Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:30–61
16:30Page 270
۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠
And it will be said to those who feared Allāh, "What did your Lord send down?" They will say, "[That which is] good." For those who do good in this world is good; and the home of the Hereafter is better. And how excellent is the home of the righteous -
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ. ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ أيْ أنْزَلَ خَيْرًا، وفي نَصْبِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَلَعْثَمُوا في الجَوابِ، وأطْبَقُوهُ عَلى السُّؤالِ مُعْتَرِفِينَ بِالإنْزالِ عَلى خِلافِ الكَفَرَةِ.
رُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَوْسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإذا جاءَ الوافِدُ مِنَ المُقْتَسِمِينَ قالُوا لَهُ ما قالُوا وإذا جاءَ المُؤْمِنِينَ قالُوا لَهُ ذَلِكَ.
﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا. ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ أيْ ولَثَوابُهم في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِنها، وهو عُدَّةٌ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عَلى قَوْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِما بَعْدَهُ حِكايَةً لِقَوْلِهِمْ بَدَلًا وتَفْسِيرًا لِـ ﴿خَيْرًا﴾ عَلى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ بِـ ﴿قالُوا﴾ . ﴿وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ دارُ الآخِرَةِ فَحُذِفَتْ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِها.
16:31Page 270
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣١
Gardens of perpetual residence, which they will enter, beneath which rivers flow. They will have therein whatever they wish. Thus does Allāh reward the righteous -
وَقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ. ﴿يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ مِن أنْواعِ المُشْتَهَياتِ، وفي تَقْدِيمِ الظَّرْفِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجِدُ جَمِيعَ ما يُرِيدُهُ إلّا في الجَنَّةِ. ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ مِثْلَ هَذا الجَزاءِ يَجْزِيهِمْ وهو يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ.
16:32Page 270
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٢
The ones whom the angels take in death, [being] good and pure; [the angels] will say, "Peace be upon you. Enter Paradise for what you used to do."
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ فَرِحِينَ بِبِشارَةِ المَلائِكَةِ إيّاهم بِالجَنَّةِ، أوْ طَيِّبِينَ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ لِتُوَجَّهَ نُفُوسُهم بِالكُلِّيَّةِ إلى حَضْرَةِ القُدُسِ. ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ لا يُحِيقُكم بَعْدُ مَكْرُوهٌ. ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حِينَ تُبْعَثُونَ فَإنَّها مُعَدَّةٌ لَكم عَلى أعْمالِكم. وقِيلَ هَذا التَّوَفِّي وفاةُ الحَشْرِ لِأنَّ الأمْرَ بِالدُّخُولِ حِينَئِذٍ.
16:33–34Page 270
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ أَمۡرُ رَبِّكَۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٣٣
Do they [i.e., the disbelievers] await except that the angels should come to them or there comes the command of your Lord? Thus did those do before them. And Allāh wronged them not, but they had been wronging themselves.
فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٤
So they were struck by the evil consequences of what they did and were enveloped by what they used to ridicule.
(p-226)﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ما يُنْتَظَرُ الكُفّارُ المارُّ ذِكْرُهم. ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ. ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ القِيامَةُ أوِ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ. ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فَأصابَهم ما أصابُوا. ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بِتَدْمِيرِهِمْ. ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِكَفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ. ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ جَزاءُ سَيِّئاتِ أعْمالِهِمْ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ تَسْمِيَةُ الجَزاءِ بِاسْمِها. ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وأحاطَ بِهِمْ جَزاؤُهُ والحَيْقُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ.
16:35Page 271
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٣٥
And those who associate others with Allāh say, "If Allāh had willed, we would not have worshipped anything other than Him, neither we nor our fathers, nor would we have forbidden anything through other than Him." Thus did those do before them. So is there upon the messengers except [the duty of] clear notification?
﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ إنَّما قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً أوْ مَنعًا لِلْبَعْثَةِ والتَّكْلِيفِ مُتَمَسِّكِينَ بِأنَّ ما شاءَ اللَّهُ يَجِبُ وما لَمْ يَشَأْ يَمْتَنِعُ فَما الفائِدَةُ فِيها، أوْ إنْكارًا لِقُبْحِ ما أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وتَحْرِيمِ البَحائِرِ ونَحْوِها مُحْتَجِّينَ بِأنَّها لَوْ كانَتْ مُسْتَقْبَحَةً لَما شاءَ اللَّهُ صُدُورَها عَنْهم ولَشاءَ خِلافَهُ، مُلْجِئًا إلَيْهِ لا اعْتِذارًا إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا قُبْحَ أعْمالِهِمْ، وفِيما بَعْدَهُ تَنْبِيهٌ عَلى الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَتَيْنِ. ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا حِلَّهُ ورَدُّوا رُسُلَهُ. ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ إلّا الإبْلاغُ المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ وهو لا يُؤَثِّرُ في هُدى مَن شاءَ اللَّهُ هُداهُ لَكِنَّهُ يُؤَدِّي إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّطِ، وما شاءَ اللَّهُ وُقُوعَهُ إنَّما يَجِبُ وُقُوعُهُ لا مُطْلَقًا بَلْ بِأسْبابٍ قَدَّرَها لَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ البَعْثَةَ أمْرٌ جَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ في الأُمَمِ كُلِّها سَبَبًا لِهُدى مَن أرادَ اهْتِداءَهُ وزِيادَةً لِضَلالِ مَن أرادَ ضَلالَهُ، كالغِذاءِ الصّالِحِ فَإنَّهُ يَنْفَعُ المِزاجَ السَّوِيَّ ويُقَوِّيهِ ويَضُرُّ المُنْحَرِفَ ويُفْنِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
16:36Page 271
وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٣٦
And We certainly sent into every nation a messenger, [saying], "Worship Allāh and avoid ṭāghūt."1 And among them were those whom Allāh guided, and among them were those upon whom error was [deservedly] decreed. So proceed [i.e., travel] through the earth and observe how was the end of the deniers.
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى واجْتِنابِ الطّاغُوتِ. ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ وفَّقَهم لِلْإيمانِ بِإرْشادِهِمْ. ﴿وَمِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ إذْ لَمْ يُوَفِّقْهم ولَمْ يُرِدْ هُداهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى فَسادِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَحَقُّقَ الضَّلالِ وثَباتَهُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ قِسْمٌ مِن هُدى اللَّهِ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى. ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ. ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ.
16:37–38Page 271
إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٣٧
[Even] if you should strive for their guidance, [O Muḥammad], indeed, Allāh does not guide those He sends astray,1 and they will have no helpers.
وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٨
And they swear by Allāh their strongest oaths [that] Allāh will not resurrect one who dies. But yes - [it is] a true promise [binding] upon Him, but most of the people do not know.
﴿إنْ تَحْرِصْ﴾ يا مُحَمَّدُ. ﴿عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ مَن يُرِيدُ ضَلالَهُ وهو المَعْنِيُّ بِمَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ. وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ (لا يُهْدى) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهو أبْلَغُ. ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ مَن يَنْصُرُهم بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهم.
﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ إيذانًا بِأنَّهم كَما أنْكَرُوا التَّوْحِيدَ أنْكَرُوا البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ زِيادَةً في البَتِّ عَلى فَسادِهِ، ولَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْلَغَ رَدٍّ فَقالَ: ﴿بَلى﴾ يَبْعَثُهم. ﴿وَعْدًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿بَلى﴾ فَإنْ يُبْعَثْ مَوْعِدٌ مِنَ اللَّهِ. ﴿عَلَيْهِ﴾ إنْجازُهُ لِامْتِناعِ الخُلْفِ في وعْدِهِ، أوْ لِأنَّ البَعْثَ مُقْتَضى حِكْمَتِهِ. ﴿حَقًّا﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِلْوَعْدِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ (p-227)النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم يُبْعَثُونَ إمّا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ الَّتِي جَرَتْ عادَتُهُ بِمُراعاتِها، وإمّا لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ بِالمَأْلُوفِ فَيَتَوَهَّمُونَ امْتِناعَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ الأمْرَيْنِ فَقالَ:
16:39–40Page 271
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخۡتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰذِبِينَ ٣٩
[It is] so He will make clear to them [the truth of] that wherein they differ and so those who have disbelieved may know that they were liars.
إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٠
Indeed, Our word to a thing when We intend it is but that We say to it, "Be," and it is.
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ أيْ يَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهُمُ. ﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وهو الحَقُّ. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ فِيما يَزْعُمُونَ، وهو إشارَةٌ إلى السَّبَبِ الدّاعِي إلى البَعْثِ المُقْتَضِي لَهُ مِن حَيْثُ الحِكْمَةِ، وهو المُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والمُحِقِّ والمُبْطِلِ بِالثَّوابِ والعِقابِ ثُمَّ قالَ:
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهو بَيانُ إمْكانِهِ وتَقْرِيرُهُ أنَّ تَكْوِينَ اللَّهِ بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ لا تَوَقُّفَ لَهُ عَلى سَبْقِ المَوادِّ والمُدَدِ، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ فَكَما أمْكَنَ لَهُ تَكْوِينُ الأشْياءِ ابْتِداءً بِلا سَبْقِ مادَّةٍ ومِثالٍ أمْكَنَ لَهُ تَكْوِينُها إعادَةً بَعْدَهُ، ونَصَبَ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ها هُنا وفي « يس» فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى نَقُولُ أوْ جَوابًا لِلْأمْرِ.
16:41–42Page 271
وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١
And those who emigrated for [the cause of] Allāh after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٤٢
[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ هم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ المُهاجِرُونَ ظَلَمَهم قُرَيْشٌ فَهاجَرَ بَعْضُهم إلى الحَبَشَةِ ثُمَّ إلى المَدِينَةِ وبَعْضُهم إلى المَدِينَةِ، أوِ المَحْبُوسُونَ المُعَذَّبُونَ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم بِلالٌ وصُهَيْبٌ وخَبّابٌ وعَمّارٌ وعابِسٌ وأبُو جَنْدَلٍ وسُهَيْلٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وقَوْلُهُ: ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيْ في حَقِّهِ ولِوَجْهِهِ. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ مَباءَةً حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ أوْ تَبْوِئَةً حَسَنَةً. ﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ مِمّا يُعَجَّلُ لَهم في الدُّنْيا. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ لَهُ خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أفْضَلُ. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ أيْ لَوْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ خَيْرَ الدّارَيْنِ لَوافَقُوهم، أوْ لِلْمُهاجِرِينَ أيْ لَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ.
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى الشَّدائِدِ كَأذى الكُفّارِ ومُفارَقَةِ الوَطَنِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ.
﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ مُنْقَطِعِينَ إلى اللَّهِ مُفَوِّضِينَ إلَيْهِ الأمْرَ كُلَّهُ.
16:43–44Page 272
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣
And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.
بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤
[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message [i.e., the Qur’ān] that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.
﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِ قُرَيْشٍ: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، أيْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ بِأنْ لا يَبْعَثَ لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ إلّا بَشَرًا يُوحِي إلَيْهِ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ، والحِكْمَةُ في ذَلِكَ قَدْ ذُكِرَتْ في سُورَةِ « الأنْعامِ» فَإنْ شَكَكْتُمْ فِيهِ. ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ أهْلَ الكِتابِ أوْ عُلَماءَ الأخْبارِ لِيُعْلِمُوكم.
﴿إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرْسِلِ امْرَأةً ولا مَلَكًا لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ وقَوْلِهِ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾ مَعْناهُ رُسُلًا إلى المَلائِكَةِ أوْ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ لَمْ يُبْعَثُوا إلى الأنْبِياءِ إلّا مُتَمَثِّلِينَ بِصُورَةِ الرِّجالِ. ورُدَّ بِما رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى جِبْرِيلَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها مَرَّتَيْنِ.» وعَلى وُجُوبِ المُراجَعَةِ إلى العُلَماءِ فِيما لا يُعْلَمُ.
(p-228)﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ أيْ أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ أيِ المُعْجِزاتِ والكُتُبِ، كَأنَّهُ جَوابُ قائِلٍ قالَ: بِمَ أُرْسِلُوا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما أرْسَلْنا داخِلًا في الِاسْتِثْناءِ مَعَ رِجالًا أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ، أوْ صِفَةٌ لَهم أيْ رِجالًا مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، أوْ بِيُوحِي عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوِ الحالِ مِنَ القائِمِ مَقامَ فاعِلِهِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ فاسْألُوا اعْتِراضٌ، أوْ بِلا تَعْلَمُونَ عَلى أنَّ الشَّرْطَ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ. ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ أيِ القُرْآنَ وإنَّما سُمِّيَ ذِكْرًا لِأنَّهُ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ في الذِّكْرِ بِتَوَسُّطِ إنْزالِهِ إلَيْكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، أوْ مِمّا تَشابَهَ عَلَيْهِمْ والتَّبْيِينُ أعَمُّ مِن أنْ يَنُصَّ بِالمَقْصُودِ، أوْ يُرْشِدَ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كالقِياسِ. ودَلِيلُ العَقْلِ. ﴿وَلَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ وإرادَةُ أنْ يَتَأمَّلُوا فِيهِ فَيَتَنَبَّهُوا لِلْحَقائِقِ.
16:45–46Page 272
أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٤٥
Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allāh will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?
أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٤٦
Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure [i.e., escape from Him]?
﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيِ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ وهُمُ الَّذِينَ احْتالُوا لِهَلاكِ الأنْبِياءِ، أوِ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورامُوا صَدَّ أصْحابِهِ عَنِ الإيمانِ. ﴿أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ بَغْتَةً مِن جانِبِ السَّماءِ كَما فَعَلَ بِقَوْمِ لُوطٍ.
﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ﴾ أيْ مُتَقَلِّبِينَ في مَسايِرِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ. ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ .
16:47Page 272
أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ ٤٧
Or that He would not seize them gradually [in a state of dread]?1 But indeed, your Lord is Kind and Merciful.2
﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾ عَلى مَخافَةٍ بِأنْ يُهْلِكَ قَوْمًا قَبْلَهم فَيَتَخَوَّفُوا فَيَأْتِيَهُمُ العَذابُ وهم مُتَخَوِّفُونَ، أوْ عَلى أنْ يُنْقِصَهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ في أنْفُسِهِمْ وأحْوالِهِمْ حَتّى يَهْلَكُوا مِن تَخَوَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصْتُهُ. رُوِيَ أنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ عَلى المِنبَرِ: ما تَقُولُونَ فِيها فَسَكَتُوا فَقامَ شَيْخٌ مِن هُذَيْلٍ فَقالَ: هَذِهِ لُغَتُنا التَّخَوُّفُ التَّنَقُّصُ، فَقالَ هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ في أشْعارِها قالَ نَعَمْ، قالَ شاعِرُنا أبُو كَبِيرٍ يَصِفُ ناقَتَهُ:
؎ تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تامِكًا قَرَدًا. . . كَما تُخَوِّفُ عُودُ النَّبْعَةِ السُّفُنَ
فَقالَ عُمَرُ عَلَيْكم بِدِيوانِكم لا تَضِلُّوا قالُوا: وما دِيوانُنا قالَ: شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتابِكم ومَعانِيَ كَلامِكم. ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ.
16:48Page 272
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ ٤٨
Have they not considered what things Allāh has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allāh, while they [i.e., those creations] are humble.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ أيْ قَدْ رَأوْا أمْثالَ هَذِهِ الصَّنائِعِ فَما بالُهم لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيها لِيَظْهَرَ لَهم كَمالُ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ فَيَخافُوا مِنهُ، وما مَوْصُولَةٌ مُبْهَمَةٌ بَيانُها. ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ أيْ أوَلَمْ يَنْظُرُوا إلى المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَها ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « تَرَوْا» بِالتّاءِ وأبُو عَمْرٍو « تَتَفَيَّأُ» بِالتّاءِ.
﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ عَنْ أيْمانِها وعَنْ شَمائِلِها أيْ عَنْ جانِبَيْ كُلٍّ واحِدٍ مِنها، اسْتِعارَةٌ مِن يَمِينِ الإنْسانِ وشِمالِهِ، ولَعَلَّ تَوْحِيدَ اليَمِينِ وجَمْعَ الشَّمائِلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى كَتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ وجَمْعِهِ في قَوْلِهِ: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ وهُما حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ، والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ الِاسْتِسْلامُ سَواءٌ كانَ بِالطَّبْعِ أوِ الِاخْتِيارِ، يُقالُ سَجَدَتِ النَّخْلَةُ إذا مالَتْ لِكَثْرَةِ الحِمْلِ وسَجَدَ البَعِيرُ إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ لِيُرْكَبَ أوْ سُجَّدًا حالٌ مِنَ الظِّلالِ ﴿وَهم داخِرُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَعْنى يَرْجِعُ الظِّلالُ بِارْتِفاعِ الشَّمْسِ وانْحِدارِها، أوْ بِاخْتِلافِ مَشارِقِها ومَغارِبِها بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ مُنْقادَةً لِما قُدِّرَ لَها مِنَ التَّفَيُّؤِ، أوْ واقِعَةٌ عَلى الأرْضِ مُلْتَصِقَةٌ بِها عَلى هَيْئَةِ السّاجِدِ والأجْرامُ في أنْفُسِها أيْضًا داخِرَةٌ أيْ صاغِرَةٌ مُنْقادَةٌ لِأفْعالِ اللَّهِ تَعالى (p-229)فِيها، وجَمْعُ ﴿داخِرُونَ﴾ بِالواوِ لِأنَّ مِن جُمْلَتِها مَن يَعْقِلُ، أوْ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ. وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ يَمِينُ الفَلَكِ وهو جانِبُهُ الشَّرْقِيُّ لِأنَّ الكَواكِبَ تَظْهَرُ مِنهُ آخِذَةً في الِارْتِفاعِ والسُّطُوعِ وشِمالُهُ هو الجانِبُ الغَرْبِيُّ المُقابِلُ لَهُ مِنَ الأرْضِ، فَإنَّ الظِّلالَ في أوَّلِ النَّهارِ تَبْتَدِئُ مِنَ المَشْرِقِ واقِعَةً عَلى الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ، وعِنْدَ الزَّوالِ تَبْتَدِئُ مِنَ المَغْرِبِ واقِعَةً عَلى الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِنَ الأرْضِ.
16:49–50Page 272
وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩
And to Allāh prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.
يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠
They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ يَنْقادُ انْقِيادًا يَعُمُّ الِانْقِيادَ لِإرادَتِهِ وتَأْثِيرِهِ طَبْعًا والِانْقِيادَ لِتَكْلِيفِهِ وأمْرِهِ طَوْعًا لِيَصِحَّ إسْنادُهُ إلى عامَّةِ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ وقَوْلِهِ: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ بَيانٌ لَهُما لِأنَّ الدَّبِيبَ هو الحَرَكَةُ الجُسْمانِيَّةُ سَواءٌ كانَتْ في أرْضٍ أوْ سَماءٍ. ﴿والمَلائِكَةُ﴾ عُطِفَ عَلى المُبَيَّنِ بِهِ عُطِفَ جِبْرِيلُ عَلى المَلائِكَةِ لِلتَّعْظِيمِ، أوْ عُطِفَ المُجَرَّداتُ عَلى الجُسْمانِيّاتِ، وبِهِ احْتَجَّ مَن قالَ إنَّ المَلائِكَةَ أرْواحٌ مُجَرَّدَةٌ أوْ بَيانٌ لِما في الأرْضِ والمَلائِكَةُ تَكْرِيرٌ لِما في السَّمَواتِ وتَعْيِينٌ لَهُ إجْلالًا وتَعْظِيمًا، أوِ المُرادُ بِها مَلائِكَتُها مِنَ الحَفَظَةِ وغَيْرِهِمْ، و ﴿ما﴾ لَمّا اسْتُعْمِلَ لِلْعُقَلاءِ كَما اسْتُعْمِلَ لِغَيْرِهِمْ كانَ اسْتِعْمالُهُ حَيْثُ اجْتَمَعَ القَبِيلانِ أوْلى مِن إطْلاقِ مِن تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ. ﴿وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنْ عِبادَتِهِ.
﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ يَخافُونَهُ أنْ يُرْسِلَ عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ، أوْ يَخافُونَهُ وهو فَوْقَهم بِالقَهْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ . والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، أوْ بَيانٌ لَهُ وتَقْرِيرٌ لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ. ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ مِنَ الطّاعَةِ والتَّدْبِيرِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفُونَ مُدارُونَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ.
16:51–52Page 272
۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١
And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."
وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢
And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?
﴿وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرَ العَدَدَ مَعَ أنَّ المَعْدُودَ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً عَلى أنَّ مَساقَ النَّهْيِ إلَيْهِ، أوْ إيماءً بِأنَّ الإثْنِينِيَّةَ تُنافِي الأُلُوهِيَّةَ كَما ذَكَرَ الواحِدُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ دُونَ الإلَهِيَّةِ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الوَحْدَةَ مِن لَوازِمِ الإلَهِيَّةِ. ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ نُقِلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ مُبالَغَةً في التَّرْهِيبِ وتَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ فَكَأنَّهُ قالَ: فَأنا ذَلِكَ الإلَهُ الواحِدُ فَإيّايَ فارْهَبُونِ لا غَيْرَ.
﴿وَلَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا. ﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾ أيِ الطّاعَةُ. ﴿واصِبًا﴾ لازِمًا لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ والحَقِيقُ بِأنْ يُرْهَبَ مِنهُ. وقِيلَ واصِبًا مِنَ الوَصَبِ أيْ ولَهُ الدِّينُ ذا كُلْفَةٍ. وقِيلَ الدِّينُ الجَزاءُ أيْ ولَهُ الجَزاءُ دائِمًا لا يَنْقَطِعُ ثَوابُهُ لِمَن آمَنَ وعِقابُهُ لِمَن كَفَرَ. ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ولا ضارَّ سِواهُ كَما لا نافِعَ غَيْرُهُ كَما قالَ تَعالى:
16:53–55Page 272
وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣
And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤
Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٥٥
So they will deny what We have given them. Then enjoy yourselves, for you are going to know.
﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ اتَّصَلَ بِكم مِن نِعْمَةٍ فَهو مِنَ اللَّهِ، ﴿وَما﴾ شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ الإخْبارِ دُونَ الحُصُولِ، فَإنَّ اسْتِقْرارَ النِّعْمَةِ بِهِمْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإخْبارِ بِأنَّها مِنَ اللَّهِ لا لِحُصُولِها مِنهُ. ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ فَما تَتَضَرَّعُونَ إلّا إلَيْهِ، والجُؤارُ رَفْعُ الصَّوْتِ في الدُّعاءِ والِاسْتِغاثَةِ.
(p-230)﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكُمْ﴾ وهم كُفّارُكم. ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ، هَذا إذا كانَ الخِطابُ عامًّا، فَإنْ كانَ خاصًّا بِالمُشْرِكِينَ كانَ مِن لِلْبَيانِ كَأنَّهُ قالَ: إذا فَرِيقٌ وهم أنْتُمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى أنْ يُعْتَبَرَ بَعْضُهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ .
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ مِن نِعْمَةِ الكَشْفِ عَنْهم كَأنَّهم قَصَدُوا بِشِرْكِهِمْ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، أوْ إنْكارَ كَوْنِها مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أمْرُ تَهْدِيدٍ. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أغْلَظَ وعِيدَهُ، وقُرِئَ (فَيُمَتَّعُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَطْفًا عَلى ﴿لِيَكْفُرُوا﴾، وعَلى هَذا جازَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الأمْرِ الوارِدِ لِلتَّهْدِيدِ والفاءُ لِلْجَوابِ.
16:56–57Page 273
وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ ٥٦
And they assign to what they do not know1 [i.e., false deities] a portion of that which We have provided them. By Allāh, you will surely be questioned about what you used to invent.
وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ ٥٧
And they attribute to Allāh daughters1 - exalted is He - and for them is what they desire [i.e., sons].
﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي لا عِلْمَ لَها لِأنَّها جَمادٌ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ ﴿لِما﴾، أوِ الَّتِي لا يَعْلَمُونَها فَيَعْتَقِدُونَ فِيها جَهالاتٍ مِثْلَ أنَّها تَنْفَعُهم وتَشْفَعُ لَهم عَلى أنَّ العائِدَ إلى ما مَحْذُوفٌ، أوْ لِجَهْلِهِمْ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ والمَجْعُولَ لَهُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ. ﴿نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ مِنَ الزُّرُوعِ والأنْعامِ. ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّها آلِهَةٌ حَقِيقَةً بِالتَّقَرُّبِ إلَيْها وهو وعِيدٌ لَهم عَلَيْهِ.
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ كانَتْ خُزاعَةُ وكِنانَةُ يَقُولُونَ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. ﴿سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ مِن قَوْلِهِمْ، أوْ تَعَجُّبٌ مِنهُ. ﴿وَلَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ يَعْنِي البَنِينَ، ويَجُوزُ فِيما يَشْتَهُونَ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ والنَّصْبُ بِالعَطْفِ عَلى البَناتِ عَلى أنَّ الجَعْلَ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ، وهو وإنْ أفْضى إلى أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ والمَفْعُولِ لِشَيْءٍ واحِدٍ لَكِنَّهُ لا يَبْعُدُ تَجْوِيزُهُ في المَعْطُوفِ.
16:58–59Page 273
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ ٥٨
And when one of them is informed of [the birth of] a female, his face becomes dark, and he suppresses grief.
يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٥٩
He hides himself from the people because of the ill of which he has been informed. Should he keep it in humiliation or bury it in the ground? Unquestionably, evil is what they decide.
﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ أُخْبِرَ بِوِلادَتِها. ﴿ظَلَّ وجْهُهُ﴾ صارَ أوْ دامَ النَّهارَ كُلَّهُ. ﴿مُسْوَدًّا﴾ مِنَ الكَآبَةِ والحَياءِ مِنَ النّاسِ. واسْوِدادُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنِ الِاغْتِمامِ والتَّشْوِيرِ. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مَمْلُوءٌ غَيْظًا مِنَ المَرْأةِ.
﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ﴾ يَسْتَخْفِي مِنهم. ﴿مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ . مِن سُوءِ المُبَشَّرِ بِهِ عُرْفًا. ﴿أيُمْسِكُهُ﴾ مُحَدِّثًا نَفْسَهُ مُتَفَكِّرًا في أنْ يَتْرُكَهُ. ﴿عَلى هُونٍ﴾ ذُلٍّ ﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ أيْ يُخْفِيهِ فِيهِ ويَئِدُهُ، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ لِلَفْظِ ﴿ما﴾ وقُرِئَ بِالتَّأْنِيثِ فِيهِما. ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ حَيْثُ يَجْعَلُونَ لِمَن تَعالى عَنِ الوَلَدِ ما هَذا مَحَلُّهُ عِنْدَهم.
16:60Page 273
لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٠
For those who do not believe in the Hereafter is the description [i.e., an attribute] of evil;1 and for Allāh is the highest attribute. And He is Exalted in Might, the Wise.
﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ صِفَةُ السَّوْءِ وهي الحاجَةُ إلى الوَلَدِ المُنادِيَةُ بِالمَوْتِ واسْتِبْقاءِ الذُّكُورِ اسْتِظْهارًا بِهِمْ وكَراهَةَ الإناثِ ووَأْدُهُنَّ خَشْيَةَ الإمْلاقِ. ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ وهو الوُجُوبُ الذّاتِيُّ والغِنى المُطْلَقُ والجُودُ الفائِقُ والنَّزاهَةُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ. ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ المُنْفَرِدُ بِكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.
16:61Page 273
وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٦١
And if Allāh were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon it [i.e., the earth] any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].
(p-231)﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ بِكُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ. ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها﴾ عَلى الأرْضِ، وإنَّما أضْمَرَها مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِدَلالَةِ النّاسِ والدّابَّةِ عَلَيْها. ﴿مِن دابَّةٍ﴾ قَطُّ بِشُؤْمِ ظُلْمِهِمْ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كادَ الجُعْلُ يَهْلَكُ في حِجْرِهِ بِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ أوْ مِن دابَّةٍ ظالِمَةٍ. وقِيلَ لَوْ أُهْلِكَ الآباءُ بِكُفْرِهِمْ لَمْ يَكُنِ الأبْناءُ.
﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ سَمّاهُ لِأعْمارِهِمْ أوْ لِعَذابِهِمْ كَيْ يَتَوالَدُوا. ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ بَلْ هَلَكُوا أوْ عُذِّبُوا حِينَئِذٍ لا مَحالَةَ، ولا يَلْزَمُ مِن عُمُومِ النّاسِ وإضافَةِ الظُّلْمِ إلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا كُلُّهم ظالِمِينَ حَتّى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِجَوازِ أنْ يُضافَ إلَيْهِمْ ما شاعَ فِيهِمْ وصَدَرَ عَنْ أكْثَرِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences