Al-BaydawiAt‑Tawbah · 9:70–96

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:70–96

9:70Page 198

أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٧٠

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] ʿAad and Thamūd and the people of Abraham and the companions [i.e., dwellers] of Madyan and the towns overturned?1 Their messengers came to them with clear proofs. And Allāh would never have wronged them, but they were wronging themselves.

﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُغْرِقُوا بِالطُّوفانِ. ﴿وَعادٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ. ﴿وَثَمُودَ﴾ أُهْلِكُوا بِالرَّجْفَةِ. ﴿وَقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ أُهْلِكَ نَمْرُوذُ بِبَعُوضٍ وأُهْلِكَ أصْحابُهُ. ﴿وَأصْحابِ مَدْيَنَ﴾ وأهْلِ مَدْيَنَ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ أُهْلِكُوا بِالنّارِ يَوْمَ الظُّلَّةِ. ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ قُرَيّاتُ قَوْمِ لُوطٍ ائْتَفَكَتْ بِهِمْ أيِ انْقَلَبَتْ بِهِمْ فَصارَ عالِيها سافِلَها، وأُمْطِرُوا حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ، وقِيلَ قُرَيّاتُ المُكَذِّبِينَ المُتَمَرِّدِينَ وائْتِفاكُهُنَّ انْقِلابُ أحْوالِهِنَّ مِنَ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ. ﴿أتَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ يَعْنِي الكُلَّ. ﴿بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ لَمْ يَكُ مِن عادَتِهِ ما يُشابِهُ ظُلْمَ النّاسِ كالعُقُوبَةِ بِلا جُرْمٍ. ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ عَرَّضُوها لِلْعِقابِ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

9:71Page 198

وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Those - Allāh will have mercy upon them. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في سائِرِ الأُمُورِ.

﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ لا مَحالَةَ فَإنَّ السِّينَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْوُقُوعِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَمْتَنِعُ (p-89)عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها.

9:72Page 198

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٧٢

Allāh has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allāh is greater. It is that which is the great attainment.

﴿وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ تَسْتَطِيبُها النَّفْسُ أوْ يَطِيبُ فِيها العَيْشُ وفي الحَدِيثِ أنَّها قُصُورٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ الأحْمَرِ.

﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ إقامَةٌ وخُلُودٌ.

وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَدْنٌ دارُ اللَّهِ الَّتِي لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولَمْ تَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ لا يَسْكُنُها غَيْرُ ثَلاثَةٍ النَّبِيُّونَ والصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: طُوبى لِمَن دَخَلَكِ.

وَمَرْجِعُ العَطْفِ فِيها يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إلى تَعَدُّدِ المَوْعُودِ لِكُلِّ واحِدٍ أوْ لِلْجَمِيعِ عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ، أوْ إلى تَغايُرِ وصْفِهِ فَكَأنَّهُ وصَفَهُ أوَّلًا بِأنَّهُ مِن جِنْسِ ما هو أبْهى الأماكِنِ الَّتِي يَعْرِفُونَها لِتَمِيلَ إلَيْهِ طِباعُهم أوَّلَ ما يَقْرَعُ أسْماعَهم، ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ مَحْفُوفٌ بِطِيبِ العَيْشِ مُعَرّى عَنْ شَوائِبِ الكُدُوراتِ الَّتِي لا تَخْلُو عَنْ شَيْءٍ مِنها أماكِنُ الدُّنْيا وفِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ دارُ إقامَةٍ وثَباتٍ في جِوارِ عِلِّيِّينَ لا يَعْتَرِيهِمْ فِيها فَناءٌ ولا تَغَيُّرٌ، ثُمَّ وعَدَهم بِما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ لِأنَّهُ المَبْدَأُ لِكُلِّ سَعادَةٍ وكَرامَةٍ والمُؤَدِّي إلى نَيْلِ الوُصُولِ والفَوْزِ بِاللِّقاءِ، وعَنْهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ: وما لَنا لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ فَيَقُولُ: أنا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: وأيُّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَيَقُولُ أحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا.»

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الرِّضْوانُ أوْ جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ. ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي تُسْتَحْقَرُ دُونَهُ الدُّنْيا وما فِيها.

9:73–74Page 199

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣

O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٧٤

They swear by Allāh that they did not say [anything against the Prophet (ﷺ)] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islām and planned that which they were not to attain.1 And they were not resentful except [for the fact] that Allāh and His Messenger had enriched them of His bounty.2 So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allāh will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ﴾ بِالسَّيْفِ. ﴿والمُنافِقِينَ﴾ بِإلْزامِ الحُجَّةِ وإقامَةِ الحُدُودِ. ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في ذَلِكَ ولا تُحابِهِمْ. ﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ مَصِيرُهم.

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ أقامَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ شَهْرَيْنِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ ويَعِيبُ المُتَخَلِّفِينَ فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لِإخْوانِنا حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فاسْتَحْضَرَهُ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَهُ فَنَزَلَتْ فَتابَ الجُلاسُ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ.»

﴿وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ وأظْهَرُوا الكَفْرَ بَعْدَ إظْهارِ الإسْلامِ. ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ مِن فَتْكِ الرَّسُولِ، وهو أنَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنهم تَوافَقُوا عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن تَبُوكَ أنْ يَدْفَعُوهُ عَنْ راحِلَتِهِ إلى الوادِي إذْ تَسَنَّمَ العَقَبَةَ بِاللَّيْلِ، فَأخَذَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ بِخِطامِ راحِلَتِهِ يَقُودُها وحُذَيْفَةُ خَلْفَها يَسُوقُها، فَبَيْنَما هُما كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ حُذَيْفَةُ بِوَقْعِ أخْفافِ الإبِلِ وقَعْقَعَةَ السِّلاحِ فَقالَ إلَيْكم إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ فَهَرَبُوا، أوْ إخْراجُهُ وإخْراجُ المُؤْمِنِينَ مِنَ المَدِينَةِ أوْ بِأنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وإنْ لَمْ يَرْضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ﴿وَما نَقَمُوا﴾ وما أنْكَرُوا أوْ ما وجَدُوا ما يُورِثُ نِقْمَتَهم. ﴿إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَإنَّ أكْثَرَ أهْلِ المَدِينَةِ كانُوا مَحاوِيجَ في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ، فَلَمّا قَدِمَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أثْرَوْا بِالغَنائِمِ وقُتِلَ لِلْجُلاسِ مَوْلًى فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا فاسْتَغْنى. والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أوِ العِلَلِ. ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وهو الَّذِي حَمَلَ الجُلاسَ عَلى التَّوْبَةِ والضَّمِيرُ في ﴿يَكُ﴾ (p-90)لِلتَّوْبِ. ﴿وَإنْ يَتَوَلَّوْا﴾ بِالإصْرارِ عَلى النِّفاقِ. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ بِالقَتْلِ والنّارِ. ﴿وَما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ.

9:75–76Page 199

۞ وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥

And among them are those who made a covenant with Allāh, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٧٦

But when He gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.

﴿وَمِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، فَراجَعَهُ وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا لَأعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمى الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وانْقَطَعَ عَنِ الجَماعَةِ والجُمُعَةِ، فَسَألَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ كَثُرَ مالُهُ حَتّى لا يَسَعَهُ وادٍ فَقالَ: يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصَدِّقَيْنِ لِأخْذِ الصَّدَقاتِ فاسْتَقْبَلَهُما النّاسُ بِصَدَقاتِهِمْ ومَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألاهُ الصَّدَقَةَ وأقْرَآهُ الكِتابَ الَّذِي فِيهِ الفَرائِضُ فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ فارْجِعا حَتّى أرى رَأْيِي فَنَزَلَتْ، فَجاءَ ثَعْلَبَةُ بِالصَّدَقَةِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ فَقالَ هَذا عَمَلُكَ قَدْ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجاءَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ جاءَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في خِلافَتِهِ فَلَمْ يَقْبَلْها وهَلَكَ في زَمانِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ مَنَعُوا حَقَّ اللَّهِ مِنهُ. ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ. ﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ وهم قَوْمٌ عادَتُهُمُ الإعْراضُ عَنْها.

9:77–78Page 199

فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ٧٧

So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allāh in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.

أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٧٨

Did they not know that Allāh knows their secrets and their private conversations and that Allāh is the Knower of the unseen?

﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ فَجَعَلَ اللَّهُ عاقِبَةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ نِفاقًا وسُوءَ اعْتِقادٍ في قُلُوبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْبُخْلِ والمَعْنى فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ. ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَلْقَوْنَ اللَّهَ بِالمَوْتِ أوْ يَلْقَوْنَ عَمَلَهم أيْ جَزاءَهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ. ﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وبِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ فِيهِ فَإنَّ خُلْفَ الوَعْدِ مُتَضَمِّنٌ لِلْكَذِبِ مُسْتَقْبَحٌ مِنَ الوَجْهَيْنِ أوِ المَقالِ مُطْلَقًا وقُرِئَ « يُكَذِّبُونَ» بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُنافِقُونَ أوْ مَن عاهَدَ اللَّهَ وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ. ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ ما أسَرُّوهُ في أنْفُسِهِمْ مِنَ النِّفاقِ أوِ العَزْمِ عَلى الإخْلافِ. ﴿وَنَجْواهُمْ﴾ وما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم مِنَ المُطاعِنِ، أوْ تَسْمِيَةِ الزَّكاةِ جِزْيَةً. ﴿وَأنَّ اللَّهَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ.

9:79Page 199

ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٩

Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allāh will ridicule them, and they will have a painful punishment.

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ ذَمٌّ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في سِرِّهِمْ. وقُرِئَ « يُلْمِزُونَ» بِالضَّمِّ.

﴿المُطَّوِّعِينَ﴾ المُتَطَوِّعِينَ. ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾ رُوِيَ: «أنَّهُ ﷺ حَثَّ عَلى الصَّدَقَةِ، فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ وقالَ كانَ لِي ثَمانِيَةُ آلافٍ فَأقْرَضْتُ رَبِّي أرْبَعَةً وأمْسَكَتْ لِعِيالِي أرْبَعَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ « بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أعْطَيْتَ وفِيما أمْسَكْتَ» فَبارَكَ اللَّهُ لَهُ حَتّى صُولِحَتْ إحْدى امْرَأتَيْهِ عَنْ نِصْفِ الثُّمُنِ عَلى ثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، وتَصَدَّقَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ بِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وجاءَ أبُو عَقِيلٍ الأنْصارِيُّ بِصاعِ (p-91)تَمْرٍ فَقالَ بِتُّ لَيْلَتِي أجُرُّ بِالجَرِيرِ عَلى صاعَيْنِ فَتَرَكْتُ صاعًا لِعِيالِي وجِئْتُ بِصاعٍ، فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْثُرَهُ عَلى الصَّدَقاتِ فَلَمَزَهُمُ المُنافِقُونَ وقالُوا: ما أعْطى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وعاصِمٌ إلّا رِياءً ولَقَدْ كانَ اللَّهُ ورَسُولُهُ لَغَنِيَّيْنِ عَنْ صاعِ أبِي عَقِيلٍ ولَكِنَّهُ أحَبَّ أنْ يُذْكَرَ بِنَفْسِهِ لِيُعْطى مِنَ الصَّدَقاتِ.» فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ إلّا طاقَتَهم. وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهو مَصْدَرُ جَهَدَ في الأمْرِ إذا بالَغَ فِيهِ. ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ. ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ جازاهم عَلى سُخْرِيَتِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ . ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عَلى كُفْرِهِمْ.

9:80Page 200

ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٨٠

Ask forgiveness for them, [O Muḥammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allāh forgive them. That is because they disbelieved in Allāh and His Messenger, and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.

﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يُرِيدُ بِهِ التَّساوِيَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في عَدَمِ الإفادَةِ لَهم كَما نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ .

رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وكانَ مِنَ المُخْلِصِينَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَرَضِ أبِيهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَفَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ فَنَزَلَتْ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ .»

وَذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهِمَ مِنَ السَّبْعِينَ العَدَدَ المَخْصُوصَ لِأنَّهُ الأصْلُ فَجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَدًّا يُخالِفُهُ حُكْمُ ما وراءَهُ، فَبَيَّنَ لَهُ أنَّ المُرادَ بِهِ التَّكْثِيرُ دُونَ التَّحْدِيدِ، وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ السَّبْعَةِ والسَّبْعِينَ والسَّبْعَمِائَةِ ونَحْوِها في التَّكْثِيرِ، لِاشْتِمالِ السَّبْعَةِ عَلى جُمْلَةِ أقْسامِ العَدَدِ فَكَأنَّهُ العَدَدُ بِأسْرِهِ. ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اليَأْسَ مِنَ المَغْفِرَةِ وعَدَمِ قَبُولِ اسْتِغْفارِكَ لَيْسَ لِبُخْلٍ مَنًّا ولا قُصُورٍ فِيكَ بَلْ لِعَدَمِ قابِلِيَّتِهِمْ بِسَبَبِ الكُفْرِ الصّارِفِ عَنْها. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ المُتَمَرِّدِينَ في كُفْرِهِمْ، وهو كالدَّلِيلِ عَلى الحُكْمِ السّابِقِ فَإنَّ مَغْفِرَةَ الكافِرِ بِالإقْلاعِ عَنِ الكُفْرِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ، والمُنْهَمِكُ في كَفْرِهِ المَطْبُوعُ عَلَيْهِ لا يَنْقَلِعُ ولا يَهْتَدِي، والتَّنْبِيهُ عَلى عُذْرِ الرَّسُولِ في اسْتِغْفارِهِ وهو عَدَمُ يَأْسِهِ مِن إيمانِهِمْ ما لَمْ يَعْلَمْ أنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلى الضَّلالَةِ، والمَمْنُوعُ هو الِاسْتِغْفارُ بَعْدَ العِلْمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ .

9:81–82Page 200

فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ ٨١

Those who remained behind1 rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allāh and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allāh and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intense in heat" - if they would but understand.

فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٢

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ بِقُعُودِهِمْ عَنِ الغَزْوِ خَلْفَهُ يُقالُ أقامَ خِلافَ الحَيِّ أيْ بَعْدَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُخالَفَةِ فَيَكُونُ انْتِصابُهُ عَلى العِلَّةِ أوِ الحالِ. ﴿وَكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إيثارًا لِلدَّعَةِ والخَفْضِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آثَرُوا عَلَيْها تَحْصِيلَ رِضاهُ بِبَذْلِ الأمْوالِ والمُهَجِ. ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أوْ قالُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَثْبِيطًا. ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا﴾ وقَدْ آثَرْتُمُوها بِهَذِهِ المُخالَفَةِ. ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أنَّ مَآبَهم إلَيْها، أوْ أنَّها كَيْفَ هي ما اخْتارُوها بِإيثارِ الدَّعَةِ عَلى الطّاعَةِ.

﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ إخْبارٌ عَمّا يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ أخْرَجَهُ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ حَتْمٌ واجِبٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّحِكُ والبُكاءُ كِنايَتَيْنِ عَنِ السُّرُورِ والغَمِّ والمُرادُ مِنَ القِلَّةِ العَدَمُ.(p-92)

9:83Page 200

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ ٨٣

If Allāh should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."

﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ فَإنْ رَدَّكَ إلى المَدِينَةِ وفِيها طائِفَةٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ يَعْنِي مُنافِقِيهِمْ فَإنَّ كُلَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، أوْ مَن بَقِيَ مِنهم وكانَ المُتَخَلِّفُونَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا. ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ إلى غَزْوَةٍ أُخْرى بَعْدَ تَبُوكَ ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ وكانَ إسْقاطُهم عَنْ دِيوانِ الغُزاةِ عُقُوبَةً لَهم عَلى تَخَلُّفِهِمْ و ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هي الخَرْجَةُ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ. ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ أيِ المُتَخَلِّفِينَ لِعَدَمِ لِياقَتِهِمْ لِلْجِهادِ كالنِّساءِ والصِّبْيانِ.

وَقُرِئَ مَعَ « الخَلِفِينَ» عَلى قَصْرِ الخالِفِينَ.

9:84–85Page 200

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨٤

And do not pray [the funeral prayer, O Muḥammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allāh and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.

وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَأَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٨٥

And let not their wealth and their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ رُوِيَ: « (أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ دَعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَرَضِهِ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَألَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ ويُكَفِّنَهُ في شِعارِهِ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ ويُصَلِّي عَلَيْهِ فَلَمّا ماتَ أرْسَلَ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ وذَهَبَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ)» . وقِيلَ صَلّى عَلَيْهِ ثُمَّ نَزَلَتْ، وإنَّما لَمْ يَنْهَ عَنِ التَّكْفِينِ في قَمِيصِهِ ونَهى عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ لِأنَّ الضَّنَّ بِالقَمِيصِ كانَ مُخِلًّا بِالكَرَمِ ولِأنَّهُ كانَ مُكافَأةً لِإلْباسِهِ العَبّاسَ قَمِيصَهُ حِينَ أُسِرَ بِبَدْرٍ، والمُرادُ مِنَ الصَّلاةِ الدُّعاءُ لِلْمَيِّتِ والِاسْتِغْفارُ لَهُ وهو مَمْنُوعٌ في حَقِّ الكافِرِ ولِذَلِكَ رُتِّبَ النَّهْيُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ماتَ أبَدًا﴾ يَعْنِي المَوْتَ عَلى الكُفْرِ فَإنَّ إحْياءَ الكافِرِ لِلتَّعْذِيبِ دُونَ التَّمَتُّعِ فَكَأنَّهُ لَمْ يَحْيَ. ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ ولا تَقِفْ عِنْدَ قَبْرِهِ لِلدَّفْنِ أوِ الزِّيارَةِ. ﴿إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ لِتَأْبِيدِ المَوْتِ.

﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والأمْرُ حَقِيقٌ بِهِ فَإنَّ الأبْصارَ طامِحَةٌ إلى الأمْوالِ والأوْلادِ والنُّفُوسَ مُغْتَبِطَةٌ عَلَيْها. ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ في طَرِيقٍ غَيْرِ الأوَّلِ.

9:86–87Page 200

وَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٌ أَنۡ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسۡتَـٔۡذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوۡلِ مِنۡهُمۡ وَقَالُواْ ذَرۡنَا نَكُن مَّعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٨٦

And when a sūrah was revealed [enjoining them] to believe in Allāh and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٨٧

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ مِنَ القُرْآنِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها بَعْضُها. ﴿أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ بِأنْ آمِنُوا بِاللَّهِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. ﴿وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ ذَوُو الفَضْلِ والسِّعَةِ. ﴿وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ الَّذِينَ قَعَدُوا لِعُذْرٍ.

﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ مَعَ النِّساءِ جَمْعُ خالِفَةٍ وقَدْ يُقالُ الخالِفَةُ لِلَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ. ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ ما في الجِهادِ ومُوافَقَةِ الرَّسُولِ مِنَ السَّعادَةِ وما في التَّخَلُّفِ عَنْهُ مِنَ الشَّقاوَةِ.

9:88–89Page 201

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨٨

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good and it is those who are the successful.

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٨٩

Allāh has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

(p-93)﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ إنْ تَخَلَّفَ هَؤُلاءِ ولَمْ يُجاهِدُوا فَقَدْ جاهَدَ مَن هو خَيْرٌ مِنهم. ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ مَنافِعُ الدّارَيْنِ النَّصْرُ والغَنِيمَةُ في الدُّنْيا والجَنَّةُ والكَرامَةُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ الحُورُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ وهي جَمْعُ خَيْرَةٍ تَخْفِيفُ خِيرَةٍ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِالمُطالَبِ.

﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ بَيانٌ لِما لَهم مِنَ الخَيْراتِ الأُخْرُوِيَّةِ.

9:90Page 201

وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٠

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied1 to Allāh and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي أسَدًا وغَطَفانَ اسْتَأْذَنُوا في التَّخَلُّفِ مُعْتَذِرِينَ بِالجُهْدِ وكَثْرَةِ العِيالِ. وقِيلَ هم رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ قالُوا إنْ غَزْوَنا مَعَكَ أغارَتْ طَيِّئُ عَلى أهالِينا ومَواشِينا.

والمُعَذِّرُ إمّا مِن عُذْرٍ في الأمْرِ إذا قَصَّرَ فِيهِ مُوهِمًا أنَّ لَهُ عُذْرًا ولا عُذْرَ لَهُ، أوْ مَنِ اعْتَذَرَ إذا مَهَّدَ العُذْرَ بِإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى العَيْنِ، ويَجُوزُ كَسْرُ العَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وضَمُّها لِلْإتْباعِ لَكِنْ لَمْ يُقْرَأْ بِهِما.

وَقَرَأ يَعْقُوبُ المُعْذِرُونَ مَن أعْذَرَ إذا اجْتَهَدَ في العُذْرِ. وقُرِئَ « المُعَّذِّرُونَ» بِتَشْدِيدِ العَيْنِ والذّالِ عَلى أنَّهُ مِن تَعَذَّرَ بِمَعْنى اعْتَذَرَ وهو لَحْنٌ إذِ التّاءُ لا تُدْغَمُ في العَيْنِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّهم كانُوا مُعْتَذِرِينَ بِالتَّصَنُّعِ أوْ بِالصِّحَّةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في غَيْرِهِمْ وهم مُنافِقُو الأعْرابِ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في ادِّعاءِ الإيمانِ وإنْ كانُوا هُمُ الأوَّلِينَ فَكَذَّبَهم بِالِاعْتِذارِ. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ مَنِ الأعْرابِ أوْ مِنَ المُعَذِّرِينَ فَإنَّ مِنهم مَنِ اعْتَذَرَ لِكَسَلِهِ لا لِكَفْرِهِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِالقَتْلِ والنّارِ.

9:91–92Page 201

لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١

There is not upon the weak or upon the ill or upon those who do not find anything to spend any discomfort [i.e., guilt] when they are sincere to Allāh and His Messenger. There is not upon the doers of good any cause [for blame]. And Allāh is Forgiving and Merciful.

وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ٩٢

Nor [is there blame] upon those who, when they came to you for you to take them along, you said, "I can find nothing upon which to carry you."1 They turned back while their eyes overflowed with tears out of grief that they could not find something to spend [for the cause of Allāh].

﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ كالهَرْمى والزَّمْنى. ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ لِفَقْرِهِمْ كَجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وبَنِي عُذْرَةَ. ﴿حَرَجٌ﴾ إثْمٌ في التَّأخُّرِ. ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ كَما يَفْعَلُ المُوالِي النّاصِحُ، أوْ بِما قَدَرُوا عَلَيْهِ فِعْلًا أوْ قَوْلًا يَعُودُ عَلى الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ بِالصَّلاحِ ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ ولا إلى مُعاتَبَتِهِمْ سَبِيلٌ وإنَّما وضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُنْخَرِطُونَ في سِلْكِ المُحْسِنِينَ غَيْرَ مُعاتَبِينَ لِذَلِكَ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لَهم أوْ لِلْمُسِيءِ فَكَيْفَ لِلْمُحْسِنِ.

﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى الضُّعَفاءِ أوْ عَلى المُحْسِنِينَ، وهُمُ البَكّاؤُونَ سَبْعَةٌ مِنَ الأنْصارِ: مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ وصَخْرُ بْنُ خَنْساءَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ وسالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ غُنْمَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ وعُلَيَّةُ بْنُ زَيْدٍ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: قَدْ نَذَرْنا الخُرُوجَ فاحْمِلْنا عَلى الخِفافِ المَرْقُوعَةِ والنِّعالِ المَخْصُوفَةِ نَغْزُ مَعَكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ» فَتَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ.

وَقِيلَ هم بَنُو مُقْرِنٍ: مَعْقِلٌ وسُوِيدٌ والنُّعْمانُ. وقِيلَ أبُو مُوسى وأصْحابُهُ. ﴿قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ حالٌ مِنَ الكافِ في ﴿أتَوْكَ﴾ بِإضْمارِ قَدْ. ﴿تَوَلَّوْا﴾ جَوابُ إذا. ﴿وَأعْيُنُهم تَفِيضُ﴾ تَسِيلُ. ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ أيْ دَمْعًا فَإنَّ مِن (p-94)لِلْبَيانِ وهي مَعَ المَجْرُورِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ وهو أبْلَغُ مِن يَفِيضُ دَمْعُها، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَيْنَ صارَتْ دَمْعًا فَيّاضًا. ﴿حَزَنًا﴾ نُصِبَ عَلى العِلَّةِ أوِ الحالِ أوِ المَصْدَرِ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. ﴿ألا يَجِدُوا﴾ لِئَلّا يَجِدُوا مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿حَزَنًا﴾ أوْ بِـ ﴿تَفِيضُ﴾ . ﴿ما يُنْفِقُونَ﴾ في مَغْزاهم.

9:93–94Page 201

۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٩٣

The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allāh has sealed over their hearts, so they do not know.

يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٤

They will make excuses to you when you have returned to them. Say, "Make no excuse - never will we believe you. Allāh has already informed us of your news [i.e., affair]. And Allāh will observe your deeds, and [so will] His Messenger; then you will be taken back to the Knower of the unseen and the witnessed,1 and He will inform you of what you used to do."

﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ بِالمُعاتَبَةِ. ﴿عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ﴾ واجِدُونَ الأُهْبَةَ. ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما هو السَّبَبُ لِاسْتِئْذانِهِمْ مِن غَيْرِ عُذْرٍ وهو رِضاهم بِالدَّناءَةِ والِانْتِظامِ في جُمْلَةِ الخَوالِفِ إيثارًا لِلدَّعَةِ. ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ حَتّى غَفَلُوا عَنْ وخامَةِ العاقِبَةِ. ﴿فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ مَغَبَّتَهُ.

﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ﴾ في التَّخَلُّفِ. ﴿إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ مِن هَذِهِ السَّفْرَةِ. ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ لِأنَّهُ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لَنْ نُصَدِّقَكم لِأنَّهُ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ أعْلَمَنا بِالوَحْيِ إلى نَبِيِّهِ بَعْضَ أخْبارِكم وهو ما في ضَمائِرِكم مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ. ﴿وَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ أتَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ أمْ تَثْبُتُونَ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ اسْتِتابَةٌ وإمْهالٌ لِلتَّوْبَةِ. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ إلَيْهِ فَوُضِعَ الوَصْفُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ لا يَفُوتُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِن ضَمائِرِهِمْ وأعْمالِهِمْ. ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِالتَّوْبِيخِ والعِقابِ عَلَيْهِ.

9:95–96Page 202

سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٥

They will swear by Allāh to you when you return to them that you would leave them alone. So leave them alone; indeed they are evil; and their refuge is Hell as recompense for what they had been earning.

يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٩٦

They swear to you so that you might be satisfied with them. But if you should be satisfied with them - indeed, Allāh is not satisfied with a defiantly disobedient people.

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فَلا تُعاتِبُوهم ) ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ ولا تُوَبِّخُوهم.

﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ لا يَنْفَعُ فِيهِمُ التَّأْنِيبُ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّطْهِيرُ بِالحَمْلِ عَلى الإنابَةِ وهَؤُلاءِ أرْجاسٌ لا تَقْبَلُ التَّطْهِيرَ فَهو عِلَّةٌ لِإعْراضِ وتَرْكِ المُعاتَبَةِ. ﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ وكَأنَّهُ قالَ: إنَّهم أرْجاسٌ مِن أهْلِ النّارِ لا يَنْفَعُ فِيهِمُ التَّوْبِيخُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ تَعْلِيلٌ ثانٍ والمَعْنى: أنَّ النّارَ كَفَتْهم عِتابًا فَلا تَتَكَلَّفُوا عِتابَهم.

﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وأنْ يَكُونَ عِلَّةً.

﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ بِحَلِفِهِمْ فَتَسْتَدِيمُوا عَلَيْهِمْ ما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ بِهِمْ. ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيْ فَإنَّ رِضاكم لا يَسْتَلْزِمُ رِضا اللَّهِ ورِضاكم وحْدَكم لا يَنْفَعُهم إذا كانُوا في سُخْطِ اللَّهِ وبِصَدَدِ عِقابِهِ، وإنْ أمْكَنَهم أنْ يُلْبِسُوا عَلَيْكم لا يُمْكِنُهم أنْ يُلْبِسُوا عَلى اللَّهِ فَلا يَهْتِكُ سِتْرَهم ولا يُنْزِلُ الهَوانَ بِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ الرِّضا عَنْهم والِاغْتِرارِ بِمَعاذِيرِهِمْ بَعْدَ الأمْرِ بِالإعْراضِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ نَحْوَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском