Al-BaydawiAl‑An'am · 6:90–108

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:90–108

6:90Page 138

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ ٩٠

Those are the ones whom Allāh has guided, so from their guidance take an example. Say, "I ask of you for it [i.e., this message] no payment. It is not but a reminder for the worlds."

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ يُرِيدُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم. ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فاخْتَصَّ طَرِيقَهم بِالِاقْتِداءِ والمُرادُ بِهُداهم ما تَوافَقُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الدِّينِ دُونَ الفُرُوعِ المُخْتَلَفِ فِيها، فَإنَّها لَيْسَتْ هُدًى مُضافًا إلى الكُلِّ ولا يُمْكِنُ التَّأسِّي بِهِمْ جَمِيعًا. فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، والهاءُ في اقْتَدِهْ لِلْوَقْفِ ومَن أثْبَتَها في الدَّرْجِ ساكِنَةً كابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، ويَحْذِفُ الهاءَ في الوَصْلِ خاصَّةً حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأشْبَعَها بِالكَسْرِ ابْنُ (p-172)عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ عَلى أنَّها كِنايَةُ المَصْدَرِ وكَسْرُها بِغَيْرِ إشْباعٍ بِرِوايَةِ هِشامٍ. ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى التَّبْلِيغِ أوِ القُرْآنِ. ﴿أجْرًا﴾ جُعْلًا مِن جِهَتِكم كَما لَمْ يَسْألْ مَن قَبْلِي مِنً النَّبِيِّينَ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ فِيهِ. ﴿إنْ هُوَ﴾ أيِ التَّبْلِيغُ أوِ القُرْآنُ أوِ الغَرَضُ. ﴿إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ إلّا تَذْكِيرًا ومَوْعِظَةً لَهم.

6:91Page 139

وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ إِذۡ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٖ مِّن شَيۡءٖۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنتُمۡ وَلَآ ءَابَآؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِي خَوۡضِهِمۡ يَلۡعَبُونَ ٩١

And they did not appraise Allāh with true appraisal1 when they said, "Allāh did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you2 were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allāh [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.

﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ في الرَّحْمَةِ والإنْعامِ عَلى العِبادِ. ﴿إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ حِينَ أنْكَرُوا الوَحْيَ وبِعْثَةَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ مِن عَظائِمِ رَحْمَتِهِ وجَلائِلِ نِعْمَتِهِ أوْ في السُّخْطِ عَلى الكُفّارِ وشِدَّةِ البَطْشِ بِهِمْ حِينَ جَسَرُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، والقائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ قالُوا ذَلِكَ مُبالَغَةً في إنْكارِ إنْزالِ القُرْآنِ بِدَلِيلِ نَقْضِ كَلامِهِمْ، وإلْزامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ﴾ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ بِالتّاءِ وإنَّما قَرَأ بِالياءِ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو حَمْلًا عَلى قالُوا وما قَدَرُوا، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ تَوْبِيخَهم عَلى سُوءِ جَهْلِهِمْ بِالتَّوْراةِ وذَمِّهِمْ عَلى تَجْزِئَتِها بِإبْداءِ بَعْضٍ انْتَخَبُوهُ وكَتَبُوهُ في ورَقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وإخْفاءِ بَعْضٍ لا يَشْتَهُونَهُ.

وَرُوِيَ «أنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ قالَهُ لَمّا أغْضَبَهُ الرَّسُولُ ﷺ بِقَوْلِهِ: أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَجِدُ فِيها أنَّ اللَّهَ يَبْغُضُ الحَبْرَ السَّمِينَ قالَ: نَعَمْ إنَّ اللَّهَ يَبْغُضُ الحَبْرَ السَّمِينَ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَأنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ.»

وَقِيلَ هُمُ المُشْرِكُونَ وإلْزامُهم بِإنْزالِ التَّوْراةِ لِأنَّهُ كانَ مِنَ المَشْهُوراتِ الذّائِعَةِ عِنْدَهم ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم وعُلِّمْتُمْ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ زِيادَةً عَلى ما في التَّوْراةِ وبَيانًا لِما التَبَسَ عَلَيْكم وعَلى آبائِكُمُ الَّذِينَ كانُوا أعْلَمَ مِنكم ونَظِيرُهُ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وقِيلَ الخِطابُ لِمَن آمَنَ مِن قُرَيْشٍ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ، أوِ اللَّهُ أنْزَلَهُ. أمَرَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم إشْعارًا بِأنَّ الجَوابَ مُتَعَيِّنٌ لا يُمْكِنُ غَيْرُهُ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم بُهِتُوا بِحَيْثُ إنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الجَوابِ. ﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ﴾ في أباطِيلِهِمْ فَلا عَلَيْكَ بَعْدَ التَّبْلِيغِ وإلْزامِ الحُجَّةِ. ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حالٌ مِن هُمُ الأوَّلُ، والظَّرْفُ صِلَةُ ذَرْهم أوْ يَلْعَبُونَ أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، أوْ فاعِلُ يَلْعَبُونَ أوْ مِن هُمُ الثّانِي والظَّرْفُ مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ.

6:92Page 139

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩٢

And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities [i.e., Makkah] and those around it.1 Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.

﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ كَثِيرُ الفائِدَةِ والنَّفْعِ. ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ أوِ الكُتُبَ الَّتِي قَبْلَهُ. ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ عَطْفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مُبارَكٌ أيْ لِلْبَرَكاتِ ولِتُنْذِرَ أوْ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ ولِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى أنْزَلْناهُ، وإنَّما سُمِّيَتْ مَكَّةُ بِذَلِكَ لِأنَّها قِبْلَةُ أهْلِ القُرى ومَحَجُّهم ومُجْتَمَعُهم وأعْظَمُ القُرى شَأْنًا.

وَقِيلَ لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها، أوْ لِأنَّها مَكانُ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ أيْ ولِيُنْذِرَ، الكِتابُ. ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ أهْلُ الشَّرْقِ والغَرْبِ. ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ فَإنَّ مِن صَدَّقَ بِالآخِرَةِ خافَ العاقِبَةَ ولا يَزالُ الخَوْفُ يَحْمِلُهُ عَلى النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ حَتّى يُؤْمِنَ بِالنَّبِيِّ والكِتابِ، والضَّمِيرُ يَحْتَمِلُهُما ويُحافِظُ عَلى الطّاعَةِ وتَخْصِيصِ الصَّلاةِ لِأنَّها عِمادُ الدِّينِ وعَلَمُ الإيمانِ.

6:93Page 139

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٩٣

And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allāh revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands,1 [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allāh other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."

(p-173)﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَزَعَمَ أنَّهُ بَعَثَهُ نَبِيًّا كَمُسَيْلِمَةَ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ، أوِ اخْتَلَقَ عَلَيْهِ أحْكامًا كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ ومُتابِعِيهِ. ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ « (كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ تَعَجُّبًا مِن تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اكْتُبْها فَكَذَلِكَ نَزَلَتْ، فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ كَما أُوحِيَ إلَيْهِ ولَئِنْ كانَ كاذِبًا لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ» .

﴿وَمَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ كالَّذِينَ قالُوا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا. ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ﴾ حَذَفَ مَفْعُولَهُ لِدَلالَةِ الظَّرْفِ عَلَيْهِ أيْ ولَوْ تَرى الظّالِمِينَ. ﴿فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾ شَدائِدِهِ مِن غَمَرَهُ الماءُ إذا غَشِيَهُ. ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ يَقْبِضُ أرْواحَهم كالمُتَقاضِي المُلِظِّ أوْ بِالعَذابِ. ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ أيْ يَقُولُونَ لَهم أخْرِجُوها إلَيْنا مِن أجْسادِكم تَغْلِيظًا وتَعْنِيفًا عَلَيْهِمْ، أوْ أخْرِجُوها مِنَ العَذابِ وخَلِّصُوها مِن أيْدِينا. ﴿اليَوْمَ﴾ يُرِيدُونَ وقْتَ الإماتَةِ، أوِ الوَقْتَ المُمْتَدَّ مِنَ الإماتَةِ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ.

﴿تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ الهَوانِ يُرِيدُونَ العَذابَ المُتَضَمِّنَ لِشِدَّةٍ وإهانَةٍ، فَإضافَتُهُ إلى الهَوْنِ لِعَراقَتِهِ وتَمَكُّنِهِ فِيهِ. ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ كادِّعاءِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ لَهُ ودَعْوى النُّبُوَّةِ والوَحْيِ كاذِبًا. ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ فَلا تَتَأمَّلُونَ فِيها ولا تُؤْمِنُونَ.

6:94Page 139

وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٩٤

[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone [i.e., individually] as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allāh]. It has [all] been severed between you,1 and lost from you is what you used to claim."

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ. ﴿فُرادى﴾ مُنْفَرِدِينَ عَنِ الأمْوالِ والأوْلادِ وسائِرِ ما آثَرْتُمُوهُ مِنَ الدُّنْيا، أوْ عَنِ الأعْوانِ والأوْثانِ الَّتِي زَعَمْتُمْ أنَّها شُفَعاؤُكُمْ، وهو جَمْعُ فَرْدٍ والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ كَكُسالى. وقُرِئَ «فِرادَ» كَرِخالٍ و «فَرادٍ» كَثَلاثٍ و «فَرْدى» كَسَكْرى. ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أيْ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي وُلِدْتُمْ عَلَيْها في الِانْفِرادِ، أوْ حالٌ ثانِيَةٌ إنْ جُوِّزَ التَّعَدُّدُ فِيها، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في فُرادى أيْ مُشْبِهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِكم عُراةً حُفاةً غُرْلًا بُهْمًا، أوْ صِفَةُ مَصْدَرِ جِئْتُمُونا أيْ مَجِيئِنا كَما خَلَقْناكم. ﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ ما تَفَضَّلْنا بِهِ عَلَيْكم في الدُّنْيا فَشُغِلْتُمْ بِهِ عَنِ الآخِرَةِ. ﴿وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ما قَدَّمْتُمْ مِنهُ شَيْئًا ولَمْ تَحْتَمِلُوا نَقِيرًا.

﴿وَما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ أيْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في رُبُوبِيَّتِكم واسْتِحْقاقِ عِبادَتِكم.

﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ تَقَطَّعَ وصْلُكم وتَشَتَّتَ جَمْعُكُمْ، والبَيْنُ مِنَ الأضْدادِ يُسْتَعْمَلُ لِلْوَصْلِ والفَصْلِ. وقِيلَ هو الظَّرْفُ أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ اتِّساعًا والمَعْنى: وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمْ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ نافِعٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ الفاعِلِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أوْ أُقِيمَ مَقامَ مَوْصُوفِهِ وأصْلُهُ لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكم وقَدْ قُرِئَ بِهِ. ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ ضاعَ وبَطَلَ. ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنَّها شُفَعاؤُكم أوْ أنْ لا بَعْثَ ولا جَزاءَ.

6:95Page 140

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٩٥

Indeed, Allāh is the cleaver of grain and date seeds.1 He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allāh; so how are you deluded?

﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ بِالنَّباتِ والشَّجَرِ. وقِيلَ المُرادُ بِهِ الشِّقاقُ الَّذِي في الحِنْطَةِ والنَّواةِ. ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ﴾ يُرِيدُ بِهِ ما يَنْمُو مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ لِيُطابِقَ ما قَبْلَهُ. ﴿مِنَ المَيِّتِ﴾ مِمّا لا يَنْمُو كالنُّطَفِ والحَبِّ.

﴿وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ ومُخْرِجُ ذَلِكَ مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ، ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الِاسْمِ حَمْلًا عَلى فالِقِ الحَبِّ فَإنَّ (p-174)قَوْلَهُ: يُخْرِجُ الحَيَّ واقِعٌ مَوْقِعَ البَيانِ لَهُ. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ ذَلِكُمُ المُحْيِي المُمِيتُ هو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.

﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ تُصْرَفُونَ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ.

6:96Page 140

فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٩٦

[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ شاقُّ عَمُودِ الصُّبْحِ عَنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ أوْ عَنْ بَياضِ النَّهارِ، أوْ شاقُّ ظُلْمَةِ الإصْباحِ وهو الغَبْشُ الَّذِي يَلِيهِ والإصْباحُ في الأصْلِ مَصْدَرُ أصْبَحَ إذا دَخَلَ في الصَّباحِ سُمِّيَ بِهِ الصُّبْحُ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى الجَمْعِ وقُرِئَ «فالِقٌ الإصْباحَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ يَسْكُنُ إلَيْهِ التَّعِبُ بِالنَّهارِ لِاسْتِراحَتِهِ فِيهِ مِن سَكَنَ إلَيْهِ إذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ اسْتِئْناسًا بِهِ، أوْ يَسْكُنُ فِيهِ الخَلْقُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ ونَصْبُهُ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ جاعِلُ لا بِهِ، فَإنَّ في مَعْنى الماضِيَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ وجَعَلَ اللَّيْلَ حَمْلًا عَلى مَعْنى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإنَّ فالِقَ بِمَعْنى فَلَقَ ولِذَلِكَ قُرِئَ بِهِ، أوْ بِهِ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ جُعِلَ مُسْتَمِرًّا في الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ اللَّيْلِ ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَتُهُما بِالجَرِّ والأحْسَنُ نَصْبُهُما بِجُعِلَ مُقَدَّرًا. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ مَجْعُولانِ. ﴿حُسْبانًا﴾ أيْ عَلى أدْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ يُحْسَبُ بِهِما الأوْقاتِ ويُكَوِّنانِ عِلْمَيِ الحُسْبانِ، وهو مَصْدَرُ حَسَبَ بِالفَتْحِ كَما أنَّ الحِسْبانَ بِالكَسْرِ مَصْدَرُ حَسِبَ. وقِيلَ جَمْعُ حِسابٍ كَشِهابٍ وشُهْبانٍ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى جَعْلِهِما حُسْبانًا أيْ ذَلِكَ التَّسْيِيرُ بِالحِسابِ المَعْلُومِ. ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ الَّذِي قَهَرَهُما وسَيَّرَهُما عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ. ﴿العَلِيمِ﴾ بِتَدْبِيرِهِما والأنْفَعِ مِنَ التَّداوِيرِ المُمْكِنَةِ لَهُما.

6:97–98Page 140

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٩٧

And it is He who placed for you the stars that you may be guided by them through the darknesses of the land and sea. We have detailed the signs for a people who know.

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ ٩٨

And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage.1 We have detailed the signs for a people who understand.

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ خَلَقَها لَكم. ﴿لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ في ظُلُماتِ اللَّيْلِ في البَرِّ والبَحْرِ، وإضافَتُها إلَيْهِما لِلْمُلابَسَةِ أوْ في مُشْتَبِهاتِ الطُّرُقِ وسَمّاها ظُلُماتٍ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وهو إفْرادٌ لِبَعْضِ مَنافِعِها بِالذِّكْرِ بَعْدَ ما أجْمَلَها بِقَوْلِهِ لَكم. ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ بَيَّنّاها فَصْلًا فَصْلًا. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هو آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ أيْ فَلَكُمُ اسْتِقْرارٌ في الأصْلابِ، أوْ فَوْقَ الأرْضِ واسْتِيداعٌ في الأرْحامِ، أوْ تَحْتَ الأرْضِ أوْ مَوْضِعِ اسْتِقْرارٍ واسْتِيداعٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والبَصْرِيّانِ بِكَسْرِ القافِ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ، والمُسْتَوْدَعُ اسْمُ مَفْعُولٍ أيْ فَمِنكم قارٌّ ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ، لِأنَّ الِاسْتِقْرارَ مِنّا دُونَ الِاسْتِيداعِ. ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ذُكِرَ مَعَ ذِكْرِ النُّجُومِ يَعْلَمُونَ لِأنَّ أمْرَها ظاهِرٌ، ومَعَ ذِكْرِ تَخْلِيقِ بَنِي آدَمَ يَفْقَهُونَ لِأنَّ إنْشاءَهم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَصْرِيفُهم بَيْنَ أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ دَقِيقٌ غامِضٌ يَحْتاجُ إلى اسْتِعْمالِ فِطْنَةٍ وتَدْقِيقِ نَظَرٍ.

6:99Page 140

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٩٩

And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.

﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ مِنَ السَّحابِ أوْ مِن جانِبِ السَّماءِ. ﴿فَأخْرَجْنا﴾ عَلى تَلْوِينِ الخِطابِ.

﴿بِهِ﴾ بِالماءِ ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ نَبَتَ كُلُّ صِنْفٍ مِنَ النَّباتِ والمَعْنى: إظْهارُ القُدْرَةِ في إنْباتِ الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ المُفَنَّنَةِ بِماءٍ واحِدٍ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ (p-175)﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ﴾ مِنَ النَّباتِ أوِ الماءِ. ﴿خَضِرًا﴾ شَيْئًا أخْضَرَ يُقالُ أخْضَرَ كَأعْوَرَ وعَوَرٌ، وهو الخارِجُ مِنَ الحَبَّةِ المُتَشَعِّبِ. ﴿نُخْرِجُ مِنهُ﴾ مِنَ الخَضِرِ. ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ وهو السُّنْبُلُ. ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ﴾ أيْ وأخْرَجْنا مِنَ النَّخْلِ نَخْلًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ، أوْ مِنَ النَّخْلِ شَيْءٌ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنِ النَّخْلِ خَبَرَ قِنْوانٍ ومَن طَلْعِها بَدَلٌ مِنهُ والمَعْنى: وحاصِلَةٌ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ وهو الأعْذاقُ جَمْعُ قِنْوٍ كَصِنْوانٍ جَمْعُ صِنْوٍ. وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ كَذِئْبٍ وذُؤْبانٍ وبِفَتْحِها عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ إذْ لَيْسَ فِعْلانُ مِن أبْنِيَةِ الجَمْعِ. ﴿دانِيَةٌ﴾ قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَناوَلِ، أوْ مُلْتَفَّةٌ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِها عَنْ مُقابِلِها لِدَلالَتِها عَلَيْهِ وزِيادَةِ النِّعْمَةِ فِيها. ﴿وَجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ عُطِفَ عَلى نَباتِ كُلِّ شَيْءٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ ولَكم أوْ ثُمَّ جَنّاتٌ أوْ مِنَ الكَرْمِ جَنّاتٌ، ولا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى قِنْوانٌ إذِ العِنَبُ لا يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ. ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ أيْضًا عَطْفٌ عَلى نَباتٍ أوْ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لِعِزَّةِ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ عِنْدَهم. ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ حالٌ مِنَ الرُّمّانِ، أوْ مِنَ الجَمِيعِ أيْ بَعْضُ ذَلِكَ مُتَشابِهٌ وبَعْضُهُ غَيْرُ مُتَشابِهٍ في الهَيْئَةِ والقَدَرِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ. ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ﴾ أيْ ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ، وهو جَمْعُ ثَمَرَةٍ كَخَشَبَةٍ وخَشَبٍ، أوْ ثِمارٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ. ﴿إذا أثْمَرَ﴾ إذا أخْرَجَ ثَمَرَهُ كَيْفَ يُثْمِرُ ضَئِيلًا لا يَكادُ يَنْتَفِعُ بِهِ.

﴿وَيَنْعِهِ﴾ وإلى حالِ نُضْجِهِ أوْ إلى نَضِيجَةٍ كَيْفَ يَعُودُ ضَخْمًا ذا نَفْعٍ ولَذَّةٍ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ يَنِعَتِ الثَّمَرُ إذا أدْرَكَتْ. وقِيلَ جَمْعُ يانِعٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ. وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو لُغَةٌ فِيهِ ويانِعُهُ. ﴿إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لَآياتٍ دالَّةً عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ وتَوْحِيدِهِ، فَإنَّ حُدُوثَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ والأنْواعِ المُفَنِّنَةِ مِن أصْلٍ واحِدٍ ونَقْلُها مِن حالٍ إلى حالٍ لا يَكُونُ إلّا بِإحْداثِ قادِرٍ يَعْلَمُ تَفاصِيلَها، ويُرَجِّحُ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ مِمّا يُمَكِّنُ مِن أحْوالِها ولا يَعُوقُهُ عَنْ فِعْلِهِ نِدٌّ يُعارِضُهُ أوْ ضِدٌّ يُعانِدُهُ، ولِذَلِكَ عَقَبَهُ بِتَوْبِيخِ مَن أشْرَكَ بِهِ والرَّدَّ عَلَيْهِ فَقالَ.

6:100Page 140

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ١٠٠

But they have attributed to Allāh partners - the jinn, while He has created them - and have fabricated for Him sons and daughters without knowledge. Exalted is He and high above what they describe.

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ أيِ المَلائِكَةَ بِأنْ عَبَدُوهم وقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وسَمّاهم جِنًّا لِاجْتِنانِهِمْ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ، أوِ الشَّياطِينِ لِأنَّهم أطاعُوهم كَما يُطاعُ اللَّهُ تَعالى، أوْ عَبَدُوا الأوْثانَ بِتَسْوِيلِهِمْ وتَحْرِيضِهِمْ، أوْ قالُوا اللَّهُ خالِقُ الخَيْرِ وكُلِّ نافِعٍ، والشَّيْطانُ خالِقُ الشَّرِّ وكُلِّ ضارٍّ كَما هو رَأْيُ الثَّنَوِيَّةُ.

وَمَفْعُولا جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ والجِنَّ بَدَلٌ مِن شُرَكاءَ أوْ شُرَكاءَ الجِنَّ ولِلَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِ شُرَكاءَ، أوْ حالٌ مِنهُ وقُرِئَ الجِنُّ بِالرَّفْعِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم فَقِيلَ الجِنُّ، والجِنِّ بِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ لِلتَّبْيِينِ. ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، والمَعْنى وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ خالِقُهم دُونَ الجِنِّ ولَيْسَ مَن يَخْلُقُ كَمَنَ لا يَخْلُقُ. وقُرِئَ وخَلَقَهم عَطْفًا عَلى الجِنَّ أيْ وما يَخْلُقُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، أوْ عَلى شُرَكاءَ أيْ وجَعَلُوا لَهُ اخْتِلافَهم لِلْإفْكِ حَيْثُ نَسَبُوهُ إلَيْهِ. ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾ افْتَعَلُوا وافْتَرَوْا لَهُ. وقَرَأ نافِعٌ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ لِلتَّكْثِيرِ. وقُرِئَ «وَحَرَّفُوا» أيْ وزَوَّرُوا. ﴿بَنِينَ وبَناتٍ﴾ فَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ العَرَبُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما قالُوهُ ويَرَوْا عَلَيْهِ دَلِيلًا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الواوِ، أوِ المَصْدَرِ أيْ خَرْقًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ وهو أنَّ لَهُ شَرِيكًا أوْ ولَدًا.

6:101Page 140

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٠١

[He is] Originator of the heavens and the earth. How could He have a son when He does not have a companion [i.e., wife] and He created all things? And He is, of all things, Knowing.

(p-176)﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى فاعِلِها، أوْ إلى الظَّرْفِ كَقَوْلِهِمْ: ثَبَتَ الغَدْرُ بِمَعْنى أنَّهُ عَدِيمُ النَّظِيرِ فِيهِما، وقِيلَ مَعْناهُ المُبْدِعُ وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ، ورَفْعُهُ عَلى الخَبَرِ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ. ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ أيْ مِن أيْنَ أوْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ. ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ يَكُونُ مِنها الوَلَدُ. وقُرِئَ بِالياءِ لِلْفَصْلِ أوْ لِأنَّ الِاسْمَ ضَمِيرُ اللَّهِ أوْ ضَمِيرُ الشَّأْنِ. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ بِهِ لِتَطَرُّقِ التَّخْصِيصِ إلى الأوَّلِ، وفي الآيَةِ اسْتِدْلالٌ عَلى نَفْيِ الوَلَدِ مِن وُجُوهٍ: (الأوَّلُ أنَّهُ مِن مُبْدِعاتِهِ السَّمَواتُ والأرَضُونَ، وهي مَعَ أنَّها مِن جِنْسِ ما يُوصَفُ بِالوِلادَةِ مُبَرَّأةٌ عَنْها لِاسْتِمْرارِها وطُولِ مُدَّتِها فَهو أوْلى بِأنْ يَتَعالى عَنْها، أوْ أنَّ ولَدَ الشَّيْءِ نَظِيرُهُ ولا نَظِيرَ لَهُ فَلا ولَدَ.

(والثّانِي أنَّ المَعْقُولَ مِنَ الوَلَدِ ما يَتَوَلَّدُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى مُتَجانِسَيْنِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المُجانَسَةِ).

(والثّالِثُ أنَّ الوَلَدَ كُفُؤُ الوالِدِ ولا كُفُؤَ لَهُ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ كُلَّ ما عَداهُ مَخْلُوقُهُ فَلا يُكافِئُهُ. والثّانِي أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِذاتِهِ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ولا كَذَلِكَ غَيْرُهُ بِالإجْماعِ).

6:102–103Page 141

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ١٠٢

That is Allāh, your Lord; there is no deity except Him, the Creator of all things, so worship Him. And He is Disposer of all things.

لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٠٣

Vision perceives Him not,1 but He perceives [all] vision; and He is the Subtle,2 the Aware.3

﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِ بِما سَبَقَ مِنَ الصِّفاتِ وهو مُبْتَدَأٌ. ﴿اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَعْضُ بَدَلًا أوْ صِفَةً والبَعْضُ خَبَرًا. ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ حُكْمُ مُسَبِّبٍ عَنْ مَضْمُونِها فَإنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ اسْتَحَقَّ العِبادَةَ. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ أيْ وهو مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ مُتَوَلِّي أُمُورِكم فَكُلُوها إلَيْهِ وتَوَسَّلُوا بِعِبادَتِهِ إلى إنْجاحِ مَآرِبِكم ورَقِيبٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها.

﴿لا تُدْرِكُهُ﴾ أيْ لا تُحِيطُ بِهِ. ﴿الأبْصارُ﴾ جَمْعُ بَصَرٍ وهي حاسَّةُ النَّظَرِ وقَدْ يُقالُ لِلْعَيْنِ مِن حَيْثُ إنَّها مَحَلُّها واسْتَدَلَّ بِهِ المُعْتَزِلَةُ عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ وهو ضَعِيفٌ، إذْ لَيْسَ الإدْراكُ مُطْلَقَ الرُّؤْيَةِ ولا النَّفْيُ في الآيَةِ عامًّا في الأوْقاتِ فَلَعَلَّهُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الحالاتِ ولا في الأشْخاصِ، فَإنَّهُ في قُوَّةِ قَوْلِنا لا كُلَّ بَصَرٍ يُدْرِكُهُ مَعَ أنَّ النَّفْيَ لا يُوجِبُ الِامْتِناعَ.﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ يُحِيطُ عِلْمُهُ بِها. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ فَيُدْرِكُ ما لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ كالأبْصارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ اللَّفِّ أيْ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ لِأنَّهُ اللَّطِيفُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ لِأنَّهُ الخَبِيرُ، فَيَكُونُ اللَّطِيفُ مُسْتَعارًا مِن مُقابِلِ الكَثِيفِ لِما لا يُدْرَكُ بِالحاسَّةِ ولا يَنْطَبِعُ فِيها.

6:104–105Page 141

قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ١٠٤

There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."1

وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسۡتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١٠٥

And thus do We diversify the verses so they [i.e., the disbelievers] will say, "You have studied,"1 and so We may make it [i.e., the Qur’ān] clear for a people who know.

﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ البَصائِرُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ وهي لِلنَّفْسِ كالبَصَرِ لِلْبَدَنِ، سُمِّيَتْ بِها الدَّلالَةُ لِأنَّها تُجْلِي لَها الحَقَّ وتُبَصِّرُها بِهِ. ﴿فَمَن أبْصَرَ﴾ أيْ أبْصَرَ الحَقَّ وآمَنَ بِهِ. ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أبْصَرَ لِأنَّ نَفْسَهُ لَها. ﴿وَمَن عَمِيَ﴾ عَنِ الحَقِّ وضَلَّ. ﴿فَعَلَيْها﴾ وبالُهُ. ﴿وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ وإنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الحَفِيظُ عَلَيْكم يَحْفَظُ أعْمالَكم ويُجازِيكم عَلَيْها، وهَذا كَلامٌ ورَدَ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ، وهو إجْراءُ المَعْنى الدّائِرِ في المَعانِي المُتَعاقِبَةِ مِنَ الصَّرْفِ، وهو نَقْلُ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ. ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ أيْ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرْفَنا واللّامُ لامُ العاقِبَةِ، والدَّرْسُ القِراءَةُ والتَّعْلِيمُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو دارَسَتْ أيْ دارَسَتْ أهْلَ الكِتابِ وذاكَرَتْهُمْ، وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ دَرَسَتْ مِنَ الدُّرُوسِ أيْ قَدُمَتْ هَذِهِ الآياتُ وعَفَتْ كَقَوْلِهِمْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ. وقُرِئَ «دَرُسَتْ» بِضَمِّ الرّاءِ مُبالَغَةً في دُرِسَتْ ودُرِسَتْ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى قُرِئَتْ، أوْ عُفِيَتْ ودارَسَتْ بِمَعْنى دَرَسَتْ أوْ دارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا ﷺ، وجازَ إضْمارُهم بِلا ذِكْرٍ لِشُهْرَتِهِمْ بِالدِّراسَةِ، ودَرَسْنَ أيْ عَفَوْنَ ودَرَسَ (p-177)أيْ دَرَسَ مُحَمَّدٌ ﷺ ودِراساتٌ أيْ قَدِيماتٌ أوْ ذَواتُ دَرْسٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ اللّامُ عَلى أصْلِهِ لِأنَّ التَّبْيِينَ مَقْصُودُ التَّصْرِيفِ والضَّمِيرُ لِلْآياتِ بِاعْتِبارِ المَعْنى، أوْ لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أوْ لِلْمَصْدَرِ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهم المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

6:106–107Page 141

ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٦

Follow, [O Muḥammad], what has been revealed to you from your Lord - there is no deity except Him - and turn away from those who associate others with Allāh.

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ١٠٧

But if Allāh had willed, they would not have associated. And We have not appointed you over them as a guardian, nor are you a manager over them.1

﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ بِالتَّدَيُّنِ بِهِ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اعْتِراضٌ أُكِّدَ بِهِ إيجابُ الِاتِّباعِ، أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن رَبِّكَ بِمَعْنى مُنْفَرِدًا في الأُلُوهِيَّةِ. ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ولا تَحْتَفِلْ بِأقْوالِهِمْ ولا تَلْتَفِتْ إلى آرائِهِمْ، ومَن جَعَلَهُ مَنسُوخًا بِآيَةِ السَّيْفِ حَمَلَ الإعْراضَ عَلى ما يَعُمُّ الكَفَّ عَنْهم.

﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ تَوْحِيدَهم وعَدَمَ إشْراكِهِمْ. ﴿ما أشْرَكُوا﴾ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُرِيدُ إيمانَ الكافِرِينَ وأنَّ مُرادَهُ واجِبُ الوُقُوعِ. ﴿وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ رَقِيبًا. ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ تَقُومُ بِأُمُورِهِمْ.

6:108Page 141

وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٠٨

And do not insult those they invoke other than Allāh, lest they insult Allāh in enmity without knowledge. Thus We have made pleasing to every community their deeds. Then to their Lord is their return, and He will inform them about what they used to do.

﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ ولا تَذْكُرُوا آلِهَتَهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها بِما فِيها مِنَ القَبائِحِ.

﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ تَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ عَلى جَهالَةٍ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبِما يَجِبُ أنْ يُذْكَرَ بِهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ عَدْوًا يُقالُ عَدا فُلانٌ عَدْوًا وعُدُوًّا وعَداءً وعُدْوانًا.

رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَطْعَنُ في آلِهَتِهِمْ فَقالُوا لِتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنا أوْ لِنَهْجُوَنَّ إلَهَكَ، فَنَزَلَتْ.»

وَقِيلَ كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَها فَنُهُوا لِئَلّا يَكُونَ سَبُّهم سَبَبًا لِسَبِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الطّاعَةَ إذا أدَّتْ إلى مَعْصِيَةٍ راجِحَةٍ وجَبَ تَرْكُها فَإنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشَّرِّ شَرٌّ. ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بِإحْداثِ ما يُمَكِّنُهم مِنهُ ويَحْمِلُهم عَلَيْهِ تَوْفِيقًا وتَخْذِيلًا، ويَجُوزُ تَخْصِيصُ العَمَلِ بِالشَّرِّ وكُلِّ أُمَّةٍ بِالكَفَرَةِ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، والمُشَبَّهُ بِهِ تَزْيِينُ سَبِّ اللَّهِ لَهم. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِالمُحاسَبَةِ والمُجازاتِ عَلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском