Al-BaydawiAn‑Nur · 24:28–39

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:28–39

24:28–29Page 353

فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨

And if you do not find anyone therein, do not enter them until permission has been given you. And if it is said to you, "Go back,"1 then go back; it is purer for you. And Allāh is Knowing of what you do.

لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٢٩

There is no blame upon you for entering houses not inhabited in which there is convenience1 for you. And Allāh knows what you reveal and what you conceal.

﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ يَأْذَنُ لَكم. ﴿فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ حَتّى يَأْتِيَ مَن يَأْذَنُ لَكم فَإنَّ المانِعَ مِنَ الدُّخُولِ لَيْسَ الِاطِّلاعُ عَلى العَوْراتِ فَقَطْ بَلْ وعَلى ما يُخْفِيهِ النّاسُ عادَةً مَعَ أنَّ التَّصَرُّفَ في مُلْكِ الغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مَحْظُورٌ، واسْتَثْنى ما إذا عَرَضَ فِيهِ حَرْقٌ أوْ غَرَقٌ أوْ كانَ فِيهِ مُنْكَرٌ ونَحْوَها. ﴿وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ ولا تُلِحُّوا. ﴿هُوَ أزْكى لَكُمْ﴾ الرُّجُوعُ أطْهَرُ لَكم عَمّا لا يَخْلُو الإلْحاحُ والوُقُوفُ عَلى البابِ عَنْهُ مِنَ الكَراهَةِ وتَرْكِ المُرُوءَةِ، أوْ أنْفَعُ لِدِينِكم ودُنْياكم. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ ما تَأْتُونَ وما تَذْرُوَنَ مِمّا خُوطِبْتُمْ بِهِ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ. ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ كالرُّبُطِ والحَوانِيتِ والخاناتِ والخانَقاتِ. ﴿فِيها مَتاعٌ﴾ اسْتِمْتاعٌ. ﴿لَكُمْ﴾ كالِاسْتِكْنانِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ وإيواءِ الأمْتِعَةِ والجُلُوسِ لِلْمُعامَلَةِ، وذَلِكَ اسْتِثْناءٌ مِنَ الحُكْمِ السّابِقِ لِشُمُولِهِ البُيُوتَ المَسْكُونَةَ وغَيْرَها. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ وعِيدٌ لِمَن دَخَلَ مَدْخَلًا لِفَسادٍ أوْ تَطَلُّعٍ عَلى عَوْراتٍ.

24:30Page 353

قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠

Tell the believing men to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts.2 That is purer for them. Indeed, Allāh is [fully] Aware of what they do.

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ أيْ ما يَكُونُ نَحْوَ مُحَرَّمٍ. ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم، ولَمّا كانَ المُسْتَثْنى مِنهُ كالشّاذِّ النّادِرِ بِخِلافِ الغَضِّ أطْلَقَهُ وقَيَّدَ الغَضَّ بِحَرْفِ التَّبْعِيضِ، وقِيلَ حِفْظُ الفُرُوجِ ها هُنا خاصَّةً سَتْرُها. ﴿ذَلِكَ أزْكى لَهُمْ﴾ أنْفَعُ لَهم أوْ أطْهَرُ لِما فِيهِ مِنَ البُعْدِ عَنِ الرِّيبَةِ.

﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ إجالَةُ أبْصارِهِمْ واسْتِعْمالُ سائِرِ حَواسِّهِمْ وتَحْرِيكُ جَوارِحِهِمْ وما يَقْصِدُونَ بِها، فَلْيَكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِنهُ في كُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ.

24:31Page 353

وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١

And tell the believing women to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts and not expose their adornment2 except that which [necessarily] appears thereof3 and to wrap [a portion of] their headcovers over their chests and not expose their adornment [i.e., beauty] except to their husbands, their fathers, their husbands' fathers, their sons, their husbands' sons, their brothers, their brothers' sons, their sisters' sons, their women, that which their right hands possess [i.e., slaves], or those male attendants having no physical desire,4 or children who are not yet aware of the private aspects of women. And let them not stamp their feet to make known what they conceal of their adornment. And turn to Allāh in repentance, all of you, O believers, that you might succeed.

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ فَلا يَنْظُرْنَ إلى ما لا يَحِلُّ لَهُنَّ النَّظَرَ إلَيْهِ مِنَ الرِّجالِ.

﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ بِالتَّسَتُّرِ أوِ التَّحَفُّظِ عَنِ الزِّنا، وتَقْدِيمُ الغَضِّ لِأنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنا. ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كالحُلِيِّ والثِّيابِ والأصْباغِ فَضْلًا عَنْ مَواضِعِها لِمَن لا يَحِلُّ أنْ تُبْدى لَهُ. ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ عِنْدَ مُزاوَلَةِ الأشْياءِ كالثِّيابِ والخاتَمِ فَإنَّ في سَتْرِها حَرَجًا، وقِيلَ المُرادُ بِالزِّينَةِ مَواضِعُها عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ ما يَعُمُّ المَحاسِنَ الخِلْقِيَّةَ والتَّزْيِينِيَّةَ، والمُسْتَثْنى هو الوَجْهُ والكَفّانِ لِأنَّها لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ والأظْهَرُ أنَّ هَذا في الصَّلاةِ لا في النَّظَرِ فَإنَّ كُلَّ بَدَنِ الحُرَّةِ عَوْرَةٌ لا يَحِلُّ لِغَيْرِ الزَّوْجِ والمَحْرَمِ النَّظَرُ إلى شَيْءٍ مِنها إلّا لِضَرُورَةٍ كالمُعالَجَةِ (p-105)

وَتَحَمُّلِ الشَّهادَةِ. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ سَتْرًا لِأعْناقِهِنَّ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِضَمِّ الجِيمِ. ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كَرَّرَهُ لِبَيانِ مَن يَحِلُّ لَهُ الإبْداءُ ومَن لا يَحِلُّ لَهُ. ﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ فَإنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالزِّينَةِ ولَهم أنْ يَنْظُرُوا إلى جَمِيعِ بَدَنِهِنَّ حَتّى الفَرْجَ بِكُرْهٍ. ﴿أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ﴾ لِكَثْرَةِ مُداخَلَتِهِمْ عَلَيْهِنَّ واحْتِياجِهِنَّ إلى مُداخَلَتِهِمْ وقِلَّةِ تَوَقُّعِ الفِتْنَةِ مِن قِبَلِهِمْ لِما في الطِّباعِ مِنَ النَّفْرَةِ عَنْ مُماسَّةِ القَرائِبِ، ولَهم أنْ يَنْظُرُوا مِنهُنَّ ما يَبْدُو عِنْدَ المِهْنَةِ والخِدْمَةِ وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الأعْمامَ والأخْوالَ لِأنَّهم في مَعْنى الإخْوانِ أوْ لِأنَّ الأحْوَطَ أنْ يَتَسَتَّرْنَ عَنْهم حَذَرًا أنْ يَصِفُوهُنَّ لِأبْنائِهِمْ ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ يَعْنِي المُؤْمِناتِ فَإنَّ الكافِراتِ لا يَتَحَرَّجْنَ عَنْ وصْفِهِنَّ لِلرِّجالِ أوِ النِّساءِ كُلِّهِنَّ، ولِلْعُلَماءِ في ذَلِكَ خِلافٌ. ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ يَعُمُّ الإماءَ والعَبِيدَ، لِما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى فاطِمَةَ بِعَبْدٍ وهَبَهُ لَها وعَلَيْها ثَوْبٌ، إذا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَها لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْها وإذا غَطَّتْ رِجْلَيْها لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَها فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إنَّما هو أبُوكِ وغُلامُكِ» . وقِيلَ المُرادُ بِها. الإماءُ وعَبْدُ المَرْأةِ كالأجْنَبِيِّ مِنها. ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ أيْ أُولِي الحاجَةِ إلى النِّساءِ وهُمُ الشُّيُوخُ الهِمُّ والمَمْسُوحُونَ، وفي المَجْبُوبِ والخَصِيِّ خِلافٌ وقِيلَ البُلْهُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ النّاسَ لِفَضْلِ طَعامِهِمْ ولا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن أُمُورِ النِّساءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ﴿غَيْرِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِمْ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى الِاطِّلاعِ، أوْ لِعَدَمِ بُلُوغِهِمْ حَدَّ الشَّهْوَةِ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى الغَلَبَةِ والطِّفْلُ جِنْسٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الجَمْعِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ الوَصْفِ. ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ لِيَتَقَعْقَعَ خَلْخالُها فَيُعْلَمَ أنَّها ذاتُ خَلْخالٍ فَإنَّ ذَلِكَ يُورِثُ مَيْلًا في الرِّجالِ، وهو أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ إظْهارِ الزِّينَةِ وأدَلُّ عَلى المَنعِ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ. ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ﴾ إذْ لا يَكادُ يَخْلُوا أحَدٌ مِنكم مِن تَفْرِيطٍ سِيَّما في الكَفِّ عَنِ الشَّهَواتِ، وقِيلَ تُوبُوا مِمّا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ، في الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهُ وإنْ جُبَّ بِالإسْلامِ لَكِنَّهُ يَجِبُ النَّدَمُ عَلَيْهِ والعَزْمُ عَلى الكَفِّ عَنْهُ كُلَّما يُتَذَكَّرُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «أيُّهَ المُؤْمِنُونَ» وفي «الزُّخْرُفِ» يا أيُّهَ السّاحِرُ وفي «الرَّحْمَنِ» أيُّهَ الثَّقَلانِ بِضَمِّ الهاءِ في الوَصْلِ في الثَّلاثَةِ والباقُونَ بِفَتْحِها، ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ عَلَيْهِنَّ بِالألِفِ، ووَقَفَ الباقُونَ بِغَيْرِ الألِفِ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.

24:32Page 354

وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢

And marry the unmarried among you and the righteous among your male slaves and female slaves. If they should be poor, Allāh will enrich them from His bounty, and Allāh is all-Encompassing and Knowing.

﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ لَمّا نَهى عَمّا عَسى أنْ يُفْضِيَ إلى السِّفاحِ المُخِلِّ بِالنَّسَبِ المُقْتَضِي لِلْأُلْفَةِ وحُسْنِ التَّرْبِيَةِ ومَزِيدِ الشَّفَقَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى بَقاءِ النَّوْعِ بَعْدَ الزَّجْرِ عَنْهُ مُبالَغَةً فِيهِ عَقَّبَهُ بِأمْرِ النِّكاحِ الحافِظِ لَهُ والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والسّادَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ تَزْوِيجِ المُولِيَةِ والمَمْلُوكِ وذَلِكَ عِنْدَ طَلَبِهِما، وإشْعارٌ بِأنَّ المَرْأةَ والعَبْدَ لا يَسْتَبِدّانِ بِهِ إذْ لَوِ اسْتَبَدّا لَما وجَبَ عَلى الوَلِيِّ والمَوْلى، و «أيامى» مَقْلُوبُ أيايِمُ كَيَتامى، جَمْعُ أيِّمٍ وهو العَزَبُ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى بِكْرًا كانَ أوْ ثَيِّبًا قالَ:

؎ فَإنْ تَنْكِحِي أنْكِحُ وإنْ تَتَأْيَّمِي. . . وإنْ كُنْتُ أفْتى مِنكم أتَأيَّمُ

وَتَخْصِيصُ الصّالِحِينَ لِأنَّ إحْصانَ دِينِهِمْ والِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ أهَمُّ، وقِيلَ المُرادُ الصّالِحُونَ لِلنِّكاحِ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ، ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ رَدٌّ لِما عَسى أنْ يَمْنَعَ مِنَ النِّكاحِ، والمَعْنى لا يَمْنَعَنَّ فَقْرُ الخاطِبِ أوِ المَخْطُوبَةِ مِنَ المُناكَحَةِ فَإنَّ في فَضْلِ اللَّهِ غَنِيَّةٌ عَنِ المالِ فَإنَّهُ غادٍ ورائِحٌ، أوْ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِالإغْناءِ لِقَوْلِهِ ﷺ «اطْلُبُوا الغِنى في هَذِهِ الآيَةِ» . لَكِنْ مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ . ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ ذُو سَعَةٍ لا تَنْفَدُ نِعْمَتَهُ إذْ لا تَنْتَهِي قُدْرَتُهُ. ﴿عَلِيمٌ﴾ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ويَقْدُرُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.(p-106)

24:33Page 354

وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣

But let them who find not [the means for] marriage abstain [from sexual relations] until Allāh enriches them from His bounty. And those who seek a contract [for eventual emancipation] from among whom your right hands possess1 - then make a contract with them if you know there is within them goodness and give them from the wealth of Allāh which He has given you. And do not compel your slave girls to prostitution, if they desire chastity, to seek [thereby] the temporary interests of worldly life. And if someone should compel them, then indeed, Allāh is [to them], after their compulsion, Forgiving and Merciful.

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ ولْيَجْتَهِدْ في العِفَّةِ وقَمْعِ الشَّهْوَةِ. ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ أسْبابَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالنِّكاحِ ما يَنْكَحُ بِهِ أوْ بِالوُجْدانِ التَّمَكُّنُ مِنهُ. ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَيَجِدُوا ما يَتَزَوَّجُونَ بِهِ. ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ المُكاتَبَةَ وهو أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِمَمْلُوكِهِ كاتَبْتُكَ عَلى كَذا مِنَ الكِتابِ لِأنَّ السَّيِّدَ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ عِتْقَهُ إذا أدّى المالَ، أوْ لِأنَّهُ مِمّا يُكْتَبُ لِتَأْجِيلِهِ أوْ مِنَ الكَتْبِ بِمَعْنى الجَمْعِ لِأنَّ العِوَضَ فِيهِ يَكُونُ مُنَجَّمًا بِنُجُومٍ بِضَمِّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ. ﴿مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ عَبْدًا كانَ أوْ أمَةً والمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ أوْ مَفْعُولٌ لِمُضْمِرٍ هَذا تَفْسِيرُهُ والفاءُ لِتَضَمُّنِ مَعْنى الشَّرْطِ، والأمْرُ فِيهِ لِلنَّدْبِ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ لِأنَّ الكِتابَةَ مُعاوَضَةٌ تَتَضَمَّنُ الإرْفاقَ فَلا تَجِبُ كَغَيْرِها واحْتِجاجُ الحَنَفِيَّةِ بِإطْلاقِهِ عَلى جَوازِ الكِتابَةِ الحالِيَّةِ ضَعِيفٌ لِأنَّ المُطْلَقَ لا يَعُمُّ مَعَ أنَّ العَجْزَ عَنِ الأداءِ في الحالِ يَمْنَعُ صِحَّتَها كَما في السَّلَمِ فِيما لا يُوجَدُ عِنْدَ المَحَلِّ. ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أمانَةً وقُدْرَةً عَلى أداءِ المالِ بِالِاحْتِرافِ، وقَدْ رُوِيَ مَثَلُهُ مَرْفُوعًا. وقِيلَ صَلاحًا في الدِّينِ. وقِيلَ مالًا وضَعْفُهُ ظاهِرُ لَفْظٍ ومَعْنًى وهو شَرْطُ الأمْرِ فَلا يَلْزَمُ مِن عَدِمَهُ عَدَمُ الجَوازِ.

﴿وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ أمْرٌ لِلْمُوالِي كَما قَبْلَهُ بِأنْ يَبْذُلُوا لَهم شَيْئًا مِن أمْوالِهِمْ، وفي مَعْناهُ حَطُّ شَيْءٍ مِن مالِ الكِتابَةِ وهو لِلْوُجُوبِ عِنْدَ الأكْثَرِ ويَكْفِي أقَلُّ ما يُتَمَوَّلُ.

وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَحُطُّ الرُّبُعَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الثُّلُثَ، وقِيلَ نَدْبٌ لَهم إلى الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ يُؤَدُّوا ويُعْتَقُوا، وقِيلَ أمْرٌ لِعامَّةِ المُسْلِمِينَ بِإعانَةِ المُكاتَبِينَ وإعْطائِهِمْ سَهْمَهم مِنَ الزَّكاةِ ويَحِلُّ لِلْمَوْلى وإنْ كانَ غَنِيًّا، لِأنَّهُ لا يَأْخُذُهُ صَدَقَةً كالدّائِنِ والمُشْتَرِي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَدِيثِ بَرِيرَةَ «هُوَ لَها صَدَقَةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ» .

﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ إماءَكم. ﴿عَلى البِغاءِ﴾ عَلى الزِّنا، «كانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ سِتُّ جَوارٍ يُكْرِهُهُنَّ عَلى الزِّنا وضَرَبَ عَلَيْهِنَّ الضَّرائِبَ فَشَكا بَعْضُهُنَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ» . ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تَعَفُّفًا شَرْطٌ لِلْإكْراهِ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ دُونَهُ، وإنْ جُعِلَ شَرْطًا لِلنَّهْيِ لَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِهِ جَوازُ الإكْراهِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ النَّهْيِ بِامْتِناعِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وإيثارُ إنَّ عَلى إذا لِأنَّ إرادَةَ التَّحَصُّنِ مِنَ الإماءِ كالشّاذِّ النّادِرِ. ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لَهُنَّ أوْ لَهُ إنْ تابَ، والأوَّلُ أوْفَقُ لِلظّاهِرِ ولِما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ المُكْرَهَةَ غَيْرُ آثِمَةٍ فَلا حاجَةَ إلى المَغْفِرَةِ لِأنَّ الإكْراهَ لا يُنافِي المُؤاخَذَةَ بِالذّاتِ ولِذَلِكَ حَرَّمَ عَلى المُكْرَهِ القَتْلَ وأوْجَبَ عَلَيْهِ القَصاصَ.

24:34Page 354

وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤

And We have certainly sent down to you distinct verses1 and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.

﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ يَعْنِي الآياتِ الَّتِي بُيِّنَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ وأوْضَحْتُ فِيها الأحْكامَ والحُدُودَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالكَسْرِ في هَذا وفي «الطَّلاقِ» لِأنَّها واضِحاتٌ تُصَدِّقُها الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ والعُقُولُ المُسْتَقِيمَةُ مِن بَيَّنَ بِمَعْنى تَبَيَّنَ، أوْ لِأنَّها بَيَّنَتِ الأحْكامَ والحُدُودَ. ﴿وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ أوْ ومَثَلًا مِن أمْثالِ مَن قَبْلَكم أيْ وقِصَّةً عَجِيبَةً مِثْلَ قِصَصِهِمْ، وهي قِصَّةُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَإنَّها كَقِصَّةِ يُوسُفَ ومَرْيَمَ. ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي ما وعَظَ بِهِ في تِلْكَ الآياتِ، وتَخْصِيصُ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها وقِيلَ المُرادُ بِالآياتِ القُرْآنُ والصِّفاتُ المَذْكُورَةُ صِفاتُهُ.

24:35Page 354

۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥

Allāh is the Light1 of the heavens and the earth. The example of His light2 is like a niche within which is a lamp;3 the lamp is within glass, the glass as if it were a pearly [white] star lit from [the oil of] a blessed olive tree, neither of the east nor of the west, whose oil would almost glow even if untouched by fire. Light upon light. Allāh guides to His light whom He wills. And Allāh presents examples for the people, and Allāh is Knowing of all things.

﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ النُّورُ في الأصْلِ كَيْفِيَّةٌ تُدْرِكُها الباصِرَةُ أوَّلًا وبِواسِطَتِها سائِرُ المُبْصِراتِ كالكَيْفِيَّةِ الفائِضَةِ مِنَ النَّيِّرَيْنِ عَلى الأجْرامِ الكَثِيفَةِ المُحاذِيَةِ لَهُما، وهو بِهَذا المَعْنى لا يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى إلّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ كَرَمٌ بِمَعْنى ذُو كَرَمٍ، أوْ عَلى تَجَوُّزٍ إمّا بِمَعْنى مُنَوِّرٌ السَّمَواتِ والأرْضَ وقَدْ قُرِئَ بِهِ فَإنَّهُ تَعالى نَوَّرَهُما بِالكَواكِبِ وما يَفِيضُ عَنْها مِنَ الأنْوارِ أوْ بِالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ. أوْ مُدَبِّرُهُما مِن قَوْلِهِمْ لِلرَّئِيسِ الفائِقِ في التَّدْبِيرِ: نُورُ القَوْمِ لِأنَّهم يَهْتَدُونَ بِهِ في الأُمُورِ. أوْ مُوجِدُهُما فَإنَّ النُّورَ ظاهِرٌ بِذاتِهِ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ وأصْلُ الظُّهُورِ هو الوُجُودُ كَما أنَّ أصْلَ الخَفاءِ هو العَدَمُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَوْجُودٌ بِذاتِهِ مُوجِدٌ لِما عَداهُ. أوِ الَّذِي بِهِ تُدْرِكُ أوْ يُدْرِكُ أهْلُها مِن حَيْثُ إنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الباصِرَةِ لِتَعَلُّقِها بِهِ أوْ لِمُشارَكَتِها لَهُ في تَوَقُّفِ الإدْراكِ عَلَيْهِ ثُمَّ عَلى البَصِيرَةِ لِأنَّها أقْوى إدْراكًا فَإنَّها تُدْرِكُ نَفْسَها وغَيْرَها مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ، وتَغُوصُ في بَواطِنِها وتَتَصَرَّفُ فِيها بِالتَّرْكِيبِ والتَّحْلِيلِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الإدْراكاتِ لَيْسَتْ لِذاتِها وإلّا لَما فارَقَتْها فَهي إذَنْ مِن سَبَبٍ يُفِيضُها عَلَيْها وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ابْتِداءً أوْ بِتَوَسُّطٍ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ ولِذَلِكَ سُمُّوا أنْوارًا، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: مَعْناهُ هادِي مَن فِيهِما فَهم بِنُورِهِ يَهْتَدُونَ، وإضافَتُهُ إلَيْهِما لِلدَّلالَةِ عَلى سِعَةِ إشْراقِهِ أوْ لِاشْتِمالِها عَلى الأنْوارِ الحِسِّيَّةِ والعَقْلِيَّةِ وقُصُورُ الإدْراكاتِ عَلَيْهِما وعَلى المُتَعَلِّقِ بِهِما والمَدْلُولُ لَهُما. ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ صِفَةُ نُورِهِ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى دَلِيلٌ عَلى أنَّ إطْلاقَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلى ظاهِرِهِ. ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ كَصِفَةِ مِشْكاةٍ، وهي الكُوَّةُ الغَيْرُ النّافِذَةِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِرِوايَةِ الدُّورِيِّ بِالإمالَةِ. ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ سِراجٌ ضَخْمٌ ثاقِبٌ، وقِيلَ المِشْكاةُ الأُنْبُوبَةُ في وسَطِ القِنْدِيلِ والمِصْباحُ الفَتِيلَةُ المُشْتَعِلَةُ. ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ في قِنْدِيلٍ مِنَ الزُّجاجِ. ﴿الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ مُضِيءٌ مُتَلَأْلِئٌ كالزَّهْرَةِ في صَفائِهِ وزَهْرَتُهُ مَنسُوبٌ إلى الدَّرْءِ وفُعِيلٌ كَمُرِيقٍ مِنَ الدَّرْءِ فَإنَّهُ يَدْفَعُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ، أوْ بَعْضُ ضَوْئِهِ بَعْضًا مِن لَمَعانِهِ إلّا أنَّهُ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ ياءً ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ وأبِي بَكْرٍ عَلى الأصْلِ، وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ «دِرِّيءٍ» كَشِرِّيبٍ وقَدْ قُرِئَ بِهِ مَقْلُوبًا. ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ أيِ ابْتِداءُ ثُقُوبِ المِصْباحِ مِن شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ المُتَكاثِرِ نَفْعُهُ بِأنْ رُوَيَتْ ذُبالَتُهُ بِزَيْتِها، وفي إبْهامِ الشَّجَرَةِ ووَصْفِها بِالبَرَكَةِ ثُمَّ إبْدالِ الزَّيْتُونَةِ عَنْها تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أوْقَدَ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالتّاءِ كَذَلِكَ عَلى إسْنادِهِ إلى الزُّجاجَةُ بِحَذْفِ المُضافِ، وقُرِئَ «تَوَقَّدُ» مِن تَتَوَقَّدُ ويُوقَدُ بِحَذْفِ التّاءِ لِاجْتِماعِ زِيادَتَيْنِ وهو غَرِيبٌ. ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ تَقَعُ الشَّمْسُ عَلَيْها حِينًا بَعْدَ حِينٍ بَلْ بِحَيْثُ تَقَعُ عَلَيْها طُولَ النَّهارِ كالَّتِي تَكُونُ عَلى قِلَّةٍ، أوْ صَحْراءَ واسِعَةٍ فَإنَّ ثَمَرَتَها تَكُونُ أنْضَجَ وزَيْتُها أصْفى، أوْ لا نابِتَةً في شَرْقِ المَعْمُورَةِ وغَرْبِها بَلْ في وسَطِها وهو الشّامُ فَإنَّ زَيْتُونَهُ أجْوَدُ الزَّيْتُونِ، أوْ لا في مَضْحًى تُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلَيْها دائِمًا فَتَحْرُقُها أوْ في مَقِيأةٍ تَغِيبُ عَنْها دائِمًا فَتَتْرُكُها نِيئًا وفي الحَدِيثِ «لا خَيْرَ في شَجَرَةٍ ولا نَباتٍ في مَقْيَأةٍ ولا خَيْرَ فِيهِما في مَضْحًى» .

﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أيْ يَكادُ يُضِيءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ نارٍ لِتَلَأْلُئِهِ وفَرْطِ وبِيصِهِ. ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ نُورٌ مُتَضاعِفٌ فَإنَّ نُورَ المِصْباحِ زادَ في إنارَتِهِ صَفاءُ الزَّيْتِ وزَهْرَةُ القِنْدِيلِ وضَبْطُ المِشْكاةِ لِأشِعَّتِهِ، وقَدْ ذُكِرَ في مَعْنى التَّمْثِيلِ وجُوهٌ، الأوَّلُ: أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْهُدى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ المُبَيِّناتُ في جَلاءِ مَدْلُولِها وظُهُورِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الهُدى بِالمِشْكاةِ المَنعُوتَةِ، أوْ تَشْبِيهٌ لِلْهُدى مِن حَيْثُ إنَّهُ مَحْفُوفٌ بِظُلُماتِ أوْهامِ النّاسِ وخَيالاتِهِمْ بِالمِصْباحِ، وإنَّما ولِيَ الكافُ المِشْكاةَ لِاشْتِمالِها عَلَيْهِ، وتَشْبِيهُهُ بِهِ أوْفَقُ مِن تَشْبِيهِهِ بِالشَّمْسِ، أوْ تَمْثِيلٌ لِما نَوَّرَ اللَّهُ بِهِ قَلْبَ المُؤْمِنِ مِنَ المَعارِفِ والعُلُومِ بِنُورِ المِشْكاةِ المُنْبَثِّ فِيها مِن مِصْباحِها، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: «مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ»، أوْ تَمْثِيلٌ لِما مَنَحَ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ مِنَ القُوى الدّارِكَةِ الخَمْسِ المُتَرَتِّبَةِ الَّتِي مَنُوطٌ بِها المَعاشُ والمَعادُ وهي: الحَسّاسَةُ الَّتِي تُدْرَكُ بِها المَحْسُوساتُ (p-108)

بِالحَواسِّ الخَمْسِ، والخَيالِيَّةُ الَّتِي تَحْفَظُ صُوَرَ تِلْكَ المَحْسُوساتِ لِتَعْرِضَها عَلى القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ مَتى شاءَتْ، والعاقِلَةُ الَّتِي تُدْرِكُ الحَقائِقَ الكُلِّيَّةَ، والمُفَكِّرَةُ وهي الَّتِي تُؤَلِّفُ المَعْقُولاتِ لِتَسْتَنْتِجَ مِنها عِلْمَ ما لَمْ تَعْلَمْ، والقُوَّةُ القُدْسِيَّةُ الَّتِي تَتَجَلّى فِيها لَوائِحُ الغَيْبِ وأسْرارُ المَلَكُوتِ المُخْتَصَّةُ بِالأنْبِياءِ والأوْلِياءِ المَعْنِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعالى:

﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ بِالأشْياءِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ وهي: «المِشْكاةُ»، و «الزُّجاجَةُ»، و «المِصْباحُ»، و «الشَّجَرَةُ»، و «الزَّيْتُ»، فَإنَّ الحَسّاسَةَ كالمِشْكاةِ لِأنَّ مَحَلَّها كالكُوى ووَجْهُها إلى الظّاهِرِ لا تُدْرِكُ ما وراءَها وإضاءَتُها بِالمَعْقُولاتِ لا بِالذّاتِ، والخَيالِيَّةُ كالزُّجاجَةِ في قَبُولِ صُوَرِ المُدْرَكاتِ مِنَ الجَوانِبِ وضَبْطِها لِلْأنْوارِ العَقْلِيَّةِ وإنارَتِها بِما تَشْمَلُ عَلَيْهِ مِنَ المَعْقُولاتِ، والعاقِلَةُ كالمِصْباحِ لِإضاءَتِها بِالإدْراكاتِ الكُلِّيَّةِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والمُفَكِّرَةُ كالشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ لِتَأْدِيَتِها إلى ثَمَراتٍ لا نِهايَةَ لَها الزَّيْتُونَةُ المُثْمِرَةُ بِالزَّيْتِ الَّذِي هو مادَّةُ المَصابِيحِ الَّتِي لا تَكُونُ شَرْقِيَّةً ولا غَرْبِيَّةً لِتَجَرُّدِها عَنِ اللَّواحِقِ الجِسْمِيَّةِ، أوْ لِوُقُوعِها بَيْنَ الصُّوَرِ والمَعانِي مُتَصَرِّفَةً في القَبِيلَيْنِ مُنْتَفِعَةً مِنَ الجانِبَيْنِ، والقُوَّةُ القُدْسِيَّةُ كالزَّيْتِ فَإنَّها لِصَفائِها وشِدَّةِ ذَكائِها تَكادُ تُضِيءُ بِالمَعارِفِ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ ولا تَعَلُّمٍ، أوْ تَمْثِيلٌ لِلْقُوَّةِ العَقْلِيَّةِ في مَراتِبِها بِذَلِكَ فَإنَّها في بَدْءِ أمْرِها خالِيَةٌ عَنِ العُلُومِ مُسْتَعِدَّةٌ لِقَبُولِها كالمِشْكاةِ، ثُمَّ تَنْتَقِشُ بِالعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ بِتَوَسُّطِ إحْساسِ الجُزْئِيّاتِ بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُ مِن تَحْصِيلِ النَّظَرِيّاتِ فَتَصِيرُ كالزُّجاجَةِ مُتَلَأْلِئَةً في نَفْسِها قابِلَةً لِلْأنْوارِ، وذَلِكَ التَّمَكُّنُ إنْ كانَ بِفِكْرٍ واجْتِهادٍ فَكالشَّجَرَةِ الزَّيْتُونَةِ وإنْ كانَ بِالحَدَسِ فَكالزَّيْتِ، وإنْ كانَ بِقُوَّةٍ قُدْسِيَّةٍ فَكالَّتِي يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ لِأنَّها تَكادُ تُعْلَمُ ولَوْ لَمْ تَتَّصِلْ بِمَلَكِ الوَحْيِ والإلْهامِ الَّذِي مِثْلُهُ النّارُ مِن حَيْثُ إنَّ العُقُولَ تَشْتَعِلُ عَنْهُ، ثُمَّ إذا حَصَلَتْ لَها العُلُومُ بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُ مِنَ اسْتِحْضارِها مَتى شاءَتْ كانَتْ كالمِصْباحِ، فَإذا اسْتَحْضَرَتْها كانَتْ نُورًا عَلى نُورٍ. ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ لِهَذا النُّورِ الثّاقِبِ. ﴿مَن يَشاءُ﴾ فَإنَّ الأسْبابَ دُونَ مَشِيئَتِهِ لاغِيَةٌ إذْ بِها تَمامُها.

﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ إدْناءً لِلْمَعْقُولِ مِنَ المَحْسُوسِ تَوْضِيحًا وبَيانًا. ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مَعْقُولًا كانَ أوْ مَحْسُوسًا ظاهِرًا كانَ أوْ خَفِيًّا، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِمَن تَدَبَّرَها ولِمَن لَمْ يَكْتَرِثْ بِها.

24:36–38Page 354

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦

[Such niches are] in houses [i.e., mosques] which Allāh has ordered to be raised and that His name be mentioned [i.e., praised] therein; exalting Him within them in the morning and the evenings1

رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧

[Are] men whom neither commerce nor sale distracts from the remembrance of Allāh and performance of prayer and giving of zakāh. They fear a Day in which the hearts and eyes will [fearfully] turn about -

لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٨

That Allāh may reward them [according to] the best of what they did and increase them from His bounty. And Allāh gives provision to whom He wills without account [i.e., limit].

﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ أيْ كَمِشْكاةٍ في بَعْضِ بُيُوتٍ، أوْ تُوقَدُ في بَعْضِ بُيُوتٍ فَيَكُونُ تَقْيِيدٌ لِلْمُمَثَّلِ بِهِ بِما يَكُونُ تَحْبِيرًا ومُبالَغَةً فِيهِ فَإنَّ قَنادِيلَ المَساجِدِ تَكُونُ أعْظَمَ، أوْ تَمْثِيلًا لِصَلاةِ المُؤْمِنِينَ أوْ أبْدانِهِمْ بِالمَساجِدِ، ولا يُنافِي جَمْعُ البُيُوتِ وحِدَّةَ المِشْكاةِ إذِ المُرادُ بِها ما لَهُ هَذا الوَصْفُ بِلا اعْتِبارِ وحْدَةٍ ولا كَثْرَةٍ أوْ بِما بَعْدَهُ وهو يُسَبِّحُ، وفِيها تَكْرِيرٌ مُؤَكَّدٌ لا بِيُذْكَرُ لِأنَّهُ مِن صِلَةِ أنْ لا فَلا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ مِثْلَ سَبَّحُوا في بُيُوتٍ، والمُرادُ بِها المَساجِدُ لِأنَّ الصِّفَةَ تُلائِمُها. وقِيلَ المَساجِدُ الثَّلاثَةُ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ. ﴿أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ بِالبِناءِ أوِ التَّعْظِيمِ. ﴿وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ عامٌّ فِيما يَتَضَمَّنُ ذِكْرُهُ حَتّى المُذاكَرَةِ في أفْعالِهِ والمُباحَثَةِ في أحْكامِهِ. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ يُنَزِّهُونَهُ أيْ يُصَلُّونَ لَهُ فِيها بِالغَدَواتِ والعَشِيّاتِ، والغُدُوُّ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ لِلْوَقْتِ ولِذَلِكَ حَسُنَ اقْتِرانُهُ بِالآصالِ وهو جَمْعُ أصِيلٍ، وقُرِئَ «والإيصالِ» وهو الدُّخُولُ في الأصِيلِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ «يُسَبَّحُ» بِالفَتْحِ عَلى إسْنادِهِ إلى أحَدِ الظُّرُوفِ الثَّلاثَةِ ورَفْعُ رِجالٍ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقُرِئَ ( تُسَبِّحُ ) بِالتّاءِ مَكْسُورًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ ومَفْتُوحًا عَلى إسْنادِهِ إلى أوْقاتِ الغُدُوِّ.

﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾ لا تَشْغَلُهم مُعامَلَةٌ رابِحَةٌ. ﴿وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ مُبالَغَةٌ بِالتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ إنْ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ المُعارِضَةِ، أوْ بِإفْرادِ ما هو الأهَمُّ مِن قِسْمَيِ التِّجارَةِ فَإنَّ الرِّبْحَ يَتَحَقَّقُ بِالبَيْعِ ويُتَوَقَّعُ بِالشِّراءِ، وقِيلَ المُرادُ بِالتِّجارَةِ الشِّراءُ فَإنَّهُ أصْلُها ومَبْدَؤُها، وقِيلَ الجَلْبُ لِأنَّهُ الغالِبُ فِيها ومِنهُ يُقالُ (p-109)

تَجَرَ في كَذا إذا جَلَبَهُ وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهم تُجّارٌ. ﴿وَإقامِ الصَّلاةِ﴾ عَوَّضَ فِيهِ الإضافَةَ مِنَ التّاءِ المُعَوِّضَةِ عَنِ العَيْنِ السّاقِطَةِ بِالإعْلالِ كَقَوْلِهِ:

؎ وأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا

﴿وَإيتاءِ الزَّكاةِ﴾ ما يَجِبُ إخْراجُهُ مِنَ المالِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ. ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ والطّاعَةِ. ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ تَضْطَرِبُ وتَتَغَيَّرُ مِنَ الهَوْلِ، أوْ تَتَقَلَّبُ أحْوالُها فَتَفْقَهُ القُلُوبُ ما لَمْ تَكُنْ تَفْقَهُ وتُبْصِرُ الأبْصارُ ما لَمْ تَكُنْ تُبْصِرُ، أوْ تَتَقَلَّبُ القُلُوبُ مَعَ تَوَقُّعِ النَّجاةِ وخَوْفِ الهَلاكِ والأبْصارِ مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُ بِهِمْ ويُؤْتى كِتابُهم.

﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُسَبِّحُ أوْ لا تُلْهِيهِمْ أوْ يَخافُونَ. ﴿أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أحْسَنَ جَزاءِ ما عَمِلُوا المَوْعُودَ لَهم مِنَ الجَنَّةِ. ﴿وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ أشْياءَ لَمْ يَعِدْهم بِها عَلى أعْمالِهِمْ ولَمْ تَخْطُرْ بِبالِهِمْ. ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَقْرِيرٌ لِلزِّيادَةِ وتَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ونَفاذِ المَشِيئَةِ وسِعَةِ الإحْسانِ.

24:39Page 355

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩

But those who disbelieved - their deeds are like a mirage in a lowland which a thirsty one thinks is water until, when he comes to it, he finds it is nothing but finds Allāh before him, and He will pay him in full his due; and Allāh is swift in account.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ والَّذِينَ كَفَرُوا حالُهم عَلى ضِدِّ ذَلِكَ فَإنَّ أعْمالَهُمُ الَّتِي يَحْسَبُونَها صالِحَةً نافِعَةً عِنْدَ اللَّهِ يَجِدُونَها لاغِيَةً مُخَيِّبَةً في العاقِبَةِ كالسَّرابِ، وهو ما يُرى في الفَلاةِ مِن لَمَعانِ الشَّمْسِ عَلَيْها وقْتَ الظَّهِيرَةِ فَيُظَنُّ أنَّهُ ماءٌ يَسْرُبُ أيْ يَجْرِي، والقِيعَةُ بِمَعْنى القاعِ وهو الأرْضُ الخالِيَةُ عَنِ النَّباتِ وغَيْرِهِ المُسْتَوِيَةُ، وقِيلَ جَمْعُهُ كَجارٍ وجِيرَةٍ وقُرِئَ «بِقِيعاتٍ» كَدِيماتٍ في دِيمَةٍ. ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾ أيِ العَطْشانُ وتَخْصِيصُهُ لِتَشْبِيهِ الكافِرِ بِهِ في شِدَّةِ الخَيْبَةِ عِنْدَ مَسِيسِ الحاجَةِ. ﴿حَتّى إذا جاءَهُ﴾ جاءَ ما تَوَهَّمَهُ ماءً أوْ مَوْضِعَهُ. ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ مِمّا ظَنَّهُ. ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ عِقابَهُ أوْ زَبانِيَتَهُ أوْ وجَدَهُ مُحاسِبًا إيّاهُ. ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ اسْتِعْراضًا أوْ مُجازاةً. ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ.

رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ تَعْبَّدَ في الجاهِلِيَّةِ والتَمَسَ الدِّينَ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَفَرَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском