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ إلى الهُدى.

4:89Page 92

وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا ٨٩

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allāh. But if they turn away [i.e., refuse], then seize them and kill them [for their betrayal] wherever you find them and take not from among them any ally or helper,

﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ تَمَنَّوْا أنْ تَكْفُرُوا كَكُفْرِهِمْ. ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ فَتَكُونُونَ مَعَهم سَواءً في الضَّلالِ، وهو عَطْفٌ عَلى تَكْفُرُونَ ولَوْ نُصِبَ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي لَجازَ. ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَلا تُوالُوهم حَتّى يُؤْمِنُوا وتَتَحَقَّقُوا إيمانَهم بِهِجْرَةٍ هي لِلَّهِ ورَسُولِهِ لا لِأغْراضِ الدُّنْيا، وسَبِيلِ اللَّهِ ما أمَرَ بِسُلُوكِهِ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الإيمانِ الظّاهِرِ بِالهِجْرَةِ أوْ عَنْ إظْهارِ الإيمانِ. ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ (p-89)وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ كَسائِرِ الكَفَرَةِ. ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ أيْ جانِبُوهم رَأْسًا ولا تَقْبَلُوا مِنهم وِلايَةً ولا نُصْرَةً.

4:90Page 92

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا ٩٠

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allāh had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allāh has not made for you a cause [for fighting] against them.

﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ فَخُذُوهم واقْتُلُوهم أيْ: إلّا الَّذِينَ يَتَّصِلُونَ ويَنْتَهُونَ إلى قَوْمٍ عاهَدُوكُمْ، ويُفارِقُونَ مُحارَبَتَكم. والقَوْمُ هم خُزاعَةُ. وقِيلَ: هُمُ الأسْلَمِيُّونَ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وادَعَ وقْتَ خُرُوجِهِ إلى مَكَّةَ هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيَّ عَلى أنْ لا يُعِينَهُ ولا يُعِينَ عَلَيْهِ، ومَن لَجَأ إلَيْهِ فَلَهُ مِنَ الجِوارِ مِثْلُ مالِهِ. وقِيلَ بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ. ﴿أوْ جاءُوكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى الصِّلَةِ، أيْ أوِ الَّذِينَ جاءُوكم كافِّينَ عَنْ قِتالِكم وقِتالِ قَوْمِهِمُ، اسْتَثْنى مِنَ المَأْمُورِ بِأخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ مَن تَرَكَ المُحارِبِينَ فَلَحِقَ بِالمُعاهِدِينَ، أوْ أتى الرَّسُولَ ﷺ وكَفَّ عَنْ قِتالِ الفَرِيقَيْنِ، أوْ عَلى صِفَةِ قَوْمٍ وكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ مُعاهِدِينَ، أوْ قَوْمٍ كافِّينَ عَنِ القِتالِ لَكم وعَلَيْكم. والأوَّلُ أظْهَرُ لِقَوْلِهِ فَإنِ اعْتَزَلُوكم. وقُرِئَ بِغَيْرِ العاطِفِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ أوْ بَيانٌ لِيَصِلُونَ أوِ اسْتِئْنافٌ. ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ «حَصْرَةُ صُدُورِهِمْ» وحَصَراتُ صُدُورِهِمْ، أوْ بَيانٌ لِجاءُوكم وقِيلَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ أيْ جاءُوكم قَوْمًا حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، وهم بَنُو مُدْلِجٍ جاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مُقاتِلِينَ والحَصْرُ الضِّيقُ والِانْقِباضُ. ﴿أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أيْ عَنْ أنَّ أوْ لِأنَّ أوْ كَراهَةَ أنْ يُقاتِلُوكم. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ﴾ بِأنْ قَوّى قُلُوبَهم وبَسَطَ صُدُورَهم وأزالَ الرُّعْبَ عَنْهم. ﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ ولَمْ يَكُفُّوا عَنْكم. ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ فَإنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَكم. ﴿وَألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ. ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ فَما أذِنَ لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ.

4:91Page 92

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ٩١

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ هم أسَدُ وغَطَفانُ، وقِيلَ بَنُو عَبْدِ الدّارِ أتَوُا المَدِينَةَ وأظْهَرُوا الإسْلامَ لِيَأْمَنُوا المُسْلِمِينَ فَلَمّا رَجَعُوا كَفَرُوا. ﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ دَعَوْا إلى الكُفْرِ وإلى قِتالِ المُسْلِمِينَ. ﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ عادُوا إلَيْها وقَلَّبُوا فِيها أقْبَحَ قَلْبٍ. ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ ويَنْبِذُوا إلَيْكُمُ العَهْدَ. ﴿وَيَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ﴾ عَنْ قِتالِكم. ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ حَيْثُ تَمَكَّنْتُمْ مِنهم فَإنَّ مُجَرَّدَ الكَفِّ لا يُوجِبُ نَفْيَ التَّعَرُّضِ. ﴿وَأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً واضِحَةً في التَّعَرُّضِ لَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ ووُضُوحِ كُفْرِهِمْ وغَدْرِهِمْ، أوْ تَسَلُّطًا ظاهِرًا حَيْثُ أذِنّا لَكم في قَتْلِهِمْ.

4:92Page 93

وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٩٢

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment [diyah] presented to his [i.e., the deceased's] family [is required], unless they give [up their right as] charity. But if he [i.e., the deceased] was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively,1 [seeking] acceptance of repentance from Allāh.2 And Allāh is ever Knowing and Wise.

(p-90)﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ وما صَحَّ لَهُ ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ. ﴿أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ. ﴿إلا خَطَأً﴾ فَإنَّهُ عَلى عُرْضَتِهِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ أوِ المَفْعُولِ لَهُ أيْ: لا يَقْتُلُهُ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ الخَطَأِ، أوْ لا يَقْتُلُهُ لِعِلَّةٍ إلّا لِلْخَطَأِ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إلّا قَتْلًا خَطَأً. وقِيلَ ما كانَ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَجَزاؤُهُ ما يَذْكُرُ، والخَطَأُ ما لا يُضامُّهُ القَصْدُ إلى الفِعْلِ أوِ الشَّخْصِ أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ زُهُوقُ الرُّوحِ غالِبًا، أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ مَحْظُورٌ كَرَمْيِ مُسْلِمٍ في صَفِّ الكُفّارِ مَعَ الجَهْلِ بِإسْلامِهِ، أوْ يَكُونُ فِعْلُ غَيْرِ المُكَلَّفِ. وقُرِئَ «خَطاءً» بِالمَدِّ و «خَطا» كَعَصا بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ أخِي أبِي جَهْلٍ مِنَ الأُمِّ، لَقِيَ حارِثَ بْنَ زَيْدٍ في طَرِيقٍ وكانَ قَدْ أسْلَمَ ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ عَيّاشٌ فَقَتَلَهُ.

﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ أوْ فَواجِبُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، والتَّحْرِيرُ الإعْتاقُ، والحُرُّ كالعَتِيقِ لِلْكَرِيمِ مِنَ الشَّيْءِ ومِنهُ حُرُّ الوَجْهِ لِأكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّ الكَرَمَ في الأحْرارِ واللُّؤْمَ في العَبِيدِ، والرَّقَبَةُ عَبَّرَ بِها عَنِ النَّسَمَةِ كَما عَبَّرَ عَنْها بِالرَّأْسِ. ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ مَحْكُومٌ بِإسْلامِها وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً. ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ مُؤَدّاةٌ إلى ورَثَتِهِ يَقْتَسِمُونَها كَسائِرِ المَوارِيثِ، لِقَوْلِ ضَحّاكِ بْنِ سُفْيانَ الكِلابِيِّ: « (كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِي أنْ أُوَرِّثَ امْرَأةَ أشْيَمَ الضَّبابِيِّ مِن عَقْلِ زَوْجِها)» .

وَهِيَ عَلى العاقِلَةِ فَإنْ لَمْ تَكُنْ فَعَلى بَيْتِ المالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَفي مالِهِ. ﴿إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إلّا أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ بِالدِّيَةِ. سُمِّيَ العَفْوُ عَنْها صَدَقَةً حَثًّا عَلَيْهِ وتَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ».»

وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِعَلَيْهِ، أوْ بِمُسَلَّمَةٍ أيْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ أوْ يُسَلِّمُها إلى أهْلِهِ إلّا حالَ تَصَدُّقِهِمْ عَلَيْهِ. أوْ زَمانَهُ فَهو في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ القاتِلِ أوِ الأهْلِ أوِ الظَّرْفِ. ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ فَإنْ كانَ المُؤْمِنُ المَقْتُولُ مِن قَوْمٍ كُفّارٍ مُحارِبِينَ، أوْ في تَضاعِيفِهِمْ ولَمْ يُعْلَمْ إيمانُهُ فَعَلى قاتِلِهِ الكَفّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ لِأهْلِهِ إذْ لا وِراثَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم ولِأنَّهم مُحارِبُونَ. ﴿وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ كَفَرَةٍ مُعاهِدِينَ، أوْ أهْلِ الذِّمَّةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ المُسْلِمِينَ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ والدِّيَةِ ولَعَلَّهُ فِيما إذا كانَ المَقْتُولُ مُعاهِدًا، أوْ كانَ لَهُ وارِثٌ مُسْلِمٌ. ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ رَقَبَةً بِأنْ لَمْ يَمْلِكْها ولا ما يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها.

﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ فَعَلَيْهِ أوْ فالواجِبُ عَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ. ﴿تَوْبَةً﴾ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ لَهُ أيْ شُرِعَ ذَلِكَ تَوْبَةً، مِن تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذا قَبِلَ تَوْبَتَهُ. أوْ عَلى المَصْدَرِ أيْ وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم تَوْبَةً أوِ الحالِ بِحَذْفِ مُضافٍ أيْ فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ ذا تَوْبَةٍ. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صِفَتُها. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بِحالِهِ. ﴿حَكِيمًا﴾ فِيما أمَرَ في شَأْنِهِ.

4:93Page 93

وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allāh has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ لِما فِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. «لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ قاتِلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا» . ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ التَّشْدِيدَ إذْ رُوِيَ عَنْهُ خِلافُهُ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَن لَمْ يَتُبْ لِقَوْلِهِ تَعالى: وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ ونَحْوَهُ وهو عِنْدَنا إمّا مَخْصُوصٌ بِالمُسْتَحِلِّ لَهُ كَما ذَكَرَهُ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ نَزَلَ في مَقِيسُ بْنُ ضَبابَةَ وجَدَ أخاهُ هِشامًا قَتِيلًا في بَنِي النَّجّارِ ولَمْ يَظْهَرْ قاتِلُهُ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ دِيَتَهُ فَدَفَعُوا إلَيْهِ ثُمَّ حَمَلَ عَلى مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ ورَجَعَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، أوِ المُرادُ بِالخُلُودِ المُكْثُ الطَّوِيلُ فَإنَّ الدَّلائِلَ مُتَظاهِرَةٌ عَلى أنَّ عُصاةَ المُسْلِمِينَ لا يَدُومُ عَذابُهم.

4:94Page 93

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٩٤

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allāh, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace, "You are not a believer,"1 aspiring for the goods of worldly life; for with Allāh are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allāh conferred His favor [i.e., guidance] upon you, so investigate. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

(p-91)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سافَرْتُمْ وذَهَبْتُمْ لِلْغَزْوِ. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ فاطْلُبُوا بَيانَ الأمْرِ وثَباتَهُ ولا تَعْجَلُوا فِيهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَتَثْبُتُوا في المَوْضِعَيْنِ هُنا، وفي «الحُجُراتِ» مِنَ التَّثَبُّتِ. ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ لِمَن حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ السَّلَمَ بِغَيْرِ الألْفِ أيِ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ وفُسِّرَ بِهِ السَّلامُ أيْضًا. ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وإنَّما فَعَلْتُ ذَلِكَ مُتَعَوِّذًا. وقُرِئَ «مُؤَمَّنًا» بِالفَتْحِ أيْ مَبْذُولًا لَهُ الأمانُ. ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ تَطْلُبُونَ مالَهُ الَّذِي هو حُطامٌ سَرِيعُ النَّفاذِ، وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في تَقُولُوا مُشْعِرٌ بِما هو الحامِلُ لَهم عَلى العَجَلَةِ وتَرْكِ التَّثَبُّتِ. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ﴾ لَكم ﴿كَثِيرَةٌ﴾ تُغْنِيكم عَنْ قَتْلِ أمْثالِهِ لِمالِهِ. ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ أوَّلَ ما دَخَلْتُمْ في الإسْلامِ تَفَوَّهْتُمْ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ فَحُصِنَتْ بِها دِماؤُكم وأمْوالُكم مِن غَيْرِ أنْ يَعْلَمَ مُواطَأةَ قُلُوبِكم ألْسِنَتَكم. ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِالِاشْتِهارِ بِالإيمانِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وافْعَلُوا بِالدّاخِلِينَ في الإسْلامِ كَما فَعَلَ اللَّهُ بِكُمْ، ولا تُبادِرُوا إلى قَتْلِهِمْ ظَنًّا بِأنَّهم دَخَلُوا فِيهِ اتِّقاءً وخَوْفًا، فَإنَّ إبْقاءَ ألْفِ كافِرٍ أهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِن قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. وتَكْرِيرُهُ تَأْكِيدٌ لِتَعْظِيمِ الأمْرِ وتَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلى ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ عالِمًا بِهِ وبِالغَرَضِ مِنهُ فَلا تَتَهافَتُوا في القَتْلِ واحْتاطُوا فِيهِ.

رُوِيَ « (أنَّ سَرِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزَتْ أهْلَ فَدَكَ فَهَرَبُوا وبَقِيَ مِرْداسُ ثِقَةً بِإسْلامِهِ، فَلَمّا رَأى الخَيْلَ ألْجَأ غَنَمَهُ إلى عاقُولٍ مِنَ الجَبَلِ وصَعِدَ، فَلَمّا تَلاحَقُوا بِهِ وكَبَّرُوا كَبَّرَ ونَزَلَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكم فَقَتَلَهُ أُسامَةُ واسْتاقَ غَنَمَهُ.» وقِيلَ نَزَلَتْ في المِقْدادِ مَرَّ بِرَجُلٍ في غُنَيْمَةٍ فَأرادَ قَتْلَهُ فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَقَتَلَهُ وقالَ: ودَّ لَوْ فَرَّ بِأهْلِهِ ومالِهِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ إيمانِ المُكْرَهِ وأنَّ المُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ وأنَّ خَطَأهُ مُغْتَفَرٌ.

4:95Page 94

لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujāhideen, [who strive and fight] in the cause of Allāh with their wealth and their lives. Allāh has preferred the mujāhideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to all [i.e., both] Allāh has promised the best [reward]. But Allāh has preferred the mujāhideen over those who remain [behind] with a great reward -

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾ عَنِ الحَرْبِ. ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ القاعِدِينَ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِيهِ. ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْقاعِدُونَ لِأنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاسْتِثْناءِ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ.

«وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّها نَزَلَتْ ولَمْ يَكُنْ فِيها غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فَقالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: وكَيْفَ وأنا أعْمى فَغَشِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَجْلِسِهِ الوَحْيُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي حَتّى خَشِيتُ أنْ تَرُضَّها ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ اكْتُبْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾» أيْ لا مُساواةَ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن قَعَدَ عَنِ الجِهادِ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ. وفائِدَتُهُ تَذْكِيرُ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ لِيَرْغَبَ القاعِدُ في الجِهادِ رَفْعًا لِرُتْبَتِهِ وأنَفَةً عَنِ انْحِطاطِ مَنزِلَتِهِ. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِما نُفِيَ الِاسْتِواءُ فِيهِ والقاعِدُونَ عَلى التَّقْيِيدِ السّابِقِ، ودَرَجَةً نُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ بِدَرَجَةٍ أوْ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى التَّفْضِيلِ ووَقَعَ مَوْقِعَ المَرَّةِ مِنهُ، أوِ الحالِ بِمَعْنى ذَوِي دَرَجَةٍ. ﴿وَكُلا﴾ مِنَ القاعِدِينَ والمُجاهِدِينَ. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ المَثُوبَةَ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ لِحُسْنِ عَقِيدَتِهِمْ وخُلُوصُ نِيَّتِهِمْ، وإنَّما التَّفاوُتُ في زِيادَةِ العَمَلِ المُقْتَضِي لِمَزِيدِ الثَّوابِ. ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّ فَضْلًا بِمَعْنى أجْرٍ، أوِ المَفْعُولُ الثّانِي لَهُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإعْطاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأعْطاهم زِيادَةً عَلى (p-92)القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا.

4:96Page 94

دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ كُلُّ واحِدٍ مِنها بَدَلٌ مِن أجْرًا، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ دَرَجاتٍ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِكِ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا، وأجْرًا عَلى الحالِ عَنْها تَقَدَّمَتْ عَلَيْها لِأنَّها نَكِرَةٌ، ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً عَلى المَصْدَرِ بِإضْمارِ فَعَلَيْهِما كَرَّرَ تَفْضِيلَ المُجاهِدِينَ، وبالَغَ فِيهِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا تَعْظِيمًا لِلْجِهادِ وتَرْغِيبًا فِيهِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما خَوَّلَهم في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والظَّفَرِ وجَمِيلِ الذِّكْرِ، والثّانِي ما جَعَلَ لَهم في الآخِرَةِ. وقِيلَ المُرادُ بِالدَّرَجَةِ الأُولى ارْتِفاعُ مَنزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وبِالدَّرَجاتِ مَنازِلُهم في الجَنَّةِ. وقِيلَ القاعِدُونَ الأوَّلُ هُمُ الأضِرّاءُ والقاعِدُونَ الثّانِي هُمُ الَّذِينَ أذِنَ لَهم في التَّخَلُّفِ اكْتِفاءً بِغَيْرِهِمْ. وقِيلَ المُجاهِدُونَ الأوَّلُونَ مِن جاهَدَ الكُفّارَ والآخَرُونَ مِن جاهَدَ نَفْسَهُ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» .

﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما عَسى أنْ يَفْرُطَ مِنهم. ﴿رَحِيمًا﴾ بِما وعَدَ لَهم.

4:97Page 94

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves1 - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." They [the angels] will say, "Was not the earth of Allāh spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ يَحْتَمِلُ الماضِيَ والمُضارِعَ، وقُرِئَ «تَوَفَّتْهُمُ» و «تَوَفّاهُمُ» عَلى مُضارِعِ وفَيْتُ بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ يُوَفِّي المَلائِكَةَ أنْفُسَهم فَيَتَوَفَّوْنَها أيْ يُمَكِّنُهم مِنِ اسْتِيفائِها فَيَسْتَوْفُونَها. ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ في حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِتَرْكِ الهِجْرَةِ ومُوافَقَةِ الكَفَرَةِ فَإنَّها نَزَلَتْ في أُناسٍ مِن مَكَّةَ أسْلَمُوا ولَمْ يُهاجِرُوا حِينَ كانَتِ الهِجْرَةُ واجِبَةً. ﴿قالُوا﴾ أيِ المَلائِكَةُ تَوْبِيخًا لَهم. ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أمْرِ دِينِكم.

﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ اعْتَذَرُوا مِمّا وُبِّخُوا بِهِ بِضَعْفِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، أوْ عَنْ إظْهارِ الدِّينِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿قالُوا﴾ أيِ المَلائِكَةُ تَكْذِيبًا لَهم أوْ تَبْكِيتًا. ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ إلى قُطْرٍ آخَرَ كَما فَعَلَ المُهاجِرُونَ إلى المَدِينَةِ والحَبَشَةِ. ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ لِتَرْكِهِمُ الواجِبَ ومُساعَدَتِهِمُ الكُفّارَ. وهو خَبَرُ إنَّ والفاءُ فِيهِ لِتُضَمِّنَ الِاسْمَ مَعْنى الشَّرْطِ، وقالُوا فِيمَ كُنْتُمْ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ بِإضْمارِ قَدْ أوِ الخَبَرُ قالُوا والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ قالُوا لَهُمْ، وهو جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مُسْتَنْتَجَةٌ مِنها.

﴿وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ مَصِيرُهم أوْ جَهَنَّمُ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الهِجْرَةِ مِن مَوْضِعٍ لا يَتَمَكَّنُ الرَّجُلُ فِيهِ مِن إقامَةِ دِينِهِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وكانَ رَفِيقَ أبِيهِ إبْراهِيمَ ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ» .

4:98–99Page 94

إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way1 -

فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا ٩٩

For those it is expected that Allāh will pardon them, and Allāh is ever Pardoning1 and Forgiving.

﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ في المَوْصُولِ وضَمِيرِهِ والإشارَةِ إلَيْهِ، وذِكْرُ الوَلَدِ إنْ أُرِيدَ بِهِ المَمالِيكُ فَظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الصِّبْيانُ فَلِلْمُبالَغَةِ في الأمْرِ والإشْعارِ بِأنَّهم عَلى صَدَدِ وُجُوبِ الهِجْرَةِ، فَإنَّهم إذا بَلَغُوا وقَدَرُوا عَلى الهِجْرَةِ فَلا مَحِيصَ لَهم عَنْها وأنَّ قَوامَهم يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُهاجِرُوا بِهِمْ مَتى أمْكَنَتْ. لا ﴿يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ إذْ لا تَوْقِيتَ فِيهِ، أوْ حالٌ مِنهُ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ. واسْتِطاعَةُ الحِيلَةِ وِجْدانُ أسْبابِ الهِجْرَةِ وما تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، واهْتِداءُ السَّبِيلِ مَعْرِفَةُ الطَّرِيقِ بِنَفْسِهِ أوْ بِدَلِيلٍ.

﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ ذُكِرَ بِكَلِمَةِ الإطْماعِ ولَفْظِ العَفْوِ إيذانًا بِأنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ خَطِيرٌ حَتّى (p-93)إنَّ المُضْطَرَّ مِن حَقِّهِ أنْ لا يَأْمَنَ ويَتَرَصَّدَ الفُرْصَةَ ويُعَلِّقُ بِها قَلْبَهُ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾

4:100Page 94

۞ وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٠

And whoever emigrates for the cause of Allāh will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allāh and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allāh. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا﴾ مُتَحَوِّلًا مِنَ الرِّغامِ وهو التُّرابُ. وقِيلَ طَرِيقٌ يُراغِمُ قَوْمَهُ بِسُلُوكِهِ أيْ يُفارِقُهم عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ وهو أيْضًا مِنَ الرِّغامِ. ﴿وَسَعَةً﴾ في الرِّزْقِ وإظْهارَ الدِّينِ.

﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾ وقُرِئَ «يُدْرِكُهُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ وبِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ كَقَوْلِهِ:

؎ سَأتْرُكُ مَنزِلِي بِبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا

﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الوُقُوعُ والوُجُوبُ مُتَقارِبانِ والمَعْنى: ثَبَتَ أجْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثُبُوتَ الأمْرِ الواجِبِ. والآيَةُ الكَرِيمَةُ نَزَلَتْ فِيجُنْدُبِ بْنِ ضَمْرَةَ حَمَلَهُ بَنُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، فَلَمّا بَلَغَ التَّنْعِيمَ أشْرَفَ عَلى المَوْتِ فَصَفَّقَ بِيَمِينِهِ عَلى شَمالِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ وهَذِهِ لِرَسُولِكَ أُبايِعُكَ عَلى ما بايَعَ عَلَيْهِ رَسُولُكَ ﷺ فَماتَ.

4:101Page 94

وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ١٠١

And when you travel throughout the land, there is no blame upon you for shortening the prayer,1 [especially] if you fear that those who disbelieve may disrupt [or attack] you.2 Indeed, the disbelievers are ever to you a clear enemy.

﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ سافَرْتُمْ. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ بِتَنْصِيفِ رَكَعاتِها ونَفْيِ الحَرَجِ فِيهِ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ دُونَ وُجُوبِهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتَمَّ في السَّفَرِ. «وَأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَصَرْتُ وأتْمَمْتُ، وصُمْتُ وأفْطَرْتُ. فَقالَ: «أحْسَنْتِ يا عائِشَةُ» .

وَأوْجَبَهُ أبُو حَنِيفَةَ لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ،» ولِقَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «أوَّلُ ما فُرِضَتِ الصَّلاةُ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ في السَّفَرِ وزِيدَتْ في الحَضَرِ.» فَظاهِرُهُما يُخالِفُ الآيَةَ الكَرِيمَةَ فَإنْ صَحّا فالأوَّلُ مُؤَوَّلٌ بِأنَّهُ كالتّامِّ في الصِّحَّةِ والإجْزاءِ، والثّانِي لا يَنْفِي جَوازَ الزِّيادَةِ فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ. بِأنَّهم ألَّفُوا الأرْبَعَ فَكانُوا مَظِنَّةً لِأنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ أنَّ رَكْعَتَيِ السَّفَرِ قَصْرٌ ونُقْصانٌ، فَسُمِّيَ الإتْيانُ بِهِما قَصْرًا عَلى ظَنِّهِمْ. ونَفِيُ الجُناحُ فِيهِ لِتَطِيبَ بِهِ نُفُوسُهُمْ، وأقَلُّ سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ أرْبَعَةُ بُرَدٍ عِنْدَنا وسِتَّةٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ. قُرِئَ «تُقْصِرُوا» مِن أقْصَرَ بِمَعْنى قَصُرَ ومِنَ الصَّلاةِ صِفَةُ مَحْذُوفٍ أيْ: شَيْئًا مِنَ الصَّلاةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ومَفْعُولُ تَقْصُرُوا بِزِيادَةٍ مِن عِنْدِ الأخْفَشِ. ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ شَرِيطَةً بِاعْتِبارِ الغالِبِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ مَفْهُومُها كَما لَمْ يُعْتَبَرْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقَدْ تَظاهَرَتِ السُّنَنُ عَلى جَوازِهِ أيْضًا في حالِ الأمْنِ. وقُرِئَ «مِنَ الصَّلاةِ أنْ يَفْتِنَكُمْ» بِغَيْرِ إنْ خِفْتُمْ بِمَعْنى كَراهَةِ أنْ يَفْتِنَكُمْ: وهو القِتالُ والتَّعَرُّضُ بِما يَكْرَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском