Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:69–98
19:69–70Page 310
ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا ٦٩
Then We will surely extract from every sect those of them who were worst against the Most Merciful in insolence.
ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠
Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.
﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شاعَتْ دِينًا. ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ مَن كانَ أعْصى وأعْتى مِنهم فَنَطْرَحُهم فِيها، وفي ذِكْرِ الأشَدِّ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو كَثِيرًا مِن أهْلِ العِصْيانِ ولَوْ خَصَّ ذَلِكَ بِالكَفَرَةِ فالمُرادُ أنَّهُ يُمَيِّزُ طَوائِفَهم أعْتاهم فَأعْتاهم ويَطْرَحُهم في النّارِ عَلى التَّرْتِيبِ، أوْ يُدْخِلُ كُلًّا طَبَقَتَها الَّتِي تَلِيقُ بِهِ، و ﴿أيُّهُمْ﴾ مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ عِنْدَ سِيبَوَيْهَ لِأنَّ حَقَّهُ أنْ يُبْنى كَسائِرِ المَوْصُولاتِ، لَكِنَّهُ أُعْرِبَ حَمْلًا (p-17)عَلى ( كُلِّ ) وبَعْضٍ لِلُزُومِ الإضافَةِ وإذا حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِهِ زادَ نَقْصُهُ فَعادَ إلى حَقِّهِ مَنصُوبَ المَحَلِّ بِنَنْزِعَنَّ، ولِذَلِكَ قُرِئَ مَنصُوبًا ومَرْفُوعٌ عِنْدَ غَيْرِهِ إمّا بِالِابْتِداءِ عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامِيٌّ وخَبَرُهُ ﴿أشَدُّ﴾، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ الَّذِينَ يُقالُ فِيهِمْ أيُّهم أشَدُّ، أوْ مُعَلَّقٌ عَنْها لَنَنْزِعَنَّ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّمْيِيزِ اللّازِمِ لِلْعِلْمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ والفِعْلُ واقِعٌ عَلى ﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ عَلى زِيادَةِ مِن أوْ عَلى مَعْنى لَنَنْزِعَنَّ بَعْضَ كُلِّ شِيعَةٍ، وإمّا بِشِيعَةٍ لِأنَّها بِمَعْنى تَشَيُّعٍ وعَلى لِلْبَيانِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِافْعَلْ وكَذا الباءُ في قَوْلِهِ:
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ أيْ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِالصِّلِيِّ، أوْ صِلِيُّهم أوْلى بِالنّارِ. وهُمُ المُنْتَزَعُونَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمْ وبِأشَدِّهِمْ عِتِيًّا رُؤَساءُ الشِّيَعِ فَإنَّ عَذابَهم مُضاعَفٌ لِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿صِلِيًّا﴾ بِكَسْرِ الصّادِ.
19:71–72Page 310
وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١
And there is none of you except he will come to it.1 This is upon your Lord an inevitability decreed.
ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢
Then We will save those who feared Allāh and leave the wrongdoers within it, on their knees.
﴿وَإنْ مِنكُمْ﴾ وما مِنكُمُ التِفاتٌ إلى الإنْسانِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «وَإنَّ مِنهم» . ﴿إلا وارِدُها﴾ إلّا واصِلُها وحاضِرٌ دُونَها يَمُرُّ بِها المُؤْمِنُونَ وهي خامِدَةٌ وتَنْهارُ بِغَيْرِهِمْ.
وَعَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ألَيْسَ قَدْ وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَرِدَ النّارَ، فَيُقالُ لَهم: قَدْ ورَدْتُمُوها وهي خامِدَةٌ» .
وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ فالمُرادُ عَنْ عَذابِها. وقِيلَ وُرُودُها الجَوازُ عَلى الصِّراطِ فَإنَّهُ مَمْدُودٌ عَلَيْها. ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ كانَ وُرُودُهم واجِبًا أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ وقَضى بِهِ بِأنْ وعَدَ بِهِ وعْدًا لا يُمْكِنُ خُلْفُهُ. وقِيلَ أقْسَمَ عَلَيْهِ.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فَيُساقُونَ إلى الجَنَّةِ وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿نُنَجِّي﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقُرِئَ ثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ أيْ هُناكَ. ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ مُنْهارًا بِهِمْ كَما كانُوا، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوُرُودِ الجُثُوُّ حَوالَيْها وإنَّ المُؤْمِنِينَ يُفارِقُونَ الفَجَرَةَ إلى الجَنَّةِ بَعْدَ تَجاثِيهِمْ، وتَبْقى الفَجَرَةُ فِيها مُنْهارًا بِهِمْ عَلى هَيْئاتِهِمْ.
19:73Page 310
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا ٧٣
And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say to those who believe, "Which of [our] two parties is best in position and best in association?"1
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ مُرَتَّلاتِ الألِفاظِ مُبَيَّناتِ المَعانِي بِنَفْسِها أوْ بِبَيانِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ واضِحاتِ الإعْجازِ. ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِأجْلِهِمْ أوْ مَعَهم. ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ. ﴿خَيْرٌ مَقامًا﴾ مَوْضِعَ قِيامٍ أوْ مَكانًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالضَّمِّ أيْ مَوْضِعُ إقامَةٍ ومَنزِلٍ. ﴿وَأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ مَجْلِسًا ومُجْتَمَعًا والمَعْنى أنَّهم لَمّا سَمِعُوا الآياتِ الواضِحاتِ وعَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِها والدَّخْلِ عَلَيْها، أخَذُوا في الِافْتِخارِ بِما لَهم مِن حُظُوظِ الدُّنْيا والِاسْتِدْلالِ بِزِيادَةِ حَظِّهِمْ فِيها عَلى فَضْلِهِمْ وحَسُنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَلى الحالِ وعِلْمِهِمْ بِظاهِرٍ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا فَرَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أيْضًا مَعَ التَّهْدِيدِ نَقْضًا بِقَوْلِهِ:
19:74Page 310
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا ٧٤
And how many a generation have We destroyed before them who were better in possessions and [outward] appearance?
﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ و ( كَمْ ) مَفْعُولُ ﴿أهْلَكْنا﴾ و ﴿مِن قَرْنٍ﴾ بَيانُهُ، وإنَّما سُمِّيَ أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ قَرْنًا أيْ مُقَدِّمًا مِن قَرْنِ الدّابَّةِ. وهو مُقَدَّمُها لِأنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَن بَعْدَهُ، وهم أحْسَنُ صِفَةٌ لِكَمْ و ﴿أثاثًا﴾ تَمْيِيزٌ عَنِ النِّسْبَةِ وهو مَتاعُ البَيْتِ. وقِيلَ هو ما جَدَّ مِنهُ والخَرْثِيُّ ما رَثَّ والرِّئْيُ المَنظَرُ فِعْلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ لِما يُرى كالطَّحْنِ والخَبْزِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ «رِيًّا» عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ وإدْغامِها أوْ عَلى أنَّهُ مِنَ الرِّيِّ الَّذِي هو النِّعْمَةُ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ «رِيِيًا» عَلى القَلْبِ، وقُرِئَ «رِيًا» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ و «زِيًا» مِنَ الزِّيِّ وهو الجَمْعُ (p-18)
فَإنَّهُ مَحاسِنُ مَجْمُوعَةٌ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تَمْتِيعَهُمُ اسْتِدْراجٌ ولَيْسَ بِإكْرامٍ وإنَّما العِيارُ عَلى الفَضْلِ والنَّقْصِ ما يَكُونُ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ:
19:75Page 310
قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضۡعَفُ جُندٗا ٧٥
Say, "Whoever is in error - let the Most Merciful extend for him an extension [in wealth and time] until, when they see that which they were promised - either punishment [in this world] or the Hour [of resurrection] - they will come to know who is worst in position and weaker in soldiers."
﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ فَيُمِدُّهُ ويُمْهِلُهُ بِطُولِ العُمُرِ والتَّمَتُّعِ بِهِ، وإنَّما أخْرَجَهُ عَلى لَفْظِ الأمْرِ إيذانًا بِأنَّ إمْهالَهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَهُ اسْتِدْراجًا وقَطْعًا لِمَعاذِيرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ وكَقَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ غايَةَ المَدِّ. وقِيلَ غايَةُ قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينِ آمَنُوا أيْ قالُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ. ﴿إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْمَوْعُودِ فَإنَّهُ إمّا العَذابُ في الدُّنْيا وهو غَلَبَةُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وتَعْذِيبُهم إيّاهم قَتْلًا وأسْرًا وإمّا يَوْمَ القِيامَةِ وما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِأنْ عايَنُوا الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما قَدَّرُوهُ وعادَ ما مُتِّعُوا بِهِ خِذْلانًا ووَبالًا عَلَيْهِمْ، وهو جَوابُ الشَّرْطِ والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بَعْدَ ﴿حَتّى﴾ . ﴿وَأضْعَفُ جُنْدًا﴾ أيْ فِئَةً وأنْصارًا قابَلَ بِهِ أحْسُنُ نَدِيًّا مِن حَيْثُ إنَّ حُسْنَ النّادِي بِاجْتِماعِ وُجُوهِ القَوْمِ وأعْيانِهِمْ وظُهُورِ شَوْكَتِهِمْ واسْتِظْهارِهِمْ.
19:76Page 310
وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٞ مَّرَدًّا ٧٦
And Allāh increases those who were guided, in guidance, and the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for recourse.
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ عُطِفَ عَلى الشَّرْطِيَّةِ المَحْكِيَّةِ بَعْدَ القَوْلِ كَأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ إمْهالَ الكافِرِ وتَمْتِيعَهُ بِالحَياةِ الدُّنْيا لَيْسَ لِفَضْلِهِ، أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ قُصُورَ حَظِّ المُؤْمِنِ مِنها لَيْسَ لِنَقْصِهِ بَلْ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أرادَ بِهِ ما هو خَيْرٌ لَهُ وعِوَضُهُ مِنهُ، وقِيلَ عُطِفَ عَلى ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى الخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ مَن كانَ في الضَّلالَةِ يَزِيدُ اللَّهُ في ضَلالِهِ ويَزِيدُ المُقابِلُ لَهُ هِدايَةً. ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ الطّاعاتُ الَّتِي تَبْقى عائِدَتُها أبَدَ الآبادِ، ويَدْخُلُ فِيها ما قِيلَ مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ وقَوْلِ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ. ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ عائِدَةٌ مِمّا مُتِّعَ بِهِ الكَفَرَةُ مِنَ النِّعَمِ المُخْدِجَةِ الفانِيَةِ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها سِيَّما ومَآلُها النَّعِيمُ المُقِيمُ ومَآلُ هَذِهِ الحَسْرَةُ والعَذابُ الدّائِمُ كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ والخَيْرُ ها هُنا إمّا لِمُجَرَّدِ الزِّيادَةِ أوْ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمُ الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ، أيْ أبْلَغُ في حَرِّهِ مِنهُ في بَرْدِهِ.
19:77–78Page 311
أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا ٧٧
Then, have you seen he who disbelieved in Our verses and said, "I will surely be given wealth and children [in the next life]"?
أَطَّلَعَ ٱلۡغَيۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٧٨
Has he looked into the unseen, or has he taken from the Most Merciful a promise?
﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ كانَ لِخَبّابٍ عَلَيْهِ مالٌ فَتَقاضاهُ فَقالَ لَهُ: لا حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فَقالَ: لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَيًّا ولا مَيِّتًا ولا حِينَ تُبْعَثُ، قالَ فَإذا بُعِثْتُ جِئْتَنِي فَيَكُونُ لِي ثَمَّ مالٌ ووَلَدٌ فَأُعْطِيكَ. ولَمّا كانَتِ الرُّؤْيَةُ أقْوى سَنَدِ الإخْبارِ اسْتُعْمِلَ أرَأيْتَ بِمَعْنى الإخْبارِ، والفاءُ عَلى أصْلِها في التَّعْقِيبِ والمَعْنى: أخْبِرْ بِقِصَّةِ هَذا الكافِرِ عَقِبَ حَدِيثِ أُولَئِكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «وُلْدًا» وهو جَمْعُ ولَدٍ كَأُسْدٍ في أسَدٍ أوْ لُغَةٌ فِيهِ كالعُرْبِ والعَرَبِ.
﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ أقَدْ بَلَغَ مِن عَظَمَةِ شَأْنِهِ إلى أنِ ارْتَقى إلى عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي تَوَحَّدَ بِهِ الواحِدُ القَهّارُ حَتّى ادَّعى أنْ يُؤْتى في الآخِرَةِ مالًا ووَلَدًا وتَألّى عَلَيْهِ. ﴿أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أوِ اتَّخَذَ مِن عالَمِ الغَيْبِ عَهْدًا بِذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُتَوَصَّلُ إلى العِلْمِ بِهِ إلّا بِأحَدِ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ. وقِيلَ العَهْدُ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ والعَمَلُ الصّالِحُ فَإنَّ وعْدَ اللَّهِ بِالثَّوابِ عَلَيْهِما كالعَهْدِ عَلَيْهِ.(p-19)
19:79–80Page 311
كـَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا ٧٩
No! We will record what he says and extend [i.e., increase] for him from the punishment extensively.
وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأۡتِينَا فَرۡدٗا ٨٠
And We will inherit him [in] what he mentions,1 and he will come to Us alone.
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مُخْطِئٌ فِيما تَصَوَّرَهُ لِنَفْسِهِ. ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ سَنُظْهِرُ لَهُ أنّا كَتَبْنا قَوْلَهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:
إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ
أيْ تَبَيَّنَ أنِّي لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ، أوْ سَنَنْتَقِمُ مِنهُ انْتِقامَ مَن كَتَبَ جَرِيمَةَ العَدُوِّ وحَفِظَها عَلَيْهِ فَإنَّ نَفْسَ الكِتابَةِ لا تَتَأخَّرُ عَنِ القَوْلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ . ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ونُطَوِّلُ لَهُ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَأْهِلُهُ، أوْ نُزِيدُ عَذابَهُ ونُضاعِفُهُ لَهُ لِكُفْرِهِ وافْتِرائِهِ واسْتِهْزائِهِ عَلى اللَّهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ دَلالَةً عَلى فَرْطِ غَضَبِهِ عَلَيْهِ. ﴿وَنَرِثُهُ﴾ بِمَوْتِهِ. ﴿ما يَقُولُ﴾ يَعْنِي المالَ والوَلَدَ. ﴿وَيَأْتِينا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَرْدًا﴾ لا يَصْحَبُهُ مالٌ ولا ولَدٌ كانَ لَهُ في الدُّنْيا فَضْلًا أنْ يُؤْتى ثُمَّ زائِدًا وقِيلَ ﴿فَرْدًا﴾ رافِضًا لِهَذا القَوْلِ مُنْفَرِدًا عَنْهُ.
19:81–82Page 311
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا ٨١
And they have taken besides Allāh [false] deities that they would be for them [a source of] honor.
كـَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا ٨٢
No! They [i.e., those "gods"] will deny their worship of them and will be against them opponents [on the Day of Judgement].
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ لِيَتَعَزَّزُوا بِهِمْ حَيْثُ يَكُونُونَ لَهم وصْلَةً إلى اللَّهِ وشُفَعاءَ عِنْدَهُ.
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ وإنْكارٌ لِتَعَزُّزِهِمْ بِها. ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ سَتَجْحَدُ الآلِهَةُ عِبادَتَهم ويَقُولُونَ ما عَبَدْتُمُونا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أوْ سَيُنْكِرُ الكَفَرَةُ لِسُوءِ العاقِبَةِ أنَّهم عَبَدُوها لِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ يُؤَيِّدُ الأوَّلَ إذا فُسِّرَ الضِّدُّ بِضِدِّ العِزِّ، أيْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ذُلًّا، أوْ بِضِدِّهِمْ عَلى مَعْنى أنَّها تَكُونُ مَعُونَةً في عَذابِهِمْ بِأنْ تُوقَدَ بِها نِيرانُهم، أوْ جُعِلَ الواوُ لِلْكَفَرَةِ أيْ يَكُونُونَ كافِرِينَ بِهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا يَعْبُدُونَها وتَوْحِيدُهُ لِوَحْدَةِ المَعْنى الَّذِي بِهِ مُضادَّتُهم، فَإنَّهم بِذَلِكَ كالشَّيْءِ الواحِدِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «وَهم يَدٌ عَلى مَن سِواهم» .
وَقُرِئَ ( كُلًّا ) بِالتَّنْوِينِ عَلى قَلْبِ الألِفِ نُونًا في الوَقْفِ قَلْبِ ألِفِ الإطْلاقِ في قَوْلِهِ:
أقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلُ والعِتابَنْ
أوْ عَلى مَعْنى كُلِّ هَذا الرَّأْيِ كَلّا وكُلًّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ سَيَجْحَدُونَ ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ .
19:83–84Page 311
أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا ٨٣
Do you not see that We have sent the devils upon the disbelievers, inciting them [to evil] with [constant] incitement?
فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا ٨٤
So be not impatient over them. We only count out [i.e., allow] to them a [limited] number.1
﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ بِأنْ سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ أوْ قَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ. ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ تَهُزُّهم وتُعَزِّيهِمْ عَلى المَعاصِي بِالتَّسْوِيلاتِ وتَحْبِيبِ الشَّهَواتِ، والمُرادُ تَعْجِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أقاوِيلِ الكَفَرَةِ وتَمادِيهِمْ في الغَيِّ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ عَلى ما نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ.
﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ بِأنْ يَهْلَكُوا حَتّى تَسْتَرِيحَ أنْتَ والمُؤْمِنُونَ مِن شُرُورِهِمْ وتَطْهُرَ الأرْضُ مِن فَسادِهِمْ.
﴿إنَّما نَعُدُّ لَهُمْ﴾ أيّامَ آجالِهِمْ. ﴿عَدًّا﴾ والمَعْنى لا تَعْجَلْ بِهَلاكِهِمْ فَإنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم إلّا أيّامٌ مَحْصُورَةٌ وأنْفاسٌ مَعْدُودَةٌ.(p-20)
19:85Page 311
يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا ٨٥
On the Day We will gather the righteous to the Most Merciful as a delegation
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ نَجْمَعُهم. ﴿إلى الرَّحْمَنِ﴾ إلى رَبِّهِمُ الَّذِي غَمَرَهم بِرَحْمَتِهِ، ولِاخْتِيارِ هَذا الِاسْمِ في هَذِهِ السُّورَةِ شَأْنٌ ولَعَلَّهُ لِأنَّ مَساقَ هَذا الكَلامِ فِيها لِتَعْدادِ نِعَمَهُ الجِسامَ وشَرْحِ حالِ الشّاكِرِينَ لَها والكافِرِينَ بِها ﴿وَفْدًا﴾ وافِدِينَ عَلَيْهِ كَما يَفِدُ الوُفّادُ عَلى المُلُوكِ مُنْتَظِرِينَ لِكَرامَتِهِمْ وإنْعامِهِمْ.
19:86–87Page 311
وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا ٨٦
And will drive the criminals to Hell in thirst
لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٨٧
None will have [power of] intercession except he who had taken from the Most Merciful a covenant.1
﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ﴾ كَما تُساقُ البَهائِمُ. ﴿إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ عِطاشًا فَإنَّ مَن يَرِدُ الماءَ لا يَرِدُهُ إلّا لِعَطَشٍ، أوْ كالدَّوابِّ الَّتِي تَرِدُ الماءَ.
﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾ الضَّمِيرُ فِيها لِلْعِبادِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِذِكْرِ القِسْمَيْنِ وهو النّاصِبُ لِلْيَوْمِ. ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ إلّا مَن تَحَلّى بِما يَسْتَعِدُّ بِهِ ويَسْتَأْهِلُ أنْ يَشْفَعَ لِلْعُصاةِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ عَلى ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى، أوْ إلّا مَنِ اتَّخَذَ مِنَ اللَّهِ إذْنًا فِيها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ مِن قَوْلِهِمْ: عَهِدَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ بِكَذا إذا أمَرَهُ بِهِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَنِ اتَّخَذَ، أوْ عَلى الِاسْتِثْناءِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُجْرِمِينَ والمَعْنى: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ فِيهِمْ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا يَسْتَعِدُّ بِهِ أنْ يَشْفَعَ لَهُ بِالإسْلامِ.
19:88–90Page 311
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا ٨٨
And they say, "The Most Merciful has taken [for Himself] a son."
لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا ٨٩
You have done an atrocious thing.
تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا ٩٠
The heavens almost rupture therefrom and the earth splits open and the mountains collapse in devastation
﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ الضَّمِيرُ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ لِأنَّ هَذا لَمّا كانَ مَقُولًا فِيما بَيْنَ النّاسِ جازَ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ.
﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ عَلى الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالجَراءَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والإدُّ بِالفَتْحِ والكَسْرِ العَظِيمُ المُنْكَرُ والإدَّةُ الشِّدَّةُ وأدَنِي الأمْرِ، وآدَنِي أثْقَلَنِي وعَظُمَ عَلَيَّ.
﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِالياءِ. ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ يَتَشَقَّقْنَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ «يَنْفَطِرْنَ»، والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّ التَّفَعُّلَ مُطاوِعُ فَعَلَ والِانْفِعالُ مُطاوِعُ فُعِلَ ولِأنَّ أصْلَ التَّفَعُّلِ التَّكَلُّفُ. ﴿وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ تُهَدُّ هَدًّا أوْ مَهْدُودَةً، أوْ لِأنَّها تُهَدُّ أيْ تُكَسَّرُ وهو تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ أدًّا، والمَعْنى: أنَّ هَوْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ وعِظَمَها بِحَيْثُ لَوْ تُصُوِّرَتْ بِصُورَةٍ مَحْسُوسَةٍ لَمْ تَتَحَمَّلْها هَذِهِ الأجْرامُ العِظامُ وتُفَتَّتُ مِن شِدَّتِها، أوْ أنَّ فَظاعَتَها مَجْلَبَةٌ لِغَضَبِ اللَّهِ بِحَيْثُ لَوْلا حِلْمِهِ لَخَرِبَ العالَمُ وبُدِّدَ قَوائِمُهُ غَضَبًا عَلى مَن تَفَوَّهَ بِها.
19:91–92Page 311
أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا ٩١
That they attribute to the Most Merciful a son.
وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ٩٢
And it is not appropriate for the Most Merciful that He should take a son.
﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ يَحْتَمِلُ النَّصْبَ عَلى العِلَّةِ لِـ ﴿تَكادُ﴾ أوْ لِـ ﴿هَدًّا﴾ عَلى حَذْفِ اللّامِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْهِ، والجَرَّ بِإضْمارِ اللّامِ أوْ بِالإبْدالِ مِنَ الهاءِ في مِنهُ والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ المُوجِبُ لِذَلِكَ أنْ دَعَوْا، أوْ فاعِلَ ﴿هَدًّا﴾ أيْ هَدَّها دُعاءُ الوَلَدِ لِلرَّحْمَنِ وهو مِن دَعا بِمَعْنى سُمِّيَ المُتَعَدِّيَ إلى مَفْعُولَيْنِ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِيُحِيطَ بِكُلِّ ما دُعِيَ لَهُ ولَدًا، أوْ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي مُطاوِعُهُ ادَّعى إلى فُلانٍ إذا انْتَسَبَ إلَيْهِ.
﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ ولا يَنْطَلِبُ لَهُ لَوْ طَلَبَ مَثَلًا لَهُ لِأنَّهُ (p-21)
مُسْتَحِيلٌ، ولَعَلَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ بِصِفَةِ الرَّحْمانِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ ما عَداهُ نِعْمَةٌ ومُنْعَمٌ عَلَيْهِ فَلا يُجانِسُ مَن هو مَبْدَأُ النِّعَمِ كُلِّها ومُولِي أُصُولِها وفُرُوعِها، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَتَّخِذَهُ ولَدًا ثُمَّ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ:
19:93–95Page 311
إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ٩٣
There is no one in the heavens and earth but that he comes to the Most Merciful as a servant.
لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا ٩٤
He has enumerated them and counted them a [full] counting.
وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا ٩٥
And all of them are coming to Him on the Day of Resurrection alone.
﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ ما مِنهم. ﴿إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ إلّا وهو مَمْلُوكٌ لَهُ يَأْوِي إلَيْهِ بِالعُبُودِيَّةِ والِانْقِيادِ، وقُرِئَ «آتِ الرَّحْمَنِ» عَلى الأصْلِ.
﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾ حَصَرَهم وأحاطَ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُونَ عَنْ حَوْزِ عِلْمِهِ وقَبْضَةِ قُدْرَتِهِ. ﴿وَعَدَّهم عَدًّا﴾ عَدَّ أشْخاصَهم وأنْفاسَهم وأفْعالَهم فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ.
﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ مُنْفَرِدًا عَنِ الِاتِّباعِ والأنْصارِ فَلا يُجانِسُهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لِيَتَّخِذَهُ ولَدًا ولا يُناسِبُهُ لِيُشْرَكَ بِهِ.
19:96–97Page 312
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا ٩٦
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - the Most Merciful will appoint for them affection.1
فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا ٩٧
So, [O Muḥammad], We have only made it [i.e., the Qur’ān] easy in your tongue [i.e., the Arabic language] that you may give good tidings thereby to the righteous and warn thereby a hostile people.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ سَيُحْدِثُ لَهم في القُلُوبِ مَوَدَّةً مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ مِنهم لِأسْبابِها،
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا يَقُولُ لِجِبْرِيلَ أحْبَبْتُ فُلانًا فَأحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في أهْلِ السَّماءِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أحَبَّ فُلانًا فَأحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ المَحَبَّةُ في الأرْضِ» .
والسِّينُ إمّا لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وكانُوا مَمْقُوتِينَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الكَفَرَةِ فَوَعَدَهم ذَلِكَ إذا دَجا الإسْلامُ، أوْ لِأنَّ المَوْعُودَ في القِيامَةِ حِينَ تُعْرَضُ حَسَناتُهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ فَيُنْزَعُ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الغِلِّ.
﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ بِأنْ أنْزَلْناهُ بِلُغَتِكَ، والباءُ بِمَعْنى عَلى أوْ عَلى أصْلِهِ لِتَضَمُّنِ ﴿يَسَّرْناهُ﴾ مَعْنى أنْزَلْناهُ أيْ أنْزَلْناهُ بِلُغَتِكَ. ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ الصّائِرِينَ إلى التَّقْوى. ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أشِدّاءَ الخُصُومَةِ آخِذِينَ في كُلِّ لَدِيدٍ، أيْ شُقَّ مِنَ المِراءِ لِفَرْطِ لَجاجِهِمْ فَبَشِّرْ بِهِ وأنْذِرْ.
19:98Page 312
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا ٩٨
And how many have We destroyed before them of generations? Do you perceive of them anyone or hear from them a sound?
﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ تَخْوِيفٌ لِلْكَفَرَةِ وتَجْسِيرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى إنْذارِهِمْ. ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ هَلْ تَشْعُرُ بِأحَدٍ مِنهم وتَراهُ. ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ وقُرِئَ ﴿تَسْمَعُ﴾ مَن أسْمَعْتَ والرِّكْزُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ هو الخَفاءُ ومِنهُ رَكْزُ الرُّمْحِ إذا غُيِّبَ طَرَفُهُ في الأرْضِ، والرِّكازُ المالُ المَدْفُونُ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَن قَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ أُعْطِيَ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن كَذَّبَ زَكَرِيّا وصَدَّقَ بِهِ ويَحْيى ومَرْيَمَ وعِيسى وسائِرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَذْكُورِينَ فِيها وبِعَدَدِ مَن دَعا اللَّهَ في الدُّنْيا ومَن لَمْ يَدَعُ اللَّهَ» .(p-22)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences