Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:109–134
6:109–110Page 141
وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٩
And they swear by Allāh their strongest oaths that if a sign came to them, they would surely believe in it. Say, "The signs are only with [i.e., from] Allāh." And what will make you perceive that even if it [i.e., a sign] came, they would not believe.
وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠
And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it [i.e., the revelation] the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.
﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، والدّاعِي لَهم إلى هَذا القَسَمِ والتَّأْكِيدِ فِيهِ التَّحَكُّمُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ في طَلَبِ الآياتِ واسْتِحْقارِ ما رَأوْا مِنها. ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ. ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هو قادِرٌ عَلَيْها يُظْهِرُ مِنها ما يَشاءُ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنها بِقُدْرَتِي وإرادَتِي. ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾ وما يُدْرِيكُمُ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ. ﴿أنَّها﴾ أيْ أنَّ الآيَةَ المُقْتَرَحَةَ. ﴿إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا تَدْرُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، أنْكَرَ السَّبَبَ مُبالَغَةً في نَفْيِ المُسَبَّبِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما لَمْ يُنْزِلْها لِعِلْمِهِ بِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وقِيلَ لا مَزِيدَةٌ وقِيلَ أنَّ بِمَعْنى لَعَلَّ إذْ قُرِئَ لَعَلَّها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ إنَّها بِالكَسْرِ كَأنَّهُ قالَ: وما يُشْعِرُكم ما يَكُونُ مِنهُمْ، ثُمَّ أخْبَرَكم بِما عَلِمَ مِنهم والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّهم يَتَمَنَّوْنَ مَجِيءَ الآيَةِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ إذْ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ «لا تُؤْمِنُونَ».
(p-178)بِالتّاءِ وقُرِئَ: «وَما يُشْعِرُهم أنَّها إذا جاءَتْهُمْ» فَيَكُونُ إنْكارًا لَهم عَلى حَلْفِهِمْ أيْ: وما يُشْعِرُهم أنَّ قُلُوبَهم حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ مَطْبُوعَةً كَما كانَتْ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ فَيُؤْمِنُونَ بِها.
﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى لا يُؤْمِنُونَ أيْ: وما يُشْعِرُكم أنّا حِينَئِذٍ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم عَنِ الحَقِّ فَلا يَفْقَهُونَهُ، وأبْصارُهم فَلا يُبْصِرُونَهُ فَلا يُؤْمِنُونَ بِها. ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أيْ بِما أُنْزِلَ مِنَ الآياتِ. ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ونَدَعُهم مُتَحَيِّرِينَ لا نَهْدِيهِمْ هِدايَةَ المُؤْمِنِينَ. وقُرِئَ. «وَيُقَلِّبُ» و «يَذَرُهُمْ» عَلى الغَيْبَةِ، و «تُقَلَّبُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والإسْنادِ إلى الأفْئِدَةِ.
6:111Page 142
۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١
And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allāh should will. But most of them, [of that], are ignorant.
﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ كَما اقْتَرَحُوا فَقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ فَأْتُوا بِآياتِنا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا وقُبُلًا جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى كَفِيلٍ أيْ: كُفَلاءُ بِما بَشَّرُوا بِهِ وأنْذَرُوا بِهِ، أوْ جَمْعُ قَبِيلٍ الَّذِي هو جَمْعُ قَبِيلَةٍ بِمَعْنى جَماعاتٍ، أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى مُقابَلَةٍ كَقُبُلًا وهو قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ، وهو عَلى الوُجُوهِ حالٌ مِن كُلٍّ وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِعُمُومِهِ. و ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِما سَبَقَ عَلَيْهِمُ القَضاءُ بِالكُفْرِ. ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالُ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إيمانَهُمْ، وقِيلَ مُنْقَطِعٌ وهو حُجَّةٌ واضِحَةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ أنَّهم لَوْ أُوتُوا بِكُلِّ آيَةٍ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما لا يَشْعُرُونَ، ولِذَلِكَ أُسْنِدَ الجَهْلُ إلى أكْثَرِهِمْ مَعَ أنَّ مُطْلَقَ الجَهْلِ يَعُمُّهُمْ، أوْ ولَكِنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ يَجْهَلُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَيَتَمَنَّوْنَ نُزُولَ الآيَةِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ.
6:112–113Page 142
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢
And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.
وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ ١١٣
And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it [i.e., deceptive speech] and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أيْ كَما جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ سَبَقَكَ عَدُوًّا، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَداوَةَ الكَفَرَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وخَلْقِهِ. ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ مَرَدَةُ الفَرِيقَيْنِ، وهو بَدَلٌ مِن عَدُوًّا، أوْ أوَّلُ مَفْعُولَيْ جَعَلْنا وعَدُوًّا مَفْعُولُهُ الثّانِي، ولِكُلٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِنهُ. ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ يُوَسْوِسُ شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، أوْ بَعْضُ الجِنِّ إلى بَعْضٍ، وبَعْضُ الإنْسِ إلى بَعْضٍ. ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ الأباطِيلَ المُمَوَّهَةَ مِنهُ مِن زَخْرَفَهُ إذا زَيَّنَهُ. ﴿غُرُورًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ. ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ إيمانَهم. ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ ما فَعَلُوا ذَلِكَ يَعْنِي مُعاداةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيحاءُ الزَّخارِفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْإيحاءِ أوِ الزُّخْرُفِ أوِ الغُرُورِ، وهو أيْضًا دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ وكُفْرَهم.
﴿وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى غُرُورًا إنْ جُعِلَ عِلَّةً، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ ولِيَكُونَ ذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا. والمُعْتَزِلَةُ لَمّا اضْطُرُّوا فِيهِ قالُوا: اللّامُ لامُ العاقِبَةِ أوْ لامُ القَسَمِ كُسِرَتْ لِما لَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ بِالنُّونِ أوْ لامُ الأمْرِ وضَعْفُهُ أظْهَرُ، والصَّغْوُ: المَيْلُ والضَّمِيرُ لِما لَهُ الضَّمِيرُ في فَعَلُوهُ. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنْفُسِهِمْ. ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ ولِيَكْتَسِبُوا. ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ مِنَ الآثامِ.
6:114Page 142
أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١١٤
[Say], "Then is it other than Allāh I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.
(p-179)﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أفَغَيْرَ اللَّهِ أطْلُبُ مَن يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكم ويَفْصِلُ المُحِقَّ مِنّا مِنَ المُبْطِلِ، و «غَيْرَ» مَفْعُولُ أبْتَغِي وحَكَمًا حالٌ مِنهُ ويَحْتَمِلُ عَكْسَهُ، وحَكَمًا أبْلَغُ مِن حاكِمٍ ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُ العادِلِ. ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ المُعْجِزَ.
﴿مُفَصَّلا﴾ مُبَيَّنًا فِيهِ الحَقُّ والباطِلُ بِحَيْثُ يَنْفِي التَّخْلِيطَ والِالتِباسَ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ بِإعْجازِهِ وتَقْرِيرِهِ مُغْنٍ عَنْ سائِرِ الآياتِ. ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ تَأْيِيدٌ لِدَلالَةِ الإعْجازِ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، يَعْلَمُ أهْلُ الكِتابِ بِهِ لِتَصْدِيقِهِ ما عِنْدَهم مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُمارِسْ كُتُبَهم ولَمْ يُخالِطْ عُلَماءَهُمْ، وإنَّما وُصِفَ جَمِيعُهم بِالعِلْمِ لِأنَّ أكْثَرَهم يَعْلَمُونَ ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ بِأدْنى تَأمُّلٍ. وقِيلَ المُرادُ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ مُنَزَّلٌ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوْ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ لِجُحُودِ أكْثَرِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ، فَيَكُونُ مِن بابِ التَّهْيِيجِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ خِطابُ الرَّسُولِ ﷺ لِخِطابِ الأُمَّةِ. وقِيلَ الخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ عَلى مَعْنى أنَّ الأدِلَّةَ لَمّا تَعاضَدَتْ عَلى صِحَّتِهِ فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَمْتَرِيَ فِيهِ.
6:115Page 142
وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١١٥
And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بَلَغَتِ الغايَةَ أخْبارُهُ وأحْكامُهُ ومَواعِيدُهُ. ﴿صِدْقًا﴾ في الأخْبارِ والمَواعِيدِ.
﴿وَعَدْلا﴾ في الأقْضِيَةِ والأحْكامِ ونَصْبُهُما يَحْتَمِلُ التَّمْيِيزَ والحالَ والمَفْعُولَ لَهُ. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا أحَدَ يُبَدِّلُ شَيْئًا مِنها بِما هو أصْدَقُ وأعْدَلُ، أوْ لا أحَدَ يَقْدِرُ أنْ يُحَرِّفَها شائِعًا ذائِعًا كَما فُعِلَ بِالتَّوْراةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها القُرْآنُ، فَيَكُونُ ضَمانًا لَها مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالحِفْظِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أوْ لا نَبِيَّ ولا كِتابَ بَعْدَها يَنْسَخُها ويُبَدِّلُ أحْكامَها. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ ما تَكَلَّمَ بِهِ أوِ القُرْآنُ. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِما يَقُولُونَ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يُضْمِرُونَ فَلا يُهْمِلُهم.
6:116Page 142
وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ١١٦
And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allāh. They follow not except assumption, and they are not but misjudging.1
﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ أيْ أكْثَرَ النّاسِ يُرِيدُ الكُفّارَ، أوِ الجُهّالَ أوْ أتْباعَ الهَوى. وقِيلَ الأرْضُ أرْضُ مَكَّةَ. ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلَيْهِ، فَإنَّ الضّالَّ في غالِبِ الأمْرِ لا يَأْمُرُ إلّا بِما فِيهِ ضَلالٌ. ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ وهو ظَنُّهم أنَّ آباءَهم كانُوا عَلى الحَقِّ، أوْ جَهالاتُهم وآراؤُهُمُ الفاسِدَةُ فَإنَّ الظَّنَّ يُطْلَقُ عَلى ما يُقابِلُ العِلْمَ. ﴿وَإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما يَنْسُبُونَ إلَيْهِ كاتِّخاذِ الوَلَدِ وجَعْلِ عِبادَةِ الأوْثانِ وصْلَةً إلَيْهِ، وتَحْلِيلِ المَيْتَةِ وتَحْرِيمِ البَحائِرِ، أوْ يُقَدِّرُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ وحَقِيقَتُهُ ما يُقالُ عَنْ ظَنٍّ وتَخْمِينٍ.
6:117Page 142
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١١٧
Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.
﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ أعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ أعْلَمُ لا بِهِ فَإنَّ أفْعَلَ لا يَنْصِبُ الظّاهِرَ في مِثْلِ ذَلِكَ، أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ «يُضِلَّ» والجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ المُقَدَّرُ. وقُرِئَ «مَن يَضِلُّ» أيْ يُضِلُّهُ اللَّهُ، فَتَكُونُ مَن مَنصُوبَةً بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ أوْ مَجْرُورَةً بِإضافَةِ أعْلَمُ إلَيْهِ أيْ: أعْلَمُ المُضِلِّينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ (p-180)أوْ مِن أضْلَلْتُهُ إذا وجَدْتَهُ ضالًّا، والتَّفْضِيلُ في العِلْمِ بِكَثْرَتِهِ وإحاطَتِهِ بِالوُجُوهِ الَّتِي يُمْكِنُ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِها ولُزُومُهُ وكَوْنُهُ بِالذّاتِ لا بِالغَيْرِ.
6:118–119Page 142
فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١١٨
So eat of that [meat] upon which the name of Allāh has been mentioned,1 if you are believers in His verses [i.e., revealed law].
وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ ١١٩
And why should you not eat of that upon which the name of Allāh has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled.1 And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.
﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ الحَلالَ ويُحَلِّلُونَ الحَرامَ، والمَعْنى كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلى ذَبْحِهِ لا مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِها يَقْتَضِي اسْتِباحَةَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى واجْتِنابَ ما حَرَّمَهُ.
﴿وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وأيُّ غَرَضٍ لَكم في أنْ تَتَحَرَّجُوا عَنْ أكْلِهِ وما يَمْنَعُكم عَنْهُ.
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مِمّا لَمْ يُحَرِّمْ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ فُصِّلَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ حَرَّمَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ مِمّا حَرَّمَ عَلَيْكم فَإنَّهُ أيْضًا حَلالٌ حالَ الضَّرُورَةِ. ﴿وَإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ بِتَحْلِيلِ الحَرامِ وتَحْرِيمِ الحَلالِ.
قَرَأ الكُوفِيُّونَ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِالفَتْحِ. ﴿بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بِتَشْبِيهِهِمْ مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِدَلِيلٍ يُفِيدُ العِلْمَ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ بِالمُجاوِزِينَ الحَقَّ إلى الباطِلِ والحَلالَ إلى الحَرامِ.
6:120–121Page 143
وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ ١٢٠
And leave [i.e., desist from] what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.
وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١
And do not eat of that upon which the name of Allāh has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].1
﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ ما يُعْلَنُ وما يُسَرُّ، أوْ ما بِالجَوارِحِ وما بِالقَلْبِ. وقِيلَ الزِّنا في الحَوانِيتِ واتِّخاذُ الأخْدانِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ يَكْتَسِبُونَ.
﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ظاهِرٌ في تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أوْ نِسْيانًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ داوُدُ وعَنْ أحْمَدَ مِثْلُهُ، وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ بِخِلافِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ».»
وَفَرَّقَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ وأوَّلَهُ بِالمَيْتَةِ أوْ بِما ذُكِرَ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فَإنَّ الفِسْقَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، والضَّمِيرُ لِما ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْأكْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ولا تَأْكُلُوا. ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ﴾ لَيُوَسْوِسُونَ. ﴿إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ مِنَ الكُفّارِ. ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ بِقَوْلِهِمْ تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ أنْتُمْ وجَوارِحُكم وتَدَعُونَ ما قَتَلَهُ اللَّهُ، وهو يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ بِالمَيْتَةِ. ﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ في اسْتِحْلالِ ما حَرَّمَ. ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ فَإنَّ مَن تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى إلى طاعَةِ غَيْرِهِ واتَّبَعَهُ في دِينِهِ فَقَدْ أشْرَكَ، وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ الفاءِ فِيهِ لِأنَّ الشَّرْطَ بِلَفْظِ الماضِي.
6:122Page 143
أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢
And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.
﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ مَثَّلَ بِهِ مَن هَداهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنْقَذَهُ مِنَ الضَّلالِ وجَعَلَ لَهُ نُورَ الحُجَجِ والآياتِ يَتَأمَّلُ بِها في الأشْياءِ، فَيُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والمُحِقِّ والمُبْطِلِ.
وَقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ مَيْتًا عَلى الأصْلِ. ﴿كَمَن مَثَلُهُ﴾ صِفَتُهُ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ. ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ لا مِنَ الهاءِ في مَثَلُهُ لِلْفَصْلِ، وهو مَثَلٌ لِمَن بَقِيَ عَلى الضَّلالَةِ لا (p-181)يُفارِقُها بِحالٍ. ﴿كَذَلِكَ﴾ كَما زُيِّنَ لِلْمُؤْمِنِينَ إيمانُهم ﴿زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والآيَةُ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ وقِيلَ في عُمَرَ أوْ عَمّارٍ وأبِي جَهْلٍ.
6:123Page 143
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ١٢٣
And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ كَما جَعَلْنا في مَكَّةَ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها، وجَعَلْنا بِمَعْنى صَيَّرْنا ومَفْعُولاهُ أكابِرَ مُجْرِمِيها عَلى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي، أوْ في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ ومُجْرِمِيها بَدَلٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ إنْ فُسِّرَ الجَعْلُ بِالتَّمْكِينِ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ جازَ فِيهِ الإفْرادُ والمُطابَقَةُ ولِذَلِكَ قُرِئَ «أكْبَرَ مُجْرِمِيها»، وتَخْصِيصُ الأكابِرِ لِأنَّهم أقْوى عَلى اسْتِتْباعِ النّاسِ والمَكْرِ بِهِمْ. ﴿وَما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ﴾ لِأنَّ وبالَهُ يَحِيقُ بِهِمْ. ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ ذَلِكَ.
6:124Page 143
وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ ١٢٤
And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allāh." Allāh is most knowing of where [i.e., with whom] He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allāh and severe punishment for what they used to conspire.
﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ لِما رُوِيَ: «أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ زاحَمْنا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ في الشَّرَفِ حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ، واللَّهِ لا نَرْضى بِهِ إلّا أنْ يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيِهِ، فَنَزَلَتِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾» اسْتِئْنافٌ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ النُّبُوَّةَ لَيْسَتْ بِالنَّسَبِ والمالِ وإنَّما هي بِفَضائِلَ نَفْسانِيَّةٍ يَخُصُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَيَجْتَبِي لِرِسالاتِهِ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَصْلُحُ لَها، وهو أعْلَمُ بِالمَكانِ الَّذِي يَضَعُها فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ رِسالَتَهُ ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ﴾ ذُلٌّ وحَقارَةٌ بَعْدَ كِبْرِهِمْ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ تَقْدِيرُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ بِسَبَبِ مَكْرِهِمْ أوْ جَزاءً عَلى مَكْرِهِمْ.
6:125Page 144
فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢٥
So whoever Allāh wants to guide - He expands his breast to [contain] Islām; and whoever He wants to send astray1 - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allāh place defilement upon those who do not believe.
﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ﴾ يُعَرِّفَهُ طَرِيقَ الحَقِّ ويُوَفِّقَهُ لِلْإيمانِ. ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ فَيَتَّسِعُ لَهُ ويُفْسِحُ فِيهِ مَجالَهُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ النَّفْسِ قابِلَةً لِلْحَقِّ مُهَيَّأةً لِحُلُولِهِ فِيها مِصْفاةً عَمّا يَمْنَعُهُ ويُنافِيهِ، وإلَيْهِ أشارَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: «نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في قَلْبِ المُؤْمِنِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ ويَنْفَسِحُ».
فَقالُوا: هَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها فَقالَ: نَعَمِ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ» . ﴿وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بِحَيْثُ يَنْبُو عَنْ قَبُولِ الحَقِّ فَلا يَدْخُلُهُ الإيمانُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ضَيْقًا بِالتَّخْفِيفِ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ حَرِجًا بِالكَسْرِ أيْ شَدِيدَ الضِّيقِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وصْفًا بِالمَصْدَرِ. ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ شَبَّهَهُ مُبالَغَةً في ضِيقِ صَدْرِهِ بِمَن يُزاوِلُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما يَبْعُدُ عَنِ الِاسْتِطاعَةِ، ونَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ الإيمانَ يَمْتَنِعُ مِنهُ كَما يَمْتَنِعُ الصُّعُودُ.
وَقِيلَ مَعْناهُ كَأنَّما يَتَصاعَدُ إلى السَّماءِ نُبُوًّا عَنِ الحَقِّ وتَباعُدًا في الهَرَبِ مِنهُ، وأصْلُ يَصَّعَّدُ يَتَصَعَّدُ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ يَصَّعَّدُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ يَصّاعَدُ بِمَعْنى يَتَصاعَدُ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ كَما يَضِيقُ صَدْرُهُ ويَبْعُدُ قَلْبُهُ عَنِ الحَقِّ. ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يَجْعَلُ العَذابَ أوِ الخِذْلانَ عَلَيْهِمْ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّعْلِيلِ.
6:126–127Page 144
وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦
And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.
۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧
For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.
(p-182)﴿وَهَذا﴾ إشارَةٌ إلى البَيانِ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، أوْ إلى الإسْلامِ أوْ إلى ما سَبَقَ مِنَ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ.
﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ الطَّرِيقُ الَّذِي ارْتَضاهُ أوْ عادَتُهُ وطَرِيقُهُ الَّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ، أوْ عادِلًا مُطَّرِدًا وهو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِهِ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا، أوْ مُقَيَّدَةٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ. ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ فَيَعْلَمُونَ أنَّ القادِرَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنَّ كُلَّ ما يَحْدُثُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَهو بِقَضائِهِ وخَلْقِهِ، وأنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ العِبادِ حَكِيمٌ عادِلٌ فِيما يَفْعَلُ بِهِمْ.
﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ دارُ اللَّهِ أضافَ الجَنَّةَ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لَها، أوْ دارُ السَّلامَةِ مِنَ المَكارِهِ أوْ دارٌ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في ضَمانِهِ أوْ ذَخِيرَةٌ لَهم عِنْدَهُ لا يَعْلَمُ كُنْهَها غَيْرُهُ. ﴿وَهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ مُوالِيهِمْ أوْ ناصِرُهم. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ أوْ مُتَوَلِّيهِمْ بِجَزائِها فَيَتَوَلّى إيصالَهُ إلَيْهِمْ.
6:128Page 144
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨
And [mention, O Muḥammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term which You appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allāh wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."
" ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا " نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوْ نَقُولُ، والضَّمِيرُ لِمَن يُحْشَرُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورُوحٌ عَنْ يَعْقُوبَ يَحْشُرُهم بِالياءِ. ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ يَعْنِي الشَّياطِينَ. ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ، أوْ مِنهم بِأنْ جَعَلْتُمُوهم أتْباعَكم فَحُشِرُوا مَعَكم كَقَوْلِهِمُ اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ. ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ﴾ الَّذِينَ أطاعُوهم. ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ أيِ انْتَفَعَ الإنْسُ بِالجِنِّ بِأنْ دَلُّوهم عَلى الشَّهَواتِ وما يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها، والجِنُّ بِالإنْسِ بِأنْ أطاعُوهم وحَصَلُوا مُرادَهم. وقِيلَ اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِهِمْ أنَّهم كانُوا يَعُوذُونَ بِهِمْ في المَفاوِزِ وعِنْدَ المَخاوِفِ، واسْتِمْتاعُهم بِالإنْسِ اعْتِرافُهم بِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى إجارَتِهِمْ. ﴿وَبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ أيِ البَعْثَ وهو اعْتِرافٌ بِما فَعَلُوهُ مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ واتِّباعِ الهَوى وتَكْذِيبِ البَعْثِ وتَحَسُّرٌ عَلى حالِهِمْ. ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ مَنزِلُكم أوْ ذاتُ مَثْواكم. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ والعامِلُ فِيها مَثْواكم إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا، ومَعْنى الإضافَةِ إنْ جُعِلَ مَكانًا ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ إلّا الأوْقاتَ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ وقِيلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: النّارُ مَثْواكم أبَدًا إلّا ما أُمْهِلُكم. ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في أفْعالِهِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِأعْمالِ الثَّقَلَيْنِ وأحْوالِهِمْ.
6:129–130Page 144
وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩
And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.1
يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ١٣٠
"O company of jinn and mankind,1 did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.
﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ نَكِلُ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ، أوْ نَجْعَلُ بَعْضَهم يَتَوَلّى بَعْضًا فَيُغْوِيهِمْ أوِ أوْلِياءَ بَعْضٍ وقُرَناءَهم في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾، الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً، لَكِنْ لَمّا جُمِعُوا مَعَ الجِنِّ في الخِطابِ صَحَّ ذَلِكَ ونَظِيرُهُ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ والمَرْجانُ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ وتَعَلَّقَ بِظاهِرِهِ قَوْمٌ وقالُوا بُعِثَ إلى كُلٍّ مِنَ الثَّقَلَيْنِ رُسُلٌ مِن جِنْسِهِمْ. وقِيلَ الرُّسُلُ مِنَ الجِنِّ رُسُلُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿قالُوا﴾ جَوابًا. ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ بِالجُرْمِ والعِصْيانِ وهو اعْتِرافٌ مِنهم بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ.
(p-183)﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ذَمٌّ لَهم عَلى سُوءِ نَظَرِهِمْ وخَطَأِ رَأْيِهِمْ، فَإنَّهُمُ اغْتَرُّوا بِالحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ واللَّذّاتِ المُخْدِجَةِ، وأعْرَضُوا عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى كانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ أنِ اضْطُرُّوا إلى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والِاسْتِسْلامِ لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ تَحْذِيرًا لِلسّامِعِينَ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
6:131–132Page 144
ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ ١٣١
That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing1 while their people were unaware.
وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٣٢
And for all are degrees [i.e., positions resulting] from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ. ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ أهْلِ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمٍ فَعَلُوهُ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِظُلْمٍ أوْ ظالِمًا وهم غافِلُونَ لَمْ يُنَبِّهُوا بِرَسُولٍ أوْ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ.
﴿وَلِكُلٍّ﴾ مِنَ المُكَلَّفِينَ. ﴿دَرَجاتٌ﴾ مَراتِبُ ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ مِن أعْمالِهِمْ أوْ مِن جَزائِها، أوْ مِن أجْلِها ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ فَيَخْفى عَلَيْهِ عَمَلٌ أوْ قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ.
6:133–134Page 145
وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ ١٣٣
And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, He can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.
إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأٓتٖۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ١٣٤
Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allāh].1
﴿وَرَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ عَنِ العِبادِ والعِبادَةِ. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْلِيفِ تَكْمِيلًا لَهم ويُمْهِلُهم عَلى المَعاصِي، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ الإرْسالِ لَيْسَ لِنَفْعِهِ بَلْ لِتَرَحُّمِهِ عَلى العِبادِ وتَأْسِيسٌ لِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ ما بِهِ إلَيْكم حاجَةٌ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها العُصاةُ. ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ. ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أيْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ لَكِنَّهُ أبْقاكم تَرَحُّمًا عَلَيْكم.
﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ مِنَ البَعْثِ وأحْوالِهِ. ﴿لآتٍ﴾ لَكائِنٌ لا مَحالَةَ. ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ طالِبَكم بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences