Al-BaydawiAl‑Anfal · 8:42–66

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:42–66

8:42Page 182

إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ٤٢

[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allāh might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ، والعُدْوَةُ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ شَطُّ الوادِي وقَدْ قُرِئَ بِها، والمَشْهُورُ الضَّمُّ والكَسْرُ وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ. ﴿وَهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى﴾ البُعْدى مِنَ المَدِينَةِ، تَأْنِيثُ الأقْصى وكانَ قِياسُهُ قَلْبَ الواوِ ياءً كالدُّنْيا والعُلْيا تَفْرِقَةً بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ فَجاءَ عَلى الأصْلِ كالقَوْدِ وهو أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ القُصْيا. ﴿والرَّكْبُ﴾ أيِ العِيرُ أوْ قُوّادُها. ﴿أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِكم يَعْنِي السّاحِلَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ واقِعٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الظَّرْفِ قَبْلَهُ، وفائِدَتُها الدَّلالَةُ عَلى قُوَّةِ العَدُوِّ واسْتِظْهارِهِمْ بِالرَّكْبِ وحِرْصِهِمْ عَلى المُقاتَلَةِ عَنْها وتَوْطِينِ نُفُوسِهِمْ عَلى أنْ لا يُخَلُّوا مَراكِزَهم ويَبْذُلُوا مُنْتَهى جُهْدِهِمْ، وضَعْفِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ والتِياثِ أمْرِهِمْ واسْتِبْعادِ غَلَبَتِهِمْ عادَةً، وكَذا ذَكَرَ (p-61)مَراكِزَ الفَرِيقَيْنِ فَإنَّ العُدْوَةَ الدُّنْيا كانَتْ رَخْوَةً تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ ولا يَمْشِي فِيها إلّا بِتَعَبٍ ولَمْ يَكُنْ بِها ماءٌ، بِخِلافِ العُدْوَةِ القُصْوى وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ أيْ لَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ وهُمُ القِتالَ ثُمَّ عَلِمْتُمْ حالَكم وحالَهم لاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ في المِيعادِ هَيْبَةً مِنهم، ويَأْسًا مِنَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ لِيَتَحَقَّقُوا أنَّ ما اتَّفَقَ لَهم مِنَ الفَتْحِ لَيْسَ إلّا صُنْعًا مِنَ اللَّهِ تَعالى خارِقًا لِلْعادَةِ فَيَزْدادُوا إيمانًا وشُكْرًا. ﴿وَلَكِنْ﴾ جَمَعَ بَيْنَكم عَلى هَذِهِ الحالِ مِن غَيْرِ مِيعادٍ. ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يُفْعَلَ وهو نَصْرُ أوْلِيائِهِ وقَهْرُ أعْدائِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مَفْعُولًا والمَعْنى: لِيَمُوتَ مَن يَمُوتُ عَنْ بَيِّنَةٍ عايَنَها ويَعِيشَ مَن يَعِيشُ عَنْ حُجَّةٍ شاهَدَها لِئَلّا يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ ومَعْذِرَةٌ، فَإنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ مِنَ الآياتِ الواضِحَةِ. أوْ لِيَصْدُرَ كُفْرُ مَن كَفَرَ وإيمانُ مَن آمَنَ عَنْ وُضُوحِ بَيِّنَةٍ عَلى اسْتِعارَةِ الهَلاكِ والحَياةِ لِلْكُفْرِ والإسْلامِ، والمُرادُ بِمَن هَلَكَ ومَن حَيَّ المَشارِفُ لِلْهَلاكِ والحَياةِ، أوْ مَن هَذا حالُهُ في عِلْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ.

وَقُرِئَ « ليَهْلَكَ» بِالفَتْحِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ مَن حَيِيَ بِفَكِّ الإدْغامِ لِلْحَمْلِ عَلى المُسْتَقْبَلِ. ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ وعِقابِهِ، وإيمانِ مَن آمَنَ وثَوابِهِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِاشْتِمالِ الأمْرَيْنِ عَلى القَوْلِ والِاعْتِقادِ.

8:43–44Page 182

إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣

[Remember, O Muḥammad], when Allāh showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allāh saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤٤

And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allāh might accomplish a matter already destined. And to Allāh are [all] matters returned.

﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِعَلِيمٍ أيْ يَعْلَمُ المَصالِحَ إذْ يُقَلِّلُهم في عَيْنِكَ في رُؤْياكَ وهو أنْ تُخْبِرَ بِهِ أصْحابَكَ فَيَكُونُ تَثْبِيتًا لَهم وتَشْجِيعًا عَلى عَدُوِّهِمْ.

﴿وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ لَجَبُنْتُمْ. ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ في أمْرِ القِتالِ وتَفَرَّقَتْ آراؤُكم بَيْنَ الثَّباتِ والفِرارِ.

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أنْعَمَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ فِيها وما يُغَيِّرُ أحْوالَها.

﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا﴾ الضَّمِيرانِ مَفْعُولا يَرى و ﴿قَلِيلا﴾ حالٌ مِنَ الثّانِي، وإنَّما قَلَّلَهم في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِمَن إلى جَنْبِهِ أتَراهم سَبْعِينَ فَقالَ أراهم مِائَةً، تَثْبِيتًا لَهم وتَصْدِيقًا لِرُؤْيا الرَّسُولِ ﷺ .

﴿وَيُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أكَلَةُ جَزُورٍ، وقَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ قَبْلَ التِحامِ القِتالِ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ ولا يَسْتَعِدُّوا لَهم، ثُمَّ كَثَّرَهم حَتّى يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ لِتَفْجَأهُمُ الكَثْرَةُ فَتَبْهَتُهم وتَكْسِرُ قُلُوبَهم، وهَذا مِن عَظائِمَ آياتِ تِلْكَ الوَقْعَةِ فَإنَّ البَصَرَ وإنْ كانَ قَدْ يَرى الكَثِيرَ قَلِيلًا والقَلِيلَ كَثِيرًا لَكِنْ لا عَلى هَذا الوَجْهِ ولا إلى هَذا الحَدِّ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِصَدِّ اللَّهِ الأبْصارَ عَنْ إبْصارِ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ مَعَ التَّساوِي في الشُّرُوطِ.

﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْرِ ثَمَّةَ الِاكْتِفاءُ عَلى الوَجْهِ المَحْكِيِّ وها هُنا إعْزازُ الإسْلامِ وأهْلِهِ وإذْلالُ الإشْراكِ وحِزْبِهِ. ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .

8:45–46Page 182

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥

O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allāh much that you may be successful.

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦

And obey Allāh and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allāh is with the patient.

(p-62)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ حارَبْتُمْ جَماعَةً ولَمْ يَصِفْها لِأنَّ المُؤْمِنِينَ ما كانُوا يَلْقَوْنَ إلّا الكُفّارَ، واللِّقاءُ مِمّا غَلَبَ في القِتالِ. ﴿فاثْبُتُوا﴾ لِلِقائِهِمْ. ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ في مُواطِنِ الحَرْبِ داعِينَ لَهُ مُسْتَظْهِرِينَ بِذِكْرِهِ مُتَرَقِّبِينَ لِنَصْرِهِ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ تَظْفَرُونَ بِمُرادِكم مِنَ النُّصْرَةِ والمَثُوبَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَشْغَلَهُ شَيْءٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وأنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويُقْبِلَ عَلَيْهِ بِشَراشِرِهِ فارِغَ البالِ واثِقًا بِأنَّ لُطْفَهُ لا يَنْفِكُّ عَنْهُ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ.

﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا﴾ بِاخْتِلافِ الآراءِ كَما فَعَلْتُمْ بِبَدْرٍ أوْ أُحُدٍ. ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ جَوابُ النَّهْيِ.

وَقِيلَ عُطِفَ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قُرِئَ: « ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾» بِالجَزْمِ، والرِّيحُ مُسْتَعارَةٌ لِلدَّوْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّها في تَمَشِّي أمْرِها ونَفاذِهِ مُشْبِهَةٌ بِها في هُبُوبِها ونُفُوذِها. وقِيلَ المُرادُ بِها الحَقِيقَةُ فَإنَّ النُّصْرَةَ لا تَكُونُ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ وفي الحَدِيثِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» .

﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بِالكَلاءَةِ والنُّصْرَةِ.

8:47Page 183

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧

And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.

﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ حِينَ خَرَجُوا مِنها لِحِمايَةِ العِيرِ. ﴿بَطَرًا﴾ فَخْرًا وأشَرًا. ﴿وَرِئاءَ النّاسِ﴾ لِيُثْنُوا عَلَيْهِمْ بِالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا بَلَغُوا الجَحْفَةَ وافاهم رَسُولُ أبِي سُفْيانَ أنِ ارْجِعُوا فَقَدْ سَلِمَتْ عِيرُكم فَقالَ أبُو جَهْلٍ: لا واللَّهِ حَتّى نَقْدِمَ بَدْرًا ونَشْرَبَ فِيها الخُمُورَ وتَعْزِفُ عَلَيْنا القِيانُ ونُطْعِمُ بِها مَن حَضَرَنا مِنَ العَرَبِ، فَوافَوْها ولَكِنْ سُقُوا كَأْسَ المَنايا وناحَتْ عَلَيْهِمُ النَّوائِحُ، فَنَهى المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونُوا أمْثالَهم بَطِرِينَ مُرائِينَ، وأمَرَهم بِأنْ يَكُونُوا أهْلَ تَقْوى وإخْلاصٍ مِن حَيْثُ إنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَطَرًا إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ وكَذا إنْ جُعِلَ مَفْعُولًا لَهُ لَكِنْ عَلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ. ﴿واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

8:48Page 183

وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤٨

And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed, I fear Allāh. And Allāh is severe in penalty."

﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ. ﴿أعْمالَهُمْ﴾ في مُعاداةِ الرَّسُولِ ﷺ وغَيْرَها بِأنْ وسْوَسَ إلَيْهِمْ. ﴿وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ مَقالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ والمَعْنى: أنَّهُ ألْقى في رَوْعِهِمْ وخَيَّلَ إلَيْهِمْ أنَّهم لا يُغْلَبُونَ ولا يُطاقُونَ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وأوْهَمَهم أنَّ اتِّباعَهم إيّاهُ فِيما يَظُنُّونَ أنَّها قُرُباتُ مُجِيرٍ لَهم حَتّى قالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أهْدى الفِئَتَيْنِ وأفْضَلَ الدِّينَيْنِ، ولَكم خَبَرُ لا غالِبَ أوْ صِفَتُهُ ولَيْسَ صِلَتُهُ وإلّا لانْتَصَبَ كَقَوْلِكَ: لا ضارِبًا زَيْدًا عِنْدَنا. ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ أيْ تَلاقى الفَرِيقانِ. ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ رَجَعَ القَهْقَرى أيْ بَطَلَ كَيْدُهُ وعادَ ما خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ مُجِيرُهم سَبَبَ هَلاكِهِمْ. ﴿وَقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ أيْ تَبَرَّأ مِنهم وخافَ عَلَيْهِمْ وأيِسَ مِن حالِهِمْ لَمّا رَأى إمْدادَ اللَّهِ المُسْلِمِينَ بِالمَلائِكَةِ، وقِيلَ: لَمّا اجْتَمَعَتْقُرَيْشٌ عَلى المَسِيرِ ذَكَرَتْ ما بَيْنَهم وبَيْنَ كِنانَةَ مِنَ الإحْنَةِ وكادَ ذَلِكَ يَثْنِيهِمْ، فَتَمَثَّلَ لَهم إبْلِيسُ بِصُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ الكِنانِيِّ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ وإنِّي مُجِيرُكم مِن بَنِي كِنانَةَ، فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ تَنْزِلُ نَكَصَ وكانَ يَدُهُ في يَدِ الحَرْثِ بْنِ هِشامٍ فَقالَ لَهُ: إلى أيْنَ أتَخْذُلُنا في هَذِهِ الحالَةِ فَقالَ إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، ودَفَعَ في صَدْرِ الحارِثِ وانْطَلَقَ وانْهَزَمُوا، فَلَمّا بَلَغُوا مَكَّةَ قالُوا هَزَمَ النّاسَ سُراقَةُ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقالَ: واللَّهِ ما (p-63)شَعَرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكم فَلَمّا أسْلَمُوا عَلِمُوا أنَّهُ الشَّيْطانُ. وعَلى هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ إنِّي أخافُهُ أنْ يُصِيبَنِي مَكْرُوهٌ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ يُهْلِكَنِي ويَكُونُ الوَقْتُ هو الوَقْتُ المَوْعُودُ إذْ رَأى فِيهِ ما لَمْ يَرَ قَبْلَهُ، والأوَّلُ ما قالَهُ الحَسَنُ واخْتارَهُ ابْنُ بَحْرٍ. ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.

8:49Page 183

إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩

[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease [i.e., arrogance and disbelief] said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allāh - then indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ والَّذِينَ لَمْ يَطْمَئِنُّوا إلى الإيمانِ بَعْدُ وبَقِيَ في قُلُوبِهِمْ شُبْهَةٌ. وقِيلَ هُمُ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ المُنافِقُونَ والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ. ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنُونَ المُؤْمِنِينَ. ﴿دِينُهُمْ﴾ حَتّى تَعَرَّضُوا لِما لا يَدِيَ لَهم بِهِ فَخَرَجُوا وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ إلى زُهاءِ ألْفٍ. ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ جَوابٌ لَهم. ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُذِلُّ مَنِ اسْتَجارَ بِهِ وإنَّ قَلَّ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ بِحِكْمَتِهِ البالِغَةِ ما يَسْتَبْعِدُهُ العَقْلُ ويَعْجَزُ عَنْ إدْراكِهِ.

8:50–51Page 183

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٥٠

And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved...1 They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٥١

That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

﴿وَلَوْ تَرى﴾ ولَوْ رَأيْتَ فَإنَّ لَوْ تَجْعَلُ المُضارِعَ ماضِيًا عَكْسَ إنْ. ﴿إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ بِبَدْرٍ، وإذْ ظَرْفُ تَرى والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَوْ تَرى الكَفَرَةَ أوْ حالَهم حِينَئِذٍ، والمَلائِكَةُ فاعِلُ يَتَوَفّى ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِالتّاءِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، واسْتُغْنِيَ فِيهِ بِالضَّمِيرِ عَنِ الواوِ وهو عَلى الأوَّلِ حالٌ مِنهم أوْ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنهُما لِاشْتِمالِهِ عَلى الضَّمِيرَيْنِ. ﴿وَأدْبارَهُمْ﴾ ظُهُورَهم أوْ أسْتاهَهم، ولَعَلَّ المُرادَ تَعْمِيمُ الضَّرْبِ أيْ يَضْرِبُونَ ما أقْبَلَ مِنهم وما أدْبَرَ. ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ عُطِفَ عَلى يَضْرِبُونَ بِإضْمارِ القَوْلِ أيْ ويَقُولُونَ ذُوقُوا بِشارَةً لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ. وقِيلَ كانَتْ مَعَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ كُلَّما ضَرَبُوا التَهَبَتِ النّارُ مِنها، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِتَقْطِيعِ الأمْرِ وتَهْوِيلِهِ.

﴿ذَلِكَ﴾ الضَّرْبُ والعَذابُ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ بِسَبَبِ ما كَسَبَتْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي وهو خَبَرٌ لِذَلِكَ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عُطِفَ عَلى « ما» لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّتَهُ مُقَيَّدَةٌ بِانْضِمامِهِ إلَيْهِ إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لا أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ. فَإنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحِقِّهِ لَيْسَ بِظُلْمٍ شَرْعًا ولا عَقْلًا حَتّى يَنْتَهِضَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ وظَلّامٍ التَّكْثِيرُ لِأجْلِ العَبِيدِ.

8:52–54Page 183

كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٥٢

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allāh, so Allāh seized them for their sins. Indeed, Allāh is Powerful and severe in penalty.

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٥٣

That is because Allāh would not change a favor which He had bestowed upon a people until they change what is within themselves. And indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٥٤

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They denied the signs of their Lord, so We destroyed them for their sins, and We drowned the people of Pharaoh. And all [of them] were wrongdoers.

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ دَأْبُ هَؤُلاءِ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وهو عَمَلُهم وطَرِيقُهُمُ الَّذِي دَأبُوا فِيهِ أيْ دامُوا عَلَيْهِ. ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ. ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ. ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كَما أخَذَ هَؤُلاءِ. ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لا يَغْلِبُهُ في دَفْعِهِ شَيْءٌ.

(p-64)﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَلَّ بِهِمْ. ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ. ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ﴾ مُبَدِّلًا إيّاها بِالنِّقْمَةِ. ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ يُبَدِّلُوا ما بِهِمْ مِنَ الحالِ إلى حالٍ أسْوَأ، كَتَغْيِيرِ قُرَيْشٍ حالَهم في صِلَةِ الرَّحِمِ والكَفِّ عَنْ تَعَرُّضِ الآياتِ والرُّسُلِ بِمُعاداةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن تَبِعَهُ مِنهم، والسَّعْيِ في إراقَةِ دِمائِهِمْ والتَّكْذِيبِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أحْدَثُوهُ بَعْدَ المَبْعَثِ، ولَيْسَ السَّبَبُ عَدَمَ تَغْيِيرِ اللَّهِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ حَتّى يُغَيِّرُوا حالَهم بَلْ ما هو المَفْهُومُ لَهُ وهو جَرْيُ عادَتِهِ عَلى تَغْيِيرِهِ مَتى يُغَيِّرُوا حالَهم، وأصْلُ يَكُ يَكُونُ فَحُذِفَتِ الحَرَكَةُ لِلْجَزْمِ ثُمَّ الواوُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ثُمَّ النُّونُ لِشَبَهِهِ بِالحُرُوفِ اللَّيِّنَةِ تَخْفِيفًا.

﴿وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يَفْعَلُونَ.

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِما نِيطَ بِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كُفْرانِ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ وبَيانُ ما أُخِذَ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ الأوَّلُ لِتَشْبِيهِ الكُفْرِ والأخْذِ بِهِ والثّانِي لِتَشْبِيهِ التَّغْيِيرِ في النِّعْمَةِ بِسَبَبِ تَغْيِيرِهِمْ ما بِأنْفُسِهِمْ. وكُلٌّ مِنَ الفِرَقِ المُكَذِّبَةِ، أوْ مِن غَرْقى القِبْطِ وقَتْلى قُرَيْشٍ. ﴿كانُوا ظالِمِينَ﴾ أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي.

8:55–56Page 184

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٥

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are those who have disbelieved, and they will not [ever] believe-

ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ ٥٦

The ones with whom you made a treaty but then they break their pledge every time, and they do not fear Allāh.

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ ورَسَخُوا فِيهِ. ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَلا يُتَوَقَّعُ مِنهم إيمانٌ، ولَعَلَّهُ إخْبارٌ عَنْ قَوْمٍ مَطْبُوعِينَ عَلى الكَفْرِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، والفاءُ لِلْعَطْفِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَحَقُّقَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي تَحَقُّقَ المَعْطُوفِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَدَلَ البَعْضِ لِلْبَيانِ والتَّخْصِيصِ، وهم يَهُودُ قُرَيْظَةَ عاهَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يُمالِئُوا عَلَيْهِ فَأعانُوا المُشْرِكِينَ بِالسِّلاحِ وقالُوا: نَسِينا ثُمَّ عاهَدَهم فَنَكَثُوا ومالَؤُوهم عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، ورَكِبَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ إلى مَكَّةَ فَحالَفَهم. ومِن لِتَضْمِينِ المُعاهَدَةِ مَعْنى الأخْذِ والمُرادُ بِالمَرَّةِ مَرَّةُ المُعاهَدَةِ أوِ المُحارَبَةِ.

﴿وَهم لا يَتَّقُونَ﴾ سُبَّةُ الغَدْرِ ومَغَبَّتُهُ، أوْ لا يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِ أوْ نَصْرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَسْلِيطَهُ إيّاهم عَلَيْهِمْ.

8:57–58Page 184

فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ فَشَرِّدۡ بِهِم مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٥٧

So if you, [O Muḥammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.1

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٨

If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms.1 Indeed, Allāh does not like traitors.

﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ فَإمّا تُصادِفَنَّهم وتَظْفَرَنَّ بِهِمْ، ﴿فِي الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ فَفَرِّقْ عَنْ مُناصِبَتِكَ ونَكِّلْ عَنْها بِقَتْلِهِمْ والنِّكايَةِ فِيهِمْ ﴿مَن خَلْفَهُمْ﴾ مَن وراءَهم مِنَ الكَفَرَةِ والتَّشْرِيدُ تَفْرِيقٌ عَلى اضْطِرابٍ. وقُرِئَ « فَشَرِّذْ» بِالذّالِ المُعْجَمَةِ وكَأنَّهُ مَقْلُوبُ شَذَرَ و ﴿مَن خَلْفَهُمْ﴾، والمَعْنى واحِدٌ فَإنَّهُ إذا شَرَدَ مَن وراءَهم فَقَدْ فَعَلَ التَّشْرِيدُ في الوَراءِ. ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ لَعَلَّ المُشَرَّدِينَ يَتَّعِظُونَ.

﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ﴾ مُعاهَدِينَ. ﴿خِيانَةً﴾ نَقْضَ عَهْدٍ بِأماراتٍ تَلُوحُ لَكَ. ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ فاطْرَحْ إلَيْهِمْ عَهْدَهم. ﴿عَلى سَواءٍ﴾ عَلى عَدْلٍ وطَرِيقِ قَصْدٍ في العَداوَةِ ولا تُناجِزْهُمُ الحَرْبَ فَإنَّهُ يَكُونُ خِيانَةً مِنكَ، أوْ عَلى سَواءٍ في الخَوْفِ أوِ العِلْمِ بِنَقْضِ العَهْدِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّابِذِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْ ثابِتًا عَلى طَرِيقٍ سَوِيٍّ أوْ مِنهُ أوْ مِنَ المَنبُوذِ إلَيْهِمْ أوْ مِنهُما عَلى غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالنَّبْذِ والنَّهْيِ عَنْ مُناجَزَةِ القِتالِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالحالِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ.

8:59Page 184

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ ٥٩

And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allāh].

(وَلا تَحْسَبَنَّ) خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ مَفْعُولاهُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ (p-65)بِالياءِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ أحَدٍ أوْ ﴿مَن خَلْفَهُمْ﴾، أوِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والمَفْعُولُ الأوَّلُ أنْفُسُهم فَحُذِفَ لِلتَّكْرارِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ أنْ سَبَقُوا وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ أنِ المَصْدَرِيَّةَ كالمَوْصُولِ فَلا تُحْذَفُ أوْ عَلى إيقاعِ الفِعْلِ عَلى (أنَّهم لا يُعْجِزُونَ) بِالفَتْحِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وأنَّ ﴿لا﴾ صِلَةٌ و ﴿سَبَقُوا﴾ حالٌ بِمَعْنى سابِقِينَ أيْ مُفْلِتِينَ، والأظْهَرُ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ: لا تَحْسَبَنَّهم سَبَقُوا فَأفْلَتُوا لِأنَّهم لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، أوْ لا يَجِدُونَ طالِبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ وكَذا إنْ كَسَرْتَ إنَّ إلّا أنَّهُ تَعْلِيلٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ، ولَعَلَّ الآيَةَ إزاحَةٌ لِما يُحَذِّرُ بِهِ مِن نَبْذِ العَهْدِ وإيقاظِ العَدُوِّ، وقِيلَ نَزَلَتْ فِيمَن أفْلَتَ مِن فُلِّ المُشْرِكِينَ.

8:60–61Page 184

وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٦٠

And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war1 by which you may terrify the enemy of Allāh and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allāh knows. And whatever you spend in the cause of Allāh will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦١

And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.

﴿وَأعِدُّوا﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿لَهُمْ﴾ لِناقِضِي العَهْدِ أوِ الكُفّارِ. ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ مِن كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ.

وَعَنْ عَقَبَةَ بْنِ عامِرٍ سَمِعْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ «ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ قالَها ثَلاثًا» ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أقْواهُ. ﴿وَمِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أوْ مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ يُقالُ رَبَطَ رَبْطًا ورِباطًا ورابَطَ مُرابَطَةً ورِباطًا، أوْ جَمْعُ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ. وقُرِئَ « رُبُطِ الخَيْلِ» بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِها جَمْعُ رِباطٍ وعَطْفُها عَلى القُوَّةِ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى المَلائِكَةِ. ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ تُخَوِّفُونَ بِهِ، وعَنْ يَعْقُوبَ ﴿تُرْهِبُونَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ والضَّمِيرُ لِـ ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ أوْ لِلْإعْدادِ.

﴿عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ. ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ. قِيلَ هُمُ اليَهُودُ وقِيلَ المُنافِقُونَ وقِيلَ الفُرْسُ. ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ لا تَعْرِفُونَهم بِأعْيانِهِمْ. ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ يَعْرِفُهم. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ جَزاؤُهُ. ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ بِتَضْيِيعِ العَمَلِ أوْ نَقْصِ الثَّوابِ.

﴿وَإنْ جَنَحُوا﴾ مالُوا ومِنهُ الجَناحُ. وقَدْ يُعَدّى بِاللّامِ وإلى. ﴿لِلسَّلْمِ﴾ لِلصُّلْحِ أوِ الِاسْتِسْلامِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالكَسْرِ. ﴿فاجْنَحْ لَها﴾ وعاهِدْ مَعَهم وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ لِحَمْلِ السَّلْمِ عَلى نَقِيضِها فِيهِ. قالَ:

؎ السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيَتْ بِهِ. . . والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جَرَعُ

وَقُرِئَ « فاجْنُحْ» بِالضَّمِّ. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ولا تَخْفَ مِن إبْطانِهِمْ خِداعًا فِيهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِن مَكْرِهِمْ ويُحِيقُهُ بِهِمْ. ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِهِمْ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِنِيّاتِهِمْ. والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأهْلِ الكِتابِ لِاتِّصالِها بِقِصَّتِهِمْ وقِيلَ عامَّةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.

8:62–63Page 185

وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٢

But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allāh. It is He who supported you with His help and with the believers

وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٣

And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allāh brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.

﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ فَإنَّ مَحْسَبَكَ اللَّهُ وكافِيكَ قالَ جَرِيرٌ:

؎ إنِّي وجَدْتُ مِنَ المَكارِمْ حَسْبَكم. . . أنْ تَلْبِسُوا حُرَّ الثِّيابِ وتَشْبَعُوا

﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ جَمِيعًا.

﴿وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مَعَ ما فِيهِمْ مِنَ العَصَبِيَّةِ والضَّغِينَةِ في أدْنى شَيْءٍ، والتَّهالُكُ عَلى الِانْتِقامِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَأْتَلِفُ فِيهِمْ قَلْبانِ حَتّى صارُوا كَنَفْسِ واحِدَةٍ، وهَذا مِن مُعْجِزاتِهِ ﷺ، وبَيانُهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ تَناهِي عَداوَتِهِمْ إلى حَدِّ لَوْ أنْفَقَ مُنْفِقٌ في إصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ ما فى الأرْضِ (p-66)مِنَ الأمْوالِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الأُلْفَةِ والإصْلاحِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بِقُدْرَتِهِ البالِغَةِ، فَإنَّهُ المالِكُ لِلْقُلُوبِ يُقَلِّبُها كَيْفَ يَشاءُ. ﴿إنَّهُ عَزِيزٌ﴾ تامُّ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ لا يَعْصى عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَ ما يُرِيدُهُ، وقِيلَ الآيَةُ في الأوْسِ والخَزْرَجِ كانَ بَيْنَهم مِحَنٌ لا أمَدَ لَها ووَقائِعُ هَلَكَتْ فِيها ساداتُهم، فَأنْساهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ وألَّفَ بَيْنَهم بِالإسْلامِ حَتّى تَصافَوْا وصارُوا أنْصارًا.

8:64Page 185

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٤

O Prophet, sufficient for you is Allāh and for whoever follows you of the believers.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ كافِيكَ. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ إمّا في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ كَقَوْلِهِ:

؎ إذا كانَتِ الهَيْجاءُ واشْتَجَرَ القَنا. . . فَحَسْبُكَ والضَّحّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّدُ

أوِ الجَرِّ عَطْفًا عَلى المَكْنِيِّ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، أوِ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى أيْ كَفاكَ اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ.

والآيَةُ نَزَلَتْ بِالبَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وقِيلَ أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَنَزَلَتْ. ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَزَلَتْ في إسْلامِهِ.

8:65–66Page 185

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ٦٥

O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are steadfast], they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.

ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٦٦

Now, Allāh has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allāh. And Allāh is with the steadfast.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ بالَغَ في حَثِّهِمْ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ الحَرَضُ وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ حَتّى يَشْفِيَ عَلى المَوْتِ وقُرِئَ « حَرِّصِ» مِنَ الحِرْصِ. ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شَرْطٌ في مَعْنى الأمْرِ بِمُصابَرَةِ الواحِدِ لِلْعِشَرَةِ، والوَعْدُ بِأنَّهم إنْ صَبَرُوا غَلَبُوا بِعَوْنِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ « تَكُنْ» بِالتّاءِ في الآيَتَيْنِ ووافَقَهُمُ البَصْرِيّانِ في (وَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ) . ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ بِسَبَبٍ أنَّهم جَهَلَةٌ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لا يُثْبِتُونَ ثِيابَ المُؤْمِنِينَ رَجاءَ الثَّوابِ وعَوالِي الدَّرَجاتِ قَتَلُوا أوْ قُتِلُوا ولا يَسْتَحِقُّونَ مِنَ اللَّهِ إلّا الهَوانَ والخِذْلانَ.

﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ لَمّا أوْجَبَ عَلى الواحِدِ مُقاوَمَةَ العَشَرَةِ والثَّباتَ لَهم وثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ خَفَّفَ عَنْهم بِمُقاوَمَةِ الواحِدِ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ كانَ فِيهِمْ قِلَّةٌ فَأُمِرُوا بِذَلِكَ ثُمَّ لَمّا كَثُرُوا خَفَّفَ عَنْهم، وتَكْرِيرُ المَعْنى الواحِدِ بِذِكْرِ الأعْدادِ المُتَناسِبَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حُكْمَ القَلِيلِ والكَثِيرِ واحِدٌ والضَّعْفَ ضَعْفُ البَدَنِ. وقِيلَ ضَعْفُ البَصِيرَةِ وكانُوا مُتَفاوِتِينَ فِيها، وفِيهِ لُغَتانِ الفَتْحُ وهو قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والضَّمُّ وهو قِراءَةُ الباقِينَ. ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ فَكَيْفَ لا يَغْلِبُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском