Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:95–110
5:95Page 123
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٩٥
O you who have believed, do not kill game while you are in the state of iḥrām.1 And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allāh] delivered to the Kaʿbah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his matter [i.e., deed]. Allāh has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allāh will take retribution from him. And Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.2
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أيْ مُحْرِمُونَ جَمْعُ حَرامٍ كَرَداحٍ ورُدُحٍ، ولَعَلَّهُ ذَكَرَ القَتْلَ دُونَ الذَّبْحِ والذَّكاةِ لِلتَّعْمِيمِ، وأرادَ بِالصَّيْدِ ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِأنَّهُ الغالِبُ فِيهِ عُرْفًا ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «خَمْسٌ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحُرُمِ، الحِدَأةُ والغُرابُ والعَقْرَبُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ» . وفي رِوايَةٍ أُخْرى «الحَيَّةُ» بَدَلَ «العَقْرَبِ»، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى جَوازِ قَتْلِ كُلِّ مُؤْذٍ، واخْتُلِفَ في أنَّ هَذا النَّهْيَ هَلْ (p-144)يَلْغِي حُكْمَ الذَّبْحِ فَيَلْحَقُ مَذْبُوحُ المُحْرِمِ بِالمَيْتَةِ ومَذْبُوحِ الوَثَنِيِّ أوْ لا فَيَكُونُ كالشّاةِ المَغْصُوبَةِ إذا ذَبَحَها الغاصِبُ. ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ عالِمًا بِأنَّهُ حَرامٌ عَلَيْهِ قَبْلَ ما يَقْتُلُهُ، والأكْثَرُ عَلى أنَّ ذِكْرَهُ لَيْسَ لِتَقْيِيدِ وُجُوبِ الجَزاءِ فَإنَّ إتْلافَ العامِدِ والمُخْطِئِ واحِدٌ في إيجابِ الضَّمانِ، بَلْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ ولِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن تَعَمَّدَ إذْ رُوِيَ: أنَّهُ عَنَّ لَهم في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ حِمارُ وحْشٍ فَطَعَنَهُ أبُو اليُسْرِ بِرُمْحِهِ فَقَتَلَهُ. فَنَزَلَتْ.
﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ بِرَفْعِ الجَزاءِ، والمِثْلُ قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ ويَعْقُوبَ بِمَعْنى فَعَلَيْهِ أيْ فَواجَبَهُ جَزاءٌ يُماثِلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، وعَلَيْهِ لا يَتَعَلَّقُ الجارُّ بِجَزاءٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالصِّفَةِ فَإنَّ مُتَعَلِّقَ المَصْدَرِ كالصِّلَةِ لَهُ فَلا يُوصَفُ ما لَمْ يَتِمَّ بِها، وإنَّما يَكُونُ صِفَتَهُ وقَرَأ الباقُونَ عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ وإقْحامِ مِثْلُ كَما في قَوْلِهِمْ مِثْلِي لا يَقُولُ كَذا، والمَعْنى فَعَلَيْهِ أنْ يُجْزى مِثْلَ ما قَتَلَ. وقُرِئَ «فَجَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ»، بِنَصْبِهِما عَلى فَلْيُجْزَ جَزاءً، أوْ فَعَلَيْهِ أنْ يُجْزى جَزاءً يُماثِلُ ما قَتَلَ وفَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ، وهَذِهِ المُماثَلَةُ بِاعْتِبارِ الخِلْقَةِ والهَيْئَةِ عِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والقِيمَةُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وقالَ: يَقُومُ الصَّيْدُ حَيْثُ صِيدَ فَإنْ بَلَغَتِ القِيمَةُ ثَمَنَ هَدْيٍ تَخَيَّرَ بَيْنَ أنْ يَهْدِيَ ما قِيمَتُهُ قِيمَتُهُ وبَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِها طَعامًا فَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعًا مِن غَيْرِهِ، وبَيْنَ أنْ يَصُومَ عَنْ طَعامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا وإنْ لَمْ تَبْلُغْ تَخَيَّرَ بَيْنَ الإطْعامِ والصَّوْمِ واللَّفْظُ لِلْأوَّلِ أوْفَقُ. ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ صِفَةُ جَزاءٍ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ في خَبَرِهِ أوْ مِنهُ إذا أضَفْتَهُ، أوْ وصَفْتَهُ ورَفَعْتَهُ بِخَبَرٍ مُقَدَّرٍ لِمَن وكَما أنَّ التَّقْوِيمَ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ واجْتِهادٍ يَحْتاجُ إلى المُماثَلَةِ في الخِلْقَةِ والهَيْئَةِ إلَيْها، فَإنَّ الأنْواعَ تَتَشابَهُ كَثِيرًا.
وَقُرِئَ «ذُو عَدْلٍ» عَلى إرادَةِ الجِنْسِ أوِ الإمامِ. ﴿هَدْيًا﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ في بِهِ أوْ مِن جَزاءٌ وإنْ نُوِّنَ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، أوْ بَدَلٌ مِن مِثْلُ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ أوْ لَفْظِهِ فِيمَن نَصَبَهُ. ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ وصَفَ بِهِ هَدْيًا لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ ومَعْنى بُلُوغِهِ الكَعْبَةَ ذَبْحُهُ بِالحَرَمِ والتَّصَدُّقِ بِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ يَذْبَحُ بِالحَرَمِ ويَتَصَدَّقُ بِهِ حَيْثُ شاءَ. ﴿أوْ كَفّارَةٌ﴾ عُطِفَ عَلى جَزاءٌ إنْ رَفَعْتَهُ وإنْ نَصَبْتَهُ فَخَبَرُ مَحْذُوفٍ. ﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ هي طَعامٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ كَفّارَةٌ طَعامٌ بِالإضافَةِ لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِكَ: خاتَمٌ فِضَّةٌ، والمَعْنى عِنْدَ الشّافِعِيِّ أوْ أنْ يُكَفِّرَ بِإطْعامِ مَساكِينَ ما يُساوِي قِيمَةَ الهَدْيِ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ فَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا. ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ أوْ ما ساواهُ مِنَ الصَّوْمِ فَيَصُومُ عَنْ طَعامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ العَيْنِ وهو ما عَدَلَ بِالشَّيْءِ في المُقَدَّرِ كَعَدْلَيِ الحِمْلِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الطَّعامِ، وصِيامًا تَمْيِيزُ لِلْعَدْلِ. ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ أوِ الطَّعامُ أوِ الصَّوْمُ لِيَذُوقَ ثِقَلَ فِعْلِهِ وسُوءَ عاقِبَةِ هَتْكِهِ لِحُرْمَةِ الإحْرامِ، أوِ الثِّقْلَ الشَّدِيدَ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وأصْلُ الوَبْلِ الثِّقْلُ ومِنهُ الطَّعامُ الوَبِيلُ. ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ مُحْرِمًا في الجاهِلِيَّةِ أوْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أوْ في هَذِهِ المَرَّةِ. ﴿وَمَن عادَ﴾ إلى مِثْلِ هَذا. ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ ولَيْسَ فِيهِ ما يَمْنَعُ الكَفّارَةَ عَلى العائِدِ كَما حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وشُرَيْحٍ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ مِمّا أصَرَّ عَلى عِصْيانِهِ.
5:96Page 124
أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩٦
Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers,1 but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of iḥrām. And fear Allāh to whom you will be gathered.
﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ ما صِيدَ مِنهُ مِمّا لا يَعِيشُ إلّا في الماءِ، وهو حَلالٌ كُلُّهُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» .
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ لا يَحِلُّ مِنهُ إلّا السَّمَكُ. وقِيلَ يَحِلُّ السَّمَكُ وما يُؤْكَلُ نَظِيرُهُ في البَرِّ. وطَعامُهُ ما قَذَفَهُ أوْ نَضَبَ عَنْهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلصَّيْدِ وطَعامُهُ أكْلُهُ. ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ تَمْتِيعًا لَكم نُصِبَ عَلى الغَرَضِ. ﴿وَلِلسَّيّارَةِ﴾ أيْ ولِسَيّارَتِكم يَتَزَوَّدُونَهُ قَدِيدًا. ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ أيْ ما صِيدَ فِيهِ، أوِ الصَّيْدُ فِيهِ فَعَلى الأوَّلِ يَحْرُمُ عَلى المُحْرِمِ أيْضًا ما صادَهُ الحَلالُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ مَدْخَلٌ، (p-145)والجُمْهُورُ عَلى حِلِّهِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَحْمُ الصَّيْدِ حَلالٌ لَكُمْ، ما لَمْ تَصْطادُوهُ أوْ يُصَدْ لَكُمْ».»
﴿ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أيْ مُحْرِمِينَ وقُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ مِن دامَ يَدامُ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
5:97Page 124
۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٩٧
Allāh has made the Kaʿbah, the Sacred House, standing1 for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allāh knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allāh is Knowing of all things.
﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ﴾ صَيَّرَها، وإنَّما سُمِّيَ البَيْتُ كَعْبَةً لِتَكَعُّبِهِ. ﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى جِهَةِ المَدْحِ، أوِ المَفْعُولِ الثّانِي ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ انْتِعاشًا لَهم أيْ سَبَبَ انْتِعاشِهِمْ في أمْرِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ يَلُوذُ بِهِ الخائِفُ ويَأْمَنُ فِيهِ الضَّعِيفُ، ويَرْبَحُ فِيهِ التُّجّارُ ويَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الحُجّاجُ والعُمّارُ، أوْ ما يَقُومُ بِهِ أمْرُ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «قِيَمًا» عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى فِعَلٍ كالشِّبَعِ أُعِلَّ عَيْنُهُ كَما أُعِلَّ في فِعْلِهِ ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ أوِ الحالِ. ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُها والمُرادُ بِالشَّهْرِ الشَّهْرُ الَّذِي يُؤَدّى فِيهِ الحَجُّ، وهو ذُو الحِجَّةِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِقُرَنائِهِ وقِيلَ الجِنْسُ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَعْلِ، أوْ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأمْرِ بِحِفْظِ حُرْمَةِ الإحْرامِ وغَيْرِهِ. ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَإنَّ شَرْعَ الأحْكامِ لِدَفْعِ المَضارِّ قَبْلَ وُقُوعِها وجَلْبِ المَنافِعِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها، دَلِيلُ حِكْمَةِ الشّارِعِ وكَمالِ عِلْمِهِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ ومُبالَغَةٌ بَعْدَ إطْلاقٍ.
5:98–99Page 124
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٨
Know that Allāh is severe in penalty and that Allāh is Forgiving and Merciful.
مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٩٩
Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allāh knows whatever you reveal and whatever you conceal.
﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعِيدٌ ووَعْدٌ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ ولِمَن حافَظَ عَلَيْها، أوْ لِمَن أصَرَّ عَلَيْهِ ولِمَن أقْلَعَ عَنْهُ.
﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ﴾ تَشْدِيدٌ في إيجابِ القِيامِ بِما أُمِرَ بِهِ أيِ الرَّسُولُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ ولَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ في التَّفْرِيطِ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ مِن تَصْدِيقٍ وتَكْذِيبٍ وفِعْلٍ وعَزِيمَةٍ.
5:100Page 124
قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠٠
Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allāh, O you of understanding, that you may be successful.
﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ حُكْمٌ عامٌّ في نَفْيِ المُساواةِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيْنَ الرَّدِيءِ مِنَ الأشْخاصِ والأعْمالِ والأمْوالِ وجَيِّدِها، رَغَّبَ بِهِ في مَصالِحِ العَمَلِ وحَلالِ المالِ. ﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ فَإنَّ العِبْرَةَ بِالجَوْدَةِ والرَّداءَةِ دُونَ القِلَّةِ والكَثْرَةِ، فَإنَّ المَحْمُودَ القَلِيلَ خَيْرٌ مِنَ المَذْمُومِ الكَثِيرِ، والخِطابُ لِكُلِّ مُعْتَبِرٍ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيْ فاتَّقُوهُ في تَحَرِّي الخَبِيثِ وإنْ كَثُرَ، وآثِرُوا الطَّيِّبَ وإنَّ قَلَّ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ راجِينَ أنْ تَبْلُغُوا الفَلاحَ.
رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ في حُجّاجِ اليَمامَةِ لَمّا هَمَّ المُسْلِمُونَ أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ فَنُهُوا عَنْهُ وإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ.
5:101–102Page 124
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١
O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur’ān is being revealed, they will be shown to you. Allāh has pardoned it [i.e., that which is past]; and Allāh is Forgiving and Forbearing.
قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ ١٠٢
A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.1
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ الشَّرْطِيَّةُ وما عُطِفَ عَلَيْها صِفَتانِ لِأشْياءَ والمَعْنى: لا تَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أشْياءَ إنْ تَظْهَرْ لَكم تَغُمُّكم وإنْ (p-146)تَسْألُوا عَنْها في زَمانِ الوَحْيِ تَظْهَرُ لَكُمْ، وهُما كَمُقْدِّمَتَيْنِ تَنْتُجانِ ما يَمْنَعُ السُّؤالَ وهو أنَّهُ مِمّا يَغُمُّهم والعاقِلُ لا يَفْعَلُ ما يَغُمُّهُ، وأشْياءُ اسْمٌ جَمْعٌ كَطَرْفاءَ غَيْرَ أنَّهُ قُلِبَتْ لامُهُ فَجُعِلَتْ لَفْعاءَ. وقِيلَ أفْعِلاءَ حُذِفَتْ لامُهُ جَمْعٌ لِشَيْءٍ عَلى أنَّ أصْلَهُ شَيِّئْ كَهَيِّنٍ، أوْ شَيْءٍ كَصَدِيقٍ فَخُفِّفَ. وقِيلَ أفْعالٌ جَمْعٌ لَهُ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ ويَرُدُّهُ مَنعُ صَرْفِهِ. ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ صِفَةٌ أُخْرى أيْ عَنْ أشْياءَ عَفا اللَّهُ عَنْها ولَمْ يُكَلِّفْ بِها. إذْ رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ قالَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ: أكُلُّ عامٍ فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أعادَ ثَلاثًا فَقالَ: «لا ولَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَما اسْتَطَعْتُمْ فاتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكُمْ» فَنَزَلَتْ.»
أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ مِن مَسْألَتِكم فَلا تَعُودُوا لِمِثْلِها. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُكم بِعُقُوبَةِ ما يَفْرُطُ مِنكُمْ، ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَخْطُبُ ذاتَ يَوْمٍ وهو غَضْبانُ مِن كَثْرَةِ ما يَسْألُونَ عَنْهُ مِمّا لا يَعْنِيهِمْ فَقالَ: لا أُسْألُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أجَبْتُ، فَقالَ رَجُلٌ: أيْنَ أبِي فَقالَ في النّارِ، وقالَ آخَرُ مَن أبِي فَقالَ: حُذافَةُ وكانَ يُدْعى لِغَيْرِهِ فَنَزَلَتْ.»
﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمَسْألَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها تَسْألُوا ولِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ بِعَنْ أوْ لِأشْياءَ بِحَذْفِ الجارِّ.
﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَألَها ولَيْسَ صِفَةً لِقَوْمٍ، فَإنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ صِفَةً لِلْجُثَّةِ ولا حالًا مِنها ولا خَبَرًا عَنْها. ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ أيْ بِسَبَبِها حَيْثُ لَمْ يَأْتَمِرُوا بِما سَألُوا جُحُودًا.
5:103Page 124
مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٣
Allāh has not appointed [such innovations as] baḥīrah or sā’ibah or waṣīlah or ḥām.1 But those who disbelieve invent falsehood about Allāh, and most of them do not reason.
﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ رَدٌّ وإنْكارٌ لِما ابْتَدَعَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ وهو أنَّهم إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ آخِرُها ذَكَرٌ بَحَرُوا أُذُنَها أيْ شَقُّوها وخَلَّوْا سَبِيلَها، فَلا تُرْكَبُ ولا تُحْلَبُ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَقُولُ: إنْ شُفِيتُ فَناقَتِي سائِبَةٌ ويَجْعَلُها كالبَحِيرَةِ في تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ بِها، وإذا ولَدَتِ الشّاةُ أُنْثى فَهي لَهم وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا فَهو لِآلِهَتِهِمْ وإنْ ولَدَتْهُما قالُوا وصَلَتِ الأُنْثى أخاها فَلا يُذْبَحُ لَها الذَّكَرُ، وإذا نَتَجَتْ مِن صُلِبِ الفَحْلِ عَشَرَةَ أبْطُنٍ حَرَّمُوا ظَهْرَهُ ولَمْ يَمْنَعُوهُ مِن ماءٍ ولا مَرْعًى وقالُوا: قَدْ حَمِيَ ظَهْرُهُ، ومَعْنى ما جَعَلَ ما شَرَعَ ووَضَعَ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو البَحِيرَةُ ومِن مَزِيدَةٌ. ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ونِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿وَأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ والمُبِيحِ مِنَ المُحَرَّمِ، أوِ الآمِرَ مِنَ النّاهِي ولَكِنَّهم يُقَلِّدُونَ كِبارَهم وفِيهِ أنَّ مِنهم مَن يَعْرِفُ بُطْلانَ ذَلِكَ ولَكِنْ يَمْنَعُهم حُبُّ الرِّياسَةِ وتَقْلِيدُ الآباءِ أنْ يَعْتَرِفُوا بِهِ.
5:104Page 125
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٠٤
And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?
﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ بَيانٌ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ وأنْ لا سَنَدَ لَهم سِواهُ. ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ الواوُ لِلْحالِ والهَمْزَةُ دَخَلَتْ عَلَيْها لِإنْكارِ الفِعْلِ عَلى هَذِهِ الحالِ، أيْ أحْسَبُهم ما وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم ولَوْ كانُوا جَهَلَةً ضالِّينَ، والمَعْنى أنَّ الِاقْتِداءَ إنَّما يَصِحُّ بِمَن عُلِمَ أنَّهُ عالِمٌ مُهْتَدٍ وذَلِكَ لا يُعْرَفُ إلّا بِالحُجَّةِ فَلا يَكْفِي التَّقْلِيدُ.
5:105Page 125
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥
O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allāh is your return all together; then He will inform you of what you used to do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيِ احْفَظُوها والزَمُوا إصْلاحَها، والجارُّ مَعَ المَجْرُورِ جُعِلَ اسْمًا (p-147)لِالزَمُوا ولِذَلِكَ نَصَبَ أنْفُسَكم. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ لا يَضُرُّكُمُ الضَّلالُ إذا كُنْتُمْ مُهْتَدِينَ، ومِنِ الِاهْتِداءِ أنْ يُنْكِرَ المُنْكَرَ حَسَبَ طاقَتِهِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا واسْتَطاعَ أنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» .
والآيَةُ نَزَلَتْ لَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ يَتَحَسَّرُونَ عَلى الكَفَرَةِ ويَتَمَنَّوْنَ إيمانَهُمْ، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ إذا أسْلَمَ قالُوا لَهُ سَفَّهْتَ آباءَكَ فَنَزَلَتْ. ولا يَضُرُّكم يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ ويُؤَيِّدُهُ أنْ قُرِئَ «لا يَضِيرُكُمْ» والجَزْمُ عَلى الجَوابِ أوِ النَّهْيِ لَكِنَّهُ ضُمَّتِ الرّاءُ إتْباعًا لِضَمَّةِ الضّادِ المَنقُولَةِ إلَيْها مِنَ الرّاءِ المُدْغَمَةِ وتَنْصُرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ لا يَضُرَّكم بِالفَتْحِ، ولا يُضِرُّكم بِكَسْرِ الضّادِ وضَمِّها مِن ضارَّهْ يَضِيرُهُ ويَضُورُهُ. ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْفَرِيقَيْنِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أحَدًا لا يُؤاخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ.
5:106Page 125
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ ١٠٦
O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allāh if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange it [i.e., our oath] for a price [i.e., worldly gain], even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of [i.e., ordained by] Allāh. Indeed, we would then be of the sinful."
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ أيْ فِيما أُمِرْتُمْ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ، والمُرادُ بِالشَّهادَةِ الإشْهادُ في الوَصِيَّةِ وإضافَتُها إلى الظَّرْفِ عَلى الِاتِّساعِ وقُرِئَ «شَهادَةً» بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ عَلى لِيُقِمْ. ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ إذا شارَفَهُ وظَهَرَتْ أماراتُهُ وهو ظَرْفٌ لِلشَّهادَةِ. ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وفي إبْدالِهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ لا يُتَهاوَنَ فِيهِ أوْ ظَرْفُ حَضَرَ. ﴿اثْنانِ﴾ فاعِلُ شَهادَةُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَها عَلى حَذْفِ المُضافِ.
﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ مِن أقارِبِكم أوْ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُما صِفَتانِ لِاثْنانِ. ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى اثْنانِ، ومَن فَسَّرَ الغَيْرَ بِأهْلِ الذِّمَّةِ جَعَلَهُ مَنسُوخًا فَإنَّ شَهادَتَهُ عَلى المُسْلِمِ لا تُسْمَعُ إجْماعًا. ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ أيْ سافَرْتُمْ فِيها. ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ أيْ قارَبْتُمُ الأجَلَ. ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ تَقِفُونَهُما وتُصَبِّرُونَهُما صِفَةٌ لَآخَرانِ والشَّرْطُ بِجَوابِهِ المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ اعْتِراضٌ، فائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ مِنكم فَإنْ تَعَذَّرَ كَما في السَّفَرِ فَمِن غَيْرِكُمْ، أوِ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ نَعْمَلُ إنِ ارْتَبْنا بِالشّاهِدَيْنِ فَقالَ تَحْبِسُونَهُما. ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ صَلاةِ العَصْرِ، لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ وتَصادُمِ مَلائِكَةِ اللَّيْلِ ومَلائِكَةِ النَّهارِ. وقِيلَ أيُّ صَلاةٍ كانَتْ. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ إنِ ارْتابَ الوارِثُ مِنكم. ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ مُقْسَمٌ عَلَيْهِ، وإنِ ارْتَبْتُمْ اعْتِراضٌ يُفِيدُ اخْتِصاصَ القَسَمِ بِحالِ الِارْتِيابِ. والمَعْنى لا نَسْتَبْدِلُ بِالقَسَمِ أوْ بِاللَّهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا أيْ لا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا لِطَمَعٍ. ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ ولَوْ كانَ المُقْسَمُ لَهُ قَرِيبًا مِنّا، وجَوابُهُ أيْضًا مَحْذُوفٌ أيْ لا نَشْتَرِي. ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الشَّهادَةَ الَّتِي أمَرَنا اللَّهُ بِإقامَتِها، وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ وقَفَ عَلى شَهادَةَ ثُمَّ ابْتَدَأ آللَّهُ بِالمَدِّ عَلى حَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ وتَعْوِيضِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ مِنهُ، ورُوِيَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِمُ اللَّهِ لِأفْعَلَنَّ. ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ أيْ إنْ كَتَمْنا. وقُرِئَ «لَمِلّاْثِمِينَ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وإدْغامِ النُّونِ فِيها.
5:107Page 125
فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٧
But if it is found that those two were guilty of sin [i.e., perjury], let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allāh, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."
﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ فَإنِ اطُّلِعَ. ﴿عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيْ فِعْلًا ما أوْجَبَ إثْمًا كَتَحْرِيفٍ. ﴿فَآخَرانِ﴾ فَشاهِدانِ آخَرانِ. ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ مِنَ الَّذِينَ جَنى عَلَيْهِمْ وهُمُ الوَرَثَةُ. وقَرَأ حَفْصٌ اسْتَحَقَّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو الأوْلَيانِ. ﴿الأوْلَيانِ﴾ الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ لِقَرابَتِهِما ومَعْرِفَتِهِما وهو خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ: هُما الأوْلَيانِ أوْ خَبَرُ آخَرانِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ آخَرانِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُما أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقُومانِ. (p-148)وَقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ الأوَّلِينَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِينِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ أيْ مِنَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ. وقُرِئَ «الأوْلَيْنِ» عَلى التَّثْنِيَةِ وانْتِصابُهُ عَلى المَدْحِ والأوَّلانِ وإعْرابُهُ إعْرابُ الأوْلَيانِ.
﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ أصْدَقُ مِنها وأوْلى بِأنْ تُقْبَلَ. ﴿وَما اعْتَدَيْنا﴾ وما تَجاوَزْنا فِيها الحَقَّ. ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ الواضِعِينَ الباطِلَ مَوْضِعَ الحَقِّ، أوِ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم إنِ اعْتَدَيْنا. ومَعْنى الآيَتَيْنِ أنَّ المُحْتَضَرَ إذا أرادَ الوَصِيَّةَ يَنْبَغِي أنْ يُشْهِدَ عَدْلَيْنِ مِن ذَوِي نَسَبِهِ أوْ دِينِهِ عَلى وصِيَّتِهِ، أوْ يُوصِي إلَيْهِما احْتِياطًا فَإنْ لَمْ يَجِدْهُما بِأنْ كانَ في سَفَرٍ فَآخَرَيْنِ مِن غَيْرِهِمْ، ثُمَّ إنْ وقَعَ نِزاعٌ وارْتِيابٌ أقْسَما عَلى صِدْقِ ما يَقُولانِ بِالتَّغْلِيظِ في الوَقْتِ، فَإنِ اطَّلَعَ عَلى أنَّهُما كَذَّبا بِأمارَةٍ أوْ مَظِنَّةٍ حَلَفَ آخَرانِ مِن أوْلِياءِ المَيِّتِ، والحُكْمُ مَنسُوخٌ إنْ كانَ الِاثْنانِ شاهِدَيْنِ فَإنَّهُ لا يُخْلِفُ الشّاهِدَ ولا يُعارِضُ يَمِينَهُ بِيَمِينِ الوارِثِ وثابِتٌ إنْ كانا وصِيَّيْنِ ورَدَّ اليَمِينَ إلى الوَرَثَةِ إمّا لِظُهُورِ خِيانَةِ الوَصِيَّيْنِ فَإنَّ تَصْدِيقَ الوَصِيِّ بِاليَمِينِ لِأمانَتِهِ أوْ لِتَغْيِيرِ الدَّعْوى. إذْ رُوِيَ «أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ وعَدِيَّ بْنَ يَزِيدَ خَرَجا إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ وكانا حِينَئِذٍ نَصْرانِيَّيْنِ ومَعَهُما بُدَيْلٌ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ وكانَ مُسْلِمًا، فَلَمّا قَدِمُوا الشّامَ مَرَضَ بُدَيْلٌ فَدَوَّنَ ما مَعَهُ في صَحِيفَةٍ وطَرَحَها في مَتاعِهِ ولَمْ يُخْبِرْهُما بِهِ، وأوْصى إلَيْهِما بِأنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إلى أهْلِهِ وماتَ، فَفَتَّشاهُ وأخَذا مِنهُ إناءً مِن فِضَّةٍ فِيهِ ثَلاثُمِائَةِ مِثْقالٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ فَغَيَّباهُ، فَأصابَ أهْلُهُ الصَّحِيفَةَ فَطالَبُوهُما بِالإناءِ فَجَحَدا فَتَرافَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ، فَحَلَّفَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ عِنْدَ المِنبَرِ وخَلّى سَبِيلَهُما، ثُمَّ وجَدَ الإناءَ في أيْدِيهِما فَأتاهُما بَنُو سَهْمٍ في ذَلِكَ فَقالا: قَدِ اشْتَرَيْناهُ مِنهُ ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَنا عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَكَرِهْنا أنْ نُقَرِّبَهُ فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ فَإنْ عُثِرَ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ السَّهْمِيّانِ فَحَلَفا واسْتَحَقّاهُ.» ولَعَلَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ فِيهِما لِخُصُوصِ الواقِعَةِ.
5:108Page 125
ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٠٨
That is more likely that they will give testimony according to its [true] objective, or [at least] they would fear that [other] oaths might be taken after their oaths. And fear Allāh and listen [i.e., obey Him]; and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الحُكْمُ الَّذِي تَقَدَّمَ أوْ تَحْلِيفُ الشّاهِدِ. ﴿أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ عَلى نَحْوِ ما حَمَلُوها مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ وخِيانَةٍ فِيها ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أنْ تُرَدَّ اليَمِينُ عَلى المُدَّعِينَ. بَعْدَ أيْمانِهِمْ فَيَفْتَضِحُوا بِظُهُورِ الخِيانَةِ واليَمِينِ الكاذِبَةِ وإنَّما جَمَعَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ حُكْمٌ يَعُمُّ الشُّهُودَ كُلَّهم. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا﴾ ما تُوصُونَ بِهِ سَمْعَ إجابَةٍ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ تَتَّقُوا ولَمْ تَسْمَعُوا كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ أيْ لا يَهْدِيهِمْ إلى حُجَّةٍ أوْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ. فَقَوْلُهُ تَعالى:
5:109Page 126
۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩
[Be warned of] the Day when Allāh will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen" -
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ ظَرْفٌ لَهُ. وقِيلَ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ واتَّقُوا بَدَلُ الِاشْتِمالِ، أوْ مَفْعُولِ واسْمَعُوا عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ واسْمَعُوا خَبَرَ يَوْمِ جَمْعِهِمْ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ. ﴿فَيَقُولُ﴾ أيْ لِلرُّسُلِ. ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ أيَّ إجابَةٍ أجَبْتُمْ، عَلى أنَّ ماذا في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، أوْ بِأيِّ شَيْءٍ أجَبْتُمْ فَحَذَفَ الجارَّ، وهَذا السُّؤالُ لِتَوْبِيخِ قَوْمِهِمْ كَما أنَّ سُؤالَ المَوْؤُدَةِ لِتَوْبِيخِ الوائِدِ ولِذَلِكَ ﴿قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ أيْ لا عِلْمَ لَنا بِما لَسْتَ تَعْلَمُهُ.
﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ فَتَعْلَمُ ما نَعْلَمُهُ مِمّا أجابُونا وأظْهَرُوا لَنا وما لا نَعْلَمُ مِمّا أضْمَرُوا في قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ التَّشَكِّي مِنهم ورَدُّ الأمْرِ إلى عِلْمِهِ بِما كابَدُوا مِنهم. وقِيلَ المَعْنى لا عِلْمَ لَنا إلى جَنْبِ عِلْمِكَ، أوْ لا عِلْمَ لَنا بِما أحْدَثُوا بَعْدَنا وإنَّما الحُكْمُ لِلْخاتِمَةِ. وقُرِئَ «عَلّامَ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِهِ إنَّكَ أنْتَ، أيْ إنَّكَ أنْتَ المَوْصُوفُ بِصِفاتِكَ المَعْرُوفَةِ وعَلّامَ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ أوِ النِّداءِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ الغِيُوبِ بِكَسْرِ الغَيْنِ حَيْثُ وقَعَ.(p-149)
5:110Page 126
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١١٠
[The Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel] and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind [from birth] and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."
﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَجْمَعُ وهو عَلى طَرِيقَةِ ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُوَبِّخُ الكَفَرَةَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَنْ إجابَتِهِمْ وتَعْدِيدِ ما أظْهَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ فَكَذَّبَتْهم طائِفَةٌ وسَمُّوهم سَحَرَةً، وغَلا آخَرُونَ فاتَّخَذُوهم آلِهَةً. أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ. ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ قَوَّيْتُكَ وهو ظَرْفٌ لِنِعْمَتِي أوْ حالٌ مِنهُ وقُرِئَ «آيَّدْتُكَ» . ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ بِالكَلامِ الَّذِي يَحْيا بِهِ الدِّينُ، أوِ النَّفْسُ حَياةً أبَدِيَّةً ويُطَهِّرُ مِنَ الآثامِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ أيْ كائِنًا في المَهْدِ وكَهْلًا، والمَعْنى تُكَلِّمُهم في الطُّفُولَةِ والكُهُولَةِ عَلى سَواءٍ، والمَعْنى إلْحاقُ حالِهِ في الطُّفُولِيَّةِ بِحالِ الكُهُولِيَّةِ في كَمالِ العَقْلِ والتَّكَلُّمِ، وبِهِ اسْتُدِلَّ عَلى أنَّهُ سَيَنْزِلُ فَإنَّهُ رُفِعَ قَبْلَ أنْ يَكْتَهِلَ. ﴿وَإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ «آلِ عِمْرانَ» . وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ طائِرًا ويَحْتَمِلُ الإفْرادَ والجَمْعَ كالباقِرِ. ﴿وَإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ. ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ ظَرْفٌ لِكَفَفْتُ. ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ إلّا «ساحِرٌ» فالإشارَةُ إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences