Al-BaydawiAl‑Ma'idah · 5:111–120

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:111–120

5:111–112Page 126

وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ ١١١

And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger [i.e., Jesus]." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allāh]."

إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١١٢

[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord1 send down to us a table [spread with food] from the heaven?" [Jesus] said, "Fear Allāh, if you should be believers."

﴿وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ أيْ أمَرْتُهم عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي. ﴿أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً. ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ مُخْلِصُونَ.

﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ مَنصُوبٌ بِالذِّكْرِ، أوْ ظَرْفٌ لِقالُوا فَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ادِّعاءَهُمُ الإخْلاصَ مَعَ قَوْلِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ عَنْ تَحْقِيقٍ واسْتِحْكامِ مَعْرِفَةٍ. وقِيلَ هَذِهِ الِاسْتِطاعَةُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والإرادَةُ لا عَلى ما تَقْتَضِيهِ القُدْرَةُ. وقِيلَ المَعْنى هَلْ يُطِيعُ رَبُّكَ أيْ هَلْ يُجِيبُكَ، واسْتَطاعَ بِمَعْنى أطاعَ كاسْتَجابَ وأجابَ. وقَرَأ الكِسائِيُّ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ أيْ سُؤالَ رَبِّكَ، والمَعْنى هَلْ تَسْألُهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ صارِفٍ. والمائِدَةُ الخُوانُ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ، مِن مادَ الماءُ يَمِيدُ إذا تَحَرَّكَ، أوْ مِن مادَ إذا أعْطاهُ كَأنَّها تَمِيدُ مَن تُقَدَّمُ إلَيْهِ ونَظِيرُها قَوْلُهم شَجَرَةٌ مُطَعَّمَةٌ. ﴿قالَ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ مِن أمْثالِ هَذا السُّؤالِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِي، أوْ صَدَقْتُمْ في ادِّعائِكُمُ الإيمانَ.

5:113–114Page 126

قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ١١٣

They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."

قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١٤

Said Jesus, the son of Mary, "O Allāh, our Lord, send down to us a table [spread with food] from the heaven to be for us a festival for the first of us and the last of us and a sign from You. And provide for us, and You are the best of providers."

(p-150)﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ تَمْهِيدُ عُذْرٍ وبَيانٌ لِما دَعاهم إلى السُّؤالِ وهو أنْ يَتَمَتَّعُوا بِالأكْلِ مِنها.

﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ بِانْضِمامِ عِلْمِ المُشاهَدَةِ إلى عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، أوْ أنَّ اللَّهَ يُجِيبُ دَعْوَتَنا. ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ إذا اسْتَشْهَدْتَنا أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلْعَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْخَبَرِ.

﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لَمّا رَأى أنَّ لَهم غَرَضًا صَحِيحًا في ذَلِكَ، أوْ أنَّهم لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ فَأرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ بِكَمالِها. ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ أيْ يَكُونُ يَوْمُ نُزُولِها عِيدًا نُعَظِّمُهُ.

وَقِيلَ العِيدُ السُّرُورُ العائِدُ ولِذَلِكَ سُمِّيَ يَوْمُ العِيدِ عِيدًا. وقُرِئَ «تَكُنْ» عَلى جَوابِ الأمْرِ. ﴿لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ بَدَلٌ مِن لَنا بِإعادَةِ العامِلِ أيْ عِيدًا لِمُتَقَدِّمِينا ومُتَأخِّرِينا. رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ الأحَدِ فَلِذَلِكَ اتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا. وقِيلَ يَأْكُلُ مِنها أوَّلُنا وآخِرُنا. وقُرِئَ «لِأُولانا وأُخْرانا» بِمَعْنى الأُمَّةِ أوِ الطّائِفَةِ. ﴿وَآيَةً﴾ عُطِفَ عَلى عِيدًا. ﴿مِنكَ﴾ صِفَةٌ لَها أيْ آيَةً كائِنَةً مِنكَ دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ وصِحَّةِ نُبُوَّتِي. ﴿وارْزُقْنا﴾ المائِدَةَ والشُّكْرَ عَلَيْها. ﴿وَأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أيْ خَيْرُ مَن يَرْزُقُ لِأنَّهُ خالِقُ الرِّزْقِ ومُعْطِيهِ بِلا عِوَضٍ.

5:115Page 127

قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١١٥

Allāh said, "Indeed, I will send it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."

﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ إجابَةً إلى سُؤالِكم. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ مُنَزِّلُها بِالتَّشْدِيدِ.

﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾ أيْ تَعْذِيبًا ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السِّعَةِ. ﴿لا أُعَذِّبُهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمَصْدَرِ، أوْ لِلْعَذابِ إنْ أُرِيدَ ما يُعَذَّبُ بِهِ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ. ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ مِن عالَمِي زَمانِهِمْ أوِ العالَمِينَ مُطْلَقًا فَإنَّهم مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولَمْ يُعَذَّبْ بِمِثْلِ ذَلِكَ غَيْرُهم.

رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ سُفْرَةٌ حَمْراءُ بَيْنَ غَمامَتَيْنِ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْها حَتّى سَقَطَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَبَكى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الشّاكِرِينَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً ولا تَجْعَلْها مُثْلَةً وعُقُوبَةً، ثُمَّ قامَ فَتَوَضَّأ وصَلّى وبَكى، ثُمَّ كَشَفَ المِندِيلَ وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرّازِقِينَ، فَإذا سَمَكَةٌ مَشْوِيَّةٌ بِلا فَلَوْسٍ ولا شَوْكٍ تَسِيلُ دَسَمًا وعِنْدَ رَأْسِها مِلْحٌ وعِنْدَ ذَنَبِها خَلٌّ وحَوْلَها مِن ألْوانِ البُقُولِ ما خَلا الكُرّاثَ، وإذا خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ عَلى واحِدٍ مِنها زَيْتُونٌ وعَلى الثّانِي عَسَلٌ وعَلى الثّالِثِ سَمْنٌ وعَلى الرّابِعِ جُبْنٌ وعَلى الخامِسِ قَدِيدٌ فَقالَ شَمْعُونُ: يا رُوحَ اللَّهِ أمِن طَعامِ الدُّنْيا أمْ مِن طَعامِ الآخِرَةِ قالَ: لَيْسَ مِنهُما ولَكِنِ اخْتَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقُدْرَتِهِ كُلُوا ما سَألْتُمْ واشْكُرُوا يُمْدِدْكُمُ اللَّهُ ويَزِدْكم مِن فَضْلِهِ، فَقالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ لَوْ أرَيْتَنا مِن هَذِهِ الآيَةِ آيَةً أُخْرى فَقالَ: يا سَمَكَةُ احْيَيْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فاضْطَرَبَتْ ثُمَّ قالَ لَها عُودِي كَما كُنْتِ فَعادَتْ مَشْوِيَّةً ثُمَّ طارَتِ المائِدَةُ، ثُمَّ عَصَوْا بَعْدَها فَمُسِخُوا.

وَقِيلَ كانَتْ تَأْتِيهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا غِبًّا يَجْتَمِعُ عَلَيْها الفُقَراءُ والأغْنِياءُ والصِّغارُ والكِبارُ يَأْكُلُونَ حَتّى إذا فاءَ الفَيْءُ طارَتْ وهم يَنْظُرُونَ في ظِلِّها، ولَمْ يَأْكُلْ مِنها فَقِيرٌ إلّا غَنِيَ مُدَّةَ عُمُرِهِ، ولا مَرِيضٌ إلّا بَرِئَ ولَمْ يَمْرَضْ أبَدًا، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اجْعَلْ مائِدَتِي في الفُقَراءِ والمَرْضى دُونَ الأغْنِياءِ والأصِحّاءِ، فاضْطَرَبَ النّاسُ لِذَلِكَ فَمُسِخَ مِنهم ثَلاثَةُ وثَمانُونَ رَجُلًا. وقِيلَ لَمّا وعَدَ اللَّهُ إنْزالَها بِهَذِهِ الشَّرِيطَةِ اسْتَعْفَوْا وقالُوا: لا نُرِيدُ فَلَمْ تَنْزِلْ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمُقْتَرِحِي المُعْجِزاتِ. وعَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ: المائِدَةُ هاهُنا عِبارَةٌ عَنْ حَقائِقِ المَعارِفِ، فَإنَّها غِذاءُ الرُّوحِ كَما أنَّ الأطْعِمَةَ غِذاءُ البَدَنِ وعَلى هَذا فَلَعَلَّ الحالَ أنَّهم رَغِبُوا في حَقائِقَ لَمْ يَسْتَعِدُّوا لِلْوُقُوفِ عَلَيْها، فَقالَ لَهم عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنْ حَصَلْتُمُ الإيمانَ فاسْتَعْمِلُوا التَّقْوى حَتّى تَتَمَكَّنُوا مِنِ الِاطِّلاعِ عَلَيْها، فَلَمْ يُقْلِعُوا عَنِ السُّؤالِ وألَحُّوا فِيهِ فَسَألَ لِأجْلِ اقْتِراحِهِمْ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ إنْزالَهُ سَهْلٌ ولَكِنَّ فِيهِ خَطَرٌ وخَوْفُ عاقِبَةٍ، فَإنَّ السّالِكَ إذا انْكَشَفَ لَهُ ما هو أعْلى مِن مَقامِهِ لَعَلَّهُ لا يَحْتَمِلُهُ ولا يَسْتَقِرُّ لَهُ فَيَضِلُّ بِهِ ضَلالًا بَعِيدًا.(p-151)

5:116Page 127

وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١١٦

And [beware the Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allāh?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.

﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ تَوْبِيخَ الكَفَرَةِ وتَبْكِيتَهُمْ، ومِن دُونِ اللَّهِ صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ أوْ صِلَةُ اتَّخِذُونِي، ومَعْنى دُونِ إمّا المُغايِرَةُ فَيَكُونُ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ عِبادَةِ غَيْرِهِ كَلا عِبادَةٍ، فَمَن عَبَدَهُ مَعَ عِبادَتِهِما كَأنَّهُ عَبَدَهُما ولَمْ يَعْبُدْهُ أوِ القُصُورُ، فَإنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّهُما مُسْتَقِلّانِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ وإنَّما زَعَمُوا أنَّ عِبادَتَهُما تُوصِلُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّخِذُونِي وأُمِّي إلَهَيْنِ مُتَوَصِّلِينَ بِنا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾ أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا مِن أنْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ. ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ما يَنْبَغِي لِي أنْ أقُولَ قَوْلًا لا يَحِقُّ لِي أنْ أقُولَهُ. ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ في نَفْسِي كَما تَعْلَمُ ما أُعْلِنُهُ، ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ مِن مَعْلُوماتِكَ. وقَوْلُهُ في نَفْسِكَ لِلْمُشاكَلَةِ وقِيلَ المُرادُ بِالنَّفْسِ الذّاتُ. ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ ومَفْهُومِهِ.

5:117–118Page 127

مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧

I said not to them except what You commanded me - to worship Allāh, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.

إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١١٨

If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise."

﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلضَّمِيرِ في بِهِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ ولَيْسَ مِن شَرْطِ البَدَلِ جَوازُ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ مُطْلَقًا لِيَلْزَمَ بَقاءُ المَوْصُولِ بِلا راجِعٍ، أوْ خَبَرُ مُضْمَرٍ أوْ مَفْعُولُهُ مِثْلُ هو أوْ أعْنِي، ولا يَجُوزُ إبْدالُهُ مِن ما أمَرْتَنِي بِهِ فَإنَّ المَصْدَرَ لا يَكُونُ مَفْعُولَ القَوْلِ ولا أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً لِأنَّ الأمْرَ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو لا يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم والقَوْلُ لا يُفَسَّرُ بَلِ الجُمْلَةُ تُحْكى بَعْدَهُ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ القَوْلُ بِالأمْرِ فَكَأنَّ قِيلَ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ. ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ أمْنَعُهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ ويَعْتَقِدُوهُ، أوْ مُشاهِدًا لِأحْوالِهِمْ مِن كُفْرٍ وإيمانٍ. ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ بِالرَّفْعِ إلى السَّماءِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ﴾ والتَّوَفِّي أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا، والمَوْتُ نَوْعٌ مِنهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ المُراقِبَ لِأحْوالِهِمْ فَتَمْنَعُ مَن أرْدْتَ عِصْمَتَهُ مِنَ القَوْلِ بِهِ بِالإرْشادِ إلى الدَّلائِلِ والتَّنْبِيهِ عَلَيْها بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الآياتِ. ﴿وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مُراقِبٌ لَهُ.

﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ أيْ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّكَ تُعَذِّبُ عِبادَكَ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ المُطْلَقِ فِيما يَفْعَلُ بِمُلْكِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ لِأنَّهم عِبادُكَ وقَدْ عَبَدُوا غَيْرَكَ. ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَلا عَجْزَ ولا اسْتِقْباحَ فَإنَّكَ القادِرُ القَوِيُّ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ، الَّذِي لا يُثِيبُ ولا يُعاقِبُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ فَإنَّ المَغْفِرَةَ مُسْتَحْسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَإنْ عَذَّبْتَ فَعَدْلٌ وإنْ غَفَرْتَ فَفَضْلٌ. وعَدَمُ غُفْرانِ الشِّرْكِ بِمُقْتَضى الوَعِيدِ فَلا امْتِناعَ فِيهِ لِذاتِهِ لِيَمْنَعَ التَّرْدِيدَ والتَّعْلِيقَ بِأنْ.

5:119–120Page 127

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١٩

Allāh will say, "This is the Day when the truthful will benefit from their truthfulness." For them are gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allāh being pleased with them, and they with Him. That is the great attainment.

لِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُۢ ١٢٠

To Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is within them. And He is over all things competent.

(p-152)﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وقَرَأ نافِعٌ يَوْمَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِقالَ وخَبَرُ هَذا مَحْذُوفٌ، أوْ ظَرْفُ مُسْتَقِرٍّ وقَعَ خَبَرًا والمَعْنى هَذا الَّذِي مَرَّ مِن كَلامِ عِيسى واقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ. وقِيلَ إنَّهُ خَبَرٌ ولَكِنْ بُنِيَ عَلى الفَتْحِ بِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ مُعْرَبٌ والمُرادُ بِالصِّدْقِ الصِّدْقُ في الدُّنْيا فَإنَّ النّافِعَ ما كانَ حالَ التَّكْلِيفِ. ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ بَيانٌ لِلنَّفْعِ. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى كَذِبِ النَّصارى وفَسادِ دَعْواهم في المَسِيحِ وأُمِّهِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ ومَن فِيهِنَّ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ وقالَ وما فِيهِنَّ اتِّباعًا لَهم غَيْرَ أُولِي العَقْلِ إعْلامًا بِأنَّهم في غايَةِ القُصُورِ عَنْ مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ والنُّزُولِ عَنْ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ، وإهانَةً لَهم وتَنْبِيهًا عَلى المُجانَسَةِ المُنافِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ، ولِأنَّ ما يُطْلَقُ مُتَناوِلًا لِلْأجْناسِ كُلِّها فَهو أوْلى بِإرادَةِ العُمُومِ.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ المائِدَةِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَهُودِيٍّ ونَصْرانِيٍّ يَتَنَفَّسُ في الدُّنْيا».»

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском