Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
البقرة
Al-Baqarah
The Cow · Medinan · 286 ayahs
(p-33)سُورَةُ البَقَرَةِ
مَدَنِيَّةٌ وآيُها مِائَتانِ وسَبْعٌ وثَمانُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ وسائِرُ الألْفاظِ الَّتِي يُتَهَجّى بِها، أسْماءٌ مُسَمَّياتُها الحُرُوفُ الَّتِي رُكِّبَتْ مِنها الكَلِمُ لِدُخُولِها في حَدِّ الِاسْمِ، واعْتِوارِ ما يُخَصُّ بِهِ مِنَ التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ والجَمْعِ والتَّصْغِيرِ ونَحْوَ ذَلِكَ عَلَيْها، وبِهِ صَرَّحَ الخَلِيلُ وأبُو عَلِيٍّ. وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «مَن قَرَأ حَرْفًا مِن كِتابِ اللَّهِ فَلَهُ حَسَنَةُ والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها لا أقُولُ الم حَرْفٌ بَلْ ألِفٌ حَرْفٌ ولامٌ حَرْفٌ ومِيمٌ حَرْفٌ»
فالمُرادُ بِهِ غَيْرُ المَعْنى الَّذِي اصْطُلِحَ عَلَيْهِ، فَإنَّ تَخْصِيصَهُ بِهِ عُرْفٌ مُجَدَّدٌ بَلِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ، ولَعَلَّهُ سَمّاهُ بِاسْمِ مَدْلُولِهِ.
وَلَمّا كانَتْ مُسَمَّياتُها حُرُوفًا وُحْدانًا وهي مُرَكَّبَةٌ، صُدِّرَتْ بِها لِتَكُونَ تَأْدِيَتُها بِالمُسَمّى أوَّلَ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ، واسْتُعِيرَتِ الهَمْزَةُ مَكانَ الألِفِ لِتَعَذُّرِ الِابْتِداءِ بِها وهي ما لَمْ تَلِها العَوامِلُ مَوْقُوفَةٌ خالِيَةٌ عَنِ الإعْرابِ لِفَقْدِ مُوجِبِهِ ومُقْتَضِيهِ، لَكِنَّها قابِلَةٌ إيّاهُ ومُعَرَّضَةٌ لَهُ إذْ لَمْ تُناسِبْ مَبْنى الأصْلِ ولِذَلِكَ قِيلَ: (ص) و (ق) مَجْمُوعًا فِيهِما بَيْنَ السّاكِنَيْنِ ولَمْ تُعامَلْ مُعامَلَةَ أيْنَ وهَؤُلاءِ. ثُمَّ إنَّ مُسَمَّياتِها لَمّا كانَتْ عُنْصُرَ الكَلامِ وبَسائِطَهُ الَّتِي يَتَرَكَّبُ مِنها. افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِطائِفَةٍ مِنها إيقاظًا لِمَن تَحَدّى بِالقُرْآنِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ أصْلَ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ كَلامٌ مَنظُومٌ مِمّا يَنْظِمُونَ مِنهُ كَلامَهُمْ، فَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَما عَجَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ مَعَ تَظاهُرِهِمْ وقُوَّةِ فَصاحَتِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِما يُدانِيهِ، ولِيَكُونَ أوَّلَ ما يَقْرَعُ الأسْماعَ مُسْتَقِلًّا بِنَوْعٍ مِنَ الإعْجازِ، فَإنَّ النُّطْقَ بِأسْماءِ الحُرُوفِ مُخْتَصٌّ بِمَن خَطَّ ودَرَسَ، فَأمّا مِنَ الأُمِّيِّ الَّذِي لَمْ يُخالِطِ الكِتابَ فَمُسْتَبْعَدٌ مُسْتَغْرَبٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ كالكِتابَةِ والتِّلاوَةِ سِيَّما وقَدْ راعى في ذَلِكَ ما يَعْجِزُ عَنْهُ الأدِيبُ الأرِيبُ الفائِقُ في فَنِّهِ، وهو أنَّهُ أوْرَدَ في هَذِهِ الفَواتِحِ أرْبَعَةَ عَشَرَ اسْمًا هي نِصْفُ أسامِيِّ حُرُوفِ المُعْجَمِ، إنْ لَمْ يُعَدَّ فِيها الألِفُ حَرْفًا بِرَأْسِها في تِسْعٍ وعِشْرِينَ سُورَةً بِعَدَدِها إذا عُدَّ فِيها الألِفُ الأصْلِيَّةُ مُشْتَمِلَةً عَلى أنْصافِ أنْواعِها، فَذَكَرَ مِنَ المَهْمُوسَةِ وهي ما يَضْعُفُ الِاعْتِمادُ عَلى مَخْرَجِهِ ويَجْمَعُها (سَتَشْحَثُكَ خَصَفَهُ) نِصْفُها الحاءُ والكافُ والهاءُ والصّادُ والسِّينُ والكافُ، ومِنَ البَواقِي المَجْهُورَةِ نِصْفُها يَجْمَعُهُ (لَنْ يُقْطَعَ أمْرٌ) . ومِنَ الشَّدِيدَةِ الثَّمانِيَةِ المَجْمُوعَةِ في (أجَدْتَ طَبَقَكَ) أرْبَعَةٌ يَجْمَعُها (أقَطَكَ) . ومِنَ البَواقِي الرَّخْوَةِ عَشْرَةٌ يَجْمَعُها « خَمْسٌ» عَلى نَصْرِهِ، ومِنَ المُطْبَقَةِ الَّتِي هي الصّادُ والضّادُ والطّاءُ والظّاءُ نِصْفُها، ومِنَ البَواقِي المُنْفَتِحَةِ نِصْفُها، ومِنَ القَلْقَلَةِ وهِيَ: حُرُوفٌ تَضْطَرِبُ عِنْدَ خُرُوجِها ويَجْمَعُها (قد طبج) نِصْفُها الأقَلُّ لِقِلَّتِها، ومِنَ اللَّيِّنَتَيْنِ الياءُ لِأنَّها أقَلُّ ثِقْلًا، ومِنَ المُسْتَعْلِيَةِ وهِيَ:
الَّتِي يَتَصَعَّدُ الصَّوْتُ بِها في الحَنَكِ الأعْلى، وهي سَبْعَةٌ: القافُ والصّادُ والطّاءُ والخاءُ والغَيْنُ والضّادُ والظّاءُ نِصْفُها الأقَلُّ، ومِنَ البَواقِي المُنْخَفِضَةِ نِصْفُها، ومِن حُرُوفِ البَدَلِ وهي أحَدَ عَشَرَ عَلى ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، واخْتارَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ ويَجْمَعُها (أجِدُ طَوَيْتُ) مِنها السِّتَّةُ الشّائِعَةُ المَشْهُورَةُ الَّتِي يَجْمَعُها (أهطمين) وقَدْ زادَ بَعْضُهم سَبْعَةً أُخْرى وهي اللّامُ في (أصِيلالَ) والصّادُ والزّايُ في (صِراطٍ وزِراطٍ) والفاءُ في (أجْدافٍ) والعَيْنُ في (أعَنَ) والثّاءُ في (ثروغ الدَّلْو) والباءُ في « بِاسْمِكَ» حَتّى صارَتْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وقَدْ ذُكِرَ مِنها تِسْعَةٌ السِّتَّةُ المَذْكُورَةُ (p-34)واللّامُ والصّادُ والعَيْنُ. ومِمّا يُدْغَمُ في مِثْلِهِ ولا يُدْغَمُ في المُقارِبِ وهي خَمْسَةَ عَشَرَ: الهَمْزَةُ والهاءُ والعَيْنُ والصّادُ والطّاءُ والمِيمُ والياءُ والخاءُ والغَيْنُ والضّادُ والفاءُ والظّاءُ والشِّينُ والزّايُ والواوُ نَصِفُها الأقَلُّ. ومِمّا يُدْغَمُ فِيهِما وهي الثَّلاثَةَ عَشَرَ الباقِيَةُ نِصْفُها الأكْثَرُ: الحاءُ والقافُ والكافُ والرّاءُ والسِّينُ واللّامُ والنُّونُ لِما في الإدْغامِ مِنَ الخِفَّةِ والفَصاحَةِ، ومِنَ الأرْبَعَةِ الَّتِي لا تُدْغَمُ فِيما يُقارِبُها ويُدْغَمُ فِيها مُقارِبُها وهِيَ: المِيمُ والزّايُ والسِّينُ والفاءُ نَصِفُها.
وَلَمّا كانَتِ الحُرُوفُ الذَّلْقِيَّةُ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْها بِذَلْقِ اللِّسانِ وهي سِتَّةٌ يَجْمَعُها (رُبَّ مُنَفَّلٍ) والحَلْقِيَّةُ الَّتِي هي الحاءُ والخاءُ والعَيْنُ والغَيْنُ والهاءُ والهَمْزَةُ، كَثِيرَةُ الوُقُوعِ في الكَلامِ ذَكَرَ ثُلُثَيْهِما. ولَمّا كانَتْ أبْنِيَةُ المَزِيدِ لا تَتَجاوَزُ عَنِ السُّباعِيَّةِ ذَكَرَ مِنَ الزَّوائِدِ العَشْرَةِ الَّتِي يَجْمَعُها (اليَوْمَ تَنْساهُ) سَبْعَةَ أحْرُفٍ مِنها تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، ولَوِ اسْتَقْرَيْتَ الكَلِمَ وتَراكِيبَها وجَدْتَ الحُرُوفَ المَتْرُوكَةَ مِن كُلِّ جِنْسٍ مَكْثُورَةً بِالمَذْكُورَةِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَها مُفْرَدَةً وثُنائِيَّةً وثُلاثِيَّةً ورُباعِيَّةً وخُماسِيَّةً، إيذانًا بِأنَّ المُتَحَدّى بِهِ مُرَكَّبٌ مِن كَلِماتِهِمُ الَّتِي أُصُولُها كَلِماتٌ مُفْرَدَةٌ، ومُرَكَّبَةٌ مِن حَرْفَيْنِ فَصاعِدًا إلى الخَمْسَةِ، وذَكَرَ ثَلاثَ مُفْرَداتٍ في ثَلاثِ سُوَرٍ لِأنَّها تُوجَدُ في الأقْسامِ الثَّلاثَةِ: الِاسْمِ والفِعْلِ والحَرْفِ وأرْبَعَ ثُنائِيّاتٍ لِأنَّها تَكُونُ في الحَرْفِ بِلا حَذْفٍ (كَبَلْ)، وفي الفِعْلِ بِحَذْفِ ثِقَلٍ (كَقُلْ) . وفي الِاسْمِ بِغَيْرِ حَذْفٍ (كَمَنَ)، وبِهِ (كَدَمٍ) في تِسْعِ سُوَرٍ لِوُقُوعِها في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: فَفي الأسْماءِ مَن وإذْ وذُو. وفي الأفْعالِ قُلْ وبِعْ وخِفْ. وفي الحُرُوفِ مِن وإنْ ومُذْ عَلى لُغَةِ مَن جَرَّبَها. وثَلاثَ ثُلاثِيّاتٍ لِمَجِيئِها في الأقْسامِ الثَّلاثَةِ في ثَلاثَ عَشْرَةَ سُورَةً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ أُصُولَ الأبْنِيَةِ المُسْتَعْمَلَةِ ثَلاثَةَ عَشَرَ، عَشَرَةٌ مِنها لِلْأسْماءِ، وثَلاثَةٌ لِلْأفْعالِ، ورُباعِيَّتَيْنِ وخُماسِيَّتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ لِكُلٍّ مِنهُما أصْلًا: كَجَعْفَرَ وسَفَرْجَلَ، ومُلْحَقًا: كَقَرْدَدَ وجَحَنْفَلَ، ولَعَلَّها فُرِّقَتْ عَلى السُّوَرِ ولَمْ تَعُدَّ بِأجْمَعِها في أوَّلِ القُرْآنِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن إعادَةِ التَّحَدِّي وتَكْرِيرِ التَّنْبِيهِ والمُبالَغَةِ فِيهِ.
والمَعْنى أنَّ هَذا المُتَحَدّى بِهِ مُؤَلَّفٌ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ. أوِ المُؤَلَّفُ مِنها، كَذا وقِيلَ: هي أسْماءٌ لِلسُّورِ، وعَلَيْهِ إطْباقُ الأكْثَرِ. سُمِّيَتْ بِها إشْعارًا بِأنَّها كَلِماتٌ مَعْرُوفَةُ التَّرْكِيبِ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَتَساقَطْ مَقْدِرَتُهم دُونَ مُعارَضَتِها، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ مُفْهِمَةً كانَ الخِطابُ بِها كالخِطابِ بِالمُهْمَلِ والتَّكَلُّمِ بِالزِّنْجِيِّ مَعَ العَرَبِيِّ، ولَمْ يَكُنِ القُرْآنُ بِأسْرِهِ بَيانًا وهُدًى. ولَما أمْكَنَ التَّحَدِّي بِهِ وإنْ كانَتْ مُفْهِمَةً، فَإمّا أنْ يُرادَ بِها السُّوَرُ الَّتِي هي مُسْتَهَلُّها عَلى أنَّها ألْقابُها، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ. والثّانِي باطِلٌ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ما وُضِعَتْ لَهُ في لُغَةِ العَرَبِ فَظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، أوْ غَيْرَهُ وهو باطِلٌ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلى لُغَتِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ فَلا يُحْمَلُ عَلى ما لَيْسَ في لُغَتِهِمْ.
لا يُقالُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَزِيدَةً لِلتَّنْبِيهِ؟ والدَّلالَةُ عَلى انْقِطاعِ كَلامٍ واسْتِئْنافِ آخَرَ؟ كَما قالَهُ قُطْرُبٌ، أوْ إشارَةً إلى كَلِماتٍ هي مِنها اقْتَصَرَتْ عَلَيْها اقْتِصارَ الشّاعِرِ في قَوْلِهِ:
؎ قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافْ
كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: الألِفُ آلاءُ اللَّهِ، واللّامُ لَفْظُهُ، والمِيمُ مُلْكُهُ. وعَنْهُ أنَّ (الر) و (حم) و (ن) مَجْمُوعُها الرَّحْمَنُ. وعَنْهُ أنَّ (الم) مَعْناهُ: أنا اللَّهُ أعْلَمُ ونَحْوَ ذَلِكَ في سائِرِ الفَواتِحِ. وعَنْهُ أنَّ الألِفَ مِنَ اللَّهِ، واللّامَ مِن جِبْرِيلَ، والمِيمَ مِن مُحَمَّدٍ أيِ: القُرْآنُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ بِلِسانِ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ إلى مُدَدِ أقْوامٍ وآجالٍ بِحِسابِ الجُمَلِ كَما قالَ أبُو العالِيَةِ مُتَمَسِّكًا بِما رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أتاهُ اليَهُودُ تَلا عَلَيْهِمُ (الم) البَقَرَةِ. فَحَسَبُوهُ وقالُوا: كَيْفَ نَدْخُلُ في دِينٍ مُدَّتُهُ إحْدى وسَبْعُونَ سَنَةً، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: فَهَلْ غَيْرَهُ، فَقالَ: (المص) و (الر) و (المر)، فَقالُوا: خَلَطْتَ عَلَيْنا فَلا نَدْرِي بِأيِّها نَأْخُذُ» .. فَإنَّ تِلاوَتَهُ إيّاها بِهَذا التَّرْتِيبِ عَلَيْهِمْ وتَقْرِيرَهم عَلى اسْتِنْباطِهِمْ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ وإنْ لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً لَكِنَّها لِاشْتِهارِها فِيما بَيْنَ النّاسِ حَتّى العَرَبِ تُلْحِقُها بِالمُعَرَّباتِ كالمِشْكاةِ والسِّجِّيلِ (p-35)والقِسْطاسِ، أوْ دَلالَةٌ عَلى الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ مُقْسِمًا بِها لِشَرَفِها مِن حَيْثُ إنَّها بَسائِطُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ومادَّةُ خِطابِهِ.
هَذا وإنَّ القَوْلَ بِأنَّها أسْماءُ السُّوَرِ يُخْرِجُها ما لَيْسَ في لُغَةِ العَرَبِ، لِأنَّ التَّسْمِيَةَ بِثَلاثَةِ أسْماءٍ فَصاعِدًا مُسْتَكْرَهٌ عِنْدَهم ويُؤَدِّي إلى اتِّحادِ الِاسْمِ والمُسَمّى، ويَسْتَدْعِي تَأخُّرَ الجُزْءِ عَنِ الكُلِّ مِن حَيْثُ إنَّ الِاسْمَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُسَمّى بِالرُّتْبَةِ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الألْفاظَ لَمْ تُعْهَدْ مَزِيدَةً لِلتَّنْبِيهِ والدَّلالَةِ عَلى الِانْقِطاعِ والِاسْتِئْنافِ يَلْزَمُها وغَيْرَها مِن حَيْثُ إنَّها فَواتِحُ السُّوَرِ، ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ لَها مَعْنًى في حَيِّزِها ولَمْ تُسْتَعْمَلْ لِلِاخْتِصارِ مِن كَلِماتٍ مُعَيَّنَةٍ في لُغَتِهِمْ، أمّا الشِّعْرُ فَشاذٌّ، وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، فَتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ مَنبَعُ الأسْماءِ ومَبادِئُ الخِطابِ وتَمْثِيلٌ بِأمْثِلَةٍ حَسَنَةٍ، ألا تَرى أنَّهُ عَدَّ كُلَّ حَرْفٍ مِن كَلِماتٍ مُتَبايِنَةٍ لا تَفْسِيرَ، وتَخْصِيصٌ بِهَذِهِ المَعانِي دُونَ غَيْرِها إذْ لا مُخَصَّصَ لَفْظًا ومَعْنًى ولا بِحِسابِ الجُمَلِ فَتَلْحَقُ بِالمُعَرَّباتِ، والحَدِيثُ لا دَلِيلَ فِيهِ، لِجَوازِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَبَسَّمَ تَعَجُّبًا مِن جَهْلِهِمْ، وجَعَلَها مُقْسَمًا بِها وإنْ كانَ غَيْرَ مُمْتَنَعٍ لَكِنَّهُ يُحْوِجُ إلى إضْمارِ أشْياءَ لا دَلِيلَ عَلَيْها، والتَّسْمِيَةُ بِثَلاثَةِ أسْماءٍ إنَّما تَمْتَنِعُ إذا رُكِّبَتْ وجُعِلَتِ اسْمًا واحِدًا عَلى طَرِيقَةِ بَعْلَبَكَّ، فَأمّا إذا نُثِرَتْ نَثْرَ أسْماءِ العَدَدِ فَلا، وناهِيكَ بِتَسْوِيَةِ سِيبَوَيْهِ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ بِالجُمْلَةِ والبَيْتِ مِنَ الشِّعْرِ وطائِفَةٍ مِن أسْماءِ حُرُوفِ المُعْجَمِ، والمُسَمّى هو مَجْمُوعُ السُّورَةِ والِاسْمُ جُزْؤُها فَلا اتِّحادَ، وهو مُقَدَّمٌ مِن حَيْثُ ذاتُهُ مُؤَخَّرٌ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ اسْمًا، فَلا دَوْرَ لِاخْتِلافِ الجِهَتَيْنِ. والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ وأوْفَقُ لِلطّائِفِ التَّنْزِيلِ وأسْلَمُ مِن لُزُومِ النَّقْلِ ووُقُوعِ الِاشْتِراكِ في الأعْلامِ مِن واضِعٍ واحِدٍ فَإنَّهُ يَعُودُ بِالنَّقْضِ عَلى ما هو مَقْصُودٌ بِالعِلْمِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّها أسْماءُ القُرْآنِ ولِذَلِكَ أخْبَرَ عَنْها بِالكِتابِ والقُرْآنِ.
وَقِيلَ: إنَّها أسْماءٌ لِلَّهِ تَعالى ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ كانَ يَقُولُ: يا (كهيعص)، ويا (حم عسق)، ولَعَلَّهُ أرادَ يا مَنزِلَهُما.
وَقِيلَ الألِفُ: مِن أقْصى الحَلْقِ وهو مَبْدَأُ المَخارِجِ، واللّامُ: مِن طَرَفِ اللِّسانِ وهو أوْسَطُها، والمِيمُ: مِنَ الشَّفَةِ وهو آخِرُها جَمَعَ بَيْنَها إيماءً إلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أوَّلُ كَلامِهِ وأوْسَطُهُ وآخِرُهُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى.
وَقِيلَ: إنَّهُ سِرٌّ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وقَدْ رُوِيَ عَنِ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ ما يَقْرُبُ مِنهُ، ولَعَلَّهم أرادُوا أنَّها أسْرارٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ورُمُوزٌ لَمْ يَقْصِدْ بِها إفْهامَ غَيْرِهِ إذْ يَبْعُدُ الخِطابُ بِما لا يُفِيدُ.
فَإنْ جَعَلْتَها أسْماءَ اللَّهِ تَعالى، أوِ القُرْآنِ، أوِ السُّوَرِ كانَ لَها حَظٌّ مِنَ الإعْرابِ إمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرِ، أوِ النُّصْبُ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ القَسَمِ عَلى طَرِيقَةِ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ بِالنَّصْبِ أوْ غَيْرِهِ كَما ذُكِرَ، أوِ الجَرُّ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، ويَتَأتّى الإعْرابُ لَفْظًا والحِكايَةُ فِيما كانَتْ مُفْرَدَةً أوْ مُوازِنَةً لِمُفْرَدٍ كَ (حم) فَإنَّها كَهابِيلَ، والحِكايَةُ لَيْسَتْ إلّا فِيما عَدا ذَلِكَ، وسَيَعُودُ إلَيْكَ ذِكْرُهُ مُفَصَّلًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وإنْ أبْقَيْتَها عَلى مَعانِيها فَإنْ قُدِّرَتَ بِالمُؤَلَّفِ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ كانَ في حَيِّزِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ أوِ الخَبَرِ عَلى ما مَرَّ، وإنْ جَعَلْتَها مُقْسَمًا بِها يَكُونُ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنها مَنصُوبًا أوْ مَجْرُورًا عَلى اللُّغَتَيْنِ في اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وتَكُونُ جُمْلَةً قَسَمِيَّةً بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ لَهُ، وإنْ جَعَلْتَها أبْعاضَ كَلِماتٍ أوْ أصْواتًا مُنَزَّلَةً مَنزِلَةَ حُرُوفِ التَّنْبِيهِ لَمْ يَكُنْ لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ كالجُمَلِ المُبْتَدَأةِ والمُفْرَداتِ المَعْدُودَةِ ويُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ التَّمامِ إذا قُدِّرَتْ بِحَيْثُ لا تَحْتاجُ إلى ما بَعْدَها، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنها آيَةً عِنْدَ غَيْرِ الكُوفِيِّينَ. وأمّا عِنْدَهم فَ (الم) في مَواقِعِها، و (المص) و (كهيعص) و (طه) و (طسم) و (طس) و (يس) و (حم) آيَةٌ، و (حم عسق) آيَتانِ، والبَواقِي لَيْسَتْ بِآياتٍ وهَذا تَوْقِيفٌ لا مَجالَ لِلْقِياسِ فِيهِ.
2:2Page 2
ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢
This is the Book about which there is no doubt, a guidance for those conscious of Allāh1 -
﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى (الم) إنْ أُوِّلَ بِالمُؤَلَّفِ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ أوْ فُسِّرَ بِالسُّورَةِ أوِ القُرْآنِ فَإنَّهُ لِما تُكُلِّمَ بِهِ وتُقْضى، أوْ وصَلَ مِنَ المُرْسِلِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ صارَ مُتَباعِدًا أُشِيرَ إلَيْهِ بِما يُشارُ بِهِ إلى البَعِيدِ (p-36)وَتَذْكِيرِهِ، مَتى أُرِيدَ بِ (الم) السُّورَةُ لِتَذْكِيرِ الكِتابِ فَإنَّهُ خَبَرُهُ أوْ صِفَتُهُ الَّذِي هو هُوَ، أوْ إلى الكِتابِ فَيَكُونُ صِفَتَهُ والمُرادُ بِهِ الكِتابُ المَوْعُودُ إنْزالُهُ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ . أوْ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ. وهو مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ المَفْعُولُ لِلْمُبالَغَةِ.
وَقِيلَ فِعالٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كاللِّباسِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المَنظُومِ عِبارَةٌ قَبْلَ أنْ يُكْتَبَ لِأنَّهُ مِمّا يَكْتَبُ. وأصْلُ الكُتُبِ الجَمْعُ ومِنهُ الكَتِيبَةُ.
﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ لِوُضُوحِهِ وسُطُوعِ بُرْهانِهِ بِحَيْثُ لا يَرْتابُ العاقِلُ بَعْدَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ في كَوْنِهِ وحْيًا بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ، لا أنَّ أحَدًا لا يَرْتابُ فِيهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ . الآيَةَ فَإنَّهُ ما أبْعَدَ عَنْهُمُ الرَّيْبَ بَلْ عَرَّفَهُمُ الطَّرِيقَ المُرِيحَ لَهُ، وهو أنْ يَجْتَهِدُوا في مُعارَضَةِ نَجْمٍ مِن نُجُومِهِ ويَبْذُلُوا فِيها غايَةَ جُهْدِهِمْ حَتّى إذا عَجَزُوا عَنْها تَحَقَّقَ لَهم أنْ لَيْسَ فِيهِ مَجالٌ لِلشُّبْهَةِ ولا مَدْخَلٌ لِلرِّيبَةِ.
وَقِيلَ: مَعْناهُ لا رَيْبَ فِيهِ لِلْمُتَّقِينَ. وهُدًى حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ الظَّرْفُ الواقِعُ صِفَةً لِلْمَنفِيِّ. والرَّيْبُ في الأصْلِ مَصْدَرُ رابَنِي الشَّيْءُ إذا حَصَّلَ فِيكَ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ واضْطِرابُها، سُمِّيَ بِهِ الشَّكُّ لِأنَّهُ يُقْلِقُ النَّفْسَ ويُزِيلُ الطُّمَأْنِينَةَ.
وَفِي الحَدِيثِ «دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ»
فَإنَّ الشَّكَّ رِيبَةٌ والصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، ومِنهُ رَيْبُ الزَّمانِ لِنَوائِبِهِ.
﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ، والهُدى في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالسُّرى والتُّقى ومَعْناهُ الدَّلالَةُ.
وَقِيلَ: الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ إلى البُغْيَةِ لِأنَّهُ جُعِلَ مُقابِلَ الضَّلالَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ولِأنَّهُ لا يُقالُ مَهْدِيٌّ إلّا لِمَنِ اهْتَدى إلى المَطْلُوبِ. واخْتِصاصُهُ بِالمُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ المُهْتَدُونَ بِهِ والمُنْتَفِعُونَ بِنَصِّهِ، وإنْ كانَتْ دَلالَتُهُ عامَّةً لِكُلِّ ناظِرٍ مِن مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ وبِهَذا الِاعْتِبارِ قالَ تَعالى: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ . أوْ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِالتَّأمُّلِ فِيهِ إلّا مِن صَقَلَ العَقْلَ واسْتَعْمَلَهُ في تَدَبُّرِ الآياتِ والنَّظَرِ في المُعْجِزاتِ، وتَعَرُّفِ النُّبُوّاتِ، لِأنَّهُ كالغِذاءِ الصّالِحِ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ فَإنَّهُ لا يَجْلِبُ نَفْعًا ما لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ حاصِلَةً، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ . ولا يَقْدَحُ ما فِيهِ مِنَ المُجْمَلِ والمُتَشابِهِ في كَوْنِهِ هُدًى لِما لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ بَيانٍ يُعَيِّنُ المُرادُ مِنهُ.
والمُتَّقِي اسْمُ فاعِلٍ مِن قَوْلِهِمْ وقاهُ فاتَّقى. والوِقايَةُ: فَرْطُ الصِّيانَةِ. وهو في عُرْفِ الشَّرْعِ اسْمٌ لِمَن يَقِي نَفْسَهُ مِمّا يَضُرُّهُ في الآخِرَةِ، ولَهُ ثَلاثُ مَراتِبَ:
الأُولى: التَّوَقِّي مِنَ العَذابِ المُخَلَّدِ بِالتَّبَرِّي مِنَ الشِّرْكِ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ .
الثّانِيَةُ: التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ ما يُؤْثِمُ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ حَتّى الصَّغائِرِ عِنْدَ قَوْمٍ وهو المُتَعارَفُ بِاسْمِ التَّقْوى في الشَّرْعِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ .
الثّالِثَةُ: أنْ يَتَنَزَّهَ عَمّا يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الحَقِّ ويَتَبَتَّلُ إلَيْهِ بِشَراشِرَهُ وهو التَّقْوى الحَقِيقِيُّ المَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ وقَدْ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ هاهُنا عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ أوْجُهًا مِنَ الإعْرابِ: أنْ يَكُونَ (الم) مُبْتَدَأً عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْقُرْآنِ. أوِ السُّورَةِ. أوْ مُقَدَّرٌ بِالمُؤَلَّفِ مِنها، وذَلِكَ خَبَرُهُ وإنْ كانَ أخَصَّ مِنَ المُؤَلَّفِ مُطْلَقًا، والأصْلُ أنَّ الأخَصَّ لا يُحْمَلُ عَلى الأعَمِّ لِأنَّ المُرادَ بِهِ المُؤَلَّفُ الكامِلُ في تَأْلِيفِهِ البالِغِ أقْصى دَرَجاتِ الفَصاحَةِ ومَراتِبِ البَلاغَةِ، والكِتابُ صِفَةُ ذَلِكَ.
وَأنْ يَكُونَ (الم) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و (ذَلِكَ) خَبَرًا ثانِيًا أوْ بَدَلًا و ﴿الكِتابُ﴾ صِفَتُهُ، و ﴿لا رَيْبَ﴾ في المَشْهُورَةِ مَبْنِيٌّ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى مِن مَنصُوبِ المَحَلِّ عَلى أنَّهُ اسْمُ لا النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ العامِلَةِ عَمَلَ إنَّ، لِأنَّها (p-37)نَقِيضَتُها ولازِمَةٌ لِلْأسْماءِ لُزُومَها. وفي قِراءَةِ أبِي الشَّعْثاءِ مَرْفُوعٌ بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ وفِيهِ خَبَرُهُ ولَمْ يُقَدَّمْ كَما قُدِّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَخْصِيصَ نَفْيِ الرَّيْبِ بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ الكُتُبِ كَما قُصِدَ ثَمَّةَ، أوْ صِفَتُهُ و ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ خَبَرُهُ. وهُدًى نُصِبَ عَلى الحالِ، أوِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَما في لا ضَيْرَ، فَلِذَلِكَ وقَفَ عَلى ﴿لا رَيْبَ﴾، عَلى أنَّ فِيهِ خَبَرَ هُدًى قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ والتَّقْدِيرُ: لا رَيْبَ فِيهِ، فِيهِ هُدًى، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً و ﴿الكِتابُ﴾ خَبَرُهُ عَلى مَعْنى: أنَّهُ الكِتابُ الكامِلُ الَّذِي يَسْتَأْهِلُ أنْ يُسَمّى كِتابًا، أوْ صِفَتُهُ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ ﴿الم﴾ .
والأوْلى أنْ يُقالَ إنَّها أرْبَعُ جُمَلٍ مُتَناسِقَةٍ تَقَرِّرُ اللّاحِقَةُ مِنها السّابِقَةَ ولِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلِ العاطِفُ بَيْنَها. فَ﴿الم﴾، جُمْلَةٌ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُتَحَدّى بِهِ هو المُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ ما يُرَكِّبُونَ مِنهُ كَلامَهُمْ، و ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ جُمْلَةٌ ثانِيَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِجِهَةِ التَّحَدِّي، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، جُمْلَةٌ ثالِثَةٌ تَشْهَدُ عَلى كَمالِهِ بِأنَّ الكِتابَ المَنعُوتَ بِغايَةِ الكَمالِ إذْ لا كَمالَ أعْلى مِمّا لِلْحَقِّ واليَقِينِ. و ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، بِما يُقَدَّرُ لَهُ مُبْتَدَأُ جُمْلَةٍ رابِعَةٍ تُؤَكِّدُ كَوْنَهُ حَقًّا لا يَحُومُ الشَّكُّ حَوْلَهُ بِأنَّهُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، أوْ تَسْتَتْبِعُ السّابِقَةُ مِنها اللّاحِقَةَ اسْتِتْباعَ الدَّلِيلِ لِلْمَدْلُولِ، وبَيانُهُ أنَّهُ لَمّا نُبِّهَ أوَّلًا عَلى إعْجازِ المُتَحَدّى بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مِن جِنْسِ كَلامِهِمْ وقَدْ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ، اسْتُنْتِجَ مِنهُ أنَّهُ الكِتابُ البالِغُ حَدَّ الكَمالِ واسْتَلْزَمَ ذَلِكَ أنْ لا يَتَشَبَّثَ الرَّيْبُ بِأطْرافِهِ إذْ لا أنْقَصَ مِمّا يَعْتَرِيهِ الشَّكُّ والشُّبْهَةُ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ لا مَحالَةَ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وفي كُلِّ واحِدَةٍ مِنها نُكْتَةٌ ذاتُ جَزالَةٍ فَفي الأُولى الحَذْفُ والرَّمْزُ إلى المَقْصُودِ مَعَ التَّعْلِيلِ، وفي الثّانِيَةِ فَخامَةُ التَّعْرِيفِ، وفي الثّالِثَةِ تَأْخِيرُ الظَّرْفِ حَذَرًا عَنْ إبْهامِ الباطِلِ، وفي الرّابِعَةِ الحَذْفُ والتَّوْصِيفُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ وإيرادُهُ مُنْكَرًا لِلتَّعْظِيمِ، وتَخْصِيصُ الهُدى بِالمُتَّقِينَ بِاعْتِبارِ الغايَةِ تَسْمِيَةَ المَشارِفِ لِلتَّقْوى مُتَّقِيًا إيجازًا وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences