Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:34–53
5:34–35Page 113
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤
Except for those who return [repenting] before you overcome [i.e., apprehend] them. And know that Allāh is Forgiving and Merciful.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣٥
O you who have believed, fear Allāh and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مَخْصُوصٌ بِما هو حَقُّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أمّا القَتْلُ قَصاصًا فَإلى الأوْلِياءِ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وُجُوبُهُ لا جَوازُهُ، وتَقْيِيدُ التَّوْبَةِ بِالتَّقَدُّمِ عَلى القُدْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها بَعْدَ القُدْرَةِ لا تُسْقِطُ الحَدَّ وإنْ أسْقَطَتِ العَذابَ، وأنَّ الآيَةَ في قِطاعِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ تَوْبَةَ المُشْرِكِ تَدْرَأُ عَنْهُ العُقُوبَةَ قَبْلَ القُدْرَةِ وبَعْدَها.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ أيْ ما تَتَوَسَّلُونَ بِهِ إلى ثَوابِهِ والزُّلْفى مِنهُ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، مِن وسُلَ إلى كَذا إذا تَقَرَّبَ إلَيْهِ، وفي الحَدِيثِ «الوَسِيلَةُ مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ» .
﴿وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾ بِمُحارَبَةِ أعْدائِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ بِالوُصُولِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والفَوْزِ بِكَرامَتِهِ.
5:36–37Page 113
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٣٦
Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment.
يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٣٧
They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ﴾ مِن صُنُوفِ الأمْوالِ جَمِيعًا ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ لِيَجْعَلُوهُ فِدْيَةً لِأنْفُسِهِمْ. ﴿مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَسْتَدْعِيهِ لَوْ، إذِ التَّقْدِيرُ لَوْ ثَبَتَ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في بِهِ والمَذْكُورِ شَيْئانِ إمّا لِإجْرائِهِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ. أوْ لِأنَّ الواوَ ومِثْلَهُ بِمَعْنى مَعَ. ﴿ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾ جَوابُ لَوْ، ولَوْ بِما في حَيِّزِهِ خَبَرُ إنَّ والجُمْلَةُ تَمْثِيلٌ لِلُزُومِ العَذابِ لَهم وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخَلاصِ مِنهُ. ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمَقْصُودِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (p-126)﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وقُرِئَ يُخْرَجُوا مِن أخْرَجَ وإنَّما قالَ وما هم بِخارِجِينَ بَدَلٌ وما يَخْرُجُونَ لِلْمُبالَغَةِ.
5:38–39Page 114
وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٣٨
[As for] the thief, the male and the female, amputate their hands in recompense for what they earned [i.e., committed] as a deterrent [punishment] from Allāh. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٣٩
But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allāh will turn to him in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ جُمْلَتانِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ إذِ التَّقْدِيرُ فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ أيْ حُكْمُهُما، وجُمْلَةٌ عِنْدَ المُبَرِّدِ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ دَخَلَ الخَبَرُ لِتَضَمُّنِهِما مَعْنى الشَّرْطِ إذِ المَعْنى: والَّذِي سَرَقَ والَّتِي سَرَقَتْ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ وهو المُخْتارُ في أمْثالِهِ لِأنَّ الإنْشاءَ لا يَقَعُ خَبَرًا إلّا بِإضْمارٍ وتَأْوِيلٍ. والسَّرِقَةُ: أخْذُ مالِ الغَيْرِ في خُفْيَةٍ، وإنَّما تُوجِبُ القِطْعَ إذا كانَتْ مِن حِرْزٍ والمَأْخُوذُ رُبُعَ دِينارٍ أوْ ما يُساوِيهِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «القَطْعُ في رُبُعِ دِينارٍ فَصاعِدًا».»
وَلِلْعُلَماءِ خِلافٌ في ذَلِكَ لِأحادِيثَ ورَدَتْ فِيهِ وقَدِ اسْتَقْصَيْتُ الكَلامَ فِيهِ في شَرْحِ المَصابِيحِ، والمُرادُ بِالأيْدِي الإيمانُ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْمانُهُما، ولِذَلِكَ ساغَ وضْعُ الجَمْعِ مَوْضِعَ المُثَنّى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ اكْتِفاءً بِتَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ، واليَدُ اسْمٌ لِتَمامِ العُضْوِ ولِذَلِكَ ذَهَبَ الخَوارِجُ إلى أنَّ المَقْطَعَ هو المَنكِبُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الرُّسْغُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أُتِيَ بِسارِقٍ فَأمَرَ بِقَطْعِ يَمِينِهِ مِنهُ.» ﴿جَزاءً بِما كَسَبا نَكالا مِنَ اللَّهِ﴾ مَنصُوبانِ عَلى المَفْعُولِ لَهُ أوِ المَصْدَرِ ودَلَّ عَلى فِعْلِهِما فاقْطَعُوا ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
﴿فَمَن تابَ﴾ مِنَ السِّراقِ. ﴿مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ أيْ بَعْدِ سَرِقَتِهِ. ﴿وَأصْلَحَ﴾ أمَرَهُ بِالتَّقَصِّي عَنِ التَّبِعاتِ والعَزْمِ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْها. ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ فَلا يُعَذِّبُهُ في الآخِرَةِ. وأمّا القَطْعُ فَلا يَسْقُطُ بِها عِنْدَ الأكْثَرِينَ لِأنَّ فِيهِ حَقَّ المَسْرُوقِ مِنهُ.
5:40Page 114
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٠
Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth? He punishes whom He wills and forgives whom He wills, and Allāh is over all things competent.
﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَدَّمَ التَّعْذِيبَ عَلى المَغْفِرَةِ إيتاءً عَلى تَرْتِيبِ ما سَبَقَ، أوْ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ التَّعْذِيبِ مُقَدَّمٌ أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ القَطْعُ وهو في الدُّنْيا.
5:41Page 114
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٤١
O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief – of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you.1 They distort words beyond their [proper] places [i.e., usages], saying, "If you are given this,2 take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allāh intends fitnah3 - never will you possess [power to do] for him a thing against Allāh. Those are the ones for whom Allāh does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.
﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ أيْ صَنِيعُ الَّذِينَ يَقَعُونَ في الكُفْرِ سَرِيعًا أيْ في إظْهارِهِ إذا وجَدُوا مِنهُ فُرْصَةً. ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ مِنَ المُنافِقِينَ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقالُوا لا بِآمَنّا والواوُ تَحْتَمِلُ الحالَ والعَطْفَ. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ عُطِفَ عَلى مِنَ الَّذِينَ قالُوا، ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هم سَمّاعُونَ، والضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ، أوْ لِلَّذِينِ يُسارِعُونَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ومِنَ الَّذِينَ خَبَرُهُ أيْ ومِنَ اليَهُودِ قَوْمٌ سَمّاعُونَ واللّامُ في لِلْكَذِبِ، إمّا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ لِتَضْمِينِ السَّماعِ مَعْنى القَبُولِ (p-127)أيْ قابِلُونَ لِما تَفْتَرِيهِ الأحْبارُ، أوْ لِلْعِلَّةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ: سَمّاعُونَ كَلامَكَ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ فِيهِ.
﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أيْ لِجَمْعٍ آخَرِينَ مِنَ اليَهُودِ لَمْ يَحْضُرُوا مَجْلِسَكَ وتَجافَوْا عَنْكَ تَكَبُّرًا وإفْراطًا في البَغْضاءِ، والمَعْنى عَلى الوَجْهَيْنِ أيْ مُصْغُونَ لَهم قابِلُونَ كَلامَهُمْ، أوْ سَمّاعُونَ مِنكَ لِأجْلِهِمْ والإنْهاءُ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِالكَذِبِ لِأنَّ سَمّاعُونَ الثّانِي مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ أيْ: سَمّاعُونَ لِيَكْذِبُوا لِقَوْمٍ آخَرِينَ. ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أيْ يُمِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ فِيها، إمّا لَفْظًا: بِإهْمالِهِ أوْ تَغْيِيرِ وضْعِهِ، وإمّا مَعْنًى: بِحَمْلِهِ عَلى غَيْرِ المُرادِ وإجْرائِهِ في غَيْرِ مَوْرِدِهِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِقَوْمٍ أوْ صِفَةٌ لِسَمّاعُونَ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوِ اسْتِئْنافٌ لا مَوْضِعَ لَهُ، أوْ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هم يُحَرِّفُونَ وكَذَلِكَ ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾ أيْ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا المُحَرَّفَ فاقْبَلُوهُ واعْمَلُوا بِهِ. ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ بَلْ أفْتاكم مُحَمَّدٌ بِخِلافِهِ ﴿فاحْذَرُوا﴾ أيِ احْذَرُوا قَبُولَ ما أفْتاكم بِهِ.
رُوِيَ « (أنَّ شَرِيفًا مِن خَيْبَرَ زَنى بِشَرِيفَةٍ وكانا مُحْصَنَيْنِ فَكَرِهُوا رَجْمَهُما، فَأرْسَلُوهُما مَعَ رَهْطٍ مِنهم إلى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ وقالُوا: إنْ أمَرَكم بِالجَلْدِ والتَّحْمِيمِ فاقْبَلُوا وإنْ أمَرَكم بِالرَّجْمِ فَلا، فَأمَرَهم بِالرَّجْمِ فَأبَوْا عَنْهُ، فَجُعِلَ ابْنُ صُورِيّا حَكَمًا بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، وقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لِمُوسى، ورَفَعَ فَوْقَكُمُ الطُّورَ، وأنْجاكم وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ والَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكم كِتابَهُ وحَلالَهُ وحَرامَهُ هَلْ تَجِدُونَ فِيهِ الرَّجْمَ عَلى مَن أحْصَنَ، قالَ: نَعَمْ. فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقالَ: خِفْتُ إنْ كَذَّبْتُهُ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْنا العَذابُ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالزّانِيَيْنِ فَرُجِما عِنْدَ بابِ المَسْجِدِ» .
﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ ضَلالَتَهُ أوْ فَضِيحَتَهُ ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا في دَفْعِها. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ وهو كَما تَرى نَصٌّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ هو أنَّ بِالجِزْيَةِ والخَوْفِ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو الخُلُودُ في النّارِ، والضَّمِيرُ لِلَّذِينَ هادُوا إنِ اسْتَأْنَفَتْ بِقَوْلِهِ ومِنَ الَّذِينَ وإلّا فَلِلْفَرِيقَيْنِ.
5:42Page 115
سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٤٢
[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muḥammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allāh loves those who act justly.
﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ. ﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أيِ الحَرامِ كالرِّشا مِن سَحَتَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ لِأنَّهُ مَسْحُوتُ البَرَكَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِضَمَّتَيْنِ وهُما لُغَتانِ كالعُنُقِ والعُنْقِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ. ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ تَخْيِيرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا تَحاكَمُوا إلَيْهِ بَيْنَ الحُكْمِ والإعْراضِ ولِهَذا قِيلَ: لَوْ تَحاكَمَ كِتابِيّانِ إلى القاضِي لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الحُكْمُ، وهو قَوْلٌ لِلشّافِعِيِّ والأصَحُّ وُجُوبُهُ إذا كانَ المُتَرافِعانِ أوْ أحَدُهُما ذِمِّيًّا لِأنّا التَزَمْنا الذَّبَّ عَنْهم ودَفْعَ الظُّلْمِ مِنهُمْ، والآيَةُ لَيْسَتْ في أهْلِ الذِّمَّةِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ مُطْلَقًا. ﴿وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ بِأنْ يُعادُوكَ لِإعْراضِكَ عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ. ﴿وَإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ فَيَحْفَظُهم ويُعَظِّمُ شَأْنَهم.
5:43Page 115
وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٣
But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allāh? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَحْكِيمِهِمْ مَن لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، والحالُ أنَّ الحُكْمَ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في الكِتابِ الَّذِي هو عِنْدَهُمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم ما قَصَدُوا بِالتَّحْكِيمِ مَعْرِفَةَ الحَقِّ وإقامَةَ الشَّرْعِ، وإنَّما طَلَبُوا بِهِ ما يَكُونُ أهْوَنَ عَلَيْهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى في زَعْمِهِمْ، وفِيها حُكْمُ اللَّهِ حالٌ مِنَ التَّوْراةِ إنْ رَفَعْتَها بِالظَّرْفِ، وإنْ جَعَلْتَها مُبْتَدَأً فَمِن ضَمِيرِها المُسْتَكِنِّ فِيهِ وتَأْنِيثُها لِكَوْنِها نَظِيرَةَ المُؤَنَّثِ (p-128)فِي كَلامِهِمْ لَفْظًا كَمَوْماةٍ ودَوْداةٍ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ثُمَّ يُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمِكَ المُوافِقِ لِكِتابِهِمْ بَعْدَ التَّحْكِيمِ، وهو عَطْفٌ عَلى يُحَكِّمُونَكَ داخِلٌ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ. ﴿وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ بِكِتابِهِمْ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ أوَّلًا وعَمّا يُوافِقُهُ ثانِيًا، أوْ بِكَ وبِهِ.
5:44Page 115
إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤
Indeed, We sent down the Torah, in which was guidance and light. The prophets who submitted [to Allāh] judged by it for the Jews, as did the rabbis and scholars by that with which they were entrusted of the Scripture of Allāh, and they were witnesses thereto. So do not fear the people but fear Me, and do not exchange My verses for a small price [i.e., worldly gain]. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the disbelievers.
﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى﴾ يَهْدِي إلى الحَقِّ. ﴿وَنُورٌ﴾ يَكْشِفُ عَمّا اسْتُبْهِمَ مِنَ الأحْكامِ. ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ﴾ يَعْنِي أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ مُوسى ومَن بَعْدَهُ إنْ قُلْنا شَرْعُ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يُنْسَخْ، وبِهَذِهِ الآيَةِ تَمَسَّكَ القائِلُ بِهِ. ﴿الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ صِفَةٌ أُجْرِيَتْ عَلى النَّبِيِّينَ مَدْحًا لَهم وتَنْوِيهًا بِشَأْنِ المُسْلِمِينَ، وتَعْرِيضًا بِاليَهُودِ وأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ دِينِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ واقْتِفاءِ هَدْيِهِمْ. ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلَ، أوْ بِيَحْكُمُ أيْ يَحْكُمُونَ بِها في تَحاكُمِهِمْ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيِّينَ أنْبِياؤُهم. ﴿والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ زُهّادُهم وعُلَماؤُهُمُ السّالِكُونَ طَرِيقَةَ أنْبِيائِهِمْ عَطْفٌ عَلى النَّبِيُّونَ، ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ بِسَبَبِ أمْرِ اللَّهِ إيّاهم بِأنْ يَحْفَظُوا كِتابَهُ مِنَ التَّضْيِيعِ والتَّحْرِيفِ، والرّاجِعُ إلى ما مَحْذُوفٌ ومِن لِلتَّبْيِينِ. ﴿وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ رُقَباءَ لا يَتْرُكُونَ أنْ يُغَيِّرَ، أوْ شُهَداءُ يُبَيِّنُونَ ما يَخْفى مِنهُ كَما فَعَلَ ابْنُ صُورِيّا. ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ نَهْيٌ لِلْحُكّامِ أنْ يَخْشَوْا غَيْرَ اللَّهِ في حُكُوماتِهِمْ ويُداهِنُوا فِيها خَشْيَةَ ظالِمٍ أوْ مُراقَبَةَ كَبِيرٍ. ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾ ولا تَسْتَبْدِلُوا بِأحْكامِي الَّتِي أنْزَلْتُها. ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ هو الرَّشْوَةُ والجاهُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ مُسْتَهِينًا بِهِ مُنْكِرًا لَهُ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ لِاسْتِهانَتِهِمْ بِهِ وتَمَرُّدِهِمْ بِأنْ حَكَمُوا بِغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِقَوْلِهِ الكافِرُونَ والظّالِمُونَ والفاسِقُونَ، فَكُفْرُهم لِإنْكارِهِ، وظُلْمُهم بِالحُكْمِ عَلى خِلافِهِ، وفِسْقُهم بِالخُرُوجِ عَنْهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الصِّفاتِ الثَّلاثِ بِاعْتِبارِ حالٍ انْضَمَّتْ إلى الِامْتِناعِ عَنِ الحُكْمِ بِهِ مُلائِمَةً لَها، أوْ لِطائِفَةٍ كَما قِيلَ هَذِهِ في المُسْلِمِينَ لِاتِّصالِها بِخِطابِهِمْ، والظّالِمُونَ في اليَهُودِ، والفاسِقُونَ في النَّصارى.
5:45Page 115
وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٥
And We ordained for them therein a life for a life, an eye for an eye, a nose for a nose, an ear for an ear, a tooth for a tooth, and for wounds is legal retribution. But whoever gives [up his right as] charity, it is an expiation for him. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the wrongdoers [i.e., the unjust].
﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ وفَرَضْنا عَلى اليَهُودِ. ﴿فِيها﴾ في التَّوْراةِ. ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أيْ أنَّ النَّفْسَ تُقْتَلُ بِالنَّفْسِ. ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ رَفَعَها الكِسائِيُّ عَلى أنَّها جُمَلٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى أنَّ وما في حَيِّزِها بِاعْتِبارِ المَعْنى وكَأنَّهُ قِيلَ: وكَتَبْنا عَلَيْهِمُ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، والعَيْنَ بِالعَيْنِ، فَإنَّ الكِتابَةَ والقِراءَةَ تَقَعانِ عَلى الجُمَلِ كالقَوْلِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ومَعْناها: وكَذَلِكَ العَيْنُ مَفْقُوءَةٌ بِالعَيْنِ، والأنْفُ مَجْدُوعَةٌ بِالأنْفِ، والأُذُنُ مَصْلُومَةٌ بِالأُذُنِ، والسِّنُّ مَقْلُوعَةٌ بِالسِّنِّ، أوْ عَلى أنَّ المَرْفُوعَ مِنها مَعْطُوفٌ عَلى المْسْتَكِنِّ في قَوْلِهِ بِالنَّفْسِ، وإنَّما ساغَ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَفْصُولٌ عَنْهُ بِالظَّرْفِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْمَعْنى، وقَرَأ نافِعٌ والأُذْنَ بِالأُذْنِ وفي أُذُنَيْهِ بِإسْكانِ الذّالِ حَيْثُ وقَعَ. ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ أيْ ذاتُ قِصاصٍ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ أيْضًا بِالرَّفْعِ ووافَقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ عَلى أنَّهُ إجْمالٌ لِلْحُكْمِ بَعْدَ التَّفْصِيلِ. ﴿فَمَن تَصَدَّقَ﴾ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ. ﴿بِهِ﴾ بِالقِصاصِ أيْ فَمَن عَفا عَنْهُ. ﴿فَهُوَ﴾ فالتَّصَدُّقُ. ﴿كَفّارَةٌ لَهُ﴾ لِلْمُتَصَدِّقِ يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ ذُنُوبَهُ. وقِيلَ لِلْجانِي يَسْقُطُ عَنْهُ ما لَزِمَهُ. وقُرِئَ «فَهُوَ كَفّارَتُهُ لَهُ» أيْ فالمُتَصَدِّقُ كَفّارَتُهُ الَّتِي يَسْتَحِقُّها (p-129)بِالتَّصَدُّقِ لَهُ لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ. ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ القَصاصِ وغَيْرِهِ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
5:46–47Page 116
وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٦
And We sent, following in their footsteps,1 Jesus, the son of Mary, confirming that which came before him in the Torah; and We gave him the Gospel, in which was guidance and light and confirming that which preceded it of the Torah as guidance and instruction for the righteous.
وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤٧
And let the People of the Gospel judge by what Allāh has revealed therein. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the defiantly disobedient.
﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ أيْ وأتْبَعْناهم عَلى آثارِهِمْ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِدَلالَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّينَ. ﴿بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ عُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِالباءِ. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. ﴿فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِالحالِ. ﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وَهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ويَجُوزُ نَصْبُهُما عَلى المَفْعُولِ لَهُ عَطْفًا عَلى مَحْذُوفٍ أوْ تَعَلُّقًا بِهِ وعُطِفَ: ﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ «عَلَيْهِ» في قِراءَةِ حَمْزَةَ، وعَلى الأوَّلِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ وآتَيْناهُ لِيَحْكُمَ، وقُرِئَ: «وَأنْ لِيَحْكُمَ» عَلى أنَّ أنْ مَوْصُولَةٌ بِالأمْرِ كَقَوْلِكَ: أمَرْتُكَ بِأنْ قُمْ أيْ وأمَرْنا بِأنْ لِيَحْكُمَ. ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ عَنْ حُكْمِهِ، أوْ عَنِ الإيمانِ إنْ كانَ مُسْتَهِينًا بِهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْجِيلَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأحْكامِ وأنَّ اليَهُودِيَّةَ مَنسُوخَةٌ بِبِعْثَةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ كانَ مُسْتَقِلًّا بِالشَّرْعِ وحَمَلَها عَلى ولِيَحْكُمُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِن إيجابِ العَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ خِلافَ الظّاهِرِ.
5:48Page 116
وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨
And We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book [i.e., the Qur’ān] in truth, confirming that which preceded it of the Scripture and as a criterion over it. So judge between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations away from what has come to you of the truth. To each of you We prescribed a law and a method.1 Had Allāh willed, He would have made you one nation [united in religion], but [He intended] to test you in what He has given you; so race to [all that is] good.2 To Allāh is your return all together, and He will [then] inform you concerning that over which you used to differ.
﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أيِ القُرْآنَ. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ﴾ مِن جِنْسِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، فاللّامُ الأُولى لِلْعَهْدِ والثّانِيَةُ لِلْجِنْسِ. ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ورَقِيبًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ يَحْفَظُهُ عَنِ التَّغْيِيرِ ويَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ والثَّباتِ، وقُرِئَ عَلى بِنْيَةِ المَفْعُولِ أيْ هُومِنَ عَلَيْهِ وحُوفِظَ مِنَ التَّحْرِيفِ والحافِظُ لَهُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوِ الحِفاظُ في كُلِّ عَصْرٍ. ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ بِالِانْحِرافِ عَنْهُ إلى ما يَشْتَهُونَهُ فَعَنْ صِلَةٌ لِلا تَتَّبِعْ لِتَضْمُّنِهِ مَعْنى لا تَنْحَرِفْ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ لا تَتَّبِعْ أهْواءَهم مائِلًا عَمّا جاءَكَ. ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ. ﴿شِرْعَةً﴾ شَرِيعَةً وهي الطَّرِيقُ إلى الماءِ شُبِّهَ بِها الدِّينُ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى ما هو سَبَبُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الشِّينِ.﴿وَمِنهاجًا﴾ وطَرِيقًا واضِحًا في الدِّينِ مِن نَهَجَ الأمْرُ إذا وضَحَ. واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنّا غَيْرُ مُتَعَبِّدِينَ بِالشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ جَماعَةً مُتَّفِقَةً عَلى دِينٍ واحِدٍ في جَمِيعِ الأعْصارِ مِن غَيْرِ نَسْخٍ وتَحْوِيلٍ، ومَفْعُولُ لَوْ شاءَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ، وقِيلَ المَعْنى لَوْ شاءَ اللَّهُ اجْتِماعَكم عَلى الإسْلامِ لَأجْبَرَكم عَلَيْهِ. ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ المُناسِبَةِ لِكُلِّ عَصْرٍ وقَرْنٍ، هَلْ تَعْمَلُونَ بِها مُذْعِنِينَ لَها مُعْتَقِدِينَ أنَّ اخْتِلافَها بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، أمْ تَزِيغُونَ عَنِ الحَقِّ وتُفَرِّطُونَ في العَمَلِ. ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ فابْتَدِرُوها انْتِهازًا لِلْفُرْصَةِ وحِيازَةً لِفَضْلِ السَّبْقِ والتَّقَدُّمِ. ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ اسْتِئْنافٌ فِيهِ تَعْلِيلُ الأمْرِ بِالِاسْتِباقِ ووَعْدٌ (p-130)
وَوَعِيدٌ لِلْمُبادِرِينَ والمُقَصِّرِينَ. ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بِالجَزاءِ الفاصِلِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ والعامِلِ والمُقَصِّرِ.
5:49Page 116
وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩
And judge, [O Muḥammad], between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allāh has revealed to you. And if they turn away - then know that Allāh only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.
﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الكِتابِ أيْ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ والحُكْمَ، أوْ عَلى الحَقِّ أيْ أنْزَلْناهُ بِالحَقِّ وبِأنِ احْكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً بِتَقْدِيرِ وأمَرْنا أنِ احْكُمَ. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ أنَّ يُضِلُّوكَ ويَصْرِفُوكَ عَنْهُ، وأنْ بِصِلَتِهِ بَدَلٌ مِن هم بَدَلُ الِاشْتِمالِ أيِ احْذَرْ فِتْنَتَهُمْ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أيِ احْذَرْهم مَخافَةَ أنْ يَفْتِنُوكَ.
رُوِيَ « (أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا: اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ وأنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَنا اليَهُودُ كُلُّهُمْ، إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا خُصُومَةً فَنَتَحاكَمُ إلَيْكَ فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُصَدِّقُكَ، فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ.»
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الحُكْمِ المُنَزَّلِ وأرادُوا غَيْرَهُ. ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ يَعْنِي ذَنْبَ التَّوَلِّي عَنْ حُكْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ لَهم ذُنُوبًا كَثِيرَةً وهَذا مَعَ عِظَمِهِ واحِدٌ مِنها مَعْدُودٌ مِن جُمْلَتِها، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى التَّعْظِيمِ كَما في التَّنْكِيرِ ونَظِيرُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ جِمامُها ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾
لَمُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ مُعْتَدُونَ فِيهِ.
5:50Page 116
أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠
Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allāh in judgement for a people who are certain [in faith].
﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الَّذِي هو المَيْلُ والمُداهَنَةُ في الحُكْمِ، والمُرادُ بِالجاهِلِيَّةِ المِلَّةُ الجاهِلِيَّةُ الَّتِي هي مُتابَعَةُ الهَوى. وقِيلَ نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ طَلَبُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَحْكُمَ بِما كانَ يَحْكُمُ بِهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّفاضُلِ بَيْنَ القَتْلى. وقُرِئَ بِرَفْعِ الحُكْمِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، ويَبْغُونَ خَبَرُهُ، والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ حَذَفَهُ في الصِّلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ واسْتُضْعِفَ ذَلِكَ في غَيْرِ الشِّعْرِ وقُرِئَ «أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ» أيْ يَبْغُونَ حاكِمًا كَحُكّامِ الجاهِلِيَّةِ يَحْكُمُ بِحَسَبِ شَهِيَّتِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «تَبْغُونَ» بِالتّاءِ عَلى قُلْ لَهم أفَحُكَمَ الجاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ. ﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ عِنْدَهُمْ، واللّامُ لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أيْ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَتَدَبَّرُونَ الأُمُورَ ويَتَحَقَّقُونَ الأشْياءَ بِأنْظارِهِمْ فَيَعْلَمُونَ أنْ لا أحْسَنَ حُكْمًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
5:51Page 117
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١
O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allāh guides not the wrongdoing people.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ فَلا تَعْتَمِدُوا عَلَيْهِمْ ولا تُعاشِرُوهم مُعاشَرَةَ الأحْبابِ. ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ إيماءٌ عَلى عِلَّةِ النَّهْيِ، أيْ فَإنَّهم مُتَّفِقُونَ عَلى خِلافِكم يُوالِي بَعْضُهم بَعْضًا لِاتِّحادِهِمْ في الدِّينِ وإجْماعِهِمْ عَلى مُضادَّتِكم. ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ أيْ ومَن والاهم مِنكم فَإنَّهُ مِن جُمْلَتِهِمْ، وهَذا التَّشْدِيدُ في وُجُوبِ مُجانَبَتِهِمْ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تَتَراءى ناراهُما»
، أوْ لِأنَّ المُوالِيَ لَهم كانُوا مُنافِقِينَ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمُوالاةِ الكُفّارِ أوِ المُؤْمِنِينَ بِمُوالاةِ أعْدائِهِمْ.(p-131)
5:52Page 117
فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢
So you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allāh will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.
﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يَعْنِي ابْنَ أُبَيٍّ وأضْرابَهُ. ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أيْ في مُوالاتِهِمْ ومُعاوَنَتِهِمْ.
﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ يَعْتَذِرُونَ بِأنَّهم يَخافُونَ أنْ تُصِيبَهم دائِرَةٌ مِن دَوائِرِ الزَّمانِ بِأنْ يَنْقَلِبَ الأمْرُ وتَكُونُ الدُّولَةُ لِلْكُفّارِ.
رُوِيَ « (أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ لِي مَوالِيَ مِنَ اليَهُودِ كَثِيرًا عَدَدُهُمْ، وإنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ مِن وِلايَتِهِمْ وأُوالِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: إنِّي رَجُلٌ أخافُ الدَّوائِرَ ولا أبْرَأُ مِن وِلايَةِ مَوالِي فَنَزَلَتْ.»
﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أعْدائِهِ وإظْهارِ المُسْلِمِينَ. ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ يَقْطَعُ شَأْفَةَ اليَهُودِ مِنَ القَتْلِ والإجْلاءِ، أوِ الأمْرِ بِإظْهارِ أسْرارِ المُنافِقِينَ وقَتْلِهِمْ. ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ. ﴿عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ عَلى ما اسْتَبْطَنُوهُ مِنَ الكُفْرِ والشَّكِّ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ، فَضْلًا عَمّا أظْهَرُوهُ مِمّا أشْعَرَ عَلى نِفاقِهِمْ.
5:53Page 117
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣
And those who believe will say,1 "Are these the ones who swore by Allāh their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالرَّفْعِ قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وابْنِ عامِرٍ مَرْفُوعًا بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّهُ جَوابُ قائِلٍ يَقُولُ فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ، وبِالنَّصْبِ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ عَطْفًا عَلى أنْ يَأْتِيَ بِاعْتِبارِ المَعْنى، وكَأنَّهُ قالَ: عَسى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِالفَتْحِ ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا، أوْ يَجْعَلَهُ بَدَلًا مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى داخِلًا في اسْمِ عَسى مُغْنِيًا عَنِ الخَبَرِ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الحَدَثِ، أوْ عَلى الفَتْحِ بِمَعْنى عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ وبِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ الإتْيانَ بِما يُوجِبُهُ كالإتْيانِ بِهِ. ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ يَقُولُ المُؤْمِنُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ تَعَجُّبًا مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَبَجُّحًا بِما مَنَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ الإخْلاصِ أوْ يَقُولُونَهُ لِلْيَهُودِ، فَإنَّ المُنافِقِينَ حَلَفُوا لَهم بِالمُعاضَدَةِ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿وَإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ وجَهْدُ الأيْمانِ أغْلَظُها، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ عَلى تَقْدِيرِ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ يُجْهِدُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمْ، فَحُذِفَ الفِعْلُ وأُقِيمَ المَصْدَرُ مَقامَهُ ولِذَلِكَ ساغَ كَوْنُها مَعْرِفَةً أوْ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى أقْسَمُوا. ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ إمّا مِن جُمْلَةِ المَقُولِ أوْ مِن قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى شَهادَةً لَهم بِحُبُوطِ أعْمالِهِمْ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ أحْبَطَ أعْمالَهم فَما أخْسَرَهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences