Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
الأنفال
Al-Anfal
The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs
8:1Page 177
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١
They ask you, [O Muḥammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allāh and the Messenger." So fear Allāh and amend that which is between you and obey Allāh and His Messenger, if you should be believers.
(p-49)سُورَةُ الأنْفالِ مَدَنِيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وسَبْعُونَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ أيِ الغَنائِمِ يَعْنِي حُكْمَها، وإنَّما سُمِّيَتِ الغَنِيمَةُ نَفْلًا لِأنَّها عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٌ كَما سُمِّيَ بِهِ ما يَشْرُطُهُ الإمامُ لِمُقْتَحِمِ خَطَرٍ عَطِيَّةً لَهُ وزِيادَةً عَلى سَهْمِهِ. ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ أيْ أمْرُها مُخْتَصٌّ بِهِما يُقَسِّمُها الرَّسُولُ عَلى ما يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِهِ. وسَبَبُ نُزُولِهِ اخْتِلافُ المُسْلِمِينَ في غَنائِمِ بَدْرٍ أنَّها كَيْفَ تُقَسَّمُ ومَن يُقَسِّمُ المُهاجِرُونَ مِنهم أوِ الأنْصارُ. وقِيلَ شَرَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَن كانَ لَهُ غَناءٌ أنْ يَنْفُلَهُ، فَتَسارَعَ شُبّانُهم حَتّى قَتَلُوا سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ ثُمَّ طَلَبُوا نَفْلَهم. وكانَ المالُ قَلِيلًا. فَقالَ الشُّيُوخُ والوُجُوهُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَ الرّاياتِ: كُنّا رِدْءًا لَكم وفِئَةً تَنْحازُونَ إلَيْنا، فَنَزَلَتْ فَقَسَّمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهم عَلى السَّواءِ، ولِهَذا قِيلَ: لا يَلْزَمُ الإمامُ أنْ يَفِيَ بِما وعَدَ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ قُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ فَقَتَلْتُ بِهِ سَعِيدَ بْنَ العاصِ وأخَذْتُ سَيْفَهُ، فَأتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ واسْتَوْهَبْتُهُ مِنهُ فَقالَ: لَيْسَ هَذا لِي ولا لَكَ اطْرَحْهُ في القَبْضِ فَطَرَحْتُهُ، وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلَبِي فَما جاوَزْتُ إلّا قَلِيلًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْفالِ، فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتَنِي السَّيْفَ ولَيْسَ لِي وأنَّهُ قَدْ صارَ لِي فاذْهَبْ فَخُذْهُ» .
وَقُرِئَ « يَسْألُونَكَ الأنْفالَ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ والفاءُ حَرَكَتُها عَلى اللّامِ وإدْغامُ نُونٍ عَنْ فِيها، و « يَسْألُونَكَ الأنْفالَ» أيْ يَسْألُكَ الشُّبّانُ ما شَرَطْتَ لَهم. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الِاخْتِلافِ والمُشاجَرَةِ.
﴿وَأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الحالُ الَّتِي بَيْنَكم بِالمُواساةِ والمُساعَدَةِ فِيما رَزَقَكُمُ اللَّهُ وتَسْلِيمِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ.
﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فِيهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، أوْ إنْ كُنْتُمْ كامِلِي الإيمانِ فَإنَّ كَمالَ الإيمانِ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ: طاعَةُ الأوامِرِ، والِاتِّقاءُ عَنِ المَعاصِي، وإصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ.
8:2–4Page 177
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢
The believers are only those who, when Allāh is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -
ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣
The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤
Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الإيمانِ. ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَزِعَتْ لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا مِن جَلالِهِ. وقِيلَ هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ فَيُقالُ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ فَيَنْزِعُ عَنْها خَوْفًا مِن عِقابِهِ. وقُرِئَ « وجَلَتْ» بِالفَتْحِ وهي لُغَةٌ، وفَرَقَتْ أيْ خافَتْ. ﴿وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ لِزِيادَةِ المُؤْمِنِ بِهِ، أوْ لِاطْمِئْنانِ النَّفْسِ ورُسُوخِ اليَقِينِ بِتَظاهُرِ الأدِلَّةِ، أوْ بِالعَمَلِ بِمُوجِبِها وهو قَوْلُ مَن قالَ الإيمانُ يَزِيدُ بِالطّاعَةِ ويَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ بِناءً عَلى أنَّ العَمَلَ داخِلٌ فِيهِ. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ولا يَخْشَوْنَ ولا يَرْجُونَ إلّا إيّاهُ.
(p-50)﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ .
﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لِأنَّهم حَقَّقُوا إيمانَهم بِأنْ ضَمُّوا إلَيْهِ مَكارِمَ أعْمالِ القُلُوبِ مِنَ الخَشْيَةِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ، ومَحاسِنَ أفْعالِ الجَوارِحِ الَّتِي هي العِيارُ عَلَيْها مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، و ﴿حَقًّا﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ كَقَوْلِهِ: «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا» . ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ كَرامَةٌ وعُلُوُّ مَنزِلَةٍ.
وَقِيلَ دَرَجاتُ الجَنَّةِ يَرْتَقُونَها بِأعْمالِهِمْ. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لِما فَرَطَ مِنهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أُعِدَّ لَهم في الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ ولا يَنْتَهِي أمَدُهُ.
8:5Page 177
كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥
[It1 is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,
﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الحالُ في كَراهَتِهِمْ إيّاها كَحالِ إخْراجِكَ لِلْحَرْبِ في كَراهَتِهِمْ لَهُ، وهي كَراهَةُ ما رَأيْتَ مِن تَنْفِيلِ الغُزاةِ. أوْ صِفَةُ مَصْدَرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ أيِ الأنْفالُ ثَبَتَتْ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﷺ مَعَ كَراهَتِهِمْ ثَباتًا مِثْلَ ثَباتِ إخْراجِكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ، يَعْنِي المَدِينَةَ لِأنَّها مُهاجَرُهُ ومَسْكَنُهُ أوْ بَيْتُهُ فِيها مَعَ كَراهَتِهِمْ. ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ أخْرَجَكَ في حالِ كَراهَتِهِمْ، وذَلِكَ «أنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ أقْبَلَتْ مِنَ الشَّأْمِ وفِيها تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا مِنهم أبُو سُفْيانَ وعَمْرُو بْنُ العاصِ ومَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وعَمْرُو بْنُ هِشامٍ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَ المُسْلِمِينَ فَأعْجَبَهم تَلَقِّيها لِكَثْرَةِ المالِ وقِلَّةِ الرِّجالِ، فَلَمّا خَرَجُوا بَلَغَ الخَبَرُ أهْلَ مَكَّةَ، فَنادى أبُو جَهْلٍ فَوْقَ الكَعْبَةِ يا أهْلَ مَكَّةَ النَّجاءَ النَّجاءَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، عِيرُكم أمْوالُكم إنْ أصابَها مُحَمَّدٌ لَنْ تُفْلِحُوا بَعْدَها أبَدًا، وقَدْ رَأتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاثٍ عاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فَأخَذَ صَخْرَةً مِنَ الجَبَلِ ثُمَّ حَلَّقَ بِها فَلَمْ يَبْقَ بَيْتٌ في مَكَّةَ إلّا أصابَهُ شَيْءٌ مِنها، فَحَدَّثَتْ بِها العَبّاسَ وبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ فَقالَ: ما تَرْضى رِجالُهم أنْ يَتَنَبَّؤُوا حَتّى تَتَنَبَّأ نِساؤُهم، فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ بِجَمِيعِ أهْلِ مَكَّةَ ومَضى بِهِمْ إلى بَدْرٍ وهو ماءٌ كانَتِ العَرَبُ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ لِسُوقِهِمْ يَوْمًا في السَّنَةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوادِي ذَفِرانَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَعْدِ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ إمّا العِيرُ وإمّا قُرَيْشٌ، فاسْتَشارَ فِيهِ أصْحابَهُ فَقالَ بَعْضُهم: هَلّا ذَكَرْتَ لَنا القِتالَ حَتّى نَتَأهَّبَ لَهُ إنَّما خَرَجْنا لِلْعِيرِ، فَرَدَّدَ عَلَيْهِمْ وقالَ: إنَّ العِيرَ قَدْ مَضَتْ عَلى ساحِلِ البَحْرِ وهَذا أبُو جَهْلٍ قَدْ أقْبَلَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْكَ بِالعِيرِ ودَعِ العَدُوَّ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقامَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقالا فَأحْسَنا، ثُمَّ قامَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ فَقالَ: انْظُرْ أمْرَكَ فامْضِ فِيهِ فَواللَّهِ لَوْ سِرْتَ إلى عَدَنَ أبْيَنَ ما تَخَلَّفَ عَنْكَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ قالَ مِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو: امْضِ لِما أمَرَكَ اللَّهُ فَأنا مَعَكَ حَيْثُما أحْبَبْتَ، لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى (اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلًا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ) ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: « أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها النّاسُ» وهو يُرِيدُ الأنْصارَ لِأنَّهم كانُوا عَدَدَهم وقَدْ شَرَطُوا حِينَ بايَعُوهُ بِالعَقَبَةِ أنَّهم بُرَآءُ مِن ذِمامِهِ حَتّى يَصِلَ إلى دِيارِهِمْ، فَتَخَوَّفَ أنْ لا يَرَوْا نُصْرَتَهُ إلّا عَلى عَدُوٍّ دَهَمَهُ بِالمَدِينَةِ، فَقامَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ فَقالَ لَكَأنَّكَ تُرِيدُنا يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: أجَلْ، قالَ: قَدْ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ وشَهِدْنا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ هو الحَقُّ وأعْطَيْناكَ عَلى ذَلِكَ عُهُودَنا ومَواثِيقَنا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فامْضِ يا رَسُولَ اللَّهِ لِما أرَدْتَ فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْناهُ مَعَكَ ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ وما نَكْرَهُ أنْ تَلْقى بِنا عَدُوَّنا، وإنّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الحَرْبِ صُدُقٌ عِنْدَ اللِّقاءِ ولَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنّا ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعالى، فَنَشَّطَهُ قَوْلُهُ ثُمَّ قالَ: « سِيرُوا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعالى وأبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مُصارِعِ القَوْمِ» .
وَقِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن بَدْرٍ قِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ بِالعِيرِ فَناداهُ العَبّاسُ وهو في وِثاقِهِ لا يَصْلُحُ فَقالَ لَهُ « لِمَ» فَقالَ: لِأنَّ اللَّهَ وعَدَكَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ وقَدْ أعْطاكَ ما وعَدَكَ، فَكَرِهَ بَعْضُهم قَوْلَهُ.(p-51)
8:6Page 177
يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦
Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.
﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ في إيثارِكَ الجِهادَ بِإظْهارِ الحَقِّ لِإيثارِهِمْ تَلَقِّي العِيرِ عَلَيْهِ. ﴿بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ لَهُمُ أنَّهم يُنْصَرُونَ أيْنَما تَوَجَّهُوا بِإعْلامِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَكْرَهُونَ القِتالَ كَراهَةَ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ وهو يُشاهِدُ أسْبابَهُ، وكانَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وعَدَمِ تَأهُّبِهِمْ إذْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا رَجّالَةً وما كانَ فِيهِمْ إلّا فارِسانِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مُجادَلَتَهم إنَّما كانَتْ لِفَرْطِ فَزَعِهِمْ ورُعْبِهِمْ.
8:7–8Page 177
وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧
[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers
لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨
That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.
﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ عَلى إضْمارِ اذْكُرْ، وإحْدى ثانِي مَفْعُولَيْ يَعِدُكُمُ وقَدْ أُبْدِلَ مِنها ﴿أنَّها لَكُمْ﴾ بَدَلَ الِاشْتِمالِ. ﴿وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ يَعْنِي العِيرَ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا أرْبَعُونَ فارِسًا ولِذَلِكَ يَتَمَنَّوْنَها ويَكْرَهُونَ مُلاقاةَ النَّفِيرِ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وعُدَدِهِمْ والشَّوْكَةُ الحِدَّةُ مُسْتَعارَةٌ مِن واحِدَةِ الشَّوْكِ. ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أيْ يُثْبِتَهُ ويُعْلِيَهِ. ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ المُوحى بِها في هَذِهِ الحالِ، أوْ بِأوامِرِهِ لِلْمَلائِكَةِ بِالإمْدادِ، وقُرِئَ « بِكَلِمَتِهِ» . ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ ويَسْتَأْصِلَهم، والمَعْنى: أنَّكم تُرِيدُونَ أنْ تُصِيبُوا مالًا ولا تَلْقَوْا مَكْرُوهًا، واللَّهُ يُرِيدُ إعْلاءَ الدِّينِ وإظْهارَ الحَقِّ وما يَحْصُلُ لَكم فَوْزُ الدّارَيْنِ.
﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ أيْ فَعَلَ ما فَعَلَ ولَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، لِأنَّ الأوَّلَ لِبَيانِ المُرادِ وما بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِمْ مِنَ التَّفاوُتِ، والثّانِي لِبَيانِ الدّاعِي إلى حَمْلِ الرَّسُولِ عَلى اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ ونَصْرِهِ عَلَيْها. ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ذَلِكَ.
8:9–10Page 178
إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩
[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠
And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن (إذْ يَعِدُكُمُ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾، أوْ عَلى إضْمارِ اذْكُرْ، واسْتَغاثَتُهم أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنْ لا مَحِيصَ عَنِ القِتالِ أخَذُوا يَقُولُونَ: أيْ رَبِّ انْصُرْنا عَلى عَدُوِّكَ أغِثْنا يا غَيّاثَ المُسْتَغِيثِينَ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَظَرَ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفٌ وإلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ومَدَّ يَدَيْهِ يَدْعُو: « اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إنْ تَهْلَكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ» فَما زالَ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ يا نَبِيَّ اللَّهِ: كَفاكَ مُناشَدَتَكَ رَبَّكَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ.»
﴿فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ بِأنِّي مُمِدُّكم، فَحَذَفَ الجارَّ وسَلَّطَ عَلَيْهِ الفِعْلَ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ اسْتَجابَ مَجْرى قالَ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ مِنَ القَوْلِ. ﴿بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ مُتَّبَعِينَ المُؤْمِنِينَ أوْ بَعْضُهم بَعْضًا مِن أرْدَفْتُهُ أنا إذا جِئْتُ بَعْدَهُ، أوْ مُتَّبَعِينَ بَعْضَهم بَعْضَ المُؤْمِنِينَ، أوْ أنْفُسَهُمُ المُؤْمِنِينَ مِن أرْدَفْتُهُ إيّاهُ فَرَدَفَهُ. وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ مُرْدَفِينَ بِفَتْحِ الدّالِّ أيْ مُتَّبَعِينَ أوْ مُتَّبِعِينَ بِمَعْنى أنَّهم كانُوا مُقَدِّمَةَ الجَيْشِ أوْ ساقَتُهم. وقُرِئَ « مُرِدِفِينَ» بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّها وأصْلُهُ مُرْتَدِفَيْنِ بِمَعْنى مُتَرادِفَيْنِ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فالتَقى ساكِنانِ فَحُرِّكَتِ الرّاءُ بِالكَسْرِ عَلى الأصْلِ أوْ بِالضَّمِّ عَلى الِإتْباعِ. وقُرِئَ « بِآلافٍ» لِيُوافِقَ ما في سُورَةِ « آلِ عِمْرانَ»، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَشْهُورِ أنَّ المُرادَ بِالألِفِ الَّذِينَ كانُوا عَلى المُقَدِّمَةِ أوِ السّاقَةِ، أوْ وُجُوهُهم وأعْيانُهم، أوْ مَن قاتَلَ مِنهم واخْتُلِفَ في مُقاتَلَتِهِمْ وقَدْ رُوِيَ أخْبارٌ تَدُلُّ عَلَيْها.
﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيِ الإمْدادُ إلّا بُشْرى إلّا بِشارَةً لَكم بِالنَّصْرِ. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ فَيَزُولُ ما بِها (p-52)مِنَ الوَجَلِ لِقِلَّتِكم وذِلَّتِكم. ﴿وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وإمْدادُ المَلائِكَةِ وكَثْرَةُ العَدَدِ والأُهَبِ ونَحْوُهُما وسائِطُ لا تَأْثِيرَ لَها فَلا تَحْسَبُوا النَّصْرَ مِنها ولا تَيْأسُوا مِنهُ بِفَقْدِها.
8:11Page 178
إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١
[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.
﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ بَدَلٌ ثانٍ مِن (إذْ يَعِدُكُمُ) لِإظْهارِ نِعْمَةٍ ثالِثَةٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّصْرِ أوْ بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِجَعْلِ أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ. وقَرَأ نافِعٌ بِالتَّخْفِيفِ مِن أغْشَيْتَهُ الشَّيْءَ إذا غَشَّيْتَهُ إيّاهُ والفاعِلُ عَلى القِراءَتَيْنِ هو اللَّهُ تَعالى وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو « يَغْشاكُمُ النُّعاسُ» بِالرَّفْعِ. ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ أمْنًا مِنَ اللَّهِ، وهو مَفْعُولٌ لَهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى تَنْعَسُونَ، و « يَغْشاكم» بِمَعْناهُ، والـ ﴿أمَنَةً﴾ فِعْلٌ لِفاعِلِهِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الإيمانُ فَيَكُونُ فِعْلَ المَغْشِيِّ، وأنْ تَجْعَلَ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ فِعْلَ النُّعاسِ عَلى المَجازِ لِأنَّها لِأصْحابِهِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ مِن حَقِّهِ أنْ لا يَغْشاهم لِشِدَّةِ الخَوْفِ فَلَمّا غَشِيَهم فَكَأنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ أمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ لَوْلاها لَمْ يَغْشُهم كَقَوْلِهِ:
؎ بَهابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشى عُيُونًا. . . تَهابُكَ فَهو نَفّارٌ شَرُودُ
وَقُرِئَ « أمْنَةً» كَرَحْمَةٍ وهي لُغَةٌ. ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ مِنَ الحَدَثِ والجَنابَةِ.
﴿وَيُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ يَعْنِي الجَنابَةَ لِأنَّها مِن تَخْيِيلِهِ، أوْ وسْوَسَتِهِ وتَخْوِيفِهِ إيّاهم مِنَ العَطَشِ.
رُوِيَ أنَّهم نَزَلُوا في كَثِيبٍ أغْفَرَ تَسُوخُ فِيهِ الأقْدامُ عَلى غَيْرِ ماءٍ ونامُوا فاحْتَلَمَ أكْثَرُهم وقَدْ غَلَبَ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ، فَوَسْوَسَ إلَيْهِمُ الشَّيْطانُ وقالَ: كَيْفَ تُنْصَرُونَ، وقَدْ غُلِبْتُمْ عَلى الماءِ وأنْتُمْ تُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ مُجْنِبِينَ وتَزْعُمُونَ أنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ، وفِيكم رَسُولُهُ فَأشْفَقُوا فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ، فُمُطِرُوا لَيْلًا حَتّى جَرى الوادِي واتَّخَذُوا الحِياضَ عَلى عُدْوَتِهِ وسَقَوُا الرِّكابَ واغْتَسَلُوا وتَوَضَّؤُوا، وتَلَبَّدَ الرَّمْلُ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَ العَدُوِّ حَتّى ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الأقْدامُ وزالَتِ الوَسْوَسَةُ.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بِالوُثُوقِ عَلى لُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ. ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ أيْ بِالمَطَرِ حَتّى لا تَسُوخَ في الرَّمْلِ، أوْ بِالرَّبْطِ عَلى القُلُوبِ حَتّى تَثْبُتَ في المَعْرَكَةِ.
8:12Page 178
إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ ١٢
[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."1
﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ﴾ بَدَلٌ ثالِثٌ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيُثَبِّتَ. ﴿إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ في إعانَتِهِمْ وتَثْبِيتِهِمْ وهو مَفْعُولُ ﴿يُوحِي﴾ . وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ الوَحْيِ مَجْراهُ. ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالبِشارَةِ أوْ بِتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ، أوْ بِمُحارَبَةِ أعْدائِهِمْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ ﴿أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا﴾، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم قاتَلُوا ومَن مَنَعَ ذَلِكَ جَعَلَ الخِطابَ فِيهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ إمّا عَلى تَغْيِيرِ الخِطابِ أوْ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَأُلْقِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ بَنانٍ﴾ تَلْقِينٌ لِلْمَلائِكَةِ ما يُثَبِّتُونَ المُؤْمِنِينَ بِهِ كَأنَّهُ قالَ: قُولُوا لَهم قَوْلِي هَذا. ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أعالِيها الَّتِي هي المَذابِحُ أوِ الرُّؤُوسَ. ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ أصابِعَ أيْ جُزُّوا رِقابَهم واقْطَعُوا أطْرافَهم.
8:13–14Page 178
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٣
That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh and His Messenger - indeed, Allāh is severe in penalty.
ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٤
"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ أوِ الأمْرِ بِهِ والخِطابُ لِلرَّسُولِ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُخاطِبِينَ قَبْلُ. ﴿بِأنَّهم (p-53)شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لَهُما واشْتِقاقُهُ مِنَ الشَّقِّ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِينَ في شَقٍّ خِلافَ شَقِّ الآخَرِ كالمُعاداةِ مِنَ العُدْوَةِ والمُخاصَمَةِ مِنَ الخَصْمِ وهو الجانِبُ. ﴿وَمَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّعْلِيلِ أوْ وعِيدٌ بِما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ بَعْدَ ما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا.
﴿ذَلِكُمْ﴾ الخِطابُ فِيهِ مَعَ الكَفَرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم أوْ ذَلِكم واقِعٌ أوْ نُصِبَ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ. ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أوْ غَيْرُهُ مِثْلُ باشَرُوا أوْ عَلَيْكم فَتَكُونُ الفاءُ عاطِفَةً. ﴿وَأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ عُطِفَ عَلى ذَلِكم أوْ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ، والمَعْنى ذُوقُوا ما عُجِّلَ لَكم مَعَ ما أُجِّلَ لَكم في الآخِرَةِ. ووُضِعَ الظّاهِرُ فِيهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ سَبَبُ العَذابِ الآجِلِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَهُما.
وَقُرِئَ (وَإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
8:15–16Page 178
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥
O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [in battle], do not turn to them your backs [in flight].
وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦
And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allāh, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُرى لِكَثْرَتِهِمْ كَأنَّهم يَزْحَفُونَ، وهو مَصْدَرُ زَحَفَ الصَّبِيُّ إذا دَبَّ عَلى مَقْعَدِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا، سُمِّيَ بِهِ وجُمِعَ عَلى زُحُوفٍ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ بِالِانْهِزامِ فَضْلًا أنْ يَكُونُوا مِثْلَكم أوْ أقَلَّ مِنكم، والأظْهَرُ أنَّها مَحْكَمَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ زَحْفًا حالًا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ أيْ: إذا لَقِيتُمُوهم مُتَزاحِفِينَ يَدِبُّونَ إلَيْكم وتَدِبُّونَ إلَيْهِمْ فَلا تَنْهَزِمُوا، أوْ مِنَ الفاعِلِ وحْدَهُ ويَكُونُ إشْعارًا بِما سَيَكُونُ مِنهم يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ تَوَلَّوْا وهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا.
﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ يُرِيدُ الكَرَّ بَعْدَ الفَرِّ وتَغْرِيرَ العَدُوِّ، فَإنَّهُ مِن مَكايِدِ الحَرْبِ.
﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أوْ مُنْحازًا إلى فِئَةٍ أُخْرى مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى القُرْبِ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ، ومِنهم مَن لَمْ يَعْتَبِرِ القُرْبَ لِما رَوى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّهُ كانَ في سَرِيَّةٍ بَعَثَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفَرُّوا إلى المَدِينَةِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الفَرّارُونَ فَقالَ: « بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ وأنا فِئَتُكم» .
وانْتِصابُ مُتَحَرِّفًا ومُتَحَيِّزًا عَلى الحالِ وإلّا لَغْوٌ لا عَمَلَ لَها، أوِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ أيْ إلّا رَجُلًا مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا، ووَزْنُ مُتَحَيِّزٍ مُتَفَيْعِلٌ لا مُتَفَعِّلٌ وإلّا لَكانَ مُتَحَوِّزًا لِأنَّهُ مِن حازَ يَحُوزُ. ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ هَذا إذا لَمْ يَزِدِ العَدُوُّ عَلى الضِّعْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ، وقِيلَ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأهْلِ بَيْتِهِ والحاضِرِينَ مَعَهُ في الحَرْبِ.
8:17–18Page 179
فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧
And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.1 And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw2 that He might test the believers with a good test.3 Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨
That [is so], and [also] that Allāh will weaken the plot of the disbelievers.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ بِقُوَّتِكم. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بِنَصْرِكم وتَسْلِيطِكم عَلَيْهِمْ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ.
رُوِيَ: «أنَّهُ لَمّا طَلَعَتْ قُرَيْشٌ مِنَ العَقَنْقَلِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَذِهِ قُرَيْشٌ جاءَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها يُكَذِّبُونَ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ لَهُ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَلَمّا التَقى الجَمْعانِ تَناوَلَ كَفًّا مِنَ الحَصْباءِ فَرَمى بِها في وُجُوهِهِمْ وقالَ « شاهَتِ الوُجُوهُ»، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا شُغِلَ بِعَيْنَيْهِ فانْهَزَمُوا ورَدِفَهُمُ المُؤْمِنُونَ يَقْتُلُونَهم ويَأْسِرُونَهم، ثُمَّ لَمّا انْصَرَفُوا أقْبَلُوا عَلى التَّفاخُرِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ قَتَلْتُ وأسَرْتُ، فَنَزَلَتْ. والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ (p-54)قَتَلَهم. ﴿وَما رَمَيْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ رَمْيًا تَوَصِّلُهُ إلى أعْيُنِهِمْ ولَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهِ. ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ أيْ إذْ أتَيْتَ بِصُورَةِ الرَّمْيِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أتى بِما هو غايَةُ الرَّمْيِ فَأوْصَلَها إلى أعْيُنِهِمْ جَمِيعًا حَتّى انْهَزَمُوا وتَمَكَّنْتُمْ مِن قَطْعِ دابِرِهِمْ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلى المُسَمّى وعَلى ما هو كَمالُهُ والمَقْصُودُ مِنهُ. وقِيلَ مَعْناهُ ما رَمَيْتَ بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ بِالحَصْباءِ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى بِالرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ إنَّهُ نَزَلَ في طَعْنَةٍ طُعِنَ بِها أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ ولَمْ يَخْرُجْ مِنهُ دَمٌ فَجَعَلَ يَخُورُ حَتّى ماتَ. أوْ رَمْيَةِ سَهْمٍ رَماهُ يَوْمَ خَيْبَرٍ نَحْوَ الحِصْنِ فَأصابَ كِنانَةَ بْنَ أبِي الحَقِيقِ عَلى فِراشِهِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وَلَكِنْ) بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ ما بَعْدَهُ في المَوْضِعَيْنِ. ﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ ولِيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ ومُشاهَدَةِ الآياتِ فَعَلَ ما فَعَلَ. ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِاسْتِغاثَتِهِمْ ودُعائِهِمْ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، أوِ القَتْلِ أوِ الرَّمْيِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أيِ المَقْصُودُ أوِ الأمْرُ ذَلِكم وقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ أيِ المَقْصُودُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ وإبْطالُ حِيَلِهِمْ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ﴿مُوهِنُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وحَفْصٌ ﴿مُوهِنُ كَيْدِ﴾ بِالإضافَةِ والتَّخْفِيفِ.
8:19Page 179
إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٩
If you [disbelievers] seek the decision [i.e., victory] - the decision [i.e., defeat] has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allāh is with the believers.
﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ أرادُوا الخُرُوجَ تَعَلَّقُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ وقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأهْدى الفِئَتَيْنِ وأكْرَمَ الحِزْبَيْنِ. ﴿وَإنْ تَنْتَهُوا﴾ عَنِ الكُفْرِ ومُعاداةِ الرَّسُولِ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِتَضَمُّنِهِ سَلامَةَ الدّارَيْنِ وخَيْرَ المَنزِلَيْنِ. ﴿وَإنْ تَعُودُوا﴾ لِمُحارَبَتِهِ. ﴿نَعُدْ﴾ لِنُصْرَتِهِ عَلَيْكم. ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ﴾ ولَنْ تَدْفَعَ. ﴿عَنْكم فِئَتُكُمْ﴾ جَماعَتُكم. ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ أوِ المَضارِّ. ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ فِئَتُكم. ﴿وَأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ (وَأنَّ) بِالفَتْحِ عَلى تَقْدِيرِ ولِأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ كانَ ذَلِكَ. وقِيلَ الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والمَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ، وإنْ تَنْتَهُوا عَنِ التَّكاسُلِ في القِتالِ والرَّغْبَةِ عَمّا يَسْتَأْثِرُهُ الرَّسُولُ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا إلَيْهِ نَعُدْ عَلَيْكم بِالإنْكارِ أوْ تَهْيِيجِ العَدُوِّ، ولَنْ تُغْنِيَ حِينَئِذٍ كَثْرَتُكم إذا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَكم بِالنَّصْرِ فَإنَّهُ مَعَ الكامِلِينَ في إيمانِهِمْ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ.
8:20–21Page 179
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ ٢٠
O you who have believed, obey Allāh and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٢١
And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أيْ ولا تَتَوَلَّوْا عَنِ الرَّسُولِ، فَإنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الأمْرُ بِطاعَتِهِ والنَّهْيُ عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ، وذَكَرَ طاعَةَ اللَّهِ لِلتَّوْطِئَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ في طاعَةِ الرَّسُولِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْجِهادِ أوْ لِلْأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الطّاعَةُ. ﴿وَأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ القُرْآنَ والمَواعِظَ سَماعَ فَهْمٍ وتَصْدِيقٍ.
﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ كالكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ ادَّعَوُا السَّماعَ. ﴿وَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فَكَأنَّهم لا يَسْمَعُونَ رَأْسًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences