Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
المائدة
Al-Ma'idah
The Table Spread · Medinan · 120 ayahs
5:1Page 106
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ ١
O you who have believed, fulfill [all] contracts.1 Lawful for you are the animals of grazing livestock except for that which is recited to you [in this Qur’ān] - hunting not being permitted while you are in the state of iḥrām.2 Indeed, Allāh ordains what He intends.
(p-113)(5 سُورَةُ المائِدَةِ)
مَدَنِيَّةٌ وآيُها مِائَةٌ وعِشْرُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ الوَفاءُ هو القِيامُ بِمُقْتَضى العَهْدِ وكَذَلِكَ الإيفاءُ والعَقْدُ العَهْدُ المُوَثَّقُ قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎ قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمُ ∗∗∗ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا
وَأصْلُهُ الجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِحَيْثُ يَعْسُرُ الِانْفِصالُ، ولَعَلَّ المُرادَ بِالعُقُودِ ما يَعُمُّ العُقُودَ الَّتِي عَقَدَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى عِبادِهِ وألْزَمَها إيّاهم مِنَ التَّكالِيفِ، وما يَعْقِدُونَ بَيْنَهم مِن عُقُودِ الأماناتِ والمُعامَلاتِ ونَحْوَها مِمّا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، أوْ يَحْسُنُ إنْ حَمْلَنا الأمْرَ عَلى المُشْتَرَكِ بَيْنَ الوُجُوبِ والنَّدْبِ. ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْعُقُودِ، والبَهِيمَةُ كُلُّ حَيٍّ لا يُمَيِّزُ. وقِيلَ كُلُّ ذاتِ أرْبَعٍ، وإضافَتُها إلى الأنْعامِ لِلْبَيانِ كَقَوْلِكَ: ثَوْبُ خَزٍّ، ومَعْناهُ البَهِيمَةُ مِنَ الأنْعامِ. وهي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ وأُلْحِقَ بِها الظِّباءُ ويُقِرُّ الوَحْشَ. وقِيلَ هُما المُرادُ بِالبَهِيمَةِ ونَحْوُهُما مِمّا يُماثِلُ الأنْعامَ في الِاجْتِرارِ وعَدَمِ الأنْيابِ، وإضافَتُها إلى الأنْعامِ لِمُلابَسَةِ الشَّبَهِ. ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلّا مُحَرَّمُ ما يُتْلى عَلَيْكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ أوْ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم تَحْرِيمُهُ. ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَكم وقِيلَ مِن واوِ أوْفُوا وقِيلَ اسْتِثْناءٌ وفِيهِ تَعَسُّفٌ، والصَّيْدِ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَفْعُولِ. ﴿وَأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حالٌ مِمّا اسْتَكَنَّ في مُحِلِّي، وال حُرُمٌ جَمْعُ حَرامٍ وهو المُحَرَّمُ. ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ مِن تَحْلِيلٍ أوْ تَحْرِيمٍ.
5:2Page 106
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنٗاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢
O you who have believed, do not violate the rites of Allāh or [the sanctity of] the sacred month or [neglect the marking of] the sacrificial animals and garlanding [them] or [violate the safety of] those coming to the Sacred House seeking bounty from their Lord and [His] approval. But when you come out of iḥrām, then [you may] hunt. And do not let the hatred of a people for having obstructed you from al-Masjid al-Ḥarām lead you to transgress. And cooperate in righteousness and piety, but do not cooperate in sin and aggression. And fear Allāh; indeed, Allāh is severe in penalty.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي مَناسِكَ الحَجِّ، جَمْعُ شَعِيرَةٍ وهي اسْمُ ما أشْعَرَ أيْ جُعِلَ شِعارًا سَمّى بِهِ أعْمالَ الحَجِّ ومَواقِفَهُ لِأنَّها عَلاماتُ الحَجِّ وأعْلامُ النُّسُكِ. وقِيلَ دِينُ اللَّهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيْ دِينَهُ. وقِيلَ فَرائِضُهُ الَّتِي حَدَّها لِعِبادِهِ. ﴿وَلا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ بِالقِتالِ فِيهِ أوْ بِالنَّسِيءِ. ﴿وَلا الهَدْيَ﴾ ما أُهْدِيَ إلى الكَعْبَةِ، جَمْعُ هَدِيَّةٍ كَجَدْيٍ في جَمْعِ جَدِيَّةِ السَّرْحِ. ﴿وَلا القَلائِدَ﴾ أيْ ذَواتَ القَلائِدِ مِنَ الهَدْيِ، وعَطَفَها عَلى الهَدْيِ لِلِاخْتِصاصِ فَإنَّها أشْرَفُ الهَدْيِ، أوِ القَلائِدُ أنْفَسُها والنَّهْيُ عَنْ إحْلالِها مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْهَدْيِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ والقَلائِدُ جَمْعُ قِلادَةٍ (p-114)
وَهِيَ ما قُلِّدَ بِهِ الهَدْيُ مِن نَعْلٍ أوْ لِحاءِ شَجَرٍ أوْ غَيْرِهِما لِيُعْلَمَ بِهِ أنَّهُ هَدْيٌ فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُ. ﴿وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ قاصِدِينَ لِزِيارَتِهِ. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ أنْ يُثِيبَهم ويَرْضى عَنْهُمْ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في آمِّينَ ولَيْسَتْ صِفَةً لَهُ، لِأنَّهُ عامِلٌ والمُخْتارُ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ المَوْصُوفِ لا يَعْمَلُ، وفائِدَتُهُ اسْتِنْكارُ تَعَرُّضِ مَن هَذا شَأْنُهُ والتَّنْبِيهُ عَلى المانِعِ لَهُ. وقِيلَ مَعْناهُ يَبْتَغُونَ مِنَ اللَّهِ رِزْقًا بِالتِّجارَةِ ورِضْوانًا بِزَعْمِهِمْ إذْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عامَ القَضِيَّةِ في حُجّاجِ اليَمامَةِ لَمّا هَمَّ المُسْلِمُونَ أنْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ فِيهِمُ الحُطَيْمُ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ ضُبَيْعَةَ، وكانَ قَدِ اسْتاقَ سَرْحَ المَدِينَةِ وعَلى هَذا فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ. وقُرِئَ «تَبْتَغُونَ» عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ إذْنٌ في الِاصْطِيادِ بَعْدَ زَوالِ الإحْرامِ ولا يَلْزَمُ مِن إرادَةِ الإباحَةِ هاهُنا مِنَ الأمْرِ دَلالَةُ الأمْرِ الآتِي بَعْدَ الحَظْرِ عَلى الإباحَةِ مُطْلَقًا. وقُرِئَ بِكَسْرِ الفاءِ عَلى إلْقاءِ حَرَكَةِ هَمْزَةِ الوَصْلِ عَلَيْها وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. وقُرِئَ «أحْلَلْتُمْ» يُقالُ حَلَّ المُحْرِمُ وأحَلَّ، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يَحْمِلَنَّكم أوْ لا يَكْسِبَنَّكم. ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ شِدَّةُ بُغْضِهِمْ وعَداوَتِهِمْ وهو مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وإسْماعِيلُ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ بِسُكُونِ النُّونِ وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كَلَيّانِ أوْ نَعْتٌ بِمَعْنى: بَغِيضُ قَوْمٍ وفِعْلانُ في النَّعْتِ أكْثَرُ كَعَطْشانَ وسَكْرانَ. ﴿أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِأنْ صَدُّوكم عَنْهُ عامَ الحُدَيْبِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ أغْنى عَنْ جَوابِهِ لا يَجْرِمَنَّكم. أنْ تَعْتَدُوا بِالِانْتِقامِ، وهو ثانِي مَفْعُولَيْ يَجْرِمَنَّكم فَإنَّهُ يُعَدّى إلى واحِدٍ وإلى اثْنَيْنِ كَكَسِبَ. ومَن قَرَأ يُجْرِمَنَّكم بِضَمِّ الياءِ جَعَلَهُ مَنقُولًا مِنَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ. ﴿وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ عَلى العَفْوِ والإغْضاءِ ومُتابَعَةِ الأمْرِ ومُجانَبَةِ الهَوى. ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ لِلتَّشَفِّي والِانْتِقامِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ فانْتِقامُهُ أشَدُّ.
5:3Page 107
حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣
Prohibited to you are dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars,2 and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islām as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ بَيانُ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ، والمَيْتَةُ ما فارَقَهُ الرُّوحُ مِن غَيْرِ تَذْكِيَةٍ. ﴿والدَّمُ﴾ أيِ الدَّمُ المَسْفُوحُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَصُبُّونَهُ في الأمْعاءِ ويَشْوُونَها. ﴿وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أيْ رُفِعَ الصَّوْتُ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ كَقَوْلِهِمْ: بِاسْمِ اللّاتِ والعُزّى عِنْدَ ذَبْحِهِ. ﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ أيِ الَّتِي ماتَتْ بِالخَنْقِ. ﴿والمَوْقُوذَةُ﴾ المَضْرُوبَةُ بِنَحْوِ خَشَبٍ، أوْ حَجَرٍ حَتّى تَمُوتَ مِن وقَذْتُهُ إذا ضَرَبْتَهُ.
﴿والمُتَرَدِّيَةُ﴾ الَّتِي تَرَدَّتْ مِن عُلُوٍّ أوْ في بِئْرٍ فَماتَتْ. ﴿والنَّطِيحَةُ﴾ الَّتِي نَطَحَتْها أُخْرى فَماتَتْ بِالنَّطْحِ والتّاءُ فِيها لِلنَّقْلِ. ﴿وَما أكَلَ السَّبُعُ﴾ وما أكَلَ مِنهُ السَّبُعُ فَماتَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ جَوارِحَ الصَّيْدِ إذا أكَلَتْ مِمّا اصْطادَتْهُ لَمْ تَحِلَّ. ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ إلّا ما أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ وفِيهِ حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ مِن ذَلِكَ. وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مَخْصُوصٌ بِما أكَلَ السَّبُعُ. والذَّكاةُ في الشَّرْعِ لِقَطْعِ الحُلْقُومِ والمِرِّيءِ بِمُحَدَّدٍ. ﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ النُّصُبُ واحِدُ الأنْصابِ وهي أحْجارٌ كانَتْ مَنصُوبَةً حَوْلَ البَيْتِ يَذْبَحُونَ عَلَيْها ويَعُدُّونَ ذَلِكَ قُرْبَةً. وقِيلَ هي الأصْنامُ وعَلى بِمَعْنى اللّامِ أوْ عَلى أصْلِها بِتَقْدِيرِ وما ذُبِحَ مُسَمًّى عَلى الأصْنامِ. وقِيلَ هو جَمْعٌ والواحِدُ نِصابٌ. ﴿وَأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ أيْ وحَرُمَ عَلَيْكم الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا قَصَدُوا فِعْلًا ضَرَبُوا ثَلاثَةَ أقْداحٍ. مَكْتُوبٌ عَلى أحَدِها، أمَرَنِي رَبِّي. وعَلى الآخَرِ: نَهانِي رَبِّي. والثّالِثُ غُفْلٌ، فَإنْ خَرَجَ الأمْرُ مَضَوْا عَلى ذَلِكَ وإنْ خَرَجَ النّاهِي تَجَنَّبُوا عَنْهُ وإنْ خَرَجَ الغُفْلُ أجالُوها ثانِيًا، فَمَعْنى الِاسْتِقْسامِ طَلَبُ مَعْرِفَةِ ما قُسِمَ لَهم دُونَ ما لَمْ يُقْسَمْ لَهم بِالأزْلامِ. وقِيلَ: هو اسْتِقْسامُ الجَزُورِ بِالأقْداحِ عَلى الأنْصِباءِ المَعْلُومَةِ وواحِدُ الأزْلامِ زَلَمٌ كَجَمَلٍ وزُلَمٌ (p-115)كَصُرَدٍ. ﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِقْسامِ، وكَوْنُهُ فِسْقًا لِأنَّهُ دُخُولٌ في عِلْمِ الغَيْبِ وضَلالٌ بِاعْتِقادِ أنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلَيْهِ، وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إنْ أُرِيدَ بِرَبِّي اللَّهُ، وجَهالَةٌ وشِرْكٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ الصَّنَمُ أوِ المَيْسِرُ المُحَرَّمُ أوْ إلى تَناوُلِ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ. ﴿اليَوْمَ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ يَوْمًا بِعَيْنِهِ وإنَّما أرادَ الزَّمانَ الحاضِرَ وما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الأزْمِنَةِ الآتِيَةِ. وقِيلَ أرادَ يَوْمَ نُزُولِها وقَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ عَصْرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ في عَرَفَةَ حِجَّةِ الوَداعِ. ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ أيْ مِن إبْطالِهِ ورُجُوعِكم عَنْهُ بِتَحْلِيلِ هَذِهِ الخَبائِثِ وغَيْرِها أوْ مِن أنْ يَغْلِبُوكم عَلَيْهِ. فَلا تَخْشَوْهم أنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم. واخْشَوْنِ وأخْلِصُوا الخَشْيَةَ لِي. ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ بِالنَّصْرِ والإظْهارِ عَلى الأدْيانِ كُلِّها، أوْ بِالتَّنْصِيصِ عَلى قَواعِدِ العَقائِدِ والتَّوْقِيفِ عَلى أُصُولِ الشَّرائِعِ وقَوانِينِ الِاجْتِهادِ.
﴿وَأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ أوْ بِإكْمالِ الدِّينِ أوْ بِفَتْحِ مَكَّةَ وهَدْمِ مَنارِ الجاهِلِيَّةِ. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ اخْتَرْتُهُ لَكم دِينًا مِن بَيْنِ الأدْيانِ وهو الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ لا غَيْرَ. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ المُحَرَّماتِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِما يُوجِبُ التَّجَنُّبَ عَنْها، وهو أنَّ تَناوُلَها فُسُوقٌ وحُرْمَتُها مِن جُمْلَةِ الدِّينِ الكامِلِ والنِّعْمَةِ التّامَّةِ والإسْلامِ المَرْضِيِّ. والمَعْنى: فَمَنِ اضْطُرَّ إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ. ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ مَجاعَةٍ ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ﴾ غَيْرَ مائِلٍ لَهُ ومُنْحَرِفٍ إلَيْهِ بِأنْ يَأْكُلَها تَلَذُّذًا أوْ مُجاوِزًا حَدَّ الرُّخْصَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يُؤاخِذُهُ بِأكْلِهِ.
5:4Page 107
يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٤
They ask you, [O Muḥammad], what has been made lawful for them. Say, "Lawful for you are [all] good foods and [game caught by] what you have trained of hunting animals1 which you train as Allāh has taught you. So eat of what they catch for you, and mention the name of Allāh upon it, and fear Allāh." Indeed, Allāh is swift in account.
﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ لِما تَضَمَّنَ السُّؤالُ مَعْنى القَوْلِ أُوقِعَ عَلى الجُمْلَةِ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في ماذا وإنَّما قالَ لَهم ولَمْ يَقُلْ لَنا عَلى الحِكايَةِ، لِأنَّ يَسْئَلُونَكَ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ وكِلا الوَجْهَيْنِ سائِغٌ في أمْثالِهِ، والمَسْؤُولُ ما أُحِلَّ لَهم مِنَ المَطاعِمِ كَأنَّهم لَمّا تُلِيَ عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ سَألُوا عَمّا أُحِلَّ لَهم. ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ ما لَمْ تَسْتَخْبِثْهُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ ولَمْ تَنْفِرْ عَنْهُ ومِن مَفْهُومِهِ حَرُمَ مُسْتَخْبَثاتُ العَرَبِ، أوْ ما لَمْ يَدُلَّ نَصٌّ ولا قِياسٌ عَلى حُرْمَتِهِ. ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ عُطِفَ عَلى الطَّيِّباتِ إنْ جُعِلَتْ ما مَوْصُولَةً عَلى تَقْدِيرِ وصَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ، وجُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ إنْ جُعِلَتْ شَرْطًا وجَوابُها فَكُلُوا والجَوارِحُ كَواسِبُ الصَّيْدِ عَلى أهْلِها مِن سِباعٍ ذَواتِ الأرْبَعِ والطَّيْرِ ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ مُعَلِّمِينَ إيّاهُ الصَّيْدَ، والمُكَلَّبُ مُؤَدَّبُ الجَوارِحِ ومُضِرٌّ بِها بِالصَّيْدِ. مُشْتَقٌّ مِنَ الكَلْبِ، لِأنَّ التَّأْدِيبَ يَكُونُ أكْثَرَ فِيهِ وآثَرَ، أوْ لِأنَّ كُلَّ سَبُعٍ يُسَمّى كَلْبًا، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ».»
وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن عَلَّمْتُمْ وفائِدَتُها المُبالَغَةُ في التَّعْلِيمِ.
﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ. ﴿مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ الحِيَلِ وطُرُقِ التَّأْدِيبِ، فَإنَّ العِلْمَ بِها إلْهامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ مُكْتَسَبٌ بِالعَقْلِ الَّذِي هو مِنحَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أنْ تُعَلِّمُوهُ مِنِ اتِّباعِ الصَّيْدِ بِإرْسالِ صاحِبِهِ، وأنْ يَنْزَجِرَ بِزَجْرِهِ ويَنْصَرِفَ بِدُعائِهِ ويُمْسِكَ عَلَيْهِ الصَّيْدَ ولا يَأْكُلُ مِنهُ. ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وهو ما لَمْ تَأْكُلْ مِنهُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «وَإنْ أكَلَ مِنهُ فَلا تَأْكُلْ إنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ».»
وَإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ في سِباعِ الطَّيْرِ لِأنَّ تَأْدِيبَها إلى هَذا الحَدِّ مُتَعَذِّرٌ، وقالَ آخَرُونَ لا يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا. واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ لِما عَلَّمْتُمْ والمَعْنى: سَمُّوا عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسالِهِ أوْ لِما أمْسَكْنَ بِمَعْنى سَمُّوا عَلَيْهِ إذا أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُحَرَّماتِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَيُؤاخِذَكم بِما جَلَّ ودَقَّ.
5:5Page 107
ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٥
This day [all] good foods have been made lawful, and the food of those who were given the Scripture is lawful for you and your food is lawful for them. And [lawful in marriage are] chaste women from among the believers and chaste women from among those who were given the Scripture before you, when you have given them their due compensation,1 desiring chastity, not unlawful sexual intercourse or taking [secret] lovers. And whoever denies the faith - his work has become worthless, and he, in the Hereafter, will be among the losers.
﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ يَتَناوَلُ الذَّبائِحَ وغَيْرَها، ويَعُمُّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ اليَهُودَ والنَّصارى، واسْتَثْنى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ وقالَ: لَيْسُوا عَلى النَّصْرانِيَّةِ، ولَمْ يَأْخُذُوا مِنها إلّا شُرْبَ الخَمْرِ. ولا يَلْحَقُ بِهِمُ المَجُوسُ في ذَلِكَ وإنْ أُلْحِقُوا بِهِمْ في التَّقْرِيرِ عَلى الجِزْيَةِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ، غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ ولا آكِلِي ذَبائِحِهِمْ».»
﴿وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ فَلا عَلَيْكم أنْ تُطْعِمُوهم وتَبِيعُوهُ مِنهم ولَوْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ أيِ الحَرائِرُ أوِ العَفائِفُ، وتَخْصِيصُهُنَّ بَعْثٌ عَلى ما هو الأوْلى. ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وإنْ كُنَّ حَرْبِيّاتٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ لا تَحِلُّ الحَرْبِيّاتُ. ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مُهُورَهُنَّ وتَقْيِيدُ الحِلِّ بِإيتائِها لِتَأْكِيدِ وُجُوبِها والحَثُّ عَلى ما هو الأوْلى. وقِيلَ المُرادُ بِإيتائِها التِزامُها مُحْصِنِينَ أعِفّاءَ بِالنِّكاحِ.
﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غَيْرَ مُجاهِرِينَ بِالزِّنا. ﴿وَلا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾ مُسِرِّينَ بِهِ، والخِدْنُ الصَّدِيقُ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى. ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ يُرِيدُ بِالإيمانِ شَرائِعَ الإسْلامِ وبِالكُفْرِ إنْكارَهُ والِامْتِناعَ عَنْهُ.
5:6Page 108
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٦
O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janābah,1 then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women2 and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allāh does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ أيْ إذا أرَدْتُمُ القِيامَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ عَبَّرَ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ المُسَبِّبِ عَنْها لِلْإيجازِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن أرادَ العِبادَةَ يَنْبَغِي أنْ يُبادِرَ إلَيْها، بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّ الفِعْلُ عَنِ الإرادَةِ، أوْ إذا قَصَدْتُمُ الصَّلاةَ لِأنَّ التَّوَجُّهَ إلى الشَّيْءِ والقِيامَ إلَيْهِ قَصْدٌ لَهُ، وظاهِرُ الآيَةِ يُوجِبُ الوُضُوءَ عَلى كُلِّ قائِمٍ إلى الصَّلاةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا، والإجْماعُ عَلى خِلافِهِ لِما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَلّى الصَّلَواتِ الخَمْسَ بِوُضُوءٍ واحِدٍ يَوْمَ الفَتْحِ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ فَقالَ عَمْدًا فَعَلْتُهُ».»
فَقِيلَ مُطْلَقٌ أُرِيدَ بِهِ التَّقْيِيدُ، والمَعْنى إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ مُحْدِثِينَ. وقِيلَ الأمْرُ فِيهِ لِلنَّدْبِ. وقِيلَ كانَ ذَلِكَ أوَّلَ الأمْرِ ثُمَّ نُسِخَ وهو ضَعِيفٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المائِدَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها» .
﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أمِرُّوا الماءَ عَلَيْها ولا حاجَةَ إلى الدَّلْكِ خِلافًا لِمالِكٍ. ﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى دُخُولِ المِرْفَقَيْنِ في المَغْسُولِ ولِذَلِكَ قِيلَ: إلى بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وأيْدِيَكم مُضافَةً إلى المَرافِقِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِمَعْنى التَّحْدِيدِ ولا لِذِكْرِهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ، لِأنَّ مُطْلَقَ اليَدِ يَشْتَمِلُ عَلَيْها.
وَقِيلَ: إلى تُفِيدُ الغايَةَ مُطْلَقًا وأمّا دُخُولُها في الحُكْمِ أوْ خُرُوجُها مِنهُ فَلا دَلالَةَ لَها عَلَيْهِ وإنَّما يُعْلَمُ مِن خارِجٍ ولَمْ يَكُنْ في الآيَةِ، وكانَتِ الأيْدِي مُتَناوِلَةً لَها فَحُكِمَ بِدُخُولِها احْتِياطًا. وقِيلَ إلى مِن حَيْثُ إنَّها تُفِيدُ الغايَةَ تَقْتَضِي خُرُوجَها وإلّا لَمْ تَكُنْ غايَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ لَكِنْ لَمّا لَمْ تَتَمَيَّزِ الغايَةُ ها هُنا عَنْ ذِي الغايَةِ وجَبَ إدْخالُها احْتِياطًا. ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ الباءُ مَزِيدَةٌ. وقِيلَ لِلتَّبْعِيضِ، فَإنَّهُ الفارِقُ بَيْنَ قَوْلِكَ مَسَحَتُ المِندِيلَ وبِالمِندِيلِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ إنَّها تَدُلُّ عَلى تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى الإلْصاقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وألْصِقُوا المَسْحَ بِرُءُوسِكُمْ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي الِاسْتِيعابَ بِخِلافِ ما (p-117)
لَوْ قِيلَ: وامْسَحُوا رُؤُوسَكم فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَدْرِ الواجِبِ فَأوْجَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أقَلُّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أخْذًا بِاليَقِينِ. وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَسَحَ رُبُعَ الرَّأْسِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَسَحَ عَلى ناصِيَتِهِ وهو قَرِيبٌ مِنَ الرُّبُعِ. ومالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَسْحُ كُلِّهِ أخْذًا بِالِاحْتِياطِ. ﴿وَأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ نَصَبَهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ عَطْفًا عَلى وُجُوهِكم ويُؤَيِّدُهُ: السُّنَّةُ الشّائِعَةُ، وعَمَلُ الصَّحابَةِ، وقَوْلُ أكْثَرِ الأئِمَّةِ، والتَّحْدِيدُ، إذِ المَسْحُ لَمْ يُحَدَّ.
وَجَرَّهُ الباقُونَ عَلى الجِوارِ ونَظِيرُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ والشِّعْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ بِالجَرِّ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وقَوْلِهِمْ جُحْرِ ضَبٍّ خَرِبٍ. ولِلنُّحاةِ بابٌ في ذَلِكَ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَقْتَصِدَ في صَبِّ الماءِ عَلَيْها ويُغْسَلُ غَسْلًا يَقْرُبُ مِنَ المَسْحِ، وفي الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخَوَيْهِ إيماءً عَلى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى «وَأرْجُلُكُمْ» مَغْسُولَةٌ. ﴿وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ فاغْتَسِلُوا. ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَهُ لِيَتَّصِلَ الكَلامُ في بَيانِ أنْواعِ الطَّهارَةِ. ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ أيْ ما يُرِيدُ الأمْرَ بِالطِّهارَةِ لِلصَّلاةِ أوِ الأمْرَ بِالتَّيَمُّمِ تَضْيِيقًا عَلَيْكم. ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ لِيُنَظِّفَكُمْ، أوْ لِيُطَهِّرَكم عَنِ الذُّنُوبِ فَإنَّ الوُضُوءَ تَكْفِيرٌ لِلذُّنُوبِ، أوْ لِيُطَهِّرَكم بِالتُّرابِ إذا أعْوَزَكم التَّطْهِيرُ بِالماءِ. فَمَفْعُولٌ يُرِيدُ في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ واللّامُ لِلْعِلَّةِ. وقِيلَ مَزِيدَةٌ والمَعْنى: ما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ حَتّى لا يُرَخِّصَ لَكم في التَّيَمُّمِ، ولَكِنْ يُرِيدُ أنْ يُطَهِّرَكم وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ أنْ لا تُقَدَّرُ بَعْدَ المَزِيدَةِ. ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ لِيُتِمَّ بِشَرْعِهِ ما هو مَطْهَرَةٌ لِأبْدانِكم ومَكْفَرَةٌ لِذُنُوبِكم نِعْمَتَهُ عَلَيْكم في الدِّينِ، أوْ لِيُتِمَّ بِرُخَصِهِ إنْعامَهُ عَلَيْكم بِعَزائِمِهِ. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَتَهُ. والآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى سَبْعَةِ أُمُورٍ كُلُّها مُثَنّى: طَهارَتانِ أصْلٌ وبَدَلٌ، والأصْلُ اثْنانِ مُسْتَوْعِبٍ وغَيْرُ مُسْتَوْعِبٍ، وغَيْرُ المُسْتَوْعِبِ بِاعْتِبارِ الفِعْلِ غَسَلَ ومَسَحَ وبِاعْتِبارِ المَحَلِّ مَحْدُودٌ وغَيْرُ مَحْدُودٍ، وأنَّ آلَتَهُما مائِعٌ وجامِدٌ، ومُوجِبُهُما حَدَثٌ أصْغَرُ وأكْبَرُ، وأنَّ المُبِيحَ لِلْعُدُولِ إلى البَدَلِ مَرَضٌ أوْ سَفَرٌ، وأنَّ المَوْعُودَ عَلَيْهِما تَطْهِيرُ الذُّنُوبِ وإتْمامُ النِّعْمَةِ.
5:7Page 108
وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧
And remember the favor of Allāh upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allāh. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts.
﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِالإسْلامِ لِتُذَكِّرَكُمُ المُنْعِمَ وتُرَغِّبَكم في شُكْرِهِ. ﴿وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يَعْنِي المِيثاقَ الَّذِي أخَذَهُ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ بايَعَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ، والمَنشَطِ والمَكْرَهِ، أوْ مِيثاقَهُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ أوْ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في إنْساءِ نِعْمَتِهِ ونَقْضِ مِيثاقِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ بِخَفَياتِها فَيُجازِيكم عَلَيْها فَضْلًا عَنْ جَلِيّاتِ أعْمالِكم.
5:8Page 108
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨
O you who have believed, be persistently standing firm for Allāh, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allāh; indeed, Allāh is [fully] Aware of what you do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾ عَدّاهُ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الحَمْلِ، والمَعْنى لا يَحْمِلَنَّكم شِدَّةُ بُغْضِكم لِلْمُشْرِكِينَ عَلى تَرْكِ العَدْلِ فِيهِمْ فَتَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ بِارْتِكابِ ما لا يَحِلُّ، كَمُثَلَةٍ وقَذْفٍ وقَتْلِ نِساءٍ وصِبْيَةٍ ونَقْضِ عَهْدٍ تَشَفِّيًا مِمّا في قُلُوبِكم. ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أيِ العَدْلُ أقْرَبُ لِلتَّقْوى، صَرَّحَ لَهم بِالأمْرِ بِالعَدْلِ وبَيَّنَ أنَّهُ بِمَكانٍ مِنَ التَّقْوى بَعْدَ ما نَهاهم عَنِ الجَوْرِ وبَيَّنَ أنَّهُ مُقْتَضى الهَوى، وإذا كانَ هَذا لِلْعَدْلِ مَعَ الكُفّارِ فَما ظَنُّكَ بِالعَدْلِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَيُجازِيكم بِهِ، وتَكْرِيرُ هَذا الحُكْمِ إمّا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ كَما قِيلَ إنَّ الأُولى نَزَلَتْ في (p-118)
المُشْرِكِينَ وهَذِهِ في اليَهُودِ، أوْ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالعَدْلِ والمُبالَغَةِ في إطْفاءِ ثائِرَةِ الغَيْظِ.
5:9–10Page 108
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ ٩
Allāh has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٠
But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ إنَّما حُذِفَ ثانِي مَفْعُولَيْ وعَدَ اسْتِغْناءً بِقَوْلِهِ لَهم مَغْفِرَةٌ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُهُ. وقِيلَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ فَإنَّ الوَعْدَ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ وكَأنَّهُ قالَ: وعَدَهم هَذا القَوْلَ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ هَذا مِن عادَتِهِ تَعالى، أنْ يُتْبِعَ حالَ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ حالَ الآخَرِ وفاءً بِحَقِّ الدَّعْوَةِ، وفِيهِ مَزِيدُ وعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَطْيِيبٌ لِقُلُوبِهِمْ.
5:11Page 109
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١
O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ رُوِيَ « (أنَّ المُشْرِكِينَ رَأوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ بِعَسْفانَ، قامُوا إلى الظُّهْرِ مَعًا فَلَمّا صَلَّوْا نَدِمُوا ألّا كانُوا أكَبُّوا عَلَيْهِمْ وهَمُّوا أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ إذا قامُوا إلى العَصْرِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَيْدَهم بِأنْ أنْزَلَ عَلَيْهِمْ صَلاةَ الخَوْفِ» .
والآيَةُ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ وقِيلَ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى قُرَيْظَةَ ومَعَهُ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ يَسْتَقْرِضُهم لِدِيَةِ مُسْلِمَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ يَحْسَبُهُما مُشْرِكَيْنِ، فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكَ ونُقْرِضَكَ فَأجْلَسُوهُ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ، فَعَمَدَ عَمْرُو بْنُ جِحاشٍ إلى رَحًى عَظِيمَةٍ يَطْرَحُها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللَّهُ يَدَهُ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ فَخَرَجَ» .
وَقِيلَ « (نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنزِلًا وعَلَّقَ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ وتَفَرَّقَ النّاسُ عَنْهُ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ فَسَلَّ سَيْفَهُ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقالَ: اللَّهُ! فَأسْقَطَهُ جِبْرِيلُ مِن يَدِهِ، فَأخَذَهُ الرَّسُولُ ﷺ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقالَ: لا أحَدَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَنَزَلَتْ.» ﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ بِالقَتْلِ والإهْلاكِ، يُقالُ بَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ إذا بَطَشَ بِهِ وبَسَطَ إلَيْهِ لِسانَهُ إذا شَتَمَهُ. ﴿فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ مَنَعَها أنْ تُمَدَّ إلَيْكم ورَدَّ مَضَرَّتَها عَنْكم.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ الكافِي لِإيصالِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ.
5:12Page 109
۞ وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٢
And Allāh had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allāh said, "I am with you. If you establish prayer and give zakāh and believe in My messengers and support them and loan Allāh a goodly loan,1 I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."
﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ شاهِدًا مِن كُلِّ سِبْطٍ يُنَقِّبُ عَنْ أحْوالِ قَوْمِهِ ويُفَتِّشُ عَنْها، أوْ كَفِيلًا يَكْفُلُ عَلَيْهِمْ بِالوَفاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ.
رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا فَرَغُوا مِن فِرْعَوْنَ واسْتَقَرُّوا بِمِصْرَ، أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالمَسِيرِ إلى أُرَيْحاءَ مِن أرْضِ الشّامِ، وكانَ يَسْكُنُها الجَبابِرَةُ الكَنْعانِيُّونَ وقالَ: إنِّي كَتَبْتُها لَكم دارًا وقَرارًا فاخْرُجُوا إلَيْها وجاهِدُوا مَن فِيها فَإنِّي ناصِرُكُمْ، وأمَرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ سِبْطٍ كَفِيلًا عَلَيْهِمْ بِالوَفاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ واخْتارَ مِنهُمُ النُّقَباءَ وسارَ بِهِمْ، فَلَمّا دَنا مِن أرْضِ كَنْعانَ بَعَثَ النُّقَباءَ يَتَجَسَّسُونَ الأخْبارَ، ونَهاهم أنْ يُحَدِّثُوا قَوْمَهُمْ، فَرَأوْا أجْرامًا عَظِيمَةً وبَأْسًا شَدِيدًا فَهابُوا ورَجَعُوا وحَدَّثُوا قَوْمَهم ونَكَثُوا المِيثاقَ إلّا كالِبَ بْنَ يُوفِنا مِن سِبْطِ يَهُوذا، ويُوشِعَ بْنَ نُونٍ (p-119)مِن سِبْطِ أفْرائِيمَ بْنَ يُوسُفَ.
﴿وَقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ﴾ بِالنُّصْرَةِ ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أيْ نَصَرْتُمُوهم وقَوَّيْتُمُوهم وأصْلُهُ الذَّبُّ ومِنهُ التَّعْزِيزُ. ﴿وَأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْرِ وقَرْضًا يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَفْعُولَ. ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِاللّامِ في لَئِنْ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. ﴿وَلأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرْطِ المُؤَكَّدِ المُعَلَّقِ بِهِ الوَعْدُ العَظِيمُ. ﴿مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ضَلالًا لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا عُذْرَ مَعَهُ بِخِلافِ مَن كَفَرَ قَبْلَ ذَلِكَ، إذْ قَدْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ ويَتَوَهَّمُ لَهُ مَعْذِرَةً.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences