Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:22–41
8:22–23Page 179
۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ٢٢
Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are the deaf and dumb who do not use reason [i.e., the disbelievers].
وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣
Had Allāh known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.
(p-55)﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ شَرَّ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، أوْ شَرَّ البَهائِمِ. ﴿الصُّمُّ﴾ عَنِ الحَقِّ. ﴿البُكْمُ﴾ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ إيّاهُ، عَدَّهم مِنَ البَهائِمِ ثُمَّ جَعَلَهم شَرَّها لِإبْطالِهِمْ ما مُيِّزُوا بِهِ وفُضِّلُوا لِأجْلِهِ.
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ سَعادَةً كُتِبَتْ لَهم أوِ انْتِفاعًا بِالآياتِ. ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ سَماعَ تَفَهُّمٍ. ﴿وَلَوْ أسْمَعَهُمْ﴾ وقَدْ عَلِمَ أنْ لا خَيْرَ فِيهِمْ. ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، أوِ ارْتَدُّوا بَعْدَ التَّصْدِيقِ والقَبُولِ. ﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ لِعِنادِهِمْ. وقِيلَ كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أحْيِ لَنا قُصَيًّا فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا مُبارَكًا حَتّى يَشْهَدَ لَكَ ونُؤْمِنَ بِكَ. والمَعْنى لَأسْمَعَهم كَلامَ قُصَيٍّ.
8:24Page 179
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤
O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ بِالطّاعَةِ. ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ وحَدَّ الضَّمِيرَ فِيهِ لِما سَبَقَ ولِأنَّ دَعْوَةَ اللَّهِ تُسْمَعُ مِنَ الرَّسُولِ.
وَرُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَرَّ عَلى أُبَيٌّ وهو يُصَلِّي فَدَعاهُ فَعَجَّلَ في صِلاتِهِ ثُمَّ جاءَ فَقالَ: ما مَنَعَكَ عَنْ إجابَتِي قالَ: كُنْتُ أصَلِّي، قالَ: « ألَمْ تُخْبَرْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ» ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ .» واخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ هَذا لِأنَّ إجابَتَهُ لا تَقْطَعُ الصَّلاةَ فَإنَّ الصَّلاةَ أيْضًا إجابَةٌ. وقِيلَ لِأنَّ دُعاءَهُ كانَ لِأمْرٍ لا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ ولِلْمُصَلِّي أنْ يَقْطَعَ الصَّلاةَ لِمِثْلِهِ وظاهِرُ الحَدِيثِ يُناسِبُ الأوَّلَ. ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ مِنَ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ فَإنَّها حَياةُ القَلْبِ والجَهْلُ مَوْتُهُ. قالَ:
؎ لا تَعْجَبَنَّ الجَهُولَ حِلَّتُهُ. . . فَذاكَ مَيِّتٌ وثَوْبُهُ كَفَنُ
أوْ مِمّا يُورِثُكُمُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ في النَّعِيمِ الدّائِمِ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ، أوْ مِنَ الجِهادِ فَإنَّهُ سَبَبُ بَقائِكم إذْ لَوْ تَرَكُوهُ لَغَلَبَهُمُ العَدُوُّ وقَتَلَهم، أوِ الشَّهادَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ . ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ تَمْثِيلٌ لِغايَةِ قُرْبِهِ مِنَ العَبْدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى مَكْنُوناتِ القُلُوبِ مِمّا عَسى يَغْفُلُ عَنْهُ صاحِبُها، أوْ حَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ إلى إخْلاصِ القُلُوبِ وتَصْفِيَتِها قَبْلَ أنْ يَحُولَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ بِالمَوْتِ أوْ غَيْرِهِ، أوْ تَصْوِيرٌ وتَخْيِيلٌ لِتَمَلُّكِهِ عَلى العَبْدِ قَلْبَهُ فَيَفْسَخُ عَزائِمَهُ ويُغَيِّرُ مَقاصِدَهُ ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ إنْ أرادَ سَعادَتَهُ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ إنْ قَضى شَقاوَتَهُ. وقُرِئَ (بَيْنَ المَرِّ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الرّاءِ وإجْراءُ الوَصْلِ والوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يُشَدِّدُ فِيهِ. ﴿وَأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم.
8:25Page 179
وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥
And fear a trial1 which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allāh is severe in penalty.
﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ اتَّقُوا ذَنْبًا يَعُمُّكم أثَرُهُ كَإقْرارِ المُنْكَرِ بَيْنَ أظْهُرِكم والمُداهَنَةِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وافْتِراقِ الكَلِمَةِ وظُهُورِ البِدَعِ والتَّكاسُلِ في الجِهادِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ لا تُصِيبُنَّ إمّا جَوابُ الأمْرِ عَلى مَعْنى أنَّ إصابَتَكم لا تُصِيبُ الظّالِمِينَ مِنكم خاصَّةً بَلْ تَعُمُّكم، وفِيهِ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مُتَرَدِّدٌ فَلا يَلِيقُ بِهِ النُّونُ المُؤَكِّدَةُ لَكِنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ مَعْنى النَّهْيِ ساغَ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وأمّا صِفَةٌ لِـ ﴿فِتْنَةً﴾، ولا لِلنَّفْيِ وفِيهِ شُذُوذٌ لِأنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُ المَنفِيَّ في غَيْرِ القَسَمِ، أوْ لِنَهْيٍ عَلى إرادَةِ القَوْلِ كَقَوْلِهِ:
؎ حَتّى إذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطَ. . . جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطُّ
وَإمّا جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ لَتُصِيبَنَّ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا بَعْدَ الأمْرِ بِاتِّقاءِ الذَّنْبِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلظُّلْمِ فَإنَّ وبالَهُ يُصِيبُ الظّالِمَ خاصَّةً ويَعُودُ عَلَيْهِ، ومَن في مِنكم عَلى الوُجُوهِ (p-56)الأوَّلِ لِلتَّبْعِيضِ وعَلى الأخِيرَيْنِ لِلتَّبْيِينِ وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الظُّلْمَ مِنكم أقْبَحُ مِن غَيْرِكم. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .
8:26Page 180
وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦
And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.
﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ﴾ أرْضِ مَكَّةَ يَسْتَضْعِفُكم قُرَيْشٌ، والخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ.
وَقِيلَ لِلْعَرَبِ كافَّةً فَإنَّهم كانُوا أذِلّاءَ في أيْدِي فارِسٍ والرُّومِ. ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ كُفّارُ قُرَيْشٍ أوْ مَن عَداهم فَإنَّهم كانُوا جَمِيعًا مُعادِينَ لَهم مُضادِّينَ لَهم. ﴿فَآواكُمْ﴾ إلى المَدِينَةِ، أوْ جَعَلَ لَكم مَأْوًى تَتَحَصَّنُونَ بِهِ عَنْ أعادِيكم. ﴿وَأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ عَلى الكُفّارِ أوْ بِمُظاهَرَةِ الأنْصارِ، أوْ بِإمْدادِ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِنَ الغَنائِمِ. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ النِّعَمَ.
8:27–28Page 180
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧
O you who have believed, do not betray Allāh and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].
وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨
And know that your properties and your children are but a trial and that Allāh has with Him a great reward.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ بِتَعْطِيلِ الفَرائِضِ والسُّنَنِ، أوْ بِأنْ تُضْمِرُوا خِلافَ ما تُظْهِرُونَ، أوْ بِالغُلُولِ في المَغانِمِ.
وَرُوِيَ: « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَسَألُوهُ الصُّلْحَ كَما صالَحَ إخْوانَهم بَنِي النَّضِيرِ عَلى أنْ يَسِيرُوا إلى إخْوانِهِمْ بِأذْرِعاتٍ وأرْيِحاءَ بِأرْضِ الشّامِ، فَأبى إلّا أنْ يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَأبَوْا وقالُوا: أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ وكانَ مُناصِحًا لَهم لِأنَّ عِيالَهُ ومالَهُ في أيْدِيهِمْ، فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ فَقالُوا ما تَرى هَلْ نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ، قالَ أبُو لُبابَةَ: فَما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَنَزَلَتْ. فَشَدَّ نَفْسَهُ عَلى سارِيَةٍ في المَسْجِدِ وقالَ: واللَّهِ لا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى أمُوتَ أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ حَتّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ فَحُلَّ نَفْسَكَ فَقالَ: لا واللَّهِ لا أحُلُّها حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّنِي، فَجاءَهُ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ فَقالَ إنَّ مِن تَمامِ تَوْبَتِي أنْ أهْجُرَ دارَ قَوْمَيِ الَّتِي أصَبْتُ فِيها الذَّنْبَ، وأنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَجْزِيكَ الثُّلُثُ أنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ)» .
وَأصْلُ الخَوْنِ النَّقْصُ كَما أنَّ أصْلَ الوَفاءِ التَّمامُ، واسْتِعْمالُهُ في ضِدِّ الأمانَةِ لِتَضَمُّنِهِ إيّاهُ. ﴿وَتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ فِيما بَيْنَكم وهو مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى الأوَّلِ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الجَوابِ بِالواوِ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّكم تَخُونُونَ، أوْ وأنْتُمْ عُلَماءٌ تُمَيِّزُونَ الحَسَنَ مِنَ القَبِيحِ.
﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّهم سَبَبُ الوُقُوعِ في الإثْمِ أوِ العِقابِ، أوْ مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِيَبْلُوَكم فِيهِمْ فَلا يَحْمِلَنَّكم حُبُّهم عَلى الخِيانَةِ كَأبِي لُبابَةَ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لِمَن آثَرَ رِضا اللَّهِ عَلَيْهِمْ وراعى حُدُودَهُ فِيهِمْ، فَأنِيطُوا هِمَمَكم بِما يُؤَدِّيكم إلَيْهِ.
8:29Page 180
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩
O you who have believed, if you fear Allāh, He will grant you a criterion1 and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allāh is the possessor of great bounty.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ هِدايَةً في قُلُوبِكم تُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ أوْ نَصْرًا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ بِإعْزازِ المُؤْمِنِينَ وإذْلالِ الكافِرِينَ، أوْ مَخْرَجًا مِنَ الشُّبَهاتِ، أوْ نَجاةً عَمّا تَحْذَرُونَ في الدّارَيْنِ، أوْ ظُهُورًا يُشْهِرُ أمْرَكم ويَبُثُّ صِيتَكم مِن قَوْلِهِمْ بَتُّ أفْعَلُ كَذا حَتّى سَطَعَ الفُرْقانُ أيِ (p-57)الصُّبْحُ. ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ ويَسْتُرْها. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بِالتَّجاوُزِ والعَفْوِ عَنْكم. وقِيلَ السَّيِّئاتُ الصَّغائِرُ والذُّنُوبُ الكَبائِرُ. وقِيلَ المُرادُ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ لِأنَّها في أهْلِ بَدْرٍ وقَدْ غَفَرَهُما اللَّهُ تَعالى لَهم. ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما وعَدَهُ لَهم عَلى التَّقْوى تَفَضُّلٌ مِنهُ وإحْسانٌ، وأنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُوجِبُ تَقْواهم عَلَيْهِ كالسَّيِّدِ إذا وعَدَ عَبْدَهُ إنْعامًا عَلى عَمَلٍ.
8:30Page 180
وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠
And [remember, O Muḥammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allāh plans. And Allāh is the best of planners.
﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تِذْكارٌ لَمّا مَكَرَ قُرَيْشٌ بِهِ حِينَ كانَ بِمَكَّةَ لِيَشْكُرَ نِعْمَةَ اللَّهِ في خَلاصِهِ. مِن مَكْرِهِمْ واسْتِيلائِهِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى واذْكُرْ إذْ يَمْكُرُونَ بِكَ. ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ بِالوَثاقِ أوِ الحَبْسِ، أوِ الإثْخانِ بِالجُرْحِ مِن قَوْلِهِمْ ضَرَبَهُ حَتّى أثْبَتَهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، وقُرِئَ (لِيُثَبِّتُوكَ) بِالتَّشْدِيدِ و « لِيُبَيِّتُوكَ» مِنَ البَياتِ و « لِيُقَيِّدُوكَ» . ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ بِسُيُوفِهِمْ. ﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ مِن مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا بِإسْلامِ الأنْصارِ ومُبايَعَتِهِمْ فَرَقُوا واجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ مُتَشاوِرِينَ في أمْرِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ وقالَ: أنا مِن نَجْدٍ سَمِعْتُ اجْتِماعَكم فَأرَدْتُ أنْ أحْضُرَكم ولَنْ تَعْدَمُوا مِنِّي رَأْيًا ونُصْحًا فَقالَ أبُو البُحْتُرِيِّ: رَأْيِي أنْ تَحْبِسُوهُ في بَيْتٍ وتَسُدُّوا مَنافِذَهُ غَيْرَ كُوَّةٍ تُلْقُونَ إلَيْهِ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِنها حَتّى يَمُوتَ، فَقالَ الشَّيْخُ بِئْسَ الرَّأْيُ يَأْتِيكم مَن يُقاتِلُكم مِن قَوْمِهِ ويُخَلِّصُهُ مِن أيْدِيكم، فَقالَ هِشامُ بْنُ عَمْرٍو رَأْيِي أنْ تَحْمِلُوهُ عَلى جَمَلٍ فَتُخْرِجُوهُ مِن أرْضِكم فَلا يَضُرُّكم ما صَنَعَ، فَقالَ بِئْسَ الرَّأْيُ يُفْسِدُ قَوْمًا غَيْرَكم ويُقاتِلُكم بِهِمْ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ أنا أرى أنْ تَأْخُذُوا مِن كُلِّ بَطْنٍ غُلامًا وتُعْطُوهُ سَيْفًا صارِمًا فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةً واحِدَةً فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا يَقْوى بَنُو هاشِمٍ عَلى حَرْبِ قُرَيْشٍ كُلِّهِمْ، فَإذا طَلَبُوا العَقْلَ عَقَلْناهُ. فَقالَ صَدَقَ هَذا الفَتى فَتَفَرَّقُوا عَلى رَأْيِهِ، فَأتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ عَلَيْهِما السَّلامُ وأخْبَرَهُ الخَبَرَ وأمَرَهُ بِالهِجْرَةِ، فَبَيَّتَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في مَضْجَعِهِ وخَرَجَ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى الغارِ. ﴿وَيَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ بِرَدِّ مَكْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، أوْ بِمُجازاتِهِمْ عَلَيْهِ، أوْ بِمُعامَلَةِ الماكِرِينَ مَعَهم بِأنْ أخْرَجَهم إلى بَدْرٍ وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ حَتّى حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا. ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ إذْ لا يُؤْبَهُ بِمَكْرِهِمْ دُونَ مَكْرِهِ، وإسْنادُ أمْثالِ هَذا مِمّا يَحْسُنُ لِلْمُزاوَجَةِ ولا يَجُوزُ إطْلاقُها ابْتِداءً لِما فِيهِ مِن إيهامِ الذَّمِّ.
8:31–32Page 180
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣١
And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."
وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٢
And [remember] when they said, "O Allāh, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ هو قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ، وإسْنادُهُ إلى الجَمِيعِ إسْنادُ ما فَعَلَهُ رَئِيسُ القَوْمِ إلَيْهِمْ فَإنَّهُ كانَ قاصَّهم، أوْ قَوْلُ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا في أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا غايَةُ مُكابَرَتِهِمْ وفَرْطُ عِنادِهِمْ، إذْ لَوِ اسْتَطاعُوا ذَلِكَ فَما مَنَعَهم أنْ يَشاءُوا وقَدْ تَحَدّاهم وقَرَّعَهم بِالعَجْزِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ قارَعَهم بِالسَّيْفِ فَلَمْ يُعارِضُوا سُورَةً مَعَ أنَفَتِهِمْ وفَرْطِ اسْتِنْكافِهِمْ أنْ يُغْلَبُوا خُصُوصًا في بابِ البَيانِ.
﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ مِنَ القِصَصِ.
﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا أيْضًا مِن كَلامِ ذَلِكَ القائِلِ أبْلَغُ في الجُحُودِ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قالَ النَّضْرُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «وَيْلَكَ إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ» فَقالَ ذَلِكَ.
والمَعْنى إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ حَقًّا مُنَزَّلًا فَأمْطِرِ الحِجارَةَ عَلَيْنا عُقُوبَةً عَلى (p-58)إنْكارِهِ، أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ سِواهُ، والمُرادُ مِنهُ التَّهَكُّمُ وإظْهارُ اليَقِينِ والجَزْمِ التّامِّ عَلى كَوْنِهِ باطِلًا. وقُرِئَ « الحَقُّ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ هو مُبْتَدَأٌ غَيْرُ فَصْلٍ، وفائِدَةُ التَّعْرِيفِ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُعَلَّقَ بِهِ كَوْنُهُ حَقًّا بِالوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وهو تَنْزِيلُهُ لا الحَقُّ مُطْلَقًا لِتَجْوِيزِهِمْ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ غَيْرَ مُنَزَّلٍ كَأساطِيرِ الأوَّلِينَ.
8:33–34Page 180
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ٣٣
But Allāh would not punish them while you, [O Muḥammad], are among them, and Allāh would not punish them while they seek forgiveness.
وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٤
But why should Allāh not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al-Ḥarām and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.
﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ بَيانٌ لِما كانَ المُوجِبُ لِإمْهالِهِمْ والتَّوَقُّفُ في إجابَةِ دُعائِهِمْ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَهم عَذابُ اسْتِئْصالٍ والنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ خارِجٌ عَنْ عادَتِهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ في قَضائِهِ، والمُرادُ بِاسْتِغْفارِهِمْ إمّا اسْتِغْفارُ مَن بَقِيَ فِيهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ قَوْلُهُمُ اللَّهُمَّ غُفْرانَكَ، أوْ فَرْضُهُ عَلى مَعْنى لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَمْ يُعَذَّبُوا كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ .
﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وما لَهم مِمّا يَمْنَعُ تَعْذِيبَهم مَتى زالَ ذَلِكَ وكَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ. ﴿وَهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وحالُهم ذَلِكَ ومِن صَدِّهِمْ عَنْهُ إلْجاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ إلى الهِجْرَةِ وإحْصارُهم عامَ الحُدَيْبِيَةِ. ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ مُسْتَحِقِّينَ وِلايَةَ أمْرِهِ مَعَ شِرْكِهِمْ، وهو رَدٌّ لِما كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ والحَرَمِ فَنَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ. ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِينَ لا يَعْبُدُونَ فِيهِ غَيْرَهُ، وقِيلَ الضَّمِيرانِ لِلَّهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنْ لا وِلايَةَ لَهم عَلَيْهِ كَأنَّهُ نَبَّهَ بِالأكْثَرِ أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ويُعانِدُ، أوْ أرادَ بِهِ الكُلَّ كَما يُرادُ بِالقِلَّةِ العَدَمُ.
8:35Page 181
وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٥
And their prayer at the House [i.e., the Kaʿbah] was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved [i.e., practiced of deviations].
﴿وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ﴾ أيْ دُعاؤُهم أوْ ما يُسَمُّونَهُ صَلاةً، أوْ ما يَضَعُونَ مَوْضِعَها. ﴿إلا مُكاءً﴾ صَفِيرًا فَعالٌ مِن مَكا يَمْكُو إذا صَفَّرَ. وقُرِئَ بِالقَصْرِ كالبُكا. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ تَصْفِيقًا تَفْعَلُهُ مِنَ الصَّدا، أوْ مِنَ الصَّدِّ عَلى إبْدالِ أحَدِ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ بِالياءِ. وقُرِئَ « صَلاتَهم» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ الخَبَرُ المُقَدَّمُ، ومَساقُ الكَلامِ لِتَقْرِيرِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ أوْ عَدَمِ وِلايَتِهِمْ لِلْمَسْجِدِ فَإنَّها لا تَلِيقُ بِمَن هَذِهِ صِلاتُهُ.
رُوِيَ: أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً الرِّجالُ والنِّساءُ مُشَبِّكِينَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ يُصَفِّرُونَ فِيها ويُصَفِّقُونَ.
وَقِيلَ: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ يَخْلِطُونَ عَلَيْهِ ويَرَوْنَ أنَّهم يُصَلُّونَ أيْضًا. ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ يَعْنِي القَتْلَ والأسْرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ عَذابُ الآخِرَةِ واللّامُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودُ: ﴿ائْتِنا بِعَذابٍ﴾ . (بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ اعْتِقادًا وعَمَلًا.
8:36Page 181
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦
Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allāh. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ يُطْعِمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ جُزُرٍ، أوْ في أبِي سُفْيانَ اسْتَأْجَرَ لِيَوْمِ أُحُدٍ ألِفَيْنِ مِنَ العَرَبِ سِوى مَنِ اسْتَجاشَ مِنَ العَرَبِ، وأنْفَقَ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. أوْ في أصْحابِ العِيرِ فَإنَّهُ لَمّا أُصِيبَ قُرَيْشٌ (p-59)بِبَدْرٍ قِيلَ لَهم أعِينُوا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِ مُحَمَّدٍ لَعَلَّنا نُدْرِكُ مِنهُ ثَأْرَنا فَفَعَلُوا، والمُرادُ بِـ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دِينُهُ واتِّباعُ رَسُولِهِ. ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾ بِتَمامِها ولَعَلَّ الأوَّلَ إخْبارٌ عَنْ إنْفاقِهِمْ في تِلْكَ الحالِ وهو إنْفاقُ بَدْرٍ، والثّانِي إخْبارٌ عَنْ إنْفاقِهِمْ فِيما يُسْتَقْبَلُ وهو إنْفاقُ أُحُدٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ عَلى أنَّ مَساقَ الأوَّلِ لِبَيانِ غَرَضِ الإنْفاقِ ومَساقَ الثّانِي لِبَيانِ عاقِبَتِهِ وإنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ نَدَمًا وغَمًّا لِفَواتِها مِن غَيْرِ مَقْصُودٍ جَعَلَ ذاتَها تَصِيرُ حَسْرَةً وهي عاقِبَةُ إنْفاقِها مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ آخِرَ الأمْرِ وإنْ كانَ الحَرْبُ بَيْنَهم سِجالًا قَبْلَ ذَلِكَ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى الكُفْرِ مِنهم إذا أسْلَمَ بَعْضُهم. ﴿إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ يُساقُونَ.
8:37–38Page 181
لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٣٧
[It is] so that Allāh may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨
Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.1
﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، أوِ الفَسادَ مِنَ الصَّلاحِ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾ أوْ ﴿يُغْلَبُونَ﴾ أوْ ما أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا أنْفَقَهُ المُسْلِمُونَ في نُصْرَتِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ (لِيُمَيِّزَ) مِنَ التَّمْيِيزِ وهو أبْلَغُ مِنَ المَيْزِ. ﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ فَيَجْمَعُهُ ويَضُمُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ حَتّى يَتَراكَبُوا لِفَرْطِ ازْدِحامِهِمْ، أوْ يَضُمُّ إلى الكافِرِ ما أنْفَقَهُ لِيَزِيدَ بِهِ عَذابُهُ كَمالِ الكانِزِينَ. ﴿فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾ كُلَّهُ. ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الخَبِيثِ لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالفَرِيقِ الخَبِيثِ أوْ إلى المُنْفِقِينَ. ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ لِأنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم وأمْوالَهم.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ والمَعْنى قُلْ لِأجْلِهِمْ. ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ عَنْ مُعاداةِ الرَّسُولِ ﷺ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ. ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ، وقُرِئَ بِالتّاءِ والكافِ عَلى أنَّهُ خاطَبَهم و « يَغْفِرْ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى. ﴿وَإنْ يَعُودُوا﴾ إلى قِتالِهِ. ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ بِالتَّدْمِيرِ كَما جَرى عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَلْيَتَوَقَّعُوا مِثْلَ ذَلِكَ.
8:39–40Page 181
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣٩
And fight against them until there is no fitnah1 and [until] the religion [i.e., worship], all of it, is for Allāh.2 And if they cease - then indeed, Allāh is Seeing of what they do.
وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٤٠
But if they turn away - then know that Allāh is your protector. Excellent is the protector, and excellent is the helper.
﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ لا يُوجَدُ فِيهِمْ شِرْكَ. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وتَضْمَحِلُّ عَنْهُمُ الأدْيانُ الباطِلَةُ. ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الكُفْرِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى انْتِهائِهِمْ عَنْهُ وإسْلامِهِمْ. وعَنْ يَعْقُوبَ « تَعْمَلُونَ» بِالتّاءِ عَلى مَعْنى فَإنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الجِهادِ والدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ والإخْراجِ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ بَصِيرٌ، فَيُجازِيكم ويَكُونُ تَعْلِيقُهُ بِانْتِهائِهِمْ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَما يَسْتَدْعِي إثابَتَهم لِلْمُباشَرَةِ يَسْتَدْعِي إثابَةَ مُقاتِلِيهِمْ لِلتَّسَبُّبِ.
﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ ولَمْ يَنْتَهُوا. ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ ناصِرُكم فَثِقُوا بِهِ ولا تُبالُوا بِمُعاداتِهِمْ. ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ لا يَضِيعُ مَن تَوَلّاهُ. ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لا يُغْلَبُ مَن نَصَرَهُ.
8:41Page 182
۞ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤١
And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allāh is one fifth of it and for the Messenger1 and for [his] near relatives2 and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler,3 if you have believed in Allāh and in that which We sent down to Our Servant4 on the day of criterion [i.e., decisive encounter] - the day when the two armies met [at Badr]. And Allāh, over all things, is competent.
(p-60)﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ أيِ الَّذِي أخَذْتُمُوهُ مِنَ الكُفّارِ قَهْرًا. ﴿مِن شَيْءٍ﴾ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ حَتّى الخَيْطَ. ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَثابِتٌ أنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. وقُرِئَ « فَإنَّ» بِالكَسْرِ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِلتَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ . وأنَّ المُرادَ قَسْمُ الخَمُسِ عَلى الخَمْسَةِ المَعْطُوفِينَ ﴿وَلِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ يُصْرَفُ إلى هَؤُلاءِ الأخَصِّينَ بِهِ. وحُكْمُهُ بَعْدَهُ، باقٍ غَيْرَ أنَّ سَهْمَ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ يُصْرَفُ إلى ما كانَ يُصْرَفُهُ إلَيْهِ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ كَما فَعَلَهُ الشَّيْخانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقِيلَ إلى الإمامِ. وقِيلَ إلى الأصْنافِ الأرْبَعَةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَقَطَ سَهْمُهُ وسَهْمُ ذَوِي القُرْبى بِوَفاتِهِ وصارَ الكُلُّ مَصْرُوفًا إلى الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ. وعَنْ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الإمامِ يَصْرِفُهُ إلى ما يَراهُ أهَمَّ، وذَهَبَ أبُو العالِيَةِ إلى ظاهِرِ الآيَةِ فَقالَ يُقَسَّمُ سِتَّةَ أقْسامٍ ويُصْرَفُ سَهْمُ اللَّهِ إلى الكَعْبَةِ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَأْخُذُ قَبْضَةً مِنهُ فَيَجْعَلُها لِلْكَعْبَةِ ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ عَلى خَمْسَةِ.
وَقِيلَ سَهْمُ اللَّهِ لِبَيْتِ المالِ. وقِيلَ هو مَضْمُومٌ إلى سَهْمِ الرَّسُولِ ﷺ . وذَوُو القُرْبى: بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ. لَمّا رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَسَّمَ سَهْمَ ذَوِي القُرْبى عَلَيْهِما فَقالَ لَهُ عُثْمانُ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هَؤُلاءِ إخْوَتُكَ بَنُو هاشِمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم لِمَكانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ مِنهم، أرَأيْتَ إخْوانَنا مِن بَنِي المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهم وحَرَمْتَنا وإنَّما نَحْنُ وهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّهم لَمْ يُفارِقُونا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ» .
وَقِيلَ بَنُو هاشِمٍ وحْدَهم. وقِيلَ جَمِيعُ قُرَيْشٍ الغَنِيُّ والفَقِيرُ فِيهِ سَواءٌ. وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِفُقَرائِهِمْ كَسَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ. وقِيلَ الخُمُسُ كُلُّهُ لَهم والمُرادُ بِاليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مَن كانَ مِنهم والعَطْفُ لِلتَّخْصِيصِ. والآيَةُ نَزَلَتْ بِبَدْرٍ. وقِيلَ الخُمُسُ كانَ في غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقاعَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وثَلاثَةِ أيّامٍ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ عَلى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿واعْلَمُوا﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فاعْلَمُوا أنَّهُ جَعَلَ الخُمُسَ لِهَؤُلاءِ فَسَلِّمُوهُ إلَيْهِمْ واقْتَنِعُوا بِالأخْماسِ الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ، فَإنَّ العِلْمَ العَمَلِيَّ إذا أمَرَ بِهِ لَمْ يُرَدَّ مِنهُ العِلْمُ المُجَرَّدُ لِأنَّهُ مَقْصُودٌ بِالعَرْضِ والمَقْصُودُ بِالذّاتِ هو العَمَلُ. ﴿وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الآياتِ والمَلائِكَةِ والنَّصْرِ. وقُرِئَ (عُبُدِنا) بِضَمَّتَيْنِ أيِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ. ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهُ فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ المُسْلِمُونَ والكافِرُونَ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى نَصْرِ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ والإمْدادِ بِالمَلائِكَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences