Al-BaydawiAn‑Nahl · 16:85–115

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:85–115

16:85–86Page 276

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٥

And when those who wronged see the punishment, it will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٨٦

And when those who associated others with Allāh see their "partners," they will say, "Our Lord, these are our partners [to You] whom we used to invoke [in worship] besides You." But they will throw at them the statement, "Indeed, you are liars."

﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ عَذابَ جَهَنَّمَ. ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أيِ العَذابُ. ﴿وَلا هم يُنْظَرُونَ﴾ يُمْهَلُونَ. ﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ أوْثانَهُمُ الَّتِي ادَّعَوْها شُرَكاءَ، أوِ الشَّياطِينَ الَّذِينَ شارَكُوهم في الكُفْرِ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ. ﴿قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ نَعْبُدُهم أوْ نُطِيعُهم، وهو اعْتِرافٌ بِأنَّهم كانُوا مُخْطِئِينَ في ذَلِكَ، أوِ التِماسٌ لِأنْ يُشْطَرَ عَذابُهم. ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ أجابُوهم بِالتَّكْذِيبِ في أنَّهم شُرَكاءُ اللَّهِ، أوْ أنَّهم ما عَبَدُوهم حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدُوا أهْواءَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ ولا يَمْتَنِعُ إنْطاقُ اللَّهِ الأصْنامَ بِهِ حِينَئِذٍ، أوْ في أنَّهم حَمَلُوهم عَلى الكُفْرِ وألْزَمُوهم إيّاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ .

16:87–88Page 276

وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٨٧

And they will impart to Allāh that Day [their] submission, and lost from them is what they used to invent.

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ ٨٨

Those who disbelieved and averted [others] from the way of Allāh - We will increase them in punishment over [their] punishment for what corruption they were causing.

﴿وَألْقَوْا﴾ وألْقى الَّذِينَ ظَلَمُوا. ﴿إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ الِاسْتِسْلامَ لِحُكْمِهِ بَعْدَ الِاسْتِكْبارِ في الدُّنْيا.

﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ وضاعَ عَنْهم وبَطَلَ. ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ آلِهَتَهم يَنْصُرُونَهم ويَشْفَعُونَ لَهم حِينَ كَذَّبُوهم وتَبَرَّؤُوا مِنهم.

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالمَنعِ عَنِ الإسْلامِ والحَمْلِ عَلى الكُفْرِ. ﴿زِدْناهم عَذابًا﴾ لِصَدِّهِمْ. ﴿فَوْقَ العَذابِ﴾ المُسْتَحَقِّ بِكُفْرِهِمْ. ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ بِكَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ بِصَدِّهِمْ.

16:89Page 277

وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩

And [mention] the Day when We will resurrect among every nation a witness over them from themselves [i.e., their prophet]. And We will bring you, [O Muḥammad], as a witness over these [i.e., your nation]. And We have sent down to you the Book as clarification for all things and as guidance and mercy and good tidings for the Muslims.1

﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ يَعْنِي نَبِيَّهم فَإنَّ نَبِيَّ كُلِّ أُمَّةٍ بُعِثَ مِنهم. ﴿وَجِئْنا بِكَ﴾ يا مُحَمَّدُ. ﴿شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ عَلى أُمَّتِكَ. ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ.

﴿تِبْيانًا﴾ بَيانًا بَلِيغًا. ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ عَلى التَّفْصِيلِ أوِ الإجْمالِ بِالإحالَةِ إلى السُّنَّةِ أوِ القِياسِ.

﴿وَهُدًى ورَحْمَةً﴾ لِلْجَمِيعِ وإنَّما حِرْمانُ المَحْرُومِ مِن تَفْرِيطِهِ. ﴿وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ خاصَّةً.(p-238)

16:90Page 277

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠

Indeed, Allāh orders justice and good conduct and giving [help] to relatives and forbids immorality and bad conduct and oppression. He admonishes you that perhaps you will be reminded.

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ بِالتَّوَسُّطِ في الأُمُورِ اعْتِقادًا كالتَّوْحِيدِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ والتَّشْرِيكِ، والقَوْلُ بِالكَسْبِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ مَحْضِ الجَبْرِ والقَدَرِ، وعَمَلًا كالتَّعَبُّدِ بِأداءِ الواجِباتِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ البِطالَةِ والتَّرَهُّبِ، وخُلُقًا كالجُودِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ البُخْلِ والتَّبْذِيرِ. ﴿والإحْسانِ﴾ إحْسانِ الطّاعاتِ، وهو إمّا بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ كالتَّطَوُّعِ بِالنَّوافِلِ أوْ بِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .

﴿وَإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ وإعْطاءِ الأقارِبِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ وهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ عَنِ الإفْراطِ في مُتابَعَةِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ كالزِّنا فَإنَّهُ أقْبَحُ أحْوالِ الإنْسانِ وأشْنَعُها. ﴿والمُنْكَرِ﴾ ما يُنْكَرُ عَلى مُتَعاطِيهِ في إثارَةِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ. ﴿والبَغْيِ﴾ والِاسْتِعْلاءِ والِاسْتِيلاءِ عَلى النّاسِ والتَّجَبُّرِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّها الشَّيْطَنَةُ الَّتِي هي مُقْتَضى القُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ، ولا يُوجَدُ مِنَ الإنْسانِ شَرٌّ إلّا وهو مُنْدَرِجٌ في هَذِهِ الأقْسامِ صادِرٌ بِتَوَسُّطِ إحْدى هَذِهِ القُوى الثَّلاثِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هي أجْمَعُ آيَةٍ في القُرْآنِ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ. وصارَتْ سَبَبَ إسْلامِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآنِ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ لَصَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْعالَمِينَ، ولَعَلَّ إيرادَها عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ. ﴿يَعِظُكُمْ﴾ بِالأمْرِ والنَّهْيِ والمَيْزِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَّعِظُونَ.

16:91Page 277

وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١

And fulfill the covenant of Allāh when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allāh, over you, a security [i.e., witness]. Indeed, Allāh knows what you do.

﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي البَيْعَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ . وقِيلَ كُلُّ أمْرٍ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ ولا يُلائِمُهُ قَوْلُهُ: ﴿إذا عاهَدْتُمْ﴾ وقِيلَ النُّذُورُ، وقِيلَ الإيمانُ بِاللَّهِ ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ أيْ أيْمانَ البَيْعَةِ أوْ مُطْلَقَ الأيْمانِ. ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ بَعْدَ تَوْثِيقِها بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ومِنهُ أكَّدَ بِقَلْبِ الواوِ هَمْزَةً ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا﴾ شاهِدًا بِتِلْكَ البَيْعَةِ فَإنَّ الكَفِيلَ مُراعٍ لِحالِ المَكْفُولِ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مَن نَقْضِ الأيْمانِ والعُهُودِ.

16:92Page 277

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٩٢

And do not be like she who untwisted her spun thread after it was strong [by] taking your oaths as [means of] deceit between you because one community is more plentiful [in number or wealth] than another community.1 Allāh only tries you thereby. And He will surely make clear to you on the Day of Resurrection that over which you used to differ.

﴿وَلا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾ ما غَزَلَتْهُ، مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ. ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿نَقَضَتْ﴾ أيْ نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ إبْرامٍ وإحْكامٍ. ﴿أنْكاثًا﴾ طاقاتِ نَكَثَ فَتْلَها جَمْعُ نَكَثَ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن ﴿غَزْلَها﴾ أوِ المَفْعُولِ الثّانِي لَنَقَضَتْ فَإنَّهُ بِمَعْنى صَيَّرَتْ، والمُرادُ بِهِ تَشْبِيهُ النّاقِضِ بِمَن هَذا شَأْنُهُ.

وَقِيلَ هي رَيْطَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ القُرَشِيَّةُ فَإنَّها كانَتْ خَرْقاءَ تَفْعَلُ ذَلِكَ. ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿وَلا تَكُونُوا﴾، أوْ في الجارِّ الواقِعِ مَوْقِعَ الخَبَرِ أيْ لا تَكُونُوا مُتَشَبِّهِينَ بِامْرَأةٍ هَذا شَأْنُها، مُتَّخِذِي أيْمانِكم مَفْسَدَةً ودَخَلًا بَيْنَكم، وأصْلُ الدَّخَلِ ما يَدْخُلُ الشَّيْءَ ولَمْ يَكُنْ مِنهُ. ﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ﴾ لِأنْ تَكُونَ جَماعَةٌ أزْيَدَ عَدَدًا وأوْفَرَ مالًا مِن جَماعَةٍ، والمَعْنى لا تَغْدِرُوا بِقَوْمٍ لِكَثْرَتِكم وقِلَّتِهِمْ أوْ لِكَثْرَةِ مُنابِذَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ كَقُرَيْشٍ، فَإنَّهم كانُوا إذا رَأوْا شَوْكَةً في أعادِي حُلَفائِهِمْ نَقَضُوا عَهْدَهم وحالَفُوا أعْداءَهم. ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِأنْ تَكُونَ أُمَّةٌ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَصْدَرِ أيْ يَخْتَبِرُكم بِكَوْنِهِمْ أرْبى لِيَنْظُرَ أتَتَمَسَّكُونَ بِحَبْلِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ وبَيْعَةِ رَسُولِهِ أمْ تَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ قُرَيْشٍ وشَوْكَتِهِمْ وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ وضِعْفِهِمْ. وقِيلَ (p-239)الضَّمِيرُ لِلرَّباءِ وقِيلَ لِلْأمْرِ بِالوَفاءِ. ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ إذا جازاكم عَلى أعْمالِكم بِالثَّوابِ والعِقابِ.

16:93–94Page 277

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٣

And if Allāh had willed, He could have made you [of] one religion, but He sends astray whom He wills and guides whom He wills.1 And you will surely be questioned about what you used to do.

وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤

And do not take your oaths as [means of] deceit between you, lest a foot slip after it was [once] firm, and you would taste evil [in this world] for what [people] you diverted from the way of Allāh,1 and you would have [in the Hereafter] a great punishment.

﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُتَّفِقَةً عَلى الإسْلامِ. ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ بِالخِذْلانِ. ﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ بِالتَّوْفِيقِ. ﴿وَلَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سُؤالَ تَبْكِيتٍ ومُجازاةٍ.

﴿وَلا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ عَنْهُ بَعْدَ التَّضْمِينِ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً في قُبْحِ المَنهِيِّ.

﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ أيْ عَنْ مَحَجَّةِ الإسْلامِ. ﴿بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ عَلَيْها والمُرادُ أقْدامُهم، وإنَّما وحَّدَ ونَكَّرَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ زَلَلَ قَدَمٍ واحِدَةٍ عَظِيمٌ فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ. ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ العَذابَ في الدُّنْيا. ﴿بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِصَدِّكم عَنِ الوَفاءِ أوْ صَدِّكم غَيْرَكم عَنْهُ، فَإنَّ مَن نَقَضَ البَيْعَةَ وارْتَدَّ جَعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً لِغَيْرِهِ. ﴿وَلَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ.

16:95Page 278

وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩٥

And do not exchange the covenant of Allāh for a small price. Indeed, what is with Allāh is best for you, if only you could know.

﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ ولا تَسْتَبْدِلُوا عَهْدَ اللَّهِ وبَيْعَةَ رَسُولِهِ ﷺ . ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عَرَضًا يَسِيرًا، وهو ما كانَتْ قُرَيْشٌ يُعِدُّونَ لِضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ ويَشْتَرِطُونَ لَهم عَلى الِارْتِدادِ. ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِنَ النَّصْرِ والتَّغْنِيمِ في الدُّنْيا والثَّوابِ في الآخِرَةِ. ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِمّا يَعِدُونَكم. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ والتَّمْيِيزِ.

16:96Page 278

مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦

Whatever you have will end, but what Allāh has is lasting. And We will surely give those who were patient their reward according to the best of what they used to do.

﴿ما عِنْدَكُمْ﴾ مِن أعْراضِ الدُّنْيا. ﴿يَنْفَدُ﴾ يَنْقَضِي ويَفْنى. ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ. ﴿باقٍ﴾ لا يَنْفَدُ، وهو تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ السّابِقِ ودَلِيلٌ عَلى أنَّ نَعِيمَ أهْلِ الجَنَّةِ باقٍ. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهُمْ﴾ عَلى الفاقَةِ وأذى الكُفّارِ، أوْ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ بِالنُّونِ. ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِما يَرْجُحُ فِعْلُهُ مِن أعْمالِهِمْ كالواجِباتِ والمَندُوباتِ، أوْ بِجَزاءٍ أحْسَنَ مِن أعْمالِهِمْ.

16:97Page 278

مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧

Whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - We will surely cause him to live a good life, and We will surely give them their reward [in the Hereafter] according to the best of what they used to do.

﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيَّنَهُ بِالنَّوْعَيْنِ دَفْعًا لِلتَّخْصِيصِ. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إذْ لا اعْتِدادَ بِأعْمالِ الكَفَرَةِ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، وإنَّما المُتَوَقَّعُ عَلَيْها تَخْفِيفُ العَذابِ. ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ في الدُّنْيا يَعِيشُ عَيْشًا طَيِّبًا فَإنَّهُ إنْ كانَ مُوسِرًا فَظاهِرٌ وإنْ كانَ مُعْسِرًا يَطِيبُ عَيْشُهُ بِالقَناعَةِ والرِّضا بِالقِسْمَةِ وتَوَقُّعِ الأجْرِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، بِخِلافِ الكافِرِ فَإنَّهُ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَظاهِرٌ وإنْ كانَ مُوسِرًا لَمْ يَدَعْهُ الحِرْصُ وخَوْفُ الفَواتِ أنْ يَتَهَنَّأ بِعَيْشِهِ. وقِيلَ في الآخِرَةِ. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الطّاعَةِ.

16:98–100Page 278

فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨

So when you recite the Qur’ān, [first] seek refuge in Allāh from Satan, the expelled [from His mercy].

إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩

Indeed, there is for him no authority over those who have believed and rely upon their Lord.

إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ ١٠٠

His authority is only over those who take him as an ally and those who through him associate others with Allāh.

(p-240)﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ إذا أرَدْتَ قِراءَتَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ . ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ فاسْألِ اللَّهَ أنْ يُعِيذَكَ مِن وساوِسِهِ لِئَلّا يُوَسْوِسَكَ في القِراءَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لِلِاسْتِحْبابِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُصَلِّيَ يَسْتَعِيذُ في كُلِّ رَكْعَةٍ لِأنَّ الحُكْمَ المُتَرَتِّبَ عَلى شَرْطٍ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ قِياسًا، وتَعْقِيبُهُ لِذِكْرِ العَمَلِ الصّالِحِ والوَعْدِ عَلَيْهِ إيذانٌ بِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ عِنْدَ القِراءَةِ مِن هَذا القَبِيلِ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «قَرَأْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَلْتُ: أعُوذُ بِالسَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فَقالَ: قُلْ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ هَكَذا أقْرَأنِيهِ جِبْرِيلُ عَنِ القَلَمِ عَنِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ» ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ﴾ تَسَلُّطٌ ووِلايَةٌ ﴿عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهِ والمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ فَإنَّهم لا يُطِيعُونَ أوامِرَهُ ولا يَقْبَلُونَ وساوِسَهُ إلّا فِيما يَحْتَقِرُونَ عَلى نَدُورٍ وغَفْلَةٍ ولِذَلِكَ أُمِرُوا بِالِاسْتِعاذَةِ فَذَكَرَ السَّلْطَنَةَ بَعْدَ الأمْرِ بِاسْتِعاذَةٍ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِنهُ أنَّ لَهُ سُلْطانًا.

﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يُحِبُّونَهُ ويُطِيعُونَهُ. ﴿والَّذِينَ هم بِهِ﴾ بِاللَّهِ أوْ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ. ﴿مُشْرِكُونَ﴾ .

16:101Page 278

وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١

And when We substitute a verse in place of a verse - and Allāh is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muḥammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.

﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ بِالنَّسْخِ فَجَعَلْنا الآيَةَ النّاسِخَةَ مَكانَ المَنسُوخَةِ لَفْظًا أوْ حُكْمًا. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ مِنَ المَصالِحِ فَلَعَلَّ ما يَكُونُ مَصْلَحَةً في وقْتٍ يَصِيرُ مَفْسَدَةً بَعْدَهُ فَيَنْسَخُهُ، وما لا يَكُونُ مَصْلَحَةً حِينَئِذٍ يَكُونُ مَصْلَحَةً الآنَ فَيُثْبِتُهُ مَكانَهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (يُنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ. ﴿قالُوا﴾ أيِ الكَفَرَةُ. ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ مُتَقَوِّلٌ عَلى اللَّهِ تَأْمُرُ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَبْدُو لَكَ فَتَنْهى عَنْهُ، وهو جَوابُ " إذًا " . ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾، اعْتِراضٌ لِتَوْبِيخِ الكُفّارِ عَلى قَوْلِهِمْ والتَّنْبِيهِ عَلى فَسادِ سَنَدِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا. ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ حِكْمَةَ الأحْكامِ ولا يُمَيِّزُونَ الخَطَأ مِنَ الصَّوابِ.

16:102Page 278

قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ١٠٢

Say, [O Muḥammad], "The Pure Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down from your Lord in truth to make firm those who believe and as guidance and good tidings to the Muslims."

﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإضافَةُ الرُّوحِ إلى القُدُسِ وهو الطُّهْرُ كَقَوْلِهِمْ: حاتِمُ الجُودِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (رُوحُ القُدُسِ) بِالتَّخْفِيفِ وفي ﴿يُنَزِّلُ﴾ و ﴿نَزَّلَهُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إنْزالَهُ مُدَرَّجًا عَلى حَسَبِ المَصالِحِ بِما يَقْتَضِي التَّبْدِيلَ. ﴿مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ مُلْتَبِسًا بِالحِكْمَةِ. ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِيُثَبِّتَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى الإيمانِ بِأنَّهُ كَلامُهُ، وأنَّهم إذا سَمِعُوا النّاسِخَ وتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِن رِعايَةِ الصَّلاحِ والحِكْمَةِ رَسَخَتْ عَقائِدُهم واطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم. ﴿وَهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ المُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ، وهُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ أيْ تَثْبِيتًا وهِدايَةً وبِشارَةً، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُصُولِ أضْدادِ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ وقُرِئَ ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ.

16:103Page 279

وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣

And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches him [i.e., the Prophet (ﷺ)]." The tongue of the one they refer to is foreign,1 and this [recitation, i.e., Qur’ān] is [in] a clear Arabic language.

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ يَعْنُونَ جَبْرًا الرُّومِيَّ غُلامَ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ. وقِيلَ جَبْرًا ويَسارًا كانا يَصْنَعانِ السُّيُوفَ بِمَكَّةَ ويَقْرَآنِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ يَمُرُّ عَلَيْهِما ويَسْمَعُ ما يَقْرَءانِهِ.

(p-241)وَقِيلَ عائِشًا غُلامَ حُوَيْطِبَ بْنِ عَبْدِ العُزّى قَدْ أسْلَمَ وكانَ صاحِبَ كُتُبٍ. وقِيلَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ. ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ لُغَةُ الرَّجُلِ الَّذِي يُمِيلُونَ قَوْلَهم عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلَيْهِ، مَأْخُوذٌ مِن لَحْدِ القَبْرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ يَلْحَدُونَ بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، لِسانٌ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ بَيِّنٍ. ﴿وَهَذا﴾ وهَذا القُرْآنُ. ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ، والجُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ لِإبْطالِ طَعْنِهِمْ، وتَقْرِيرُهُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّ ما سَمِعَهُ مِنهُ كَلامٌ أعْجَمِيٌّ لا يَفْهَمُهُ هو ولا أنْتُمْ والقُرْآنُ عَرَبِيٌّ تَفْهَمُونَهُ بِأدْنى تَأمُّلٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ ما تَلَقَّفَهُ مِنهُ. وثانِيهِما: هَبْ أنَّهُ تَعَلَّمَ مِنهُ المَعْنى بِاسْتِماعِ كَلامِهِ لَكِنْ لَمْ يَتَلَقَّفْ مِنهُ اللَّفْظَ، لِأنَّ ذَلِكَ أعْجَمِيٌّ وهَذا عَرَبِيٌّ والقُرْآنُ كَما هو مُعْجِزٌ بِاعْتِبارِ المَعْنى فَهو مُعْجِزٌ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، مَعَ أنَّ العُلُومَ الكَثِيرَةَ الَّتِي في القُرْآنِ لا يُمْكِنُ تَعَلُّمُها إلّا بِمُلازَمَةِ مُعَلِّمٍ فائِقٍ في تِلْكَ العُلُومِ مُدَّةً مُتَطاوِلَةً، فَكَيْفَ تَعَلَّمَ جَمِيعَ ذَلِكَ مِن غُلامٍ سُوقِيٍّ سَمِعَ مِنهُ في بَعْضِ أوْقاتِ مُرُورِهِ عَلَيْهِ كَلِماتٍ أعْجَمِيَّةً لَعَلَّهُما لَمْ يَعْرِفا مَعْناها، وطَعْنُهم في القُرْآنِ بِأمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ الرَّكِيكَةِ دَلِيلٌ عَلى غايَةِ عَجْزِهِمْ.

16:104–105Page 279

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤

Indeed, those who do not believe in the verses of Allāh - Allāh will not guide them, and for them is a painful punishment.

إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥

They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allāh, and it is those who are the liars.

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ لا يُصَدِّقُونَ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ. ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ إلى الحَقِّ أوْ إلى سَبِيلِ النَّجاةِ. وقِيلَ إلى الجَنَّةِ. ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ، هَدَّدَهم عَلى كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ بَعْدَ ما أماطَ شُبْهَتَهم ورَدَّ طَعَنَهم فِيهِ، ثُمَّ قَلَبَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ فَقالَ:

﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّهم لا يَخافُونَ عِقابًا يَرْدَعُهم عَنْهُ. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ إلى قُرَيْشٍ. ﴿هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيِ الكاذِبُونَ عَلى الحَقِيقَةِ، أوِ الكامِلُونَ في الكَذِبِ لِأنَّ تَكْذِيبَ آياتِ اللَّهِ والطَّعْنَ فِيها بِهَذِهِ الخُرافاتِ أعْظَمُ الكَذِبِ، أوِ الَّذِينَ عادَتُهُمُ الكَذِبُ لا يَصْرِفُهم عَنْهُ دِينٌ ولا مُرُوءَةٌ، أوِ الكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾، ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ .

16:106Page 279

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦

Whoever disbelieves in [i.e., denies] Allāh after his belief...1 except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allāh, and for them is a great punishment;

﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ مِن (أُولَئِكَ) أوْ مِنَ ﴿الكاذِبُونَ﴾، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِالذَّمِّ وأنْ تَكُونَ مِن شُرْطِيَّةً مَحْذُوفَةَ الجَوابِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ عَلى الِافْتِراءِ أوْ كَلِمَةِ الكُفْرِ، اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّ الكُفْرَ لُغَةً يَعُمُّ القَوْلَ والعَقْدَ كالإيمانِ. ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَقِيدَتُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ. ﴿وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ اعْتَقَدَهُ وطابَ بِهِ نَفْسًا. ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ إذْ لا أعْظَمَ مِن جُرْمِهِ.

رُوِيَ « (أنَّ قُرَيْشًا أكْرَهُوا عَمّارًا وأبَوَيْهِ ياسِرًا وسُمَيَّةَ عَلى الِارْتِدادِ، فَرَبَطُوا سُمَيَّةَ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ وجِيءَ بِحَرْبَةٍ في قُبُلِها وقالُوا: إنَّكِ أسْلَمْتِ مِن أجْلِ الرِّجالِ فَقُتِلَتْ، وقَتَلُوا ياسِرًا وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ في الإسْلامِ، وأعْطاهم عَمّارٌ بِلِسانِهِ ما أرادُوا مُكْرَهًا فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَمّارًا كَفَرَ فَقالَ: كَلّا إنَّ عَمّارًا مُلِئَ إيمانًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ، فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ ويَقُولُ: ما لَكَ إنْ عادُوا لَكَ فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ)» . وهو دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّكَلُّمِ بِالكُفْرِ عِنْدَ الإكْراهِ وإنْ كانَ الأفْضَلَ أنْ يَتَجَنَّبَ عَنْهُ إعْزازًا لِلدِّينِ كَما فَعَلَهُ أبَواهُ لِما رُوِيَ « (أنَّ مُسَيْلِمَةَ أخَذَ رَجُلَيْنِ فَقالَ لِأحَدِهِما: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: فَما تَقُولُ فِيَّ فَقالَ: أنْتَ أيْضًا فَخَلّاهُ، وقالَ لِلْآخَرِ ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ فَما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: أنا أصَمُّ، فَأعادَ عَلَيْهِ (p-242)ثَلاثًا فَأعادَ جَوابَهُ فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ، وأمّا الثّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ فَهَنِيئًا لَهُ) .»

16:107–109Page 279

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧

That is because they preferred the worldly life over the Hereafter and that Allāh does not guide the disbelieving people.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨

Those are the ones over whose hearts and hearing and vision Allāh has sealed, and it is those who are the heedless.

لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩

Assuredly, it is they, in the Hereafter, who will be the losers.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ أوِ الوَعِيدِ. ﴿بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم آثَرُوها عَلَيْها. ﴿وَأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ أيِ الكافِرِينَ في عِلْمِهِ إلى ما يُوجِبُ ثَباتَ الإيمانِ ولا يَعْصِمُهم مِنَ الزَّيْغِ.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَأبَتْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ والتَّأمُّلِ فِيهِ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ إذْ أغْفَلَتْهُمُ الحالَةُ الرّاهِنَةُ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ.

﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ إذْ ضَيَّعُوا أعْمارَهم وصَرَفُوها فِيما أفْضى بِهِمْ إلى العَذابِ المُخَلَّدِ.

16:110–111Page 279

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠

Then, indeed your Lord, to those who emigrated after they had been compelled [to say words of disbelief] and thereafter fought [for the cause of Allāh] and were patient - indeed, your Lord, after that, is Forgiving and Merciful

۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١

On the Day when every soul will come disputing [i.e., pleading] for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].

﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ أيْ عُذِّبُوا كَعَمّارٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالوِلايَةِ والنَّصْرِ، و ﴿ثُمَّ﴾ لِتَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ عَنْ حالِ أُولَئِكَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَتَنُوا) بِالفَتْحِ أيْ مِن بَعْدِ ما عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ كالحَضْرَمِيِّ أكْرَهُ مَوْلاهُ جَبْرًا، حَتّى ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَما وهاجَرا. ﴿ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا﴾ عَلى الجِهادِ وما أصابَهم مِنَ المَشاقِّ. ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ مِن بَعْدِ الهِجْرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ. ﴿لَغَفُورٌ﴾ لِما فَعَلُوا قَبْلُ. ﴿رَحِيمٌ﴾ مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ مُجازاةً عَلى ما صَنَعُوا بَعْدُ.

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ مَنصُوبٌ بِـ ﴿رَحِيمٌ﴾ أوْ بِاذْكُرْ. ﴿تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ تُجادِلُ عَنْ ذاتِها وتَسْعى في خَلاصِها لا يَهُمُّها شَأْنُ غَيْرِها فَتَقُولُ نَفْسِي نَفْسِي. ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ جَزاءَ ما عَمِلَتْ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُنْقَصُونَ أُجُورَهم.

16:112Page 280

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢

And Allāh presents an example: a city [i.e., Makkah] which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allāh. So Allāh made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً﴾ أيْ جَعَلَها مَثَلًا لِكُلِّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ فَكَفَرُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ نِقْمَتَهُ، أوْ لِمَكَّةَ. ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ لا يُزْعِجُ أهْلَها خَوْفٌ. ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أقْواتُها. ﴿رَغَدًا﴾ واسِعًا.

﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِن نَواحِيها. ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ بِنِعَمِهِ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَدِرْعٍ وأدْرُعٍ، أوْ جَمْعُ نُعْمٍ كَبُؤْسٍ وأبْؤُسٍ. ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ اسْتَعارَ الذَّوْقَ لِإدْراكِ أثَرِ الضَّرَرِ، واللِّباسُ لِما غَشِيَهم واشْتَمَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ، وأوْقَعَ الإذاقَةَ عَلَيْهِ بِالنَّظَرِ إلى المُسْتَعارِ لَهُ كَقَوْلِ كَثِيرٍ:

؎ غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا. . . غَلَّقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقابُ المالِ

(p-243)فَإنَّهُ اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ لِأنَّهُ يَصُونُ عِرْضَ صاحِبِهِ صَوْنَ الرِّداءِ لِما يُلْقى عَلَيْهِ، وأضافَ إلَيْهِ الغَمْرَ الَّذِي هو وصْفُ المَعْرُوفِ والنَّوالِ لا وصْفُ الرِّداءِ نَظَرًا إلى المُسْتَعارِ لَهُ، وقَدْ يُنْظَرُ إلى المُسْتَعارِ كَقَوْلِهِ:

؎ يُنازِعْنِي رِدائِي عَبْدُ عَمْرٍو. . . ∗∗∗ رُوَيْدَكَ يا أخا عَمْرِو بْنِ بَكْرِ

؎ لِيَ الشَّطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينِي. . . ∗∗∗ ودُونَكَ فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرِ

اسْتَعارَ الرِّداءَ لِسَيْفِهِ ثُمَّ قالَ فاعْتَجِرْ نَظَرًا إلى المُسْتَعارِ. ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ بِصَنِيعِهِمْ.

16:113Page 280

وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣

And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.

﴿وَلَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، والضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ عادَ إلى ذِكْرِهِمْ بَعْدَ ما ذَكَرَ مَثَلَهم.

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ أيْ حالَ التِباسِهِمْ بِالظُّلْمِ والعَذابِ ما أصابَهم مِنَ الجَدْبِ الشَّدِيدِ، أوْ وقْعَةُ بِدْرٍ.

16:114–115Page 280

فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤

Then eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allāh, if it is [indeed] Him that you worship.

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ أمَرَهم بِأكْلِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم وشُكْرِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ما زَجَرَهم عَنِ الكُفْرِ وهَدَّدَهم عَلَيْهِ بِما ذَكَرَ مِنَ التَّمْثِيلِ والعَذابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ، صَدًّا لَهم عَنْ صَنِيعِ الجاهِلِيَّةِ ومَذاهِبِها الفاسِدَةِ. ﴿واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تُطِيعُونَ، أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ عِبادَتَهُ.

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لَمّا أمَرَهم بِتَناوُلِ ما أحَلَّ لَهم عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مُحَرَّماتِهِ لِيُعْلَمَ أنَّ ما عَداها حِلٌّ لَهم، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ بِأهْوائِهِمْ فَقالَ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском