Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:54–71
5:54Page 117
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤
O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allāh will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, strong against the disbelievers; they strive in the cause of Allāh and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allāh; He bestows it upon whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ قَرَأهُ عَلى الأصْلِ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وهو كَذَلِكَ في الإمامِ، والباقُونَ بِالإدْغامِ وهَذا مِنَ الكائِناتِ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قَبْلَ وُقُوعِها، وقَدِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ في أواخِرِ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثُ فِرَقٍ: بَنُو مُدْلِجٍ وكانَ رَئِيسُهم ذا الحِمارِ الأسْوَدَ العَنْسِيَّ، تَنَبَّأ بِاليَمَنِ واسْتَوْلى عَلى بِلادِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ لَيْلَةَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَدِها وأُخْبِرَ الرَّسُولُ ﷺ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَسُرَّ المُسْلِمُونَ وأتى الخَبَرُ في أواخِرِ رَبِيعِ الأوَّلِ.
وَبَنُو حَنِيفَةَ أصْحابُ مُسَيْلِمَةَ تَنَبَّأ وكَتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مِن مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أمّا بَعْدُ، فَإنَّ الأرْضَ نِصْفُها لِي ونِصْفُها لَكَ، فَأجابَ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ أمّا بَعْدُ فَإنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، فَحارَبَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِجُنْدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وقَتَلَهُ وحْشِيٌّ قاتِلُ حَمْزَةَ. وبَنُو أسَدٍ قَوْمُ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ تَنَبَّأ (p-132)فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خالِدًا فَهَرَبَ بَعْدَ القِتالِ إلى الشّامِ ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
وَفِي عَهْدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَبْعٌ فَزارَةُ قَوْمُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وغَطَفانُ قَوْمُ فِرَّةَ بْنِ سَلَمَةَ القُشَيْرِيِّ وبَنُو سَلِيمٍ قَوْمُ الفُجاءَةِ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ، وبَنُو يَرْبُوعَ قَوْمُ مالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وبَعْضُ تَمِيمَ قَوْمُ سِجاحَ بِنْتِ المُنْذِرِ المُتَنَبِّئَةِ زَوْجَةِ مُسَيْلِمَةَ، وكِنْدَةُ قَوْمُ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وبَنُو بَكْرِ بْنِ وائِلٍ بِالبَحْرَيْنِ قَوْمُ الحَطْمِ بْنِ زَيْدٍ وكَفى اللَّهُ أمْرَهم عَلى يَدِهِ، وفي إمْرَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ غَسّانُ قَوْمُ جِبِلَّةَ بْنِ الأيْهَمِ تَنَصَّرَ وسارَ إلى الشّامِ. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ قِيلَ هم أهْلُ اليَمَنِ لِما رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشارَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وقالَ: هم قَوْمُ هَذا» .
وَقِيلَ الفَرَسُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «سُئِلَ عَنْهم فَضَرَبَ يَدَهُ عَلى عاتِقِ سَلْمانَ وقالَ: هَذا وذَوُوهُ.»
وَقِيلَ الَّذِينَ جاهَدُوا يَوْمَ القادِسِيَّةِ ألْفانِ مِنَ النَّخْعِ وخَمْسَةُ آلافٍ مِن كِنْدَةَ وبُجَيْلَةَ، وثَلاثَةُ آلافٍ مِن أفْناءِ النّاسِ. والرّاجِعُ إلى مِن مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ مَكانَهُمْ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى لِلْعِبادِ إرادَةُ الهُدى والتَّوْفِيقِ لَهم في الدُّنْيا وحُسْنُ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، ومَحَبَّةُ العِبادِ لَهُ إرادَةُ طاعَتِهِ والتَّحَرُّزُ عَنْ مَعاصِيهِ. ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ عاطِفِينَ عَلَيْهِمْ مُتَذَلِّلِينَ لَهُمْ، جَمْعُ ذَلِيلٍ لا ذَلُولَ فَإنَّ جَمْعُهُ ذُلُلٌ، واسْتِعْمالُهُ مَعَ عَلى إمّا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى العَطْفِ والحُنُوِّ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم مَعَ عُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ خاضِعُونَ لَهم أوْ لِلْمُقابَلَةِ. ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ شِدادٍ مُتَغَلِّبِينَ عَلَيْهِمْ مِن عَزَّهُ إذا غَلَبَهُ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ.
﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِقَوْمٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أعِزَّةٍ. ﴿وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يُجاهِدُونَ بِمَعْنى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ المُجاهَدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ والتَّصَلُّبِ في دِينِهِ، أوْ حالٌ بِمَعْنى أنَّهم مُجاهِدُونَ وحالُهم خِلافُ حالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّهم يَخْرُجُونَ في جَيْشِ المُسْلِمِينَ خائِفِينَ مَلامَةَ أوْلِيائِهِمْ مِنَ اليَهُودِ فَلا يَعْمَلُونَ شَيْئًا يَلْحَقُهم فِيهِ لَوْمٌ مِن جِهَتِهِمْ، واللَّوْمَةُ المَرَّةُ مِنَ اللَّوْمِ وفِيها وفي تَنْكِيرِ لائِمٍ مُبالَغَتانِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ. ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ يَمْنَحُهُ ويُوَفِّقُ لَهُ ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ كَثِيرُ الفَضْلِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِمَن هو أهْلُهُ.
5:55–56Page 117
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ ٥٥
Your ally is none but Allāh and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakāh, and they bow [in worship].
وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٥٦
And whoever is an ally of Allāh and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allāh - they will be the predominant.
﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِما نَهى عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ مَن هو حَقِيقٌ بِها، وإنَّما قالَ ولِيُّكُمُ اللَّهُ ولَمْ يَقُلْ أوْلِياؤُكم لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الوِلايَةَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الأصالَةِ ولِرَسُولِهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَّبَعِ. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ صِفَةٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا فَإنَّهُ جَرى مَجْرى الِاسْمِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ ويَجُوزُ نَصْبُهُ ورَفْعُهُ عَلى المَدْحِ. ﴿وَهم راكِعُونَ﴾ مُتَخَشِّعُونَ في صَلاتِهِمْ وزَكاتِهِمْ، وقِيلَ هو حالٌ مَخْصُوصَةٌ بِيُؤْتُونَ، أيْ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ في حالِ رُكُوعِهِمْ في الصَّلاةِ حِرْصًا عَلى الإحْسانِ ومُسارَعَةً إلَيْهِ، وإنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ سَألَهُ سائِلٌ وهو راكِعٌ في صَلاتِهِ، فَطَرَحَ لَهُ خاتَمَهُ. واسْتَدَلَّ بِها الشِّيعَةُ عَلى إمامَتِهِ زاعِمِينَ أنَّ المُرادَ بِالوَلِيِّ المُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ والمُسْتَحِقُّ لِلتَّصَرُّفِ فِيها، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ مَعَ أنَّ حَمْلَ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ أيْضًا خِلافَ الظّاهِرِ وإنْ صَحَّ أنَّهُ نَزَلَ فِيهِ فَلَعَلَّهُ جِيءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِتَرْغِيبِ النّاسِ في مِثْلِ فِعْلِهِ فَيَنْدَرِجُوا فِيهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ دَلِيلًا عَلى أنَّ الفِعْلَ القَلِيلَ في الصَّلاةِ لا يُبْطِلُها وأنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ تُسَمّى زَكاةً.
﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ومَن يَتَّخِذُهم أوْلِياءَ. ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ أيْ فَإنَّهم هُمُ الغالِبُونَ، ولَكِنَّ وضْعَ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى البُرْهانِ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَتَوَلَّ هَؤُلاءِ فَهم حِزْبُ اللَّهِ وحِزْبُ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ وتَنْوِيهًا بِذِكْرِهِمْ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وتَشْرِيفًا لَهم بِهَذا الِاسْمِ، وتَعْرِيضًا لِمَن يُوالِي غَيْرَ هَؤُلاءِ بِأنَّهُ حِزْبُ الشَّيْطانِ. وأصْلُ الحِزْبِ القَوْمُ يَجْتَمِعُونَ لِأمْرٍ حَزَبَهم.(p-133)
5:57Page 117
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٥٧
O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allāh, if you should [truly] be believers.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ نَزَلَتْ في رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ وسُوِيدِ بْنِ الحَرْثِ أظْهَرا الإسْلامَ ثُمَّ نافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما. وقَدْ رَتَّبَ النَّهْيَ عَنْ مُوالاتِهِمْ عَلى اتِّخاذِهِمْ دِينَهم هُزُوًا ولَعِبًا إيماءً إلى العِلَّةِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ بَعِيدٌ عَنِ المُوالاةِ جَدِيرٌ بِالمُعاداةِ والبَغْضاءِ، وفَصْلُ المُسْتَهْزِئِينَ بِأهْلِ الكِتابِ والكُفّارِ عَلى قِراءَةِ مَن جَرَّهُ وهم أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ، والكُفّارُ وإنْ عَمَّ أهْلَ الكِتابِ يُطْلَقُ عَلى المُشْرِكِينَ خاصَّةً لِتَضاعُفِ كُفْرِهِمْ، ومَن نَصَبَهُ عَطَفَهُ عَلى الَّذِينَ اتَّخَذُوا عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنْ مُوالاةِ مَن لَيْسَ عَلى الحَقِّ رَأْسًا سَواءٌ مَن كانَ ذا دِينٍ تَبِعَ فِيهِ الهَوى وحَرَّفَهُ عَنِ الصَّوابِ كَأهْلِ الكِتابِ ومَن لَمْ يَكُنْ كالمُشْرِكِينَ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِتَرْكِ المَناهِي. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ حَقًّا يَقْتَضِي ذَلِكَ. وقِيلَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِوَعْدِهِ ووَعِيدِهِ.
5:58Page 118
وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ٥٨
And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.
﴿وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ أيِ اتَّخَذُوا الصَّلاةَ، أوِ المُناداةَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأذانَ مَشْرُوعٌ لِلصَّلاةِ.
رُوِيَ: أنَّ نَصْرانِيًّا بِالمَدِينَةِ كانَ إذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ يَقُولُ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أحْرَقَ اللَّهُ الكاذِبَ، فَدَخَلَ خادِمُهُ ذاتَ لَيْلَةٍ بِنارٍ وأهْلُهُ نِيامٌ فَتَطايَرَ شَرَرُها في البَيْتِ فَأحْرَقَهُ وأهْلَهُ.
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ فَإنَّ السَّفَهَ يُؤَدِّي إلى الجَهْلِ بِالحَقِّ والهَزْءِ بِهِ، والعَقْلُ يَمْنَعُ مِنهُ.
5:59Page 118
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ ٥٩
Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allāh and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ هَلْ تُنْكِرُونَ مِنّا وتَعِيبُونَ، يُقالُ نِقَمَ مِنهُ كَذا إذا أنْكَرَهُ وانْتَقَمَ إذا كافَأهُ. وقُرِئَ تَنْقَمُونَ بِفَتْحِ القافِ وهي لُغَةٌ. ﴿إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ الإيمانِ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ كُلِّها. ﴿وَأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ عُطِفَ عَلى أنْ آمَنّا وكَأنَّ المُسْتَثْنى لازِمُ الأمْرَيْنِ وهو المُخالَفَةُ أيْ: ما تُنْكِرُونَ مِنّا إلّا مُخالَفَتَكم حَيْثُ دَخَلْنا الإيمانَ وأنْتُمْ خارِجُونَ مِنهُ، أوْ كانَ الأصْلُ واعْتِقادُ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ فَحَذَفَ المُضافَ، أوْ عَلى ما أيْ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ بِاللَّهِ وبِما أنْزَلَ وبِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، أوْ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ والتَّقْدِيرُ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا لِقِلَّةِ إنْصافِكم وفِسْقِكُمْ، أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَلْ تَنْقِمُونَ أيْ: ولا تَنْقِمُونَ أنْ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، أوْ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: وفِسْقُكم ثابِتٌ مَعْلُومٌ عِنْدَكم ولَكِنَّ حُبَّ الرِّياسَةِ والمالِ يَمْنَعُكم عَنِ الإنْصافِ. والآيَةُ خِطابٌ لِيَهُودٍ «سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ فَقالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا إلى قَوْلِهِ: ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَقالُوا حِينَ سَمِعُوا ذِكْرَ عِيسى: لا نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم.»
5:60Page 118
قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠
Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that1 as penalty from Allāh? [It is that of] those whom Allāh has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of ṭāghūt.2 Those are worse in position and further astray from the sound way."
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ المَنقُومِ. ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ جَزاءً ثابِتًا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمَثُوبَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ كالعُقُوبَةِ بِالشَّرِّ فَوُضِعَتْ هاهُنا مَوْضِعَها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:
تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعُ (p-134)وَنَصَبَها عَلى التَّمْيِيزِ عَنْ بِشَرٍّ. ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ بَدَلٌ مِن بِشَرٍّ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ بِشَرٍّ مِن أهْلِ ذَلِكَ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، أوْ بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ دِينُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيْ هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وهُمُ اليَهُودُ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ وسَخِطَ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في المَعاصِي بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ، ومَسَخَ بَعْضَهم قِرَدَةً وهم أصْحابُ السَّبْتِ، وبَعْضَهم خَنازِيرَ وهم كُفّارُ أهْلِ مائِدَةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ كِلا المَسْخَيْنِ في أصْحابِ السَّبْتِ مُسِخَتْ شُبّانُهم قِرَدَةً ومَشايِخُهم خَنازِيرَ. ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ عُطِفَ عَلى صِلَةِ مَن وكَذا عُبِدَ الطّاغُوتُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ الطّاغُوتِ وعُبِدَ بِمَعْنى صارَ مَعْبُودًا، فَيَكُونُ الرّاجِعُ مَحْذُوفًا أيْ فِيهِمْ أوْ بَيْنَهُمْ، ومَن قَرَأ «وَعابِدَ الطّاغُوتَ» أوْ عَبِدَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ كَفَطِنٍ ويَقِظٍ أوْ عَبَدَةٍ أوْ عَبَدَ الطّاغُوتَ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ كَخَدَمٍ أوْ أنَّ أصْلَهُ عَبَدَةُ فَحَذَفَ التّاءَ لِلْإضافَةِ عَطَفَهُ عَلى القِرَدَةِ، ومَن قَرَأ وعَبَدَ الطّاغُوتِ بِالجَرِّ عَطَفَهُ عَلى مَن، والمُرادُ مِنَ الطّاغُوتِ العَجَلُ وقِيلَ الكَهَنَةُ وكُلُّ مَن أطاعُوهُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَلْعُونُونَ. ﴿شَرٌّ مَكانًا﴾ جَعَلَ مَكانَهم شَرًّا لِيَكُونَ أبْلَغَ في الدَّلالَةِ عَلى شَرارَتِهِمْ، وقِيلَ مَكانًا مُنْصَرِفًا. ﴿وَأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ قَصْدِ الطَّرِيقِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ غُلُوِّ النَّصارى وقَدْحِ اليَهُودِ، والمُرادُ مِن صِيغَتَيِ التَّفْضِيلِ الزِّيادَةُ مُطْلَقًا لا بِالإضافَةِ إلى المُؤْمِنِينَ في الشَّرارَةِ والضَّلالَةِ.
5:61–62Page 118
وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ ٦١
And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allāh is most knowing of what they were concealing.
وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٢
And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.
﴿وَإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نَزَلَتْ في يَهُودٍ نافَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أوْ في عامَّةِ المُنافِقِينَ. ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِن عِنْدِكَ كَما دَخَلُوا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ ما سَمِعُوا مِنكَ، والجُمْلَتانِ حالانِ مِن فاعِلِ قالُوا وبِالكُفْرِ وبِهِ حالانِ مِن فاعِلَيْ دَخَلُوا وخَرَجُوا، وقَدْ وإنْ دَخَلَتْ لِتَقْرِيبِ الماضِي مِنَ الحالِ لِيَصِحَّ أنْ يَقَعَ حالًا أفادَتْ أيْضًا لِما فِيها مِنَ التَّوَقُّعِ أنَّ أمارَةَ النِّفاقِ كانَتْ لائِحَةً عَلَيْهِمْ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ يَظُنُّهُ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أيْ مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ وعِيدٌ لَهم.
﴿وَتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ اليَهُودِ أوْ مِنَ المُنافِقِينَ. ﴿يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ أيِ الحَرامِ، وقِيلَ الكَذِبِ لِقَوْلِهِ: عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ ﴿والعُدْوانِ﴾ الظُّلْمُ، أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي. وقِيلَ الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ والعُدْوانُ ما يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِمْ. ﴿وَأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أيِ الحَرامَ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَبِئْسَ شَيْئًا عَمِلُوهُ.
5:63Page 118
لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ٦٣
Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.
﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ تَحْضِيضٌ لِعُلَمائِهِمْ عَلى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فَإنَّ لَوْلا إذا دَخَلَ عَلى الماضِي أفادَ التَّوْبِيخَ وإذا دَخَلَ عَلى المُسْتَقْبَلِ أفادَ التَّحْضِيضَ. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ لَبِئْسَ ما كانُواْ يَعْمَلُونَ مِن حَيْثُ إنَّ الصُّنْعَ عَمَلُ الإنْسانِ بَعْدَ تَدَرُّبٍ فِيهِ وتَرَوٍّ وتَحَرِّي إجادَةٍ، ولِذَلِكَ ذَمَّ بِهِ خَواصَّهم ولِأنَّ تَرْكَ الحِسْبَةِ أقْبَحُ مِن مَواقَعَةِ المَعْصِيَةِ، لِأنَّ النَّفْسَ تَلْتَذُّ بِها وتَمِيلُ إلَيْها ولا كَذَلِكَ تَرْكُ الإنْكارِ عَلَيْها فَكانَ جَدِيرًا بِأبْلَغَ الذَّمِّ.
5:64Page 118
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤
And the Jews say, "The hand of Allāh is chained."1 Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allāh extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allāh does not like corrupters.
(p-135)﴿وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أيْ هو مُمْسِكٌ يُقَتِّرُ بِالرِّزْقِ وغَلُّ اليَدِ وبَسْطُها مَجازٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ ولا قَصْدَ فِيهِ إلى إثْباتِ يَدٍ وغِلٍّ وبَسْطٍ ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ:
؎ جادَ الحِمى بَسَطَ اليَدَيْنِ بِوابِلَ ∗∗∗ شَكَرَتْ نَداهُ تِلاعُهُ ووِهادُهُ
وَنَظِيرُهُ مِنَ المَجازاتِ المُرَكَّبَةِ: شابَتْ لَمَّةُ اللَّيْلِ. وقِيلَ مَعْناهُ إنَّهُ فَقِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ والنَّكَدِ أوْ بِالفَقْرِ والمَسْكَنَةِ، أوْ بِغَلِّ الأيْدِي حَقِيقَةً يُغَلُّونَ أسارى في الدُّنْيا ومَسْحُوبِينَ إلى النّارِ في الآخِرَةِ فَتَكُونُ المُطابَقَةُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومُلاحَظَةُ الأصْلِ كَقَوْلِكَ: سَبَّنِي سَبَّ اللَّهُ دابِرَهُ. ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ثَنّى اليَدَ مُبالَغَةً في الرَّدِّ ونَفْيِ البُخْلِ عَنْهُ تَعالى وإثْباتًا لِغايَةِ الجُودِ، فَإنَّ غايَةَ ما يَبْذُلُهُ السَّخِيُّ مِن مالِهِ أنْ يُعْطِيَهُ بِيَدَيْهِ، وتَنْبِيهًا عَلى مَنحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وعَلى ما يُعْطِي لِلِاسْتِدْراجِ وما يُعْطِي لِلْإكْرامِ. ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ أيْ هو مُخْتارٌ في إنْفاقِهِ يُوَسِّعُ تارَةً ويُضَيِّقُ أُخْرى عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ ومُقْتَضى حِكْمَتِهِ، لا عَلى تَعاقُبِ سِعَةٍ وضِيقٍ في ذاتِ يَدٍ، ولا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِنَ الهاءِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ ولِأنَّها مُضافٌ إلَيْها، ولا مِنَ اليَدَيْنِ إذْ لا ضَمِيرَ لَهُما فِيهِ ولا مِن ضَمِيرِهِما لِذَلِكَ. والآيَةُ نَزَلَتْ في فِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ فَإنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَمّا كَفَّ اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ ما بَسَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ السِّعَةِ بِشُؤْمِ تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وأشْرَكَ فِيهِ الآخَرُونَ لِأنَّهم رَضُوا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ هم طاغُونَ كافِرُونَ ويَزْدادُونَ طُغْيانًا وكُفْرًا بِما يَسْمَعُونَ مِنَ القُرْآنِ كَما يَزْدادُ المَرِيضُ مَرَضًا مِن تَناوُلِ الغِذاءِ الصّالِحِ لِلْأصِحّاءِ. ﴿وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَلا تَتَوافَقُ قُلُوبُهم ولا تَتَطابَقُ أقْوالُهم. ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ كُلَّما أرادُوا حَرْبَ الرَّسُولِ ﷺ وإثارَةَ شَرٍّ عَلَيْهِ رَدَّهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنْ أوْقَعَ بَيْنَهم مُنازَعَةً كَفَّ بِها عَنْهُ شَرَّهُمْ، أوْ كُلَّما أرادُوا حَرْبَ أحَدٍ غُلِبُوا فَإنَّهم لَمّا خالَفُوا حُكْمَ التَّوْراةِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِخْتَنْصَرَ ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ فَطْرَسَ الرُّومِيَّ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ المَجُوسَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ المُسْلِمِينَ، ولِلْحَرْبِ صِلَةُ أوْقَدُوا أوْ صِفَةُ نارًا.
﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ أيْ لِلْفَسادِ وهو اجْتِهادُهم في الكَيْدِ وإثارَةِ الحُرُوبِ والفِتَنِ وهَتْكِ المَحارِمِ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ فَلا يُجازِيهِمْ إلّا شَرًّا.
5:65–66Page 119
وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥
And if only the People of the Scripture had believed and feared Allāh, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ ٦٦
And if only they had upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord [i.e., the Qur’ān], they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet.1 Among them are a moderate [i.e., acceptable] community, but many of them - evil is that which they do.
﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِما جاءَ بِهِ. ﴿واتَّقَوْا﴾ ما عَدَدْنا مِن مَعاصِيهِمْ ونَحْوَهُ.
﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ الَّتِي فَعَلُوها ولَمْ نُؤاخِذْهم بِها. ﴿وَلأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ وجَعَلْناهم داخِلِينَ فِيها.
وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ مَعاصِيهِمْ وكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ، وأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وإنْ جَلَّ وأنَّ الكِتابِيَّ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ما لَمْ يُسْلِمْ.
﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ بِإذاعَةِ ما فِيهِما مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والقِيامُ بِأحْكامِها. ﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي سائِرَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ فَإنَّها مِن حَيْثُ إنَّهم مُكَلَّفُونَ بِالإيمانِ بِها كالمُنْزَلِ إلَيْهِمْ، أوِ القُرْآنِ ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ لَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ أرْزاقَهم بِأنْ يَفِيضَ عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، أوْ يُكْثِرُ ثَمَرَةَ الأشْجارِ وغَلَّةِ الزُّرُوعِ، أوْ يَرْزُقُهُمُ الجِنانَ اليانِعَةَ الثِّمارَ. فَيَجْتَنُونَها مِن رَأْسِ الشَّجَرِ ويَلْتَقِطُونَ ما تَساقَطَ عَلى الأرْضِ بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ ما كَفَّ عَنْهم بِشُؤْمِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ لا لِقُصُورِ الفَيْضِ، ولَوْ أنَّهم آمَنُوا وأقامُوا ما أُمِرُوا بِهِ لَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ وجَعَلَ لَهم خَيْرَ الدّارَيْنِ. ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ (p-136)عادِلَةٌ غَيْرُ غالِيَةٍ ولا مُقَصِّرَةٍ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وقِيلَ مُقْتَصِدَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ في عَداوَتِهِ. ﴿وَكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِئْسَ ما يَعْمَلُونَهُ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ أيْ ما أسْوَأ عَمَلَهم وهو المُعانَدَةُ وتَحْرِيفُ الحَقِّ والإعْراضُ عَنْهُ والإفْراطُ في العَداوَةِ.
5:67Page 119
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٧
O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allāh will protect you from the people. Indeed, Allāh does not guide the disbelieving people.
﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ جَمِيعُ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ غَيْرَ مُراقِبٍ أحَدًا ولا خائِفٍ مَكْرُوهًا.
﴿وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ وإنْ لَمْ تُبَلِّغْ جَمِيعَهُ كَما أمَرْتُكَ. ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ فَما أدَّيْتَ شَيْئًا مِنها، لِأنَّ كِتْمانَ بَعْضِها يُضَيِّعُ ما أُدِّيَ مِنها كَتَرْكِ بَعْضِ أرْكانِ الصَّلاةِ، فَإنَّ غَرَضَ الدَّعْوَةِ يَنْتَقِضُ بِهِ، أوْ فَكَأنَّكَ ما بَلَّغْتَ شَيْئًا مِنها كَقَوْلِهِ: فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا مِن حَيْثُ أنَّ كِتْمانَ البَعْضِ والكُلِّ سَواءٌ في الشَّفاعَةِ واسْتِجْلابِ العِقابِ.
وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ رِسالاتِهِ بِالجَمْعِ وكَسْرِ التّاءِ. ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ عِدَةٌ وضَمانٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعِصْمَةِ رُوحِهِ ﷺ مِن تَعَرُّضِ الأعادِي وإزاحَةٍ لِمَعاذِيرِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ لا يُمَكِّنُهم مِمّا يُرِيدُونَ بِكَ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «بَعَثَنِي اللَّهُ بِرِسالاتِهِ فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيَّ إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتِي عَذَّبْتُكَ وضَمِنَ لِيَ العِصْمَةَ فَقَوِيتُ» .
وَعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْرُسُ حَتّى نَزَلَتْ، فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِن قُبَّةِ أدَمٍ فَقالَ: انْصَرِفُوا يا أيُّها النّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ مِنَ النّاسِ.»
وَظاهِرُ الآيَةِ يُوجِبُ تَبْلِيغَ كُلِّ ما أُنْزِلَ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ تَبْلِيغُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُ العِبادِ، وقَصَدَ بِإنْزالِهِ إطْلاعَهم عَلَيْهِ فَإنَّ مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ ما يَحْرُمُ إفْشاؤُهُ.
5:68Page 119
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨
Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān]." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ دِينٍ يُعْتَدُّ بِهِ ويَصِحُّ أنْ يُسَمّى شَيْئًا لِأنَّهُ باطِلٌ. ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ ومِن إقامَتِها الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ والإذْعانُ لِحُكْمِهِ، فَإنَّ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ بِأسْرِها آمِرَةٌ بِالإيمانِ بِمَن صَدَّقَهُ والمُعْجِزَةُ ناطِقَةٌ بِوُجُوبِ الطّاعَةِ لَهُ، والمُرادُ إقامَةُ أُصُولِها وما لَمْ يُنْسَخْ مِن فُرُوعِها. ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ لِزِيادَةِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِما تُبَلِّغُهُ إلَيْهِمْ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ لاحِقٌ بِهِمْ لا يَتَخَطّاهم وفي المُؤْمِنِينَ مَندُوحَةٌ لَكَ عَنْهم.
5:69Page 119
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٩
Indeed, those who have believed [in Prophet Muḥammad (ﷺ)] and those [before him (ﷺ)] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.1
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ «البَقَرَةِ» والصّابِئُونَ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ والنِّيَّةُ بِهِ التَّأْخِيرُ عَمّا في حَيِّزِ إنَّ والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى حُكْمُهم كَذا والصّابِئُونَ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِ:
فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ وقَوْلِهِ:
؎ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
(p-137)أيْ فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، وهو كاعْتِراضٍ دَلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ الصّابِئُونَ مَعَ ظُهُورِ ضَلالِهِمْ ومَيْلِهِمْ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها يُتابُ عَلَيْهِمْ إنْ صَحَّ مِنهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، كانَ غَيْرُهم أوْلى بِذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ والنَّصارى مَعْطُوفًا عَلَيْهِ ومَن آمَنَ خَبَرُهُما وخَبَرُ إنَّ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ:
؎ نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
وَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها فَإنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالفَراغِ مِنَ الخَبَرِ، إذْ لَوْ عُطِفَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ كانَ الخَبَرُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ وخَبَرَ إنَّ مَعًا فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ عامِلانِ ولا عَلى الضَّمِيرِ في هادُوا لِعَدَمِ التَّأْكِيدِ والفَصْلِ، ولِأنَّهُ يُوجِبُ كَوْنَ الصّابِئِينَ هُودًا. وقِيلَ إنَّ بِمَعْنى نَعَمْ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ. وقِيلَ الصّابِئُونَ مَنصُوبٌ بِالفَتْحَةِ وذَلِكَ كَما جُوزَ بِالياءِ جُوزَ بِالواوِ. ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرِهِ. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ المُبْتَدَأِ كَما مَرَّ والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ، أيْ:
مَن آمَنَ مِنهُمْ، أوِ النَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ إنَّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وقُرِئَ و «الصّابِئِينَ» وهو الظّاهِرُ و «الصّابِيُّونَ» بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً و «الصّابُونَ» بِحَذْفِها مِن صَبا بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا، أوْ مِن صَبَوْتُ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ ولَمْ يَتَّبِعُوا شَرْعًا ولا عَقْلًا.
5:70Page 119
لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ ٧٠
We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.
﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا﴾ لِيُذَكِّرُوهم ولِيُبَيِّنُوا لَهم أمْرَ دِينِهِمْ. ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ بِما يُخالِفُ هَواهم مِنَ الشَّرائِعِ ومَشاقِّ التَّكالِيفِ. ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ والجُمْلَةُ صِفَةُ رُسُلًا والرّاجِعُ مَحْذُوفٍ أيْ رَسُولٍ مِنهم. وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وهو اسْتِئْنافٌ، وإنَّما جِيءَ بِ يَقْتُلُونَ مَوْضِعَ قَتَلُوا عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لَها واسْتِفْظاعًا لِلْقَتْلِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن دَيْدَنِهِمْ ماضِيًا ومُسْتَقْبَلًا ومُحافَظَةً عَلى رُؤُوسِ الآيِ.
5:71Page 120
وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١
And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allāh turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allāh is Seeing of what they do.
﴿وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ وحَسِبَ بَنُو إسْرائِيلَ أنْ لا يُصِيبَهم بَلاءٌ وعَذابٌ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ وتَكْذِيبِهِمْ.
وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ لا تَكُونُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ أنِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأصْلُهُ أنَّهُ لا تَكُونُ فِتْنَةٌ فَخُفِّفَتْ أنْ وحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ فَصارَ: أنْ لا تَكُونَ وإدْخالُ فِعْلِ الحُسْبانِ عَلَيْها وهي لِلتَّحْقِيقِ تَنْزِيلٌ لَهُ مَنزِلَةَ العِلْمِ لِتُمَكِّنَهُ في قُلُوبِهِمْ، وأنَّ أوْ أنْ بِما في حَيِّزِها سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ. ﴿فَعَمُوا﴾ عَنِ الدِّينِ أوِ الدَّلائِلِ والهُدى. ﴿وَصَمُّوا﴾ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ كَما فَعَلُوا حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ. ﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ ثُمَّ تابُوا فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ كَرَّةً أُخْرى. وقُرِئَ بِالضَّمِّ فِيهِما عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى عَماهم وصَمَّهم أيْ رَماهم بِالعَمى والصَّمَمِ، وهو قَلِيلٌ واللُّغَةُ الفاشِيَةُ أعْمى وأصَمُّ. ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوْ فاعِلٌ والواوُ عَلامَةُ الجَمْعِ كَقَوْلِهِمْ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ العَمى والصَّمِّ كَثِيرٌ مِنهم.
وَقِيلَ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ تَقْدِيمَ الخَبَرِ في مِثْلِهِ مُمْتَنِعٌ. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى وفْقِ أعْمالِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences