Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:30–58
6:30–31Page 131
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٠
If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment for what you used to deny."
قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١
Those will have lost who deny the meeting with Allāh, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it [i.e., the Hour]," while they bear their burdens [i.e., sins] on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.
﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ مَجازٌ عَنِ الحَبْسِ لِلسُّؤالِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ مَعْناهُ وُقِفُوا عَلى قَضاءِ رَبِّهِمْ أوْ جَزائِهِ، أوْ عَرَفُوهُ حَقَّ التَّعْرِيفِ. ﴿قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ كَأنَّهُ جَوابٌ قائِلٌ قالَ: ماذا قالَ رَبُّهم حِينَئِذٍ؟
والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ عَلى التَّكْذِيبِ، والإشارَةُ إلى البَعْثِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ إقْرارٌ مُؤَكَّدٌ بِاليَمِينِ لِانْجِلاءِ الأمْرِ غايَةَ الجَلاءِ. ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِكم أوْ بِبَدَلِهِ.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ إذْ فاتَهُمُ النَّعِيمُ واسْتَوْجَبُوا العَذابَ المُقِيمَ، ولِقاءُ اللَّهِ البَعْثُ وما يَتْبَعُهُ.
﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ﴾ غايَةٌ لِكَذَّبُوا لا لِخَسِرَ، لِأنَّ خُسْرانَهم لا غايَةَ لَهُ. ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً ونَصْبُها عَلى الحالِ، أوِ المَصْدَرِ فَإنَّها نَوْعٌ مِنَ المَجِيءِ. ﴿قالُوا يا حَسْرَتَنا﴾ أيْ تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ. ﴿عَلى ما فَرَّطْنا﴾ قَصَّرْنا فِيها في الحَياةِ الدُّنْيا أُضْمِرَتْ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُها لِلْعِلْمِ بِها، أوْ في السّاعَةِ يَعْنِي في شَأْنِها والإيمانِ بِها.
﴿وَهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ تَمْثِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ آصارَ الآثامِ. ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ بِئْسَ شَيْئًا يَزِرُونَهُ وِزْرَهم.
6:32Page 131
وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٣٢
And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allāh, so will you not reason?
﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ أيْ وما أعْمالُها إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ يُلْهِي النّاسَ ويَشْغَلُهم عَمّا يُعْقِبُ مَنفَعَةً دائِمَةً ولَذَّةً حَقِيقِيَّةً. وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. ﴿وَلَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ لِدَوامِها وخُلُوصِ مَنافِعِها ولَذّاتِها، وقَوْلُهُ: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما لَيْسَ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ لَعِبٌ ولَهْوٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «وَلَدّارُ الآخِرَةُ» . ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ الأمْرَيْنِ خَيْرٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ المُخاطَبِينَ بِهِ، أوْ تَغْلِيبَ الحاضِرِينَ عَلى الغائِبِينَ.
6:33Page 131
قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٣٣
We know that you, [O Muḥammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allāh that the wrongdoers reject.
﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ مَعْنى قَدْ زِيادَةُ الفِعْلِ وكَثْرَتُهُ كَما في قَوْلِهِ:
وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهْ والهاءُ في أنَّهُ لِلشَّأْنِ. وقُرِئَ «لَيُحْزِنُكَ» مِن أحْزَنَ. ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ في الحَقِيقَةِ. وقَرَأ نافِعٌ (p-160)والكِسائِيُّ لا يُكَذِّبُونَكَ مِن أكْذَبَهُ إذا وجَدَهُ كاذِبًا، أوْ نَسَبَهُ إلى الكَذِبِ. ﴿وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويُكَذِّبُونَها، فَوَضَعَ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ظَلَمُوا بِجُحُودِهِمْ، أوْ جَحَدُوا لِتَمَرُّنِهِمْ عَلى الظُّلْمِ، والباءُ لِتَضْمِينِ الجُحُودِ مَعْنى التَّكْذِيبِ.
رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَقُولُ: ما نُكَذِّبُكَ وإنَّكَ عِنْدَنا لَصادِقٌ وإنَّما نُكَذِّبُ ما جِئْتَنا بِهِ. فَنَزَلَتْ.
6:34Page 131
وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٤
And certainly were messengers denied before you, but they were patient over the denial, and they were harmed until Our victory came to them. And none can alter the words [i.e., decrees] of Allāh. And there has certainly come to you some information about the [previous] messengers.
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: لا يُكَذِّبُونَكَ، لَيْسَ لِنَفْيِ تَكْذِيبِهِ مُطْلَقًا. ﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا﴾ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ فَتَأسَّ بِهِمْ واصْبِرْ. ﴿حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ فِيهِ إيماءٌ بِوَعْدِ النَّصْرِ لِلصّابِرِينَ. ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ لِمَواعِيدِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ الآياتِ. ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ بَعْضُ قِصَصِهِمْ وما كابَدُوا مِن قَوْمِهِمْ.
6:35Page 131
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٥
And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allāh had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.
﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ﴾ عَظُمَ وشَقَّ ﴿إعْراضُهُمْ﴾ عَنْكَ وعَنِ الإيمانِ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ مَنفَذًا تَنْفُذُ فِيهِ إلى جَوْفِ الأرْضِ فَتُطَلِّعَ لَهم آيَةً، أوْ مَصْعَدًا تَصْعَدُ بِهِ إلى السَّماءِ فَتُنْزِلُ مِنها آيَةً، وفي الأرْضِ صِفَةٌ لِنَفَقًا وفي السَّماءِ صِفَةٌ لِسُلَّمًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مُتَعَلِّقَيْنِ بِتَبْتَغِي، أوْ حالَيْنِ مِنَ المُسْتَكِنِّ وجَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فافْعَلْ، والجُمْلَةُ جَوابُ الأوَّلِ والمَقْصُودُ بَيانُ حِرْصِهِ البالِغِ عَلى إسْلامِ قَوْمِهِ، وأنَّهُ لَوْ قَدَرَ أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِن تَحْتِ الأرْضِ أوْ مِن فَوْقِ السَّماءِ لَأتى بِها رَجاءَ إيمانِهِمْ ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ أيْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ جَمَعَهم عَلى الهُدى لَوَفَّقَهم لِلْإيمانِ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَكِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ مَشِيئَتُهُ، فَلا تَتَهالَكُ عَلَيْهِ والمُعْتَزِلَةُ أوَّلُوهُ بِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى بِأنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مُلْجِئَةٍ ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ بِالحِرْصِ عَلى ما لا يَكُونُ، والجَزَعِ في مَواطِنِ الصَّبْرِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن دَأْبِ الجَهَلَةِ.
6:36–37Page 132
۞ إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٣٦
Only those who hear will respond. But the dead1 - Allāh will resurrect them; then to Him they will be returned.
وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةٗ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٧
And they say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, "Indeed, Allāh is Able to send down a sign, but most of them do not know."
﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ إنَّما يُجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ بِفَهْمٍ وتَأمُّلٍ لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ وهَؤُلاءِ كالمَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ. ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فَيُعْلِمُهم حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ. ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ.
﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ آيَةٌ بِما اقْتَرَحُوهُ، أوْ آيَةٌ أُخْرى سِوى ما أنْزَلَ مِنَ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ لِعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِها عِنادًا. ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ مِمّا اقْتَرَحُوهُ، أوْ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ كَنَتْقِ الجَبَلِ، أوْ آيَةً إنْ جَحَدُوها هَلَكُوا. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْزالِها، وأنَّ إنْزالَها يَسْتَجْلِبُ عَلَيْهِمُ البَلاءَ، وأنَّ لَهم فِيما أُنْزِلَ مَندُوحَةً عَنْ غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ يُنْزِلُ بِالتَّخْفِيفِ والمَعْنى واحِدٌ.
6:38Page 132
وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ ٣٨
And there is no creature on [or within] the earth or bird that flies with its wings except [that they are] communities like you. We have not neglected in the Register1 a thing. Then unto their Lord they will be gathered.
(p-161)﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ تَدِبُّ عَلى وجْهِها. ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ في الهَواءِ، وصَفَهُ بِهِ قَطْعًا لِمَجازِ السُّرْعَةِ ونَحْوَها. وقُرِئَ «وَلا طائِرٌ» بِالرَّفْعِ عَلى المَحَلِّ. ﴿إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ مَحْفُوظَةٌ أحْوالُها مُقَدَّرَةٌ أرْزاقُها وآجالُها، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الدَّلالَةُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ وسِعَةِ تَدْبِيرِهِ، لِيَكُونَ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ آيَةً. وجَمْعُ الأُمَمِ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى. ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، فَإنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَجْرِي في العالَمِ مِنَ الجَلِيلِ والدَّقِيقِ لَمْ يُهْمَلْ فِيهِ أمْرُ حَيَوانٍ ولا جَمادٍ. أوِ القُرْآنَ فَإنَّهُ قَدْ دُوِّنَ فِيهِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ مُفَصَّلًا أوْ مُجْمَلًا، ومِن مَزِيدَةٌ وشَيْءٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ لا المَفْعُولِ بِهِ، فَإنَّ فَرَّطَ لا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وقَدْ عُدِّيَ بِفي إلى الكِتابِ. وقُرِئَ «ما فَرَطْنا» بِالتَّخْفِيفِ. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ كُلَّها فَيُنْصِفُ بَعْضَها مِن بَعْضٍ كَما رُوِيَ: «أنَّهُ يَأْخُذُ لِلْجَمّاءِ مِنَ القُرَناءِ.»
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: حَشَرُها مَوْتُها.
6:39Page 132
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضۡلِلۡهُ وَمَن يَشَأۡ يَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٩
But those who deny Our verses are deaf and dumb within darknesses. Whomever Allāh wills - He sends astray; and whomever He wills - He puts him on a straight path.
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ﴾ لا يَسْمَعُونَ مِثْلَ هَذِهِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ وعِظَمِ قُدْرَتِهِ سَماعًا تَتَأثَّرُ بِهِ نُفُوسُهم. ﴿وَبُكْمٌ﴾ لا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ. ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ أيْ خابِطُونَ في ظُلُماتِ الكُفْرِ، أوْ في ظُلْمَةِ الجَهْلِ وظُلْمَةِ العِنادِ وظُلْمَةِ التَّقْلِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ. ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ مَن يَشَأِ اللَّهُ إضْلالَهُ يُضْلِلْهُ، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ لَنا عَلى المُعْتَزِلَةِ. ﴿وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بِأنْ يُرْشِدَهُ إلى الهُدى ويَحْمِلَهُ عَلَيْهِ.
6:40–41Page 132
قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٠
Say, "Have you considered:1 if there came to you the punishment of Allāh or there came to you the Hour - is it other than Allāh you would invoke, if you should be truthful?"
بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ ٤١
No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].
﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ اسْتِفْهامُ تَعْجِيبٍ، والكافُ حَرْفُ خِطابٍ أكَّدَ بِهِ الضَّمِيرَ لِلتَّأْكِيدِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ لِأنَّكَ تَقُولُ: أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ فَلَوْ جَعَلْتَ الكافَ مَفْعُولًا كَما قالَهُ الكُوفِيُّونَ لَعَدَّيْتَ الفِعْلَ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ولَلَزِمَ في الآيَةِ أنْ يُقالَ: أرَأيْتُمُوكم بَلِ الفِعْلُ مُعَلَّقٌ أوِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أرَأيْتُكم آلِهَتَكم تَنْفَعُكم. إذْ تَدْعُونَها. وقَرَأ نافِعٌ أرَأيْتُكم وأرَأيْتُ وأرَأيْتُمْ وأفَرَأيْتُمْ وأفَرَأيْتَ وشَبَهُها إذا كانَ قَبْلَ الرّاءِ هَمْزَةٌ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ، والكِسائِيُّ يَحْذِفُها أصْلًا والباقُونَ يُحَقِّقُونَها وحَمْزَةُ إذا وقَفَ وافَقَ نافِعًا. ﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ كَما أتى مَن قَبْلَكم. ﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ وهو لَها ويَدُلُّ عَلَيْهِ. ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ وهو تَبْكِيتٌ لَهم. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ الأصْنامَ آلِهَةٌ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فادْعُوهُ.
﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ بَلْ تَخُصُّونَهُ بِالدُّعاءِ كَما حُكِيَ عَنْهم في مَواضِعَ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ.
﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ ما تَدْعُونَهُ إلى كَشْفِهِ. ﴿إنْ شاءَ﴾ أيْ يَتَفَضَّلُ عَلَيْكم ولا يَشاءُ في الآخِرَةِ.
﴿وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ وتَتْرُكُونَ آلِهَتَكم في ذَلِكَ الوَقْتِ لِما رَكَزَ في العُقُولِ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ دُونَ غَيْرِهِ، أوْ وتَنْسَوْنَهُ مِن شِدَّةِ الأمْرِ وهَوْلِهِ.
6:42–43Page 132
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢
And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muḥammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].
فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٤٣
Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ قَبْلَكَ، ومِن زائِدَةٌ. ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ أيْ فَكَفَرُوا وكَذَّبُوا المُرْسَلِينَ (p-162)فَأخَذْناهم. ﴿بِالبَأْساءِ﴾ بِالشِّدَّةِ والفَقْرِ. ﴿والضَّرّاءِ﴾ والضُّرِّ والآفاتِ وهُما صِيغَتا تَأْنِيثٍ لا مُذَكَّرَ لَهُما. ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ يَتَذَلَّلُونَ لَنا ويَتُوبُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ.
﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ مَعْناهُ نَفْيُ تَضَرُّعِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَعَ قِيامِ ما يَدْعُوهم أيْ لَمْ يَتَضَرَّعُوا. ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ اسْتِدْراكٌ عَلى المَعْنى وبَيانٌ لِلصّارِفِ لَهم عَنِ التَّضَرُّعِ وأنَّهُ: لا مانِعَ لَهم إلّا قَساوَةُ قُلُوبِهِمْ وإعْجابُهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم.
6:44–45Page 132
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤
So when they forgot that by which they had been reminded,1 We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.
فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٥
So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allāh, Lord of the worlds.
﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِهِ. ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن أنْواعِ النِّعَمِ مُراوَحَةً عَلَيْهِمْ بَيْنَ نَوْبَتِي الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ، وامْتِحانًا لَهم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلْعِلَّةِ، أوْ مَكْرًا بِهِمْ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «مَكْرٌ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ».»
. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «فَتَحْنا» بِالتَّشْدِيدِ في جَمِيعِ القُرْآنِ ووافَقَهُ يَعْقُوبُ فِيما عَدا هَذا، والَّذِي في «الأعْرافِ» . ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ أُعْجِبُوا ﴿بِما أُوتُوا﴾ مِنَ النِّعَمِ ولَمْ يَزِيدُوا غَيْرَ البَطَرِ والِاشْتِغالِ بِالنِّعَمِ عَنِ المُنْعِمِ والقِيامِ بِحَقِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ مُتَحَسِّرُونَ آيِسُونَ.
﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ آخِرُهم بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ مِن دَبَرَهُ دَبْرًا ودُبُورًا إذا تَبِعَهُ.
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى إهْلاكِهِمْ فَإنَّ هَلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَحِقُّ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها.
6:46–47Page 133
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ ٤٦
Say, "Have you considered:1 if Allāh should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allāh could bring them [back] to you?" Look how We diversify2 the verses; then they [still] turn away.
قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغۡتَةً أَوۡ جَهۡرَةً هَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٧
Say, "Have you considered: if the punishment of Allāh should come to you unexpectedly or manifestly,1 will any be destroyed but the wrongdoing people?"
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ أصَمَّكم وأعْماكم. ﴿وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بِأنْ يُغَطِّيَ عَلَيْها ما يَزُولُ بِهِ عَقْلُكم وفَهْمُكم. ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ، أوْ بِما أخَذَ وخَتَمَ عَلَيْهِ أوْ بِأحَدِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ نُكَرِّرُها تارَةً مِن جِهَةِ المُقَدِّماتِ العَقْلِيَّةِ وتارَةً مِن جِهَةِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وتارَةً بِالتَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ بِأحْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. ﴿ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ يُعْرِضُونَ عَنْها، وثُمَّ لِاسْتِبْعادِ الإعْراضِ بَعْدَ تَصْرِيفِ الآياتِ وظُهُورِها.
﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ مِن غَيْرِ مُقَدِّمَةٍ. ﴿أوْ جَهْرَةً﴾ بِتَقْدِمَةِ أمارَةٍ تُؤْذِنُ بِحُلُولِهِ. وقِيلَ لَيْلًا أوْ نَهارًا. وقُرِئَ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً. ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ أيْ ما يُهْلَكُ بِهِ هَلاكَ سُخْطٍ وتَعْذِيبٍ. ﴿إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ مِنهُ، وقُرِئَ «يَهْلِكَ» بِفَتْحِ الياءِ.
6:48–49Page 133
وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۖ فَمَنۡ ءَامَنَ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٤٨
And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلۡعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٤٩
But those who deny Our verses - the punishment will touch1 them for their defiant disobedience.
﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ. ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ الكافِرِينَ بِالنّارِ، ولَمْ نُرْسِلْهم لِيَقْتَرِحَ عَلَيْهِمْ ويَتَلَهّى بِهِمْ. ﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ ما يَجِبُ إصْلاحُهُ عَلى ما شَرَعَ لَهم. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِنَ العَذابِ. ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ بِفَواتِ الثَّوابِ.
(p-163)﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ جَعَلَ العَذابَ ماسًّا لَهم كَأنَّهُ الطّالِبُ لِلْوُصُولِ إلَيْهِمْ، واسْتَغْنى بِتَعْرِيفِهِ عَنِ التَّوْصِيفِ. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بِسَبَبِ خُرُوجِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ والطّاعَةِ.
6:50–51Page 133
قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠
Say, [O Muḥammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"
وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٥١
And warn by it [i.e., the Qur’ān] those who fear that they will be gathered before their Lord - for them besides Him will be no protector and no intercessor - that they might become righteous.
﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ مَقْدُوراتُهُ أوْ خَزائِنُ رِزْقِهِ. ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ ما لَمْ يُوحَ إلَيَّ ولَمْ يَنْصَبَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وهو مِن جُمْلَةِ المَقُولِ. ﴿وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ أيْ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، أوْ أقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ تَبَرَّأ عَنْ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ والمِلْكِيَّةِ، وادَّعى النُّبُوَّةَ الَّتِي هي مِن كَمالاتِ البَشَرِ رَدًّا لِاسْتِبْعادِهِمْ دَعْواهُ وجَزْمِهِمْ عَلى فَسادِ مُدَّعاهُ. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ مَثَلٌ لِلضّالِّ والمُهْتَدِي، أوِ الجاهِلِ والعالِمِ، أوْ مُدَّعِي المُسْتَحِيلِ كالأُلُوهِيَّةِ والمِلْكِيَّةِ ومُدَّعِي المُسْتَقِيمِ كالنُّبُوَّةِ.
﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ فَتَهْتَدُوا أوْ فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ ادِّعاءِ الحَقِّ والباطِلِ، أوْ فَتَعْلَمُوا أنَّ اتِّباعَ الوَحْيِ مِمّا لا مَحِيصَ عَنْهُ.
﴿وَأنْذِرْ بِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِما يُوحى إلَيَّ. ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ المُفَرِّطُونَ في العَمَلِ، أوِ المُجَوَّزُونَ لِلْحَشْرِ مُؤْمِنًا كانَ أوْ كافِرًا مُقِرًّا بِهِ أوْ مُتَرَدِّدًا فِيهِ، فَإنَّ الإنْذارَ يُنْجَعُ فِيهِمْ دُونَ الفارِغِينَ الجازِمِينَ بِاسْتِحالَتِهِ. ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن يَحْشُرُوا فَإنَّ المَخُوفَ هو الحَشْرُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ. ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ لِكَيْ يَتَّقُوا.
6:52Page 133
وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٢
And do not send away those who call upon their Lord morning and afternoon, seeking His face [i.e., favor]. Not upon you is anything of their account and not upon them is anything of your account.1 So were you to send them away, you would [then] be of the wrongdoers.
﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ بَعْدَ ما أمَرَهُ بِإنْذارِ غَيْرِ المُتَّقِينَ لِيَتَّقُوا أمْرَهُ بِإكْرامِ المُتَّقِينَ وتَقْرِيبِهِمْ وأنْ لا يَطْرُدَهم تَرْضِيَةً لِقُرَيْشٍ.
رُوِيَ أنَّهم قالُوا: لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلاءِ الأعْبُدَ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وسَلْمانَ. جَلَسْنا إلَيْكَ وحادَثْناكَ فَقالَ: «ما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ»، قالُوا: فَأقِمْهم عَنّا إذا جِئْناكَ قالَ «نَعَمْ» .
وَرُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لَهُ: لَوْ فَعَلْتَ حَتّى نَنْظُرَ إلى ماذا يَصِيرُونَ فَدَعا بِالصَّحِيفَةِ وبِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِيَكْتُبَ فَنَزَلَتْ.
والمُرادُ بِذِكْرِ الغَداةِ والعَشِيِّ الدَّوامُ، وقِيلَ صَلاتا الصُّبْحِ والعَصْرِ.
وَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالغَدْوَةِ هُنا وفي الكَهْفِ. ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ حالٌ مِن يَدْعُونَ، أيْ يَدْعُونَ رَبَّهم مُخْلِصِينَ فِيهِ قَيْدَ الدُّعاءِ بِالإخْلاصِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مَلاكُ الأمْرِ. ورَتَّبَ النَّهْيَ عَلَيْهِ إشْعارًا بِأنَّهُ يَقْتَضِي إكْرامَهم ويُنافِي إبْعادَهم. ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ حِسابُ إيمانِهِمْ فَلَعَلَّ إيمانَهم عِنْدَ اللَّهِ أعْظَمُ مِن إيمانِ مَن تَطْرُدُهم بِسُؤالِهِمْ طَمَعًا في إيمانِهِمْ لَوْ آمَنُوا، أوْ لَيْسَ عَلَيْكَ اعْتِبارُ بَواطِنِهِمْ وإخْلاصِهِمْ لِما اتَّسَمُوا بِسِيرَةِ المُتَّقِينَ وإنْ كانَ لَهم باطِنٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ كَما ذَكَرَهُ المُشْرِكُونَ وطَعَنُوا في دِينِهِمْ فَحِسابُهم عَلَيْهِمْ لا يَتَعَدّاهم إلَيْكَ، كَما أنَّ حِسابَكَ عَلَيْكَ لا يَتَعَدّاكَ إلَيْهِمْ. وقِيلَ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ أيْ مِن فَقْرِهِمْ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ والمَعْنى: لا تُؤاخَذُ بِحِسابِهِمْ ولا هم بِحِسابِكَ حَتّى يَهُمَّكَ إيمانُهم بِحَيْثُ تَطْرُدُ المُؤْمِنِينَ طَمَعًا فِيهِ. ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ فَتُبْعِدَهم وهو جَوابُ النَّفْيِ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ جَوابُ النَّهْيِ ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى فَتَطْرُدَهم عَلى وجْهِ التَّسَبُّبِ وفِيهِ نَظَرٌ.
6:53Page 134
وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ ٥٣
And thus We have tried some of them through others that they [i.e., the disbelievers] might say, "Is it these whom Allāh has favored among us?" Is not Allāh most knowing of those who are grateful?1
(p-164)﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الفِتَنُ، وهو اخْتِلافُ أحْوالِ النّاسِ في أُمُورِ الدُّنْيا. فَتَنّا أيِ ابْتَلَيْنا بَعْضَهم بِبَعْضٍ في أمْرِ الدِّينِ فَقَدَّمْنا هَؤُلاءِ الضُّعَفاءَ عَلى أشْرافِ قُرَيْشٍ بِالسَّبْقِ إلى الإيمانِ. ﴿لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ أيْ أهَؤُلاءِ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ لِما يُسْعِدُهم دُونَنا، ونَحْنُ الأكابِرُ والرُّؤَساءُ وهُمُ المَساكِينُ والضُّعَفاءُ. وهو إنْكارٌ لِأنْ يَخُصَّ هَؤُلاءِ مِن بَيْنِهِمْ بِإصابَةِ الحَقِّ والسَّبْقِ إلى الخَيْرِ كَقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ. واللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ عَلى أنَّ فَتَنّا مُتَضَمِّنٌ مَعْنى خَذَلْنا ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ بِمَن يَقَعُ مِنهُ الإيمانُ والشُّكْرُ فَيُوَفِّقُهُ وبِمَن لا يَقَعُ مِنهُ فَيَخْذُلُهُ.
6:54Page 134
وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٤
And when those come to you who believe in Our verses, say, "Peace be upon you. Your Lord has decreed upon Himself mercy: that any of you who does wrong out of ignorance and then repents after that and corrects himself - indeed, He is Forgiving and Merciful."
﴿وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم وصَفَهم بِالإيمانِ بِالقُرْآنِ واتِّباعِ الحُجَجِ بَعْدَ ما وصَفَهم بِالمُواظَبَةِ عَلى العِبادَةِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَبْدَأ بِالتَّسْلِيمِ أوْ يُبَلِّغَ سَلامَ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ ويُبَشِّرَهم بِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ طَرْدِهِمْ، إيذانًا بِأنَّهُمُ الجامِعُونَ لِفَضِيلَتَيِ العِلْمِ والعَمَلِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُقَرَّبَ ولا يُطْرَدَ، ويُعَزَّ ولا يُذَلَّ، ويُبَشَّرَ مِنَ اللَّهِ بِالسَّلامَةِ في الدُّنْيا والرَّحْمَةِ في الآخِرَةِ.
وَقِيلَ «إنَّ قَوْمًا جاءُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: إنّا أصَبْنا ذُنُوبًا عِظامًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فانْصَرَفُوا فَنَزَلَتْ.»
﴿أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا﴾ اسْتِئْنافٌ بِتَفْسِيرِ الرَّحْمَةِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ عَلى البَدَلِ مِنها. ﴿بِجَهالَةٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مَن عَمَلَ ذَنْبًا جاهِلًا بِحَقِيقَةِ ما يَتْبَعُهُ مِنَ المَضارِّ والمَفاسِدِ، كَعُمَرَ فِيما أشارَ إلَيْهِ، أوْ مُلْتَبِسًا بِفِعْلِ الجَهالَةِ فَإنَّ ارْتِكابَ ما يُؤَدِّي إلى الضَّرَرِ مِن أفْعالِ أهْلِ السَّفَهِ والجَهْلِ. ﴿ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ﴾ بَعْدَ العَمَلِ أوِ السُّوءِ. ﴿وَأصْلَحَ﴾ بِالتَّدارُكِ والعَزْمِ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ. ﴿فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَتْحُهُ مِن فَتْحِ الأوَّلِ غَيْرُ نافِعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أوْ خَبَرٍ أيْ فَأمْرُهُ أوْ فَلَهُ غُفْرانُهُ.
6:55Page 134
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٥٥
And thus do We detail the verses, and [thus] the way of the criminals will become evident.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ الواضِحِ. ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ آياتِ القُرْآنِ في صِفَةِ المُطِيعِينَ والمُجْرِمِينَ المُصِرِّينَ مِنهم والأوّابِينَ. " ولِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ " قَرَأ نافِعٌ بِالتّاءِ ونَصَبَ السَّبِيلَ عَلى مَعْنى ولِتَسْتَوْضِحَ يا مُحَمَّدُ سَبِيلَهم فَتُعامِلَ كُلًّا مِنهم بِما يَحِقُّ لَهُ فَصَّلْنا هَذا التَّفْصِيلَ، وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِرَفْعِهِ عَلى مَعْنى ولِنُبَيِّنَ سَبِيلَهُمْ، والباقُونَ بِالياءِ والرَّفْعِ عَلى تَذْكِيرِ السَّبِيلِ فَإنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ أيْ نُفَصِّلُ الآياتِ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ.
6:56Page 134
قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦
Say, "Indeed, I have been forbidden to worship those you invoke besides Allāh." Say, "I will not follow your desires, for I would then have gone astray, and I would not be of the [rightly] guided."
﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ﴾ صُرِفْتُ وزُجِرْتُ بِما نَصَبَ لِي مِنَ الأدِلَّةِ وأُنْزِلَ عَلَيَّ مِنَ الآياتِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ. ﴿أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عَنْ عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ ما تَدْعُونَها آلِهَةً أيْ تُسَمُّونَها. ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ وإشارَةٌ إلى المُوجَبِ لِلنَّهْيِ وعِلَّةِ الِامْتِناعِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ واسْتِجْهالٌ لَهُمْ، وبَيانٌ لِمَبْدَأِ ضَلالِهِمْ وأنَّ ما هم عَلَيْهِ هَوًى ولَيْسَ بِهُدًى، وتَنْبِيهٌ لِمَن تَحَرّى الحَقَّ عَلى أنْ يَتْبَعَ الحُجَّةَ ولا يُقَلِّدَ. ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَقَدْ ضَلَلْتُ. ﴿وَما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ في شَيْءٍ مِنَ الهُدى حَتّى أكُونَ مِن عِدادِهِمْ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم كَذَلِكَ.(p-165)
6:57–58Page 134
قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ ٥٧
Say, "Indeed, I am on clear evidence from my Lord, and you have denied it. I do not have that for which you are impatient.1 The decision is only for Allāh. He relates the truth, and He is the best of deciders."
قُل لَّوۡ أَنَّ عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۗ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٥٨
Say, "If I had that for which you are impatient, the matter would have been decided between me and you, but Allāh is most knowing of the wrongdoers."
﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ بَعْدَ ما بَيَّنَ ما لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ. والبَيِّنَةُ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ الَّتِي تَفْصِلُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ وقِيلَ المُرادُ بِها القُرْآنُ والوَحْيُ، أوِ الحُجَجُ العَقْلِيَّةُ أوْ ما يَعُمُّها. ﴿مِن رَبِّي﴾ مِن مَعْرِفَتِهِ وأنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِبَيِّنَةٌ. ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِرَبِّي أيْ كَذَّبْتُمْ بِهِ حَيْثُ أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ، أوْ لِلْبَيِّنَةِ بِاعْتِبارِ المَعْنى. ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي العَذابَ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ بِقَوْلِهِمْ:
﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ في تَعْجِيلِ العَذابِ وتَأْخِيرِهِ.
يَقْضِي بِالحَقِّ أيِ القَضاءَ الحَقَّ، أوْ يَصْنَعُ الحَقَّ ويُدَبِّرُهُ مِن قَوْلِهِمْ قَضى الدِّرْعَ إذا صَنَعَها، فِيما يَقْضِي مِن تَعْجِيلٍ وتَأْخِيرٍ وأصْلُ القَضاءِ الفَصْلُ بِتَمامِ الأمْرِ، وأصْلُ الحُكْمِ المَنعُ فَكَأنَّهُ مَنَعَ الباطِلَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ ﴿يَقُصُّ﴾ مِن قَصَّ الأثَرَ، أوْ مِن قَصَّ الخَبَرَ. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ القاضِينَ.
﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾ أيْ في قُدْرَتِي ومُكْنَتِي. ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ مِنَ العَذابِ. ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ لَأهْلَكْتُكم عاجِلًا غَضَبًا لِرَبِّي، وانْقَطَعَ ما بَيْنِي وبَيْنَكم. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قالَ: ولَكِنَّ الأمْرَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أعْلَمُ بِمَن يَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ وبِمَن يَنْبَغِي أنْ يُمْهَلَ مِنهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences