Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:135–156
6:135Page 145
قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١٣٥
Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home.1 Indeed, the wrongdoers will not succeed."
﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم يُقالُ مَكُنَ مَكانَةً إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَّمَكُّنِ، أوْ عَلى ناحِيَتِكم وجِهَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِن قَوْلِهِمْ مَكانٌ ومَكانَةٌ كَمَقامٍ ومَقامَةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ مَكاناتِكم بِالجَمْعِ في كُلِّ القُرْآنِ وهو أمْرُ تَهْدِيدٍ، والمَعْنى: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم وعَداوَتِكم. ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما كُنْتَ عَلَيْهِ مِنَ المُصابَرَةِ والثَّباتِ عَلى الإسْلامِ، والتَّهْدِيدُ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةٌ في الوَعِيدِ كَأنَّ المُهَدَّدَ يُرِيدُ تَعْذِيبَهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَيَحْمِلُهُ بِالأمْرِ عَلى ما يُفْضِي بِهِ، إلَيْهِ، وتَسْجِيلٌ بِأنَّ المُهَدَّدَ لا يَتَأتّى مِنهُ إلّا الشَّرُّ كالمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أنْ يَنْقَضِيَ عَنْهُ. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ إنْ جُعِلَ مَنِ اسْتِفْهامِيَّةً بِمَعْنى أيُّنا تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ الحُسْنى الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ لَها هَذِهِ الدّارَ، فَمَحَلُّها الرَّفْعُ وفِعْلُ العِلْمِ مُعَلَّقٌ عَنْهُ وإنْ جُعِلَتْ خَبَرِيَّةً فالنَّصْبُ بِ تَعْلَمُونَ أيْ فَسَوْفَ تَعْرِفُونَ الَّذِي تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ، وفِيهِ مَعَ الإنْذارِ إنْصافٌ في المَقالِ وحُسْنِ الأدَبِ، وتَنْبِيهٌ عَلى وُثُوقِ المُنْذِرِ بِأنَّهُ مُحِقٌّ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ يَكُونُ بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ العاقِبَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ وضَعَ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ الكافِرِينَ لِأنَّهُ أعَمُّ وأكْثَرُ فائِدَةً.
6:136Page 145
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ١٣٦
And they [i.e., the polytheists] assign to Allāh from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allāh," by their claim, "and this is for our 'partners' [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allāh, while what is for Allāh - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.
(p-184)﴿وَجَعَلُوا﴾ أيْ مُشْرِكُو العَرَبِ. ﴿لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ﴾ خَلَقَ. ﴿مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ رُوِيَ: أنَّهم كانُوا يُعَيِّنُونَ شَيْئًا مِن حَرْثٍ ونِتاجٍ لِلَّهِ ويَصْرِفُونَهُ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينِ، وشَيْئًا مِنهُما لِآلِهَتِهِمْ ويُنْفِقُونَهُ عَلى سَدَنَتِها ويَذْبَحُونَهُ عِنْدَها، ثُمَّ إنْ رَأوْا ما عَيَّنُوا لِلَّهِ أزْكى بَدَّلُوهُ بِما لِآلِهَتِهِمْ وإنْ رَأوْا ما لِآلِهَتِهِمْ أزْكى تَرَكُوهُ لَها حُبًّا لِآلِهَتِهِمْ.
وَفِي قَوْلِهِ مِمّا ذَرَأ تَنْبِيهٌ عَلى فَرْطِ جَهالَتِهِمْ فَإنَّهم أشْرَكُوا الخالِقَ في خَلْقِهِ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، ثُمَّ رَجَّحُوهُ عَلَيْهِ بِأنْ جَعَلُوا الزّاكِيَ لَهُ، وفي قَوْلِهِ بِزَعْمِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا اخْتَرَعُوهُ لَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ بِهِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالضَّمِّ في المَوْضِعَيْنِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، وقَدْ جاءَ فِيهِ الكَسْرُ أيْضًا كالوِدِّ والوُدِّ. ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ حُكْمُهم هَذا.
6:137Page 145
وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١٣٧
And likewise, to many of the polytheists their partners1 have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allāh had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ في قِسْمَةِ القُرْبانِ. ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ﴾ بِالوَأْدِ ونَحْرِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ. ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ مِنَ الجِنِّ أوْ مِنَ السَّدَنَةِ، وهو فاعِلُ زَيَّنَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ زُيِّنَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هو القَتْلُ ونَصَبَ الأوْلادِ وجَرَّ الشُّرَكاءِ بِإضافَةِ القَتْلِ إلَيْهِ مَفْصُولًا بَيْنَهُما بِمَفْعُولِهِ وهو ضَعِيفٌ في العَرَبِيَّةِ مَعْدُودٌ مِن ضَرُوراتِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ:
؎ فَزَجَجْتُها بِمَزَجَةٍ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصِ أبِي مُزادَهْ
وَقُرِئَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وجَرِّ أوْلادِهِمْ ورُفِعَ شُرَكاؤُهم بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ زَيَّنَ. ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ لِيُهْلِكُوهم بِالإغْواءِ. ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ولِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن دِينِ إسْماعِيلَ، أوْ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ إنْ كانَ التَّزْيِينُ مِنَ الشَّياطِينِ والعاقِبَةِ إنْ كانَ مِنَ السَّدَنَةِ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ ما فَعَلَ المُشْرِكُونَ ما زَيَّنَ لَهُمْ، أوِ الشُّرَكاءُ التَّزْيِينَ أوِ الفَرِيقانِ جَمِيعَ ذَلِكَ. ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ افْتِراءَهم أوْ ما يَفْتَرُونَهُ مِنَ الإفْكِ.
6:138Page 146
وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣٨
And they say, "These animals1 and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them]2 and those upon which the name of Allāh is not mentioned3 - [all of this] an invention of untruth about Him.4 He will punish them for what they were inventing.
﴿وَقالُوا هَذِهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما جُعِلَ لِآلِهَتِهِمْ. ﴿أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ حَرامٌ فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالذَّبْحِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والكَثِيرُ والذَّكَرُ والأُنْثى. وقُرِئَ «حُجْرٍ» بِالضَّمِّ وحَرَجٌ أيْ مَضِيقٌ. ﴿لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ﴾ يَعْنُونَ خَدَمَ الأوْثانِ والرِّجالِ دُونَ النِّساءِ. ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ. ﴿وَأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ يَعْنِي البَحائِرَ والسَّوائِبَ والحَوامِي. ﴿وَأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ في الذَّبْحِ وإنَّما يَذْكُرُونَ أسْماءَ الأصْنامِ عَلَيْها، وقِيلَ لا يَحُجُّونَ عَلى ظُهُورِها. ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّ ما قالُوا تَقَوُّلٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ قالُوا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ أوْ عَلى الحالِ، أوْ عَلى المَفْعُولِ لَهُ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِالمَحْذُوفِ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ بِسَبَبِهِ أوْ بَدَلُهُ.
6:139Page 146
وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩
And they say, "What is in the bellies of these animals1 is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description.2 Indeed, He is Wise and Knowing.
(p-185)﴿وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ يَعْنُونَ أجِنَّةَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ حَلالٌ لِلذُّكُورِ خاصَّةً دُونَ الإناثِ إنَّ وُلِدَ حَيًّا لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ فالذُّكُورُ والإناثُ فِيهِ سَواءٌ وتَأْنِيثُ الخالِصَةِ لِلْمَعْنى فَإنَّ ما في مَعْنى الأجِنَّةِ ولِذَلِكَ وافَقَ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ في تَكُنْ بِالتّاءِ، وخالَفَهُ هو وابْنُ كَثِيرٍ في مَيْتَةً فَنَصَبَ كَغَيْرِهِمْ، أوِ التّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في رِوايَةِ الشِّعْرِ أوْ هو مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ وقَعَ مَوْقِعَ الخالِصِ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ والخَبَرُ لِذُكُورِنا، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الظَّرْفِ لا مِنَ الَّذِي في لِذُكُورِنا ولا مِنَ الذُّكُورِ لِأنَّها لا تَتَقَدَّمُ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ ولا عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ. وقُرِئَ «خالِصٌ» بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ وخالِصَةٌ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ما أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ والمُرادُ بِهِ ما كانَ حَيًّا، والتَّذْكِيرُ في فِيهِ لِأنَّ المُرادَ بِالمَيْتَةِ ما يَعُمُّ الذَّكَرَ والأُنْثى فَغَلَّبَ الذَّكَرَ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ أيْ جَزاءَ وصْفِهِمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ مِن قَوْلِهِ: وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
6:140Page 146
قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠
They will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allāh had provided for them, inventing untruth about Allāh. They have gone astray and were not [rightly] guided.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ يُرِيدُ بِهِمُ العَرَبَ الَّذِينَ كانُوا يَقْتُلُونَ بَناتِهم مَخافَةَ السَّبْيِ والفَقْرِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ قَتَّلُوا بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى التَّكْثِيرِ. ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِخِفَّةِ عَقْلِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى رازِقُ أوْلادِهِمْ لا هُمْ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الحالِ أوِ المَصْدَرِ. ﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ البَحائِرِ ونَحْوِها. ﴿افْتِراءً عَلى اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ المَذْكُورَةَ في مِثْلِهِ. ﴿قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى الحَقِّ والصَّوابِ.
6:141Page 146
۞ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٤١
And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakāh] on the day of its harvest. And be not excessive.1 Indeed, He does not like those who commit excess.
﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ﴾ مِنَ الكُرُومِ. ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ مَرْفُوعاتٍ عَلى ما يَحْمِلُها. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ مُلْقِياتٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ. وقِيلَ المَعْرُوشاتُ ما غَرَسَهُ النّاسُ فَعَرَّشُوهُ وغَيْرُ مَعْرُوشاتٍ ما نَبَتَ في البَرارِي والجِبالِ. ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ ثَمَرُهُ الَّذِي يُؤْكَلُ في الهَيْئَةِ والكَيْفِيَّةِ، والضَّمِيرُ لِلزَّرْعِ والباقِي مَقِيسٌ عَلَيْهِ، أوْ لِلنَّخْلِ والزَّرْعُ داخِلٌ في حُكْمِهِ لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، أوْ لِلْجَمِيعِ عَلى تَقْدِيرِ أكُلُّ ذَلِكَ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ومُخْتَلِفًا حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ الإنْشاءِ. ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ يَتَشابَهُ بَعْضُ أفْرادِهِما في اللَّوْنِ والطَّعْمِ ولا يَتَشابَهُ بَعْضُها. ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ مِن ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ. ﴿إذا أثْمَرَ﴾ وإنْ لَمْ يُدْرِكْ ولَمْ يَيْنَعْ بَعْدُ. وقِيلَ فائِدَتُهُ رُخْصَةُ المالِكِ في الأكْلِ مِنهُ قَبْلَ أداءِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى. ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ ما كانَ يَتَصَدَّقُ بِهِ يَوْمَ الحَصادِ لا الزَّكاةَ المُقَدَّرَةَ لِأنَّها فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ والآيَةُ مَكِّيَّةٌ.
وَقِيلَ الزَّكاةُ والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ والأمْرُ بِإيتائِها يَوْمَ الحَصادِ لِيُهْتَمَّ بِهِ حِينَئِذٍ حَتّى لا يُؤَخَّرَ عَنْ وقْتِ الأداءِ ولِيَعْلَمَ أنَّ الوُجُوبَ بِالإدْراكِ لا بِالتَّنْقِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ حِصادِهِ بِكَسْرِ الحاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.
﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ في التَّصَدُّقِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ لا يَرْتَضِي فِعْلَهم.(p-186)
6:142–143Page 146
وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗاۚ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ١٤٢
And of the grazing livestock are carriers [of burdens] and those [too] small. Eat of what Allāh has provided for you and do not follow the footsteps of Satan.1 Indeed, he is to you a clear enemy.
ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٤٣
[They are] eight mates - of the sheep, two and of the goats, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Inform me with knowledge, if you should be truthful."
﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ عَطْفٌ عَلى جَنّاتٍ أيْ وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ وما يَفْرِشُ لِلذَّبْحِ، أوْ ما يَفْرِشُ المَنسُوجَ مِن شَعَرِهِ وصُوفِهِ ووَبَرِهِ. وقِيلَ الكِبارُ الصّالِحَةُ لِلْحَمْلِ والصِّغارُ الدّانِيَةُ مِنَ الأرْضِ مِثْلَ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها. ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ كُلُوا مِمّا أُحِلَّ لَكم مِنهُ. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم. ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرَةُ العَداوَةِ.
﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ بَدَلٌ مِن حُمُولَةً وفَرْشًا، أوْ مَفْعُولُ كُلُوا، ولا تَتَّبِعُوا مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما أوْ فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ أوْ حالٌ مِن ما بِمَعْنى مُخْتَلِفَةٌ أوْ مُتَعَدِّدَةٌ والزَّوْجُ ما مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ يُزاوِجُهُ وقَدْ يُقالُ لِمَجْمُوعِهِما والمُرادُ الأوَّلُ. ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الكَبْشِ والنَّعْجَةِ، وهو بَدَلٌ مِن ثَمانِيَةَ وقُرِئَ «اثْنانِ» عَلى الِابْتِداءِ. والضَّأْنُ اسْمُ جِنْسٍ كالإبِلِ وجَمْعُهُ ضَئِينَ أوْ جَمْعُ ضائِنٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.
﴿وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ التَّيْسِ والعَنْزِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ وهو جَمْعُ ماعِزٍ كَصاحِبٍ وصَحَبٍ وحارِسٍ وحَرَسٍ، وقُرِئَ «المِعْزى» . ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ ذَكَرَ الضَّأْنِ وذَكَرَ المَعَزِ. ﴿حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أمْ أُنْثَيَيْهِما ونُصِبَ الذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ بِحَرَّمَ ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أوْ ما حَمَلَتْ إناثُ الجِنْسَيْنِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ بِأمْرٍ مَعْلُومٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْوى التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ.
6:144Page 147
وَمِنَ ٱلۡإِبِلِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَاۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٤
And of the camels, two and of the cattle, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Or were you witnesses when Allāh charged you with this? Then who is more unjust than one who invents a lie about Allāh to mislead the people by [something] other than knowledge? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people."
﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ كَما سَبَقَ والمَعْنى إنْكارُ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ شَيْئًا مِنَ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى أوْ ما تَحْمِلُ إناثُها رَدًّا عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ ذُكُورَ الأنْعامِ تارَةً وإناثَها تارَةً أُخْرى، وأوْلادُها كَيْفَ كانَتْ تارَةً زاعِمِينَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها. ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ بَلْ أكُنْتُمْ شاهِدِينَ حاضِرِينَ. ﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ حِينَ وصّاكم بِهَذا التَّحْرِيمِ إذْ أنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ فَلا طَرِيقَ لَكم إلى مَعْرِفَةِ أمْثالِ ذَلِكَ إلّا المُشاهَدَةُ والسَّماعُ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَنَسَبَ إلَيْهِ تَحْرِيمَ ما لَمْ يُحَرِّمْ، والمُرادُ كُبَراؤُهُمُ المُقَرِّرُونَ لِذَلِكَ، أوْ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ المُؤَسِّسُ لِذَلِكَ. ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾
6:145Page 147
قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٤٥
Say, "I do not find within that which was revealed to me [anything] forbidden to one who would eat it unless it be a dead animal or blood spilled out or the flesh of swine - for indeed, it is impure - or it be [that slaughtered in] disobedience, dedicated to other than Allāh.1 But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], then indeed, your Lord is Forgiving and Merciful."
﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ أيْ في القُرْآنِ، أوْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ مُطْلَقًا، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما يُعْلَمُ بِالوَحْيِ لا بِالهَوى. ﴿مُحَرَّمًا﴾ طَعامًا مُحَرَّمًا. ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ مَيْتَةً، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ تَكُونُ بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالياءِ، ورَفَعَ مَيْتَةً عَلى أنَّ كانَ هي (p-187)التّامَّةُ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ عَطْفٌ عَلى أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِهِ أيْ: إلّا وُجُودَ مَيْتَةٍ أوْ دَمًا مَسْفُوحًا، أيْ مَصْبُوبًا كالدَّمِ في العُرُوقِ لا كالكَبِدِ والطِّحالِ. ﴿أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ فَإنَّ الخِنْزِيرَ أوْ لَحْمَهُ قَذِرٌ لِتَعَوُّدِهِ أكْلَ النَّجاسَةِ أوْ خَبِيثٌ مُخْبِثٌ ﴿أوْ فِسْقًا﴾ عُطِفَ عَلى لَحْمَ خِنْزِيرٍ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِلتَّعْلِيلِ. ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُوَضِّحَةٌ وإنَّما سُمِّيَ ما ذُبِحَ عَلى اسْمِ الصَّنَمِ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في الفِسْقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِسْقًا مَفْعُولًا لَهُ مِن أُهِلَّ وهو عَطْفٌ عَلى يَكُونُ والمُسْتَكِنُّ فِيهِ راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ المُسْتَكِنُّ في يَكُونُ. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ فَمَن دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ. إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ عَلى مُضْطَرٍّ مِثْلِهِ ﴿وَلا عادٍ﴾ قَدْرَ الضَّرُورَةِ ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يُؤاخِذُهُ، والآيَةُ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلى تِلْكَ الغايَةِ مُحَرَّمًا غَيْرَ هَذِهِ، وذَلِكَ لا يُنافِي وُرُودَ التَّحْرِيمِ في شَيْءٍ آخَرَ فَلا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى نَسْخِ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ ولا عَلى حِلِّ الأشْياءِ غَيْرَها إلّا مَعَ الِاسْتِصْحابِ.
6:146–147Page 147
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ١٤٦
And to those who are Jews We prohibited every animal of uncloven hoof; and of the cattle and the sheep We prohibited to them their fat, except what adheres to their backs or the entrails or what is joined with bone. [By] that We repaid them for their transgression. And indeed, We are truthful.
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمۡ ذُو رَحۡمَةٖ وَٰسِعَةٖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُهُۥ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٤٧
So if they deny you, [O Muḥammad], say, "Your Lord is the possessor of vast mercy; but His punishment cannot be repelled from the people who are criminals."
﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ كُلَّ ما لَهُ إصْبَعٌ كالإبِلِ والسِّباعِ والطُّيُورِ. وقِيلَ كُلَّ ذِي مِخْلَبٍ وحافِرٍ وسُمِّيَ الحافِرُ ظُفُرًا مَجازًا ولَعَلَّ المُسَبَّبَ عَنِ الظُّلْمِ تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ. ﴿وَمِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ الثُّرُوبَ وشُحُومَ الكُلى والإضافَةُ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ. ﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ إلّا ما عَلَقَتْ بِظُهُورِهِما. ﴿أوِ الحَوايا﴾ أوْ ما اشْتَمَلَ عَلى الأمْعاءِ جَمْعُ حاوِيَةٍ، أوْ حاوِياءَ كَقاصِعاءَ وقَواصِعَ، أوْ حَوِيَّةٍ كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ. وقِيلَ هو عَطْفٌ عَلى شُحُومِهِما وأوْ بِمَعْنى الواوِ. ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ هو شَحْمُ الألْيَةِ لِاتِّصالِها بِالعُصْعُصِ. ﴿ذَلِكَ﴾ التَّحْرِيمُ أوِ الجَزاءُ. ﴿جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ. ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾ في الإخْبارِ أوِ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ يُمْهِلُكم عَلى التَّكْذِيبِ فَلا تَغْتَرُّوا بِإمْهالِهِ فَإنَّهُ لا يُهْمِلُ. ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ حِينَ يَنْزِلُ، أوْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ عَلى المُطِيعِينَ وذُو بَأْسٍ شَدِيدٍ عَلى المُجْرِمِينَ، فَأقامَ مَقامَهُ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى إنْزالِ البَأْسِ عَلَيْهِمْ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لازِبٌ بِهِمْ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ عَنْهم.
6:148Page 148
سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ ١٤٨
Those who associated [others] with Allāh will say, "If Allāh had willed, we would not have associated [anything] and neither would our fathers, nor would we have prohibited anything." Likewise did those before deny until they tasted Our punishment. Say, "Do you have any knowledge that you can produce for us? You follow not except assumption, and you are not but misjudging."
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ إخْبارٌ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ ووُقُوعُ مُخْبِرِهِ يَدُلُّ عَلى إعْجازِهِ. ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لَوْ شاءَ خِلافَ ذَلِكَ مَشِيئَةً ارْتَضاهُ كَقَوْلِهِ: فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ لِما فَعَلْنا نَحْنُ ولا آباؤُنا، أرادُوا بِذَلِكَ أنَّهم عَلى الحَقِّ المَشْرُوعِ المَرْضِيِّ عِنْدَ اللَّهِ لا الِاعْتِذارُ عَنِ ارْتِكابِ هَذِهِ القَبائِحِ بِإرادَةِ اللَّهِ إيّاها مِنهم حَتّى يَنْهَضَ ذَمُّهم بِهِ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ويُؤَيِّدُهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا التَّكْذِيبِ لَكَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَ مِنَ الشِّرْكِ ولَمْ يُحَرِّمْ ما حَرَّمُوهُ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ الرُّسُلَ، وعَطَفَ آباؤُنا عَلى الضَّمِيرِ في أشْرَكْنا مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ لِلْفَصْلِ بِلا. ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ الَّذِي أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ﴾ مِن أمْرٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ. عَلى ما زَعَمْتُمْ. ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ (p-188)فَتُظْهِرُوهُ لَنا. ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ ما تَتَّبِعُونَ في ذَلِكَ إلّا الظَّنَّ. ﴿وَإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِنِ اتِّباعِ الظَّنِّ سِيَّما في الأُصُولِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ يُعارِضُهُ قاطِعٌ إذِ الآيَةُ فِيهِ.
6:149–150Page 148
قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٤٩
Say, "With Allāh is the far-reaching [i.e., conclusive] argument. If He had willed, He would have guided you all."
قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَاۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١٥٠
Say, [O Muḥammad], "Bring forward your witnesses who will testify that Allāh has prohibited this." And if they testify, do not testify with them. And do not follow the desires of those who deny Our verses and those who do not believe in the Hereafter, while they equate [others] with their Lord.
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ عَلى الإثْباتِ، أوْ بَلَغَ بِها صاحِبُها صِحَّةَ دَعْواهُ وهي مِنَ الحَجِّ بِمَعْنى القَصْدِ كَأنَّها تَقْصِدُ إثْباتَ الحُكْمِ وتَطْلُبُهُ. ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لَها والحَمْلِ عَلَيْها ولَكِنْ شاءَ هِدايَةَ قَوْمٍ وضَلالَ آخَرِينَ.
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ أحْضِرُوهُمْ، وهو اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَصَرَّفُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، وفِعْلٌ يُؤَنَّثُ ويُجْمَعُ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ وأصْلُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ: ها لِمَ مَن لَمْ إذا قُصِدَ حُذِفَتِ الألِفُ لِتَقْدِيرِ السُّكُونِ في اللّامِ فَإنَّهُ الأصْلُ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ هَلْ أمْ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ بِإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ هَلْ لا تَدْخُلُ الأمْرَ ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا كَما في الآيَةِ ولازِمًا كَقَوْلِهِ هَلُمَّ إلَيْنا. ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ يَعْنِي قُدْوَتَهم فِيهِ اسْتَحْضَرَهم لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ ويُظْهِرَ بِانْقِطاعِهِمْ ضَلالَتَهم وأنَّهُ لا مُتَمَسِّكَ لَهم كَمَن يُقَلِّدُهُمْ، ولِذَلِكَ قَيَّدَ الشُّهَداءَ بِالإضافَةِ ووَصَفَهم بِما يَقْتَضِي العَهْدُ بِهِمْ. ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ فَلا تُصَدِّقْهم فِيهِ وبَيِّنْ لَهم فَسادَهُ فَإنَّ تَسْلِيمَهُ مُوافَقَةٌ لَهم في الشَّهادَةِ الباطِلَةِ. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُكَذِّبَ الآياتِ مُتَّبِعُ الهَوى لا غَيْرَ، وأنَّ مُتَّبِعَ الحُجَّةِ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا بِها. ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ كَعَبَدَةِ الأوْثانِ. ﴿وَهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا.
6:151Page 148
۞ قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٥١
Say, "Come, I will recite what your Lord has prohibited to you. [He commands] that you not associate anything with Him, and to parents, good treatment, and do not kill your children out of poverty; We will provide for you and them. And do not approach immoralities - what is apparent of them and what is concealed. And do not kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed] except by [legal] right. This has He instructed you that you may use reason."
﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ أمْرٌ مِنَ التَّعالِي وأصْلُهُ أنْ يَقُولَهُ مَن كانَ في عُلُوٍّ لِمَن كانَ في سُفْلٍ فاتَّسَعَ فِيهِ بِالتَّعْمِيمِ.
﴿أتْلُ﴾ أقْرَأُ. ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِأتْلُ وما تَحْتَمِلُ الخَبَرِيَّةَ والمَصْدَرِيَّةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِحَرَّمِ والجُمْلَةُ مَفْعُولُ أتْلُ لِأنَّهُ بِمَعْنى أقُلْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ أتْلُ أيَّ شَيْءِ حَرَّمَ رَبُّكم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ حَرَّمَ أوْ أتْلُ. ﴿ألا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ أيْ لا تُشْرِكُوا بِهِ لِيَصِحَّ عَطْفُ الأمْرِ عَلَيْهِ، ولا يَمْنَعُهُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ المُفَسَّرِ بِ ما حَرَّمَ، فَإنَّ التَّحْرِيمَ بِاعْتِبارِ الأوامِرِ يَرْجِعُ إلى أضْدادِها ومَن جَعَلَ أنَّ ناصِبَةً فَمَحَلُّها النَّصْبُ بِعَلَيْكم عَلى أنَّهُ لِلْإغْراءِ، أوِ البَدَلُ مِن ما أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ عَلى أنَّ لا زائِدَةٌ والجَرُّ بِتَقْدِيرِ اللّامِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ المَتْلُوُّ أنْ لا تُشْرِكُوا أوِ المُحَرَّمُ أنْ تُشْرِكُوا. ﴿شَيْئًا﴾ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَفْعُولَ. ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ وأحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا وضَعَهُ مَوْضِعَ النَّهْيِ عَنِ الإساءَةِ إلَيْهِما لِلْمُبالَغَةِ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَرْكَ الإساءَةِ في شَأْنِهِما غَيْرُ كافٍ بِخِلافِ غَيْرِهِما. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ مِن أجْلِ فَقْرٍ ومِن خَشْيَتِهِ.
كَقَوْلِهِ: خَشْيَةَ إمْلاقٍ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ مَنعٌ لِمُوجَبِيَّةِ ما كانُوا يَفْعَلُونَ لِأجْلِهِ واحْتِجاجٌ عَلَيْهِ. ﴿وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ كَبائِرَ الذُّنُوبِ أوِ الزِّنا. ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ كالقَوْدِ وقَتْلِ المُرْتَدِّ ورَجْمِ المُحْصَنِ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى (p-189)ما ذَكَرَ مُفَصَّلًا. ﴿وَصّاكم بِهِ﴾ بِحِفْظِهِ. ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَرْشُدُونَ فَإنَّ كَمالَ العَقْلِ هو الرُّشْدُ.
6:152Page 149
وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١٥٢
And do not approach the orphan's property except in a way that is best [i.e., intending improvement] until he reaches maturity. And give full measure and weight in justice. We do not charge any soul except [with that within] its capacity. And when you speak [i.e., testify], be just, even if [it concerns] a near relative. And the covenant of Allāh fulfill. This has He instructed you that you may remember.
﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالفِعْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ ما يَفْعَلُ بِمالِهِ كَحِفْظِهِ وتَثْمِيرِهِ.
﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ حَتّى يَصِيرَ بالِغًا، وهو جَمْعُ شِدَّةٍ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ أوْ شَدٍّ كَصَرٍّ وأصُرٍّ وقِيلَ مُفْرَدٌ كَأنَّكَ.
﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ. ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَعْسُرُ عَلَيْها، وذَكَرَهُ عَقِيبَ الأمْرِ مَعْناهُ أنَّ إيفاءَ الحَقِّ عُسْرٌ عَلَيْكم فَعَلَيْكم بِما في وُسْعِكم وما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْكم.
﴿وَإذا قُلْتُمْ﴾ في حُكُومَةٍ ونَحْوِها. ﴿فاعْدِلُوا﴾ فِيهِ. ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ ولَوْ كانَ المَقُولُ لَهُ أوْ عَلَيْهِ مِن ذَوِي قَرابَتِكم. ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ يَعْنِي ما عُهِدَ إلَيْكم مِن مُلازَمَةِ العَدْلِ وتَأْدِيَةِ أحْكامِ الشَّرْعِ. ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَّعِظُونَ بِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ والكِسائِيُّ تَذَكَّرُونَ بِتَخْفِيفِ الذّالِ حَيْثُ وقَعَ إذا كانَ بِالتّاءِ والباقُونَ بِتَشْدِيدِها.
6:153Page 149
وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٥٣
And, [moreover], this is My path, which is straight, so follow it; and do not follow [other] ways, for you will be separated from His way. This has He instructed you that you may become righteous.
﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الإشارَةُ فِيهِ إلى ما ذَكَرَ في السُّورَةِ فَإنَّها بِأسْرِها في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وبَيانِ الشَّرِيعَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ إنَّ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ.
وَقَرَأ الباقُونَ بِها مُشَدَّدَةً بِتَقْدِيرِ اللّامِ عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ. فاتَّبِعُوهُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ صِراطِيَ بِفَتْحِ الياءِ، وقُرِئَ «وَهَذا صِراطِي» «وَهَذا صِراطُ رَبِّكُمْ» «وَهَذا صِراطُ رَبِّكَ» . ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الأدْيانَ المُخْتَلِفَةَ أوِ الطُّرُقَ التّابِعَةَ لِلْهَوى، فَإنَّ مُقْتَضى الحُجَّةِ واحِدٌ ومُقْتَضى الهَوى مُتَعَدِّدٌ لِاخْتِلافِ الطَّبائِعِ والعاداتِ. ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ فَتُفَرِّقُكم وتُزَيِّلُكم. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الَّذِي هو اتِّباعُ الوَحْيِ واقْتِفاءُ البُرْهانِ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الِاتِّباعُ. ﴿وَصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ الضَّلالَ والتَّفَرُّقَ عَنِ الحَقِّ.
6:154Page 149
ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ١٥٤
Then1 We gave Moses the Scripture, making complete [Our favor] upon the one who did good [i.e., Moses] and as a detailed explanation of all things and as guidance and mercy that perhaps in the meeting with their Lord they would believe.
﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى وصّاكُمْ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الإخْبارِ أوْ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكم وصّاكم بِهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا ثُمَّ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ. ﴿تَمامًا﴾ لِلْكَرامَةِ والنِّعْمَةِ.
﴿عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ عَلى كُلِّ مَن أحْسَنَ القِيامَ بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ إنْ قُرِئَ «عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا» أوْ «عَلى الَّذِي أحْسَنَ تَبْلِيغَهُ» وهو مُوسى عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، أوْ «تَمامًا عَلى ما أحْسَنَهُ» أيْ أجادَهُ مِنَ العِلْمِ والتَّشْرِيعِ أيْ زِيادَةً عَلى عِلْمِهِ إتْمامًا لَهُ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ «عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ» أوْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو أحْسَنُ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ. ﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وبَيانًا مُفَصَّلًا لِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ، وهو عَطْفٌ عَلى تَمامًا ونَصْبُهُما يَحْتَمِلُ العِلَّةَ والحالَ والمَصْدَرَ. ﴿وَهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهُمْ﴾ لَعَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ. ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ بِلِقائِهِ لِلْجَزاءِ.
6:155–156Page 149
وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٥٥
And this [Qur’ān] is a Book We have revealed [which is] blessed, so follow it and fear Allāh that you may receive mercy.
أَن تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِينَ ١٥٦
[We revealed it] lest you say, "The Scripture was only sent down to two groups before us, but we were of their study unaware,"
(p-190)﴿وَهَذا كِتابٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. ﴿أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ كَثِيرُ النَّفْعِ. ﴿فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ بِواسِطَةِ اتِّباعِهِ وهو العَمَلُ بِما فِيهِ.
﴿أنْ تَقُولُوا﴾ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا عِلَّةً لِأنْزَلْناهُ. ﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ اليَهُودِ والنَّصارى، ولَعَلَّ الِاخْتِصاصَ في إنَّما لِأنَّ الباقِيَ المَشْهُورَ حِينَئِذٍ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ كُتُبِهِمْ.
﴿وَإنْ كُنّا﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ اللّامُ الفارِقَةُ في خَبَرِ كانَ أيْ وإنَّهُ كُنّا. ﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ قِراءَتِهِمْ، ﴿لَغافِلِينَ﴾ لا نَدْرِي ما هِيَ، أوْ لا نَعْرِفُ مِثْلَها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences