Al-BaydawiAt‑Tawbah · 9:97–117

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:97–117

9:97–98Page 202

ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٩٧

The bedouins are stronger in disbelief and hypocrisy and more likely not to know the limits of what [laws] Allāh has revealed to His Messenger. And Allāh is Knowing and Wise.

وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٩٨

And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss1 and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allāh is Hearing and Knowing.

(p-95)﴿الأعْرابُ﴾ أهْلُ البَدْوِ. ﴿أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ مِن أهْلِ الحَضَرِ لِتَوَحُّشِهِمْ وقَساوَتِهِمْ وعَدَمِ مُخالَطَتِهِمْ لِأهْلِ العِلْمِ وقِلَّةِ اسْتِماعِهِمْ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ. ﴿وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا﴾ وأحَقُّ بِأنْ لا يَعْلَمُوا. ﴿حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ فَرائِضِها وسَنَتِها. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِعِلْمِ حالِ كُلِّ أحَدٍ مِن أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ. ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يُصِيبُ بِهِ مُسِيئُهم ومُحْسِنُهم عِقابًا وثَوابًا.

﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ﴾ يَعُدُّ ﴿ما يُنْفِقُ﴾ يَصْرِفُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ويَتَصَدَّقُ بِهِ. ﴿مَغْرَمًا﴾ غَرامَةً وخُسْرانًا إذْ لا يَحْتَسِبُهُ قُرْبَةً عِنْدَ اللَّهِ ولا يَرْجُو عَلَيْهِ ثَوابًا وإنَّما يُنْفِقُ رِياءً أوْ تَقِيَّةً. ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ دَوائِرَ الزَّمانِ ونُوَبَهُ لِيَنْقَلِبَ الأمْرُ عَلَيْكم فَيَتَخَلَّصَ مِنَ الإنْفاقِ. ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ اعْتِراضٌ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِنَحْوِ ما يَتَرَبَّصُونَ أوِ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ما يَتَرَبَّصُونَ عَلَيْهِمْ، والدّائِرَةُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ فاعِلٍ مِن دارَ يَدُورُ وسُمِّيَ بِهِ عَقَبَةُ الزَّمانِ، والسَّوْءِ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِكَ رَجُلُ صِدْقٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (السَّوْءِ) هُنا. وفي الفَتْحِ بِضَمِّ السِّينِ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَ عِنْدَ الإنْفاقِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يُضْمِرُونَ.

9:99Page 202

وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٩

But among the bedouins are some who believe in Allāh and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allāh and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allāh will admit them to His mercy. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ سَبَبَ ﴿قُرُباتٍ﴾ وهي ثانِي مَفْعُولَيْ يَتَّخِذُ، وعِنْدَ اللَّهِ صِفَتُها أوْ ظَرْفٌ لِـ (يَتَّخِذُ) . ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ وسَبَبَ صَلَواتِهِ لِأنَّهُ ﷺ كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ ويَسْتَغْفِرُ لَهم، ولِذَلِكَ سَنَّ لِلْمُصَّدَّقِ عَلَيْهِ أنْ يَدْعُوَ لِلْمُصَّدِّقِ عِنْدَ أخْذِ صَدَقَتِهِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ كَما قالَ ﷺ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى»، لِأنَّهُ مَنصِبُهُ فَلَهُ أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلى غَيْرِهِ. ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ بِصِحَّةِ مُعْتَقَدِهِمْ وتَصْدِيقٌ لِرَجائِهِمْ عَلى الِاسْتِئْنافِ مَعَ حَرْفِ التَّنْبِيهِ وإنَّ المُحَقِّقَةَ لِلنِّسْبَةِ والضَّمِيرِ لِنَفَقَتِهِمْ وقَرَأ ورْشٌ ﴿قُرْبَةٌ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ. ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ وعْدٌ لَهم بِإحاطَةِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ والسِّينُ لِتَحْقِيقِهِ وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِتَقْرِيرِهِ. وقِيلَ الأُولى في أسَدٍ وغَطَفانَ وبَنِي تَمِيمٍ والثّانِيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ ذِي البِجادَيْنِ وقَوْمِهِ.

9:100Page 203

وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠

And the first forerunners [in the faith] among the Muhājireen1 and the Anṣār2 and those who followed them with good conduct - Allāh is pleased with them and they are pleased with Him, and He has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.

﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القُبْلَتَيْنِ أوِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا أوِ الَّذِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ. ﴿والأنْصارِ﴾ أهْلُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الأُولى. وكانُوا سَبْعَةً وأهْلُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ وكانُوا سَبْعِينَ والَّذِينَ آمَنُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ أبُو زَرارَةَ صَعْبُ بْنُ عُمَيْرٍ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ﴿والسّابِقُونَ﴾ . ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ اللّاحِقُونَ بِالسّابِقِينَ مِنَ القَبِيلَتَيْنِ، أوْ مَنِ اتَّبَعُوهم بِالإيمانِ والطّاعَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بِقَبُولِ طاعَتِهِمْ وارْتِضاءِ أعْمالِهِمْ. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بِما نالُوا مِن نِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿وَأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « مِن تَحْتِها الأنْهارُ» كَما في سائِرِ المَواضِعِ. ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .

9:101Page 203

وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ ١٠١

And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madīnah. They have persisted in hypocrisy. You, [O Muḥammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.

(p-96)﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ أيْ ومِمَّنْ حَوْلَ بَلْدَتِكم يَعْنِي المَدِينَةَ. ﴿مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةٌ وأسْلَمُ وأشْجَعُ وغِفارٌ كانُوا نازِلِينَ حَوْلَها. ﴿وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ عُطِفَ عَلى (مِمَّنْ حَوْلَكُمْ) أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ صِفَتُهُ. ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ ونَظِيرُهُ في حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ قَوْلُهُ:

أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعُ الثَّنايا وعَلى الأوَّلِ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ فَصَلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِالمَعْطُوفِ عَلى الخَبَرِ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ تَمَرُّنِهِمْ وتَمَهُّرِهِمْ في النِّفاقِ. ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ لا تَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ وهو تَقْرِيرٌ لِمَهارَتِهِمْ فِيهِ وتَنَوُّقِهِمْ في تَحامِي مَواقِعِ التُّهَمِ إلى حَدٍّ أخْفى عَلَيْكَ حالَهم مَعَ كَمالِ فِطْنَتِكَ وصِدْقِ فِراسَتِكَ. ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ونَطَّلِعُ عَلى أسْرارِهِمْ إنْ قَدِرُوا أنْ يُلْبِسُوا عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا أنْ يُلْبِسُوا عَلَيْنا. ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ بِالفَضِيحَةِ والقَتْلِ أوْ بِأحَدِهِما وعَذابِ القَبْرِ، أوْ بِأخْذِ الزَّكاةِ ونَهْكِ الأبْدانِ. ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ إلى عَذابِ النّارِ.

9:102Page 203

وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٠٢

And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed [i.e., polluted] a righteous deed with another that was bad.1 Perhaps Allāh will turn to them in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ ولَمْ يَعْتَذِرُوا عَنْ تَخَلُّفِهِمْ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ، وهم طائِفَةٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ أوْثَقُوا أنْفُسَهم عَلى سَوارِي المَسْجِدِ لَمّا بَلَغَهم ما نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ المَسْجِدَ عَلى عادَتِهِ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ فَرَآهم فَسَألَ عَنْهم فَذُكِرَ لَهُ أنَّهم أقْسَمُوا أنْ لا يَحُلُّوا أنْفُسَهم حَتّى تَحُلَّهم فَقالَ: وأنا أُقْسِمُ أنْ لا أحُلَّهم حَتّى أُومَرَ فِيهِمْ فَنَزَلَتْ فَأطْلَقُهم.

﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ خَلَطُوا العَمَلَ الصّالِحَ الَّذِي هو إظْهارُ النَّدَمِ والِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ بِآخَرَ سَيِّئٍ هو التَّخَلُّفُ ومُوافَقَةُ أهْلِ النِّفاقِ، والواوُ إمّا بِمَعْنى الباءِ كَما في قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا. أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَخْلُوطٌ بِالآخَرِ. ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهم وهي مَدْلُولٌ عَلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ . ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَتَجاوَزُ عَنِ التّائِبِ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ.

9:103–104Page 203

خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٠٣

Take, [O Muḥammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allāh's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allāh is Hearing and Knowing.

أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤

Do they not know that it is Allāh who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allāh who is the Accepting of Repentance,1 the Merciful?

﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ رُوِيَ: أنَّهم لَمّا أُطْلِقُوا قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي خَلَّفَتْنا فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا فَقالَ: «ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا» فَنَزَلَتْ. ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ أوْ حُبِّ المالِ المُؤَدِّي بِهِمْ إلى مِثْلِهِ. وقُرِئَ « تَطَهَّرَهم» مِن أطْهَرَهُ بِمَعْنى طَهَّرَهُ و « تُطَهِّرْهم» بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ. ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ وتُنَمِّي بِها حَسَناتِهِمْ وتَرْفَعُهم إلى مَنازِلِ المُخْلِصِينَ. ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ واعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ لَهم.

﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ تَسْكُنُ إلَيْها نُفُوسُهم وتَطْمَئِنُّ بِها قُلُوبُهم، وجَمَعَها لِتَعَدُّدِ المَدْعُوِّ لَهم وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالتَّوْحِيدِ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ بِاعْتِرافِهِمْ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنَدامَتِهِمْ.

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْمَتُوبِ عَلَيْهِمْ والمُرادُ أنْ يُمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ والِاعْتِدادَ بِصَدَقاتِهِمْ، أوْ لِغَيْرِهِمْ والمُرادُ بِهِ التَّحْضِيضُ عَلَيْهِما. ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ إذا صَحَّتْ وتَعْدِيَتُهُ بِـ ﴿عَنْ﴾ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّجاوُزِ. ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ يَقْبَلُها قَبُولَ مَن يَأْخُذُ شَيْئًا لِيُؤَدِّيَ بَدَلَهُ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ وأنَّ مِن شَأْنِهِ قَبُولَ تَوْبَةِ التّائِبِينَ والتَّفَضُّلَ عَلَيْهِمْ.

9:105–106Page 203

وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥

And say, "Do [as you will], for Allāh will see your deeds, and [so will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠٦

And [there are] others deferred until the command of Allāh - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allāh is Knowing and Wise.

(p-97)﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ ما شِئْتُمْ. ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. ﴿وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَنْهم كَما رَأيْتُمْ وتَبَيَّنَ لَكم. ﴿وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ بِالمَوْتِ. ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِالمُجازاةِ عَلَيْهِ.

﴿وَآخَرُونَ﴾ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ. ﴿مُرْجَوْنَ﴾ مُؤَخَّرُونَ أيْ مَوْقُوفٌ أمْرُهم مِن أرْجَأْتَهُ إذا أخَّرْتَهُ. وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ بِالواوِ وهُما لُغَتانِ. ﴿لأمْرِ اللَّهِ﴾ في شَأْنِهِمْ. ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ أصَرُّوا عَلى النِّفاقِ. ﴿وَإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابُوا والتَّرْدِيدُ لِلْعِبادِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ. ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يَفْعَلُ بِهِمْ. وقُرِئَ « واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ أصْحابَهُ أنْ لا يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ ولا يُكَلِّمُوهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ أخْلَصُوا نِيّاتِهِمْ وفَوَّضُوا أمْرَهم إلى اللَّهِ فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

9:107Page 204

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allāh and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allāh testifies that indeed they are liars.

﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ وفِيمَن وصَفْنا الَّذِينَ اتَّخَذُوا أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ الواوِ ﴿ضِرارًا﴾ مُضارَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ.

وَرُوِيَ: « (أنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لَمّا بَنَوْا مَسْجِدَ قِباءَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم فَأتاهم فَصَلّى فِيهِ فَحَسَدَتْهم إخْوانُهم بَنُو غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ، فَبَنَوْا مَسْجِدًا عَلى قَصْدِ أنْ يَؤُمَّهم فِيهِ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ إذا قَدِمَ مِنَ الشّامِ فَلَمّا أتَمُّوهُ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنّا قَدْ بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي الحاجَةِ والعِلَّةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ والشّاتِيَةِ فَصَلِّ فِيهِ حَتّى نَتَّخِذَهُ مُصَلًّى فَأخَذَ ثَوْبَهُ لِيَقُومَ مَعَهم فَنَزَلَتْ، فَدَعا بِمالِكِ بْنِ الدِّخْشَمِ ومَعْنِ بْنِ عُدَيٍّ وعامِرِ بْنِ السَّكَنِ والوَحْشِيِّ فَقالَ لَهم: انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمُوهُ وأحْرِقُوهُ فَفُعِلَ واتُّخِذَ مَكانَهُ كُناسَةٌ.»

﴿وَكُفْرًا﴾ وتَقْوِيَةً لِلْكُفْرِ الَّذِي يُضْمِرُونَهُ. ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ يُرِيدُ الَّذِي كانُوا يَجْتَمِعُونَ لِلصَّلاةِ في مَسْجِدِ قِباءَ. ﴿وَإرْصادًا﴾ تَرَقُّبًا. ﴿لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي الرّاهِبَ فَإنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: لا أجِدُ قَوْمًا يُقاتِلُونَكَ إلّا قاتَلْتُكَ مَعَهم، فَلَمْ يَزَلْ يُقاتِلُهُ إلى يَوْمِ حُنَيْنٍ حَتّى انْهَزَمَ مَعَ هَوازِنَ وهَرَبَ إلى الشّامِ لِيَأْتِيَ مِن قَيْصَرَ بِجُنُودٍ يُحارِبُ بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وماتَ بِقَنْسَرِينَ وحِيدًا، وقِيلَ كانَ يَجْمَعُ الجُيُوشَ يَوْمَ الأحْزابِ فَلَمّا انْهَزَمُوا خَرَجَ إلى الشّامِ. (وَمِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿حارَبَ﴾ أوْ بِـ ﴿اتَّخَذُوا﴾ أيِ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا مِن قَبْلِ أنْ يُنافِقَ هَؤُلاءِ بِالتَّخَلُّفِ، لِما رُوِيَ «أنَّهُ بُنِيَ قُبَيْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهُ فَقالَ: أنا عَلى جَناحِ سَفَرٍ وإذا قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ صَلَّيْنا فِيهِ فَلَمّا قَفَلَ كَرَّرَ عَلَيْهِ. فَنَزَلَتْ» ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى﴾ ما أرَدْنا بِبِنائِهِ إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى أوِ الإرادَةَ الحُسْنى وهي الصَّلاةُ والذِّكْرُ والتَّوْسِعَةُ عَلى المُصَلِّينَ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في حَلِفِهِمْ.

9:108Page 204

لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨

Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day1 is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allāh loves those who purify themselves.

﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ لِلصَّلاةِ. ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى﴾ يَعْنِي مَسْجِدَ قِباءَ أسَّسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَلّى فِيهِ أيّامَ مَقامِهِ بِقِباءَ مِنَ الِاثْنَيْنِ إلى الجُمُعَةِ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِلْقِصَّةِ، أوْ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ فَقالَ هو مَسْجِدُكم هَذا مَسْجِدُ المَدِينَةِ» .

﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِ وُجُودِهِ ومِن يَعُمُّ الزَّمانَ والمَكانَ كَقَوْلِهِ:

؎ لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحَجَرِ. . . أقَوَيْنَ مِن حُجَجٍ ومِن دَهْرٍ

(p-98)﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أوْلى بِأنْ تُصَلِّيَ فِيهِ. ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ مِنَ المَعاصِي والخِصالِ المَذْمُومَةِ طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقِيلَ مِنَ الجَنابَةِ فَلا يَنامُونَ عَلَيْها. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ يَرْضى عَنْهم ويُدْنِيهِمْ مِن جَنابِهِ تَعالى إدْناءَ المُحِبِّ حَبِيبَهُ.

قِيلَ «لَمّا نَزَلَتْ مَشى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ المُهاجِرُونَ حَتّى وقَفَ عَلى بابِ مَسْجِدِ قِباءَ فَإذا الأنْصارُ جُلُوسٌ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « أمُؤْمِنُونَ أنْتُمْ» ؟ فَسَكَتُوا. فَأعادَها فَقالَ عُمَرُ: إنَّهم مُؤْمِنُونَ وأنا مَعَهم، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « أتَرْضَوْنَ بِالقَضاءِ» ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ» ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: « أتُشْكَرُونَ في الرَّخاءِ» ؟ قالُوا: نَعَمْ. فَقالَ ﷺ: « أنْتُمْ مُؤْمِنُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ» . فَجَلَسَ ثُمَّ قالَ: « يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أثْنى عَلَيْكم فَما الَّذِي تَصْنَعُونَ عِنْدَ الوُضُوءِ وعِنْدَ الغائِطِ» ؟ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ نُتْبِعُ الغائِطَ الأحْجارَ الثَّلاثَةَ ثُمَّ نُتْبِعُ الأحْجارَ الماءَ فَتَلا ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ .»

9:109Page 204

أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩

Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allāh and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allāh does not guide the wrongdoing people.

﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ بُنْيانَ دِينِهِ. ﴿عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ﴾ عَلى قاعِدَةٍ مُحْكَمَةٍ هي التَّقْوى مِنَ اللَّهِ وطَلَبُ مَرْضاتِهِ بِالطّاعَةِ. ﴿أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾ عَلى قاعِدَةٍ هي أضْعَفُ القَواعِدِ وأرْخاها. ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ فَأدّى بِهِ لِخَوْرِهِ وقِلَّةِ اسْتِمْساكِهِ إلى السُّقُوطِ في النّارِ، وإنَّما وضَعَ شَفا الجَرْفِ وهو ما جَرَفَهُ الوادِي الهائِرُ في مُقابَلَةِ التَّقْوى تَمْثِيلًا لِما بَنَوْا عَلَيْهِ أمْرَ دِينِهِمْ في البُطْلانِ وسُرْعَةِ الِانْطِماسِ، ثُمَّ رَشَّحَهُ بِانْهِيارِهِ بِهِ في النّارِ ووَضَعَهُ في مُقابَلَةِ الرِّضْوانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَأْسِيسَ ذَلِكَ عَلى أمْرٍ يَحْفَظُهُ مِنَ النّارِ ويُوَصِّلُهُ إلى رِضْوانِ اللَّهِ ومُقْتَضَياتِهِ الَّتِي الجَنَّةُ أدْناها، وتَأْسِيسُ هَذا عَلى ما هم بِسَبَبِهِ عَلى صَدَدِ الوُقُوعِ في النّارِ ساعَةً فَساعَةً ثُمَّ إنَّ مَصِيرَهم إلى النّارِ لا مَحالَةَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (أُسِّسَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ « أساسَ بُنْيانِهِ» و « أسَسَ بُنْيانِهِ» عَلى الإضافَةِ و « أسَّسَ» و « آساسَ» بِالفَتْحِ والمَدِّ و « إساسَ» بِالكَسْرِ وثَلاثَتُها جَمْعُ أسَّ، و « تَقْوى» بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّ الألِفَ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ كَتَتْرى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ﴿جُرُفٍ﴾ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ إلى ما فِيهِ صَلاحُهم ونَجاتُهم.

9:110Page 204

لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١١٠

Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are cut [i.e., stopped]. And Allāh is Knowing and Wise.

﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾ بِناؤُهُمُ الَّذِي بَنَوْهُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ ولَيْسَ بِجَمْعٍ ولِذَلِكَ قَدْ تَدْخُلُهُ التّاءُ ووُصِفَ بِالمُفْرِدِ وأُخْبِرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ شَكًّا ونِفاقًا، والمَعْنى أنَّ بِناءَهم هَذا لا يَزالُ سَبَبَ شَكِّهِمْ وتَزايُدَ نِفاقِهِمْ فَإنَّهُ حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ ثُمَّ لَمّا هَدَمَهُ الرَّسُولُ ﷺ رَسَخَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ وازْدادَ بِحَيْثُ لا يَزُولُ وسْمُهُ عَنْ قُلُوبِهِمْ. ﴿إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قِطَعًا بِحَيْثُ لا يَبْقى لَها قابِلِيَّةُ الإدْراكِ والإضْمارِ وهو في غايَةِ المُبالَغَةِ والِاسْتِثْناءِ. مِن أعَمِّ الأزْمِنَةِ. وقِيلَ المُرادُ بِالتَّقَطُّعِ ما هو كائِنٌ بِالقَتْلِ أوْ في القَبْرِ أوْ في النّارِ. وقِيلَ التَّقَطُّعُ بِالتَّوْبَةِ نَدَمًا وأسَفًا. وقَرَأ يَعْقُوبُ « إلى» بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ وتَقَطَّعَ بِمَعْنى تَتَقَطَّعُ وهو قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وحَفْصٍ. وقُرِئَ « يَقْطَعُ» بِالياءِ و « تُقْطَعَ» بِالتَّخْفِيفِ و « تَقَطَّعَ قُلُوبُهم» عَلى خِطابِ الرَّسُولِ، أوْ كُلِّ مُخاطَبٍ ولَوْ قُطِّعَتْ ولَوْ قُطِّعَتْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِهِمْ. ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما أمَرَ بِهَدْمِ بُنْيانِهِمْ.

9:111Page 204

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١١

Indeed, Allāh has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allāh, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur’ān. And who is truer to his covenant than Allāh? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.

(p-99)﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ تَمْثِيلٌ لِإثابَةِ اللَّهِ إيّاهُمُ الجَنَّةَ عَلى بَذْلِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ في سَبِيلِهِ. ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ ما لِأجْلِهِ الشِّراءُ. وقِيلَ يُقاتِلُونَ في مَعْنى الأمْرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ وأنَّ فِعْلَ البَعْضِ قَدْ يُسْنَدُ إلى الكُلِّ. ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الشِّراءُ فَإنَّهُ في مَعْنى الوَعْدِ. ﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ مَذْكُورًا فِيهِما كَما أُثْبِتَ في القُرْآنِ. ﴿وَمَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ مُبالَغَةٌ في الإنْجازِ وتَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا. ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ فافْرَحُوا بِهِ غايَةَ الفَرَحِ فَإنَّهُ أوْجَبَ لَكم عَظائِمَ المَطالِبِ كَما قالَ: ﴿وَذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .

9:112Page 205

ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٢

[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allāh], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allāh. And give good tidings to the believers.

﴿التّائِبُونَ﴾ رُفِعَ عَلى المَدْحِ أيْ هُمُ التّائِبُونَ، والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ المَذْكُورُونَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ التّائِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ لَمْ يُجاهِدُوا لِقَوْلِهِ: ﴿وَكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أوْ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ أيِ التّائِبُونَ عَنِ الكُفْرِ عَلى الحَقِيقَةِ هُمُ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الخِصالِ. وقُرِئَ بِالياءِ نَصْبًا عَلى المَدْحِ أوْ جَرًّا صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿العابِدُونَ﴾ الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. ﴿الحامِدُونَ﴾ لِنَعْمائِهِ أوْ لِما نابَهم مِنَ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. ﴿السّائِحُونَ﴾ الصّائِمُونَ لِقَوْلِهِ ﷺ «سِياحَةُ أُمَّتِي الصَّوْمُ» شُبِّهَ بِها لِأنَّهُ يَعُوقُ عَنِ الشَّهَواتِ أوْ لِأنَّهُ رِياضَةٌ نَفْسانِيَّةٌ يُتَوَصَّلُ بِها إلى الِاطِّلاعِ عَلى حَفايا المُلْكِ والمَلَكُوتِ، أوِ السّائِحُونَ لِلْجِهادِ أوْ لِطَلَبِ العِلْمِ.

﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ في الصَّلاةِ. ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، والعاطِفُ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ في حُكْمِ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ كَأنَّهُ قالَ: الجامِعُونَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهُ وعَيْنُهُ مِنَ الحَقائِقِ والشَّرائِعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما قَبْلَهُ مُفَصَّلُ الفَضائِلِ وهَذا مُجْمَلُها. وقِيلَ إنَّهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّعْدادَ قَدْ تَمَّ بِالسّابِعِ مِن حَيْثُ أنَّ السَّبْعَةَ هو العَدَدُ التّامُّ والثّامِنُ ابْتِداءُ تَعْدادٍ آخَرَ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ واوُ الثَّمانِيَةِ. ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي بِهِ هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الفَضائِلِ، ووَضَعَ المُؤْمِنِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إيمانَهم دَعاهم إلى ذَلِكَ، وأنَّ المُؤْمِنَ الكامِلَ مَن كانَ كَذَلِكَ وحُذِفَ المُبَشَّرُ بِهِ لِلتَّعْظِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: وبَشِّرْهم بِما يَجِلُّ عَنْ إحاطَةِ الأفْهامِ وتَعْبِيرِ الكَلامِ.

9:113–114Page 205

مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١١٣

It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.

وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ ١١٤

And the request of forgiveness of Abraham for his father was only because of a promise he had made to him. But when it became apparent to him [i.e., Abraham] that he [i.e., the father] was an enemy to Allāh, he disassociated himself from him. Indeed was Abraham compassionate and patient.

﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾ لِلْمُشْرِكِينَ رُوِيَ: «أنَّهُ ﷺ قالَ لِأبِي طالِبٍ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ: « قُلْ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ» فَأبى فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « لا أزالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْهُ» فَنَزَلَتْ» وقِيلَ لَمّا افْتَتَحَ مَكَّةَ خَرَجَ إلى الأبْواءِ فَزارَ قَبْرَ أُمِّهِ ثُمَّ قامَ مُسْتَعْبِرًا فَقالَ: «إنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في زِيارَةِ قَبْرِ أُمِّي فَأذِنَ لِي واسْتَأْذَنْتُهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وأنْزَلَ عَلَيَّ الآيَتَيْنِ» . ﴿وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ بِأنْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاسْتِغْفارِ لِأحْيائِهِمْ فَإنَّهُ طَلَبُ تَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ وبِهِ دَفْعُ النَّقْضِ بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِيهِ الكافِرِ فَقالَ: (p-100)﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ وعَدَها إبْراهِيمُ أباهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ أيْ لَأطْلُبَنَّ مَغْفِرَتَكَ بِالتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ فَإنَّهُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ « أباهُ»، أوْ « وعَدَها إبْراهِيمَ أبُوهُ» وهي الوَعْدُ بِالإيمانِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ بِأنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ، أوْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِأنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ ﴿تَبَرَّأ مِنهُ﴾ قَطَعَ اسْتِغْفارَهُ. ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ﴾ لَكَثِيرُ التَّأوُّهِ وهو كِنايَةٌ عَنْ فَرْطِ تَرَحُّمِهِ ورِقَّةِ قَلْبِهِ. ﴿حَلِيمٌ﴾ صَبُورٌ عَلى الأذى، والجُمْلَةُ لِبَيانِ ما حَمَلَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهُ مَعَ شَكاسَتِهِ عَلَيْهِ.

9:115–116Page 205

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ١١٥

And Allāh would not let a people stray after He has guided them until He makes clear to them what they should avoid. Indeed, Allāh is Knowing of all things.

إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ١١٦

Indeed, to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He gives life and causes death. And you have not besides Allāh any protector or any helper.

﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ أيْ لِيُسَمِّيَهم ضُلّالًا ويُؤاخِذَهم مُؤاخَذَتَهم بَعْدَ إذْ هَداهم لِلْإسْلامِ. ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ حَتّى يُبَيِّنَ لَهم حَظْرَ ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ، وكَأنَّهُ بَيانُ عُذْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ لِعَمِّهِ أوْ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لِأسْلافِهِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ المَنعِ. وقِيلَ إنَّهُ في قَوْمٍ مَضَوْا عَلى الأمْرِ الأوَّلِ في القِبْلَةِ والخَمْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الغافِلَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ أمْرَهم في الحالَيْنِ.

﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ لَمّا مَنَعَهم عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ وإنْ كانُوا أُولِي قُرْبى وتَضَمَّنَ ذَلِكَ وُجُوبَ التَّبَرُّؤِ عَنْهم رَأْسًا، بَيَّنَ لَهم أنَّ اللَّهَ مالِكٌ كُلَّ مَوْجُودٍ ومُتَوَلِّي أمْرِهِ والغالِبُ عَلَيْهِ ولا يَتَأتّى لَهم وِلايَةٌ ولا نُصْرَةٌ إلّا مِنهُ، لِيَتَوَجَّهُوا بِشَراشِرِهِمْ إلَيْهِ ويَتَبَرَّؤُوا مِمّا عَداهُ حَتّى لا يَبْقى لَهم مَقْصُودٌ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ سِواهُ.

9:117Page 205

لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١١٧

Allāh has already forgiven the Prophet and the Muhājireen and the Anṣār who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.

﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ مِن إذْنِ المُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ أوْ بَرَّأهم عَنْ عَلَقَةِ الذُّنُوبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ وقِيلَ: هو بُعِثَ عَلى التَّوْبَةِ والمَعْنى: ما مِن أحَدٍ إلّا وهو مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ حَتّى النَّبِيُّ ﷺ والمُهاجِرُونَ والأنْصارُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ إذْ ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ مَقامٌ يَسْتَنْقِصُ دُونَهُ ما هو فِيهِ والتَّرَقِّي إلَيْهِ تَوْبَةٌ مِن تِلْكَ النَّقِيصَةِ وإظْهارٌ لِفَضْلِها بِأنَّها مَقامُ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ. ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ في وقْتِها هي حالُهم في غَزْوَةِ تَبُوكَ كانُوا في عُسْرَةِ الظَّهْرِ تَعْتَقِبُ العَشَرَةُ عَلى بَعِيرٍ واحِدٍ والزّادِ حَتّى قِيلَ إنَّ الرَّجُلَيْنِ كانا يَقْتَسِمانِ تَمْرَةً والماءِ حَتّى شَرِبُوا الفَظَّ. (مِن بَعْدِ ما كادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ) عَنِ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ أوِ اتِّباعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي ﴿كادَ﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ أوْ ضَمِيرُ القَوْمِ والعائِدُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ في ﴿مِنهُمْ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ ﴿يَزِيغُ﴾ بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ القُلُوبِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقُرِئَ « مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم» يَعْنِي المُتَخَلِّفِينَ. ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِ ما كابَدُوا مِنَ العُسْرَةِ، أوِ المُرادُ أنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ لِكَيْدُودَتِهِمْ. ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском