Al-BaydawiAl‑Ma'idah · 5:72–94

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:72–94

5:72Page 120

لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢

They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allāh, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allāh - Allāh has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.

(p-138)﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ أيْ إنِّي عَبْدٌ مَرْبُوبٌ مِثْلُكم فاعْبُدُوا خالِقِي وخالِقَكم. ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أيْ في عِبادَتِهِ أوْ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ. ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ يُمْنَعُ مِن دُخُولِها كَما يُمْنَعُ المُحَرَّمُ عَلَيْهِ مِنَ المُحَرَّمِ فَإنَّها دارُ المُوَحِّدِينَ. ﴿وَمَأْواهُ النّارُ﴾ فَإنَّها المُعَدَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ وما لَهم أحَدٌ يَنْصُرُهم مِنَ النّارِ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلى أنَّهم ظَلَمُوا بِالإشْراكِ وعَدَلُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِعِيسى ﷺ، وتَقَرُّبًا إلَيْهِ وهو مُعادِيهِمْ بِذَلِكَ ومُخاصِمُهم فِيهِ فَما ظَنَّكَ بِغَيْرِهِ.

5:73–74Page 120

لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣

They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the third of three."1 And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤

So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ أيْ أحَدُ ثَلاثَةٍ، وهو حِكايَةٌ عَمّا قالَهُ النَّسْطُورِيَّةُ والمَلْكانِيَّةُ مِنهُمُ القائِلُونَ بِالأقانِيمِ الثَّلاثَةِ وما سَبَقَ قَوْلُ اليَعْقُوبِيَّةِ القائِلِينَ بِالِاتِّحادِ. ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٌ واحِدٌ﴾ وما في الوُجُودِ ذاتُ واجِبٍ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُبْدِئُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، مَوْصُوفٌ بِالوَحْدانِيَّةِ مُتَعالٍ عَنْ قَبُولِ الشَّرِكَةِ ومِن مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ. ﴿وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ ولَمْ يُوَحِّدُوا. ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ بَقُوا مِنهم عَلى الكُفْرِ، أوْ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّصارى، وضَعَهُ مَوْضِعَ لَيَمَسَّنَّهم تَكْرِيرًا لِلشَّهادَةِ عَلى كُفْرِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ العَذابَ عَلى مَن دامَ عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَنْقَلِعْ عَنْهُ فَلِذَلِكَ عَقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ أيْ أفَلا يَتُوبُونَ بِالِانْتِهاءِ عَنْ تِلْكَ العَقائِدِ والأقْوالِ الزّائِغَةِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ عَنِ الِاتِّحادِ والحُلُولِ بَعْدَ هَذا التَّقْرِيرِ والتَّهْدِيدِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ لَهم ويَمْنَحُهم مِن فَضْلِهِ إنْ تابُوا. وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبٌ مِن إصْرارِهِمْ.

5:75Page 120

مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أيْ ما هو إلّا رَسُولٌ كالرُّسُلِ قَبْلَهُ خَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالآياتِ كَما خَصَّهم بِها، فَإنَّ إحْياءَ المَوْتى عَلى يَدِهِ فَقَدْ أحْيا العَصا وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أعْجَبُ، وإنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ وأُمٍّ وهو أغْرَبُ. ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ كَسائِرِ النِّساءِ اللّاتِي يُلازِمْنَ الصِّدْقَ، أوْ يَصْدُقْنَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ ويَفْتَقِرانِ إلَيْهِ افْتِقارَ الحَيَواناتِ، بَيَّنَ أوَّلًا أقْصى ما لَهُما مِنَ الكَمالِ ودَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُوجِبُ لَهُما أُلُوهِيَّةً لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يُشارِكُهُما في مِثْلِهِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى نَقْصِهِما وذَكَرَ ما يُنافِي الرُّبُوبِيَّةَ ويَقْتَضِي أنْ يَكُونا مِن عِدادِ المَرْكَباتِ الكائِنَةِ الفاسِدَةِ، ثُمَّ عَجِبَ لِمَن يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ لَهُما مَعَ أمْثالِ هَذِهِ الأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ فَقالَ:

﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وتَأمُّلِهِ وثُمَّ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ أيْ إنَّ بَيانَنا لِلْآياتِ عَجَبٌ وإعْراضَهم عَنْها أعْجَبُ.

5:76Page 120

قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦

Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"

﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ يَعْنِي عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو وإنْ (p-139)مَلَكَ ذَلِكَ بِتَمْلِيكِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إيّاهُ لا يَمْلِكُهُ مِن ذاتِهِ ولا يَمْلِكُ مِثْلَ ما يَضُرُّ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ البَلايا والمَصائِبِ، وما يَنْفَعُ بِهِ مِنَ الصِّحَّةِ والسِّعَةِ، وإنَّما قالَ ما نَظَرًا إلى ما هو عَلَيْهِ في ذاتِهِ تَوْطِئَةً لِنَفْيِ القُدْرَةِ عَنْهُ رَأْسًا، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِن هَذا الجِنْسِ ومَن كانَ لَهُ حَقِيقَةٌ تَقْبَلُ المُجانَسَةَ والمُشارَكَةَ فَبِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، وإنَّما قَدَّمَ الضُّرَّ لِأنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ أهَمُّ مِن تَحَرِّي النَّفْعِ. ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ بِالأقْوالِ والعَقائِدُ فَيُجازِي عَلَيْها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

5:77Page 121

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ﴾ أيْ غُلُوًّا باطِلًا فَتَرْفَعُوا عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ تَدَّعُوا لَهُ الأُلُوهِيَّةَ، أوْ تَضَعُوهُ فَتَزْعُمُوا أنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ. وقِيلَ الخِطابُ لِلنَّصارى خاصَّةً. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي أسْلافَهم وأئِمَّتَهُمُ الَّذِينَ قَدْ ضَلُّوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ في شَرِيعَتِهِمْ.

﴿وَأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ مِمَّنْ شايَعَهم عَلى بِدَعِهِمْ وضَلالِهِمْ. ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ الَّذِي هو الإسْلامُ بَعْدَ مَبْعَثِهِ ﷺ لِما كَذَّبُوهُ وبَغَوْا عَلَيْهِ، وقِيلَ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى ضَلالِهِمْ عَنْ مُقْتَضى العَقْلِ والثّانِي إشارَةٌ إلى ضَلالِهِمْ عَمّا جاءَ بِهِ الشَّرْعُ.

5:78–79Page 121

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨

Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.

كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩

They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِهِما. وقِيلَ إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ داوُدَ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعالى قِرَدَةً، وأصْحابُ المائِدَةِ لَمّا كَفَرُوا دَعا عَلَيْهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَنَهم فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ. ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أيْ ذَلِكَ اللَّعْنُ الشَّنِيعُ المُقْتَضِي لِلْمَسْخِ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ.

﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ أيْ لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، أوْ عَنْ مِثْلِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، أوْ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ وتَهَيَّؤُوا لَهُ، أوْ لا يَنْتَهُونَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِمْ تَناهى عَنِ الأمْرِ وانْتَهى عَنْهُ إذا امْتَنَعَ. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن سُوءِ فِعْلِهِمْ مُؤَكَّدٌ بِالقَسَمِ.

5:80–81Page 121

تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠

You see many of them becoming allies of those who disbelieved [i.e., the polytheists]. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allāh has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.

وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١

And if they had believed in Allāh and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.

﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ. ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يُوالُونَ المُشْرِكِينَ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ. ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا قَدَّمُوهُ لِيَرِدُوا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، والمَعْنى مُوجِبٌ سُخْطَ اللَّهِ والخُلُودَ في العَذابِ، أوْ عِلَّةُ الذَّمِّ والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا ذَلِكَ لِأنَّهُ كَسَبَهُمُ السُّخْطَ والخُلُودَ.

﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ﴾ يَعْنِي نَبِيَّهم وإنْ كانَتِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ فالمُرادُ نَبِيُّنا عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ إذِ الإيمانُ يَمْنَعُ ذَلِكَ. ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ أوْ مُتَمَرِّدُونَ في نِفاقِهِمْ.(p-140)

5:82Page 121

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٨٢

You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allāh; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.

﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وتَضاعُفِ كُفْرِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في اتِّباعِ الهَوى، ورُكُونِهِمْ إلى التَّقْلِيدِ وبُعْدِهِمْ عَنِ التَّحْقِيقِ، وتَمَرُّنِهِمْ عَلى تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ ومُعاداتِهِمْ. ﴿وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ لِلِينِ جانِبِهِمْ ورِقَّةِ قُلُوبِهِمْ وقِلَّةِ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا وكَثْرَةِ اهْتِمامِهِمْ بِالعِلْمِ والعَمَلِ وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ إذا فَهِمُوهُ، أوْ يَتَواضَعُونَ ولا يَتَكَبَّرُونَ كاليَهُودِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّواضُعَ والإقْبالَ عَلى العِلْمِ والعَمَلِ والإعْراضَ عَنِ الشَّهَواتِ مَحْمُودٌ وإنْ كانَتْ مِن كافِرٍ.

5:83Page 122

وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣

And when they hear what has been revealed to the Messenger, you see their eyes overflowing with tears because of what they have recognized of the truth. They say, "Our Lord, we have believed, so register us among the witnesses.

وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ عَطْفٌ عَلى لا يَسْتَكْبِرُونَ وهو بَيانٌ لِرِقَّةِ قُلُوبِهِمْ وشِدَّةِ خَشْيَتِهِمْ ومُسارَعَتِهِمْ إلى قَبُولِ الحَقِّ وعَدَمِ تَأبِّيهِمْ عَنْهُ، والفَيْضُ انْصِبابٌ عَنِ امْتِلاءٍ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ الِامْتِلاءِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ جَعَلَتْ أعْيُنَهم مِن فَرْطِ البُكاءِ كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها. مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ مِنَ الأُولى لِلِابْتِداءِ والثّانِيَةُ لِتَبْيِينِ ما عَرَفُوا، أوْ لِلتَّبْعِيضِ بِأنَّهُ بَعْضُ الحَقِّ. والمَعْنى أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ فَأبْكاهم فَكَيْفَ إذا عَرَفُوا كُلَّهُ. يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا بِذَلِكَ أوْ بِمُحَمَّدٍ. ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ شَهِدُوا بِأنَّهُ حَقٌّ، أوْ بِنُبُوَّتِهِ، أوْ مِن أُمَّتِهِ الَّذِينَ هم شُهَداءُ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ.

5:84Page 122

وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤

And why should we not believe in Allāh and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."

﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ واسْتِبْعادٌ لِانْتِفاءِ الإيمانِ مَعَ قِيامِ الدّاعِي وهو الطَّمَعُ في الِانْخِراطِ مَعَ الصّالِحِينَ، والدُّخُولِ في مَداخِلِهِمْ أوْ جَوابُ سائِلٍ قالَ لِمَ آمَنتُمْ؟ ولا نُؤْمِنُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ والعامِلُ ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ، أيْ بِوَحْدانِيَّتِهِ فَإنَّهم كانُوا مُثَلِّثِينَ. أوْ بِكِتابِهِ ورَسُولِهِ فَإنَّ الإيمانَ بِهِما إيمانٌ بِهِ حَقِيقَةً وذَكَرَهُ تَوْطِئَةً وتَعْظِيمًا، ونَطْمَعُ عُطِفَ عَلى نُؤْمِنُ أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ، والواوُ لِلْحالِ أيْ ونَحْنُ نَطْمَعُ والعامِلُ فِيها عامِلُ الأُولى مُقَيَّدًا بِها أوْ نُؤْمِنُ.

5:85–86Page 122

فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٥

So Allāh rewarded them for what they said1 with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٨٦

But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.

﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ أيْ عَنِ اعْتِقادٍ مِن قَوْلِكَ هَذا قَوْلُ فُلانٍ أيْ مُعْتَقَدُهُ. ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ الَّذِينَ أحْسَنُوا النَّظَرَ والعَمَلَ، أوِ الَّذِينَ اعْتادُوا الإحْسانَ في الأُمُورِ. والآياتُ الأرْبَعُ.

رُوِيَ « (أنَّها نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ بَعَثَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ بِكِتابِهِ فَقَرَأهُ، ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ وأحْضَرَ الرُّهْبانَ والقِسِّيسِينَ، فَأمَرَ جَعْفَرًا أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ فَقَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ فَبَكَوْا وآمَنُوا بِالقُرْآنِ.»

وَقِيلَ نَزَلَتْ في ثَلاثِينَ أوْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن قَوْمِهِ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يس فَبَكَوْا وآمَنُوا.

(p-141)﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ عَطَفَ التَّكْذِيبَ بِآياتِ اللَّهِ عَلى الكُفْرِ، وهو ضَرْبٌ مِنهُ لِأنَّ القَصْدَ إلى بَيانِ حالِ المُكَذِّبِينَ وذَكَرَهم في مَعْرِضِ المُصَدِّقِينَ بِها جَمْعًا بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.

5:87–88Page 122

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٨٧

O you who have believed, do not prohibit the good things which Allāh has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٨٨

And eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allāh, in whom you are believers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ ما طابَ ولَذَّ مِنهُ كَأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ ما قَبْلَهُ مَدْحَ النَّصارى عَلى تَرَهُّبِهِمْ والحَثَّ عَلى كَسْرِ النَّفْسِ ورَفْضِ الشَّهَواتِ عَقِبَهُ النَّهْيَ عَنِ الإفْراطِ في ذَلِكَ والِاعْتِداءِ عَمّا حَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِجَعْلِ الحَلالِ حَرامًا فَقالَ: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ولا تَعْتَدُوا حُدُودَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم إلى ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، فَتَكُونُ الآيَةُ ناهِيَةً عَنْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ داعِيَةً إلى القَصْدِ بَيْنَهُما.

رُوِيَ « (أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وصَفَ القِيامَةَ لِأصْحابِهِ يَوْمًا وبالَغَ في إنْذارِهِمْ، فَرَقُّوا واجْتَمَعُوا في بَيْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ واتَّفَقُوا عَلى أنْ لا يَزالُوا صائِمِينَ قائِمِينَ، وأنْ لا يَنامُوا عَلى الفَرْشِ ولا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ والوَدِكَ، ولا يَقْرَبُوا النِّساءَ والطِّيبَ، ويَرْفُضُوا الدُّنْيا ويَلْبَسُوا المُسُوحَ، ويَسِيحُوا في الأرْضِ، ويَجُبُّوا مَذاكِيرَهم. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُمْ: إنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ إنَّ لِأنْفُسِكم عَلَيْكم حَقًّا فَصُومُوا وأفْطِرُوا، وقُومُوا ونامُوا، فَإنِّي أقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ، وآكُلُ اللَّحْمَ والدَّسَمَ، وآتِي النِّساءَ فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي فَنَزَلَتْ.»

﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ أيْ كُلُوا ما حَلَّ لَكم وطابَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، فَيَكُونُ حَلالًا مَفْعُولَ كُلُوا ومِمّا حالَ مِنهُ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنِ ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِكُلُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا وحَلالًا حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوِ العائِدِ المَحْذُوفِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وعَلى الوُجُوهِ لَوْ لَمْ يَقَعِ الرِّزْقُ عَلى الحَرامِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الحَلالِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾

5:89Page 122

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٨٩

Allāh will not impose blame upon you for what is meaningless1 in your oaths, but He will impose blame upon you for [breaking] what you intended of oaths. So its expiation2 is the feeding of ten needy people from the average of that which you feed your [own] families or clothing them or the freeing of a slave. But whoever cannot find [or afford it] - then a fast of three days [is required]. That is the expiation for oaths when you have sworn. But guard your oaths.3 Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., revealed law] that you may be grateful.

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ هو ما يَبْدُو مِنَ المَرْءِ بِلا قَصْدٍ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ الحَلِفُ عَلى ما يَظُنُّ أنَّهُ كَذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وفي أيْمانِكم صِلَةُ يُؤاخِذُكم أوِ اللَّغْوِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ أوْ حالٌ مِنهُ. ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ بِما وثَّقْتُمُ الأيْمانَ عَلَيْهِ بِالقَصْدِ والنِّيَّةِ، والمَعْنى ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمْ إذا حَنِثْتُمْ أوْ بِنَكْثِ ما عَقَدْتُمْ فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ عَقَدْتُمُ بِالتَّخْفِيفِ، وابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ «عاقَدْتُمُ» وهو مِن فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ. ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾ فَكَفّارَةُ نَكْثِهِ أيِ الفِعْلَةِ الَّتِي تُذْهِبُ إثْمَهُ وتَسْتُرُهُ، واسْتُدِلَّ بِظاهِرِهِ عَلى جَوازِ التَّكْفِيرِ بِالمالِ قَبْلَ الحِنْثِ وهو عِنْدَنا خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.

لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ ورَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ» .

﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ مِن أقْصَدِهِ في النَّوْعِ أوِ القَدْرِ، وهو مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ عِنْدَنا ونِصْفُ صاعٍ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، وما مَحَلُّهُ النَّصْبُ لِأنَّهُ صِفَةُ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أنْ تُطْعِمُوا عَشَرَةَ مَساكِينَ طَعامًا مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ، أوِ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِن إطْعامِ، وأهْلُونَ كَأرْضُونَ. وقُرِئَ «أهالِيكُمْ» بِسُكُونِ الياءِ عَلى لُغَةِ مَن يُسَكِّنُها في الأحْوالِ الثَّلاثِ كالألِفِ، وهو جَمْعُ أهْلٍ كاللَّيالِي في جَمْعِ لَيْلٍ والأراضِي في جَمْعِ أرْضٍ.

(p-142)وَقِيلَ هو جَمْعُ أهْلاةٍ. ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى إطْعامٍ أوْ مِن أوْسَطِ إنْ جُعِلَ بَدَلًا وهو ثَوْبٌ يُغَطِّي العَوْرَةَ.

وَقِيلَ ثَوْبٌ جامِعٌ قَمِيصٌ أوْ رِداءٌ أوْ إزارٌ. وقُرِئَ بِضَمِّ الكافِ وهو لُغَةٌ كَقُدْوَةٍ في قُدْوَةٍ وكَأُسْوَتِهِمْ بِمَعْنى أوْ كَمِثْلِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم إسْرافًا كانَ أوْ تَقْتِيرًا تُواسُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهم إنْ لَمْ تُطْعِمُوهُمُ الأوْسَطَ، والكافُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ وتَقْدِيرُهُ: أوْ إطْعامُهم كَأُسْوَتِهِمْ. ﴿أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أوْ إعْتاقُ إنْسانٍ، وشَرْطُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الأيْمانِ قِياسًا عَلى كَفّارَةِ القَتْلِ، ومَعْنى أوْ إيجابُ إحْدى الخِصالِ الثَّلاثِ مُطْلَقًا وتَخْيِيرُ المُكَلَّفِ في التَّعْيِينِ. ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيْ واحِدًا مِنها. ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ فَكَفّارَتُهُ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وشَرَطَ فِيهِ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ التَّتابُعَ لِأنَّهُ قُرِئَ «ثَلاثَةُ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ»، والشَّواذُّ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَنا إذا لَمْ تَثْبُتْ كِتابًا ولَمْ تُرْوَ سُنَّةً. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُ. ﴿كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ وحَنِثْتُمْ. ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ بِأنْ تَضُنُّوا بِها ولا تَبْذُلُوها لِكُلِّ أمْرٍ، أوْ بِأنْ تَبَرُّوا فِيها ما اسْتَطَعْتُمْ ولَمْ يَفُتْ بِها خَيْرٌ، أوْ بِأنْ تُكَفِّرُوها إذا حَنِثْتُمْ.

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ البَيانِ. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ أعْلامَ شَرائِعِهِ. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَةَ التَّعْلِيمِ أوْ نِعْمَةَ الواجِبِ شُكْرَها فَإنَّ مِثْلَ هَذا التَّبْيِينِ يُسَهِّلُ لَكُمُ المَخْرَجَ مِنهُ.

5:90Page 123

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٩٠

O you who have believed, indeed, intoxicants, gambling, [sacrificing on] stone alters [to other than Allāh], and divining arrows are but defilement from the work of Satan, so avoid1 it that you may be successful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ﴾ أيِ الأصْنامُ الَّتِي نُصِبَتْ لِلْعِبادَةِ. ﴿والأزْلامُ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُها في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿رِجْسٌ﴾ قَذَرٌ تَعافُ عَنْهُ العُقُولُ، وأفْرَدَهُ لِأنَّهُ خَبَرٌ لِلْخَمْرِ، وخَبَرُ المَعْطُوفاتِ مَحْذُوفٌ أوْ لِمُضافٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ: إنَّما تَعاطِي الخَمْرِ والمَيْسِرِ. ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ تَسْوِيلِهِ وتَزْيِينِهِ. ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلرِّجْسِ أوْ لِما ذُكِرَ أوْ لِلتَّعاطِي. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لِكَيْ تَفْلَحُوا بِالِاجْتِنابِ عَنْهُ.

واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أكَّدَ تَحْرِيمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ في هَذِهِ الآيَةِ، بِأنْ صَدَّرَ الجُمْلَةَ بِ إنَّما وقَرَنَهُما بِالأنْصابِ والأزْلامِ، وسَمّاهُما رِجْسًا، وجَعَلَهُما مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِهِما شَرٌّ بَحْتٌ أوْ غالِبٌ، وأمَرَ بِالِاجْتِنابِ عَنْ عَيْنِهِما وجَعَلَهُ سَبَبًا يُرْجى مِنهُ الفَلاحُ، ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ ما فِيهِما مِنَ المَفاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّحْرِيمِ فَقالَ تَعالى:

5:91–92Page 123

إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ ٩١

Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allāh and from prayer. So will you not desist?

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٩٢

And obey Allāh and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.

﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ وإنَّما خَصَّهُما بِإعادَةِ الذِّكْرِ وشَرْحِ ما فِيهِما مِنَ الوَبالِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما المَقْصُودُ بِالبَيانِ، وذَكَرَ الأنْصابَ والأزْلامَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما مِثْلُهُما في الحُرْمَةِ والشَّرارَةِ.

لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ» .

وَخَصَّ الصَّلاةَ مِنَ الذِّكْرِ بِالإفْرادِ لِلتَّعْظِيمِ، والإشْعارِ بِأنَّ الصّادَّ عَنْها كالصّادِّ عَنِ الإيمانِ مِن حَيْثُ إنَّها عِمادُهُ والفارِقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ، ثُمَّ أعادَ الحَثَّ عَلى الِانْتِهاءِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ مُرَتَّبًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنْواعِ الصَّوارِفِ فَقالَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ إيذانًا بِأنَّ الأمْرَ في المَنعِ والتَّحْذِيرِ بَلَغَ الغايَةَ وأنَّ الأعْذارَ قَدِ انْقَطَعَتْ.

﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فِيما أمَرا بِهِ. ﴿واحْذَرُوا﴾ ما نَهَيا عَنْهُ أوْ مُخالَفَتَهُما. ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ (p-143)فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ فاعْلَمُوا أنَّكم لَمْ تَضُرُّوا الرَّسُولَ ﷺ بِتَوَلِّيكُمْ، فَإنَّما عَلَيْهِ البَلاغُ وقَدْ أدّى، وإنَّما ضَرَرْتُمْ بِهِ أنْفُسَكم.

5:93Page 123

لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٣

There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allāh and believe and do righteous deeds, and then fear Allāh and believe, and then fear Allāh and do good; and Allāh loves the doers of good.

﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ مِمّا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ اتَّقَوُا المُحَرَّمَ وثَبَتُوا عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ. ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدُ كالخَمْرِ. ﴿وَآمَنُوا﴾ بِتَحْرِيمِهِ. ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ثُمَّ اسْتَمَرُّوا وثَبَتُوا عَلى اتِّقاءِ المَعاصِي. ﴿وَأحْسَنُوا﴾ وتَحَرَّوُا الأعْمالَ الجَمِيلَةَ واشْتَغَلُوا بِها.

رُوِيَ « (أنَّهُ لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَتِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ فَنَزَلَتْ.»

وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الحالاتِ الثَّلاثِ اسْتِعْمالِ الإنْسانِ التَّقْوى والإيمانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ بَدَّلَ الإيمانَ بِالإحْسانِ في الكَرَّةِ الثّالِثَةِ إشارَةً إلى ما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تَفْسِيرِهِ، أوْ بِاعْتِبارِ المَراتِبِ الثَّلاثِ المَبْدَأِ والوَسَطِ والمُنْتَهى، أوْ بِاعْتِبارِ ما يَتَّقِي فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَ المُحَرَّماتِ تَوَقِّيًا مِنَ العِقابِ والشُّبُهاتِ تَحَرُّزًا عَنِ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وبَعْضَ المُباحاتِ تَحَفُّظًا لِلنَّفْسِ عَنِ الخِسَّةِ وتَهْذِيبًا لَها عَنْ دَنَسِ الطَّبِيعَةِ. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ فَلا يُؤاخِذُهم بِشَيْءٍ، وفِيهِ أنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ صارَ مُحْسِنًا ومَن صارَ مُحْسِنًا صارَ لِلَّهِ مَحْبُوبًا.

5:94Page 123

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٤

O you who have believed, Allāh will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allāh may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ نَزَلَتْ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالصَّيْدِ، وكانَتِ الوُحُوشُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُونَ مِن صَيْدِها أخْذًا بِأيْدِيهِمْ وطَعْنًا بِرِماحِهِمْ وهم مُحَرَّمُونَ، والتَّقْلِيلُ والتَّحْقِيرُ في بِشَيْءٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ العَظائِمِ الَّتِي تَدْحَضُ الإقْدامَ كالِابْتِلاءِ بِبَذْلِ الأنْفُسِ والأمْوالِ، فَمَن لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ كَيْفَ يَثْبُتُ عِنْدَ ما هو أشَدُّ مِنهُ. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ لِيَتَمَيَّزَ الخائِفُ مِن عِقابِهِ وهو غائِبٌ مُنْتَظِرٌ لِقُوَّةِ إيمانِهِ مِمَّنْ لا يَخافُهُ لِضَعْفِ قَلْبِهِ وقِلَّةِ إيمانِهِ، فَذَكَرَ العِلْمَ وأرادَ وُقُوعَ المَعْلُومِ وظُهُورَهُ أوْ تَعَلُّقَ العِلْمِ. ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ الِابْتِلاءِ بِالصَّيْدِ.

﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فالوَعِيدُ لاحِقٌ بِهِ، فَإنَّ مَن لا يَمْلِكُ جَأْشَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ ولا يُراعِي حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ فَكَيْفَ بِهِ فِيما تَكُونُ النَّفْسُ أمِيلَ إلَيْهِ وأحْرَصَ عَلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском